← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18645

تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل

ابن تيمية

Полный текст (694 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

للدعوى الأولى فما ينفي الأولى ويعارضها ينفيه وينفي ملزوماتِه، وإن لم تكن هي ولا ما يستلزم ثبوتها (١). وأيضًا فإن من ادعى شيئًا لا يُقبل منه بعد ذلك الرجوعُ عنه ودعوى ما يستلزمه، ومتى بقي على الدعوى الأولى لزم عليها ما تقدم، وإن ادَّعى ما يغاير الأول ولا يستلزم الأول فذاك لا ينفعه، والنكتة أن الدعوى إن غُيِّرتْ لفظًا لم تَنفع، وإن غيّرت في المعنى لم تُقْبل. الخامس: أن مقابلة الدعوى بالدعوى لا تُجدِي ولا تُفِيد، بل هو بابٌ لا يَنْسَدّ. فإن قال الخصم: لما عارضني بدعوى عارضتُه بمثلها، ومهما عارضني بدعوى عارضتُه بمثلها، حتى أعارضه بدعوى لا يَقدِرُ على أن يعارضني بمثلها. قيل له: بل يقدر أن يعارضك بمثلها، فإن المعارضة بالدعاوي بابٌ لا ينسدُّ، إلّا أن يُغلق. وليس أحدٌ من العقلاء مؤمنهم وكافرهم يحتاج أن يعارض الدعوى بالدعوى على سبيل المحاجة والمناظرة، ثم إن كان هو المبتدئ بالمعارضة فيكفيك أن تقابله بدعوى مقابلةً للفاسد بالفاسد إن كنت ترضى بسلوك هذا الطريق الحائد، ولا تزالان هكذا إلى أن تقوم القيامة أو أن يعجز أحدكما عن أن يتم كلامه، فإذا قال لك: هذا مُعارَضٌ بمثله، قُلْ له: وهذا معارَضٌ بمثله. السادس: أنه يمكنه أن يقول: لا يتحقق أحدهما أصلًا، لأنه لو تحقق أحدهما للزم إضافة الحكم إلى المشترك، فإن اشتراك الأصل والفرع في

стр. 247

الحكم يُوجِب اشتراكهما في الموجب وإضافته إليه، ولا يتحقق الإضافة إلى المشترك لما تقدم. وهذا سؤال المعترض كما سيأتي. قال صاحب الجدل الباطل (١): (ولئن قال: لا يتحقق أحدهما أصلًا، وإلا لتحقق إضافة الحكم في الأصل (٢) إلى المشترك، ولا يكون مضافًا إلى المشترك (٣) لما بيناه، ولأنه لو كان مضافًا إلى المشترك لكان المشترك علة، والمانع عن (٤) الحكم متحقق في الفرع، فيتحقق التعارض بينهما، وأنه على خلاف الأصل على ما عُرِف). حاصل هذا السؤال أنه يقول: لا يتحقق أحد الأمرين، لأنه لو تحقق أحدهما لتحققت الإضافة [ق ٩٩] إلى المشترك، لأن اللازم منهما لا يخلو إما أن يكون هو الإضافة أو ما قُرِن به من الحكم في الفرع ونحوه، فإن كان الأول فظاهر، وإن كان الثاني فالحكم إذا ثبت في الفرع يلزم الإضافة إلى المشترك لوجوهٍ: أحدها: مناسبة المشترك السالمة عن معارضة تخلف الحكم في الفرع. الثاني: أن الاتفاق في الحكم دليلُ الاتفاق في المصلحة، إذ [لو] لم يكن كذلك للزمَ إما إلغاء المصلحة الزائدة أو عدم الحكم عند عدمها، وكلاهما ممتنع.

стр. 248

الثالث: إذا ثبت الحكم في الفرع فالمشترك بينه وبين الأصل إن لم يكن هو العلة، فالعلةُ: إما ما يختصّ به الفرع، وهو خلاف الإجماع، ولأنه لو كانت العلة ما يختص به الفرع لم تكن إضافة (١) الحكم إليها أصلًا يشهد له بالاعتبار؛ وإما ما يختصُّ به الأصل، ولو [كان] ذلك لامتنع إلحاق الفرع به، فلا بدَّ أن يكون المشترك علة على هذا التقدير، وكذلك على تقدير مدارية المشترك، أو على تقدير ملزومية الحكم في الأصل الحكمَ في الفرع، فإنه لا بدّ أن تتحقق الإضافة إلى المشترك على هذه التقادير لما تقدم، أو لا تتحقق الإضافة إلى المشترك إليه لما مرّ، فلا يتحقق أحدهما، إذ المراد به ما يناقض شمولَ العدم لهما في الدلالة على عدم الإضافة، وأنه لو أضيف الحكم إلى المشترك لكان مقتضيًا للحكم المتنازع فيه، فيلزم أن يعارضه المانع من الحكم المتنازع فيه، والتعارض على خلاف الأصل، فلا يكون المقتضي موجودًا، فلا يكون مضافًا إلى المشترك. واعلم أنه يمكن إقامة الدلالة على عدم الإضافة إلى المشترك من وجوهٍ متعددة من هذا الجنس الذي أثبت به المستدل الإضافة إلى المشترك، لأن عدم الإضافة إلى المشترك من لوازم عدم كون الحكم في الأصل مضافًا إلى شيء، بأن يكون تعبديًّا ونحوه، [و] من لوازم عدم الحكم بما الحكم مضاف إليه في نفس الأمر، ومن لوازم عدم الحكم إلى ما يختص بالأصل، ومن لوازم الإضافة إلى غير المشترك، ومن لوازم علة اختصاص الحكم بالأصل، ومن لوازم رجحان العلة في الأصل على الفرع، ومن لوازم اختصاص الفرع بمانع يمنع الحكم، إلى غير ذلك من الأمور التي يستلزم

стр. 249

كلٌّ منها عدمَ الإضافة إلى المشترك. فيمكن المعترضَ أن يدَّعيَ واحدًا منهما أو أحد أمرين منهما أيهما شاء أو واحدًا منهما على تقدير عدم الآخر، بأن يدعي الأول على تقدير عدم الثاني أو تقدير عدم الثالث، وكذلك أنها عينه على تقدير أنها عين عدمه غير الأول، أو يدّعي أحدهما أولًا على تقدير عدم أحدهما. [ق ١٠٠] وكذلك يدّعي أحدهما ثانيًا على تقدير عدم أحدهما بعدد تلك (١) الأمور التي تستلزم عدم الإضافة، وقد عددنا منها سبعة، فإن شاء ذكرها أو ذكر أربعة منها أو أقل أو أكثر، أو يدّعي أحدهما أولًا على تقدير عدم أحدهما ثانيًا، وبالعكس. وكذلك يدَّعي أحدهما ثانيًا وما بعده من المرات. وذلك لأن هذه الأمور المستلزمة للعدم يثبت بالمدَّعَى بكل واحد منها على التعيين، وبكل واحدٍ منها على الإبهام، وبالمبهم في اثنين أو ثلاثة أو نحو ذلك منها، وبأحدها على تقدير عدم الآخر معينًا ومبهمًا، وبأحدهما أولًا على تقدير عدمه ثانيًا، لأنه يمكنه أن يعدّد المعارضات بعددها، فإذا ثبت الحكم به في مرة من المرات ثبت المدَّعى. وإذا تبيَّن لك ذلك علمتَ أن جنس ما ينفي الإضافة إلى الأمر المشترك من هذه الأمور العامة أكثر من جنس ما يثبت الإضافة إليه، فيكون جانب المعترض هو الراجح في هذه الطريقة. وهذا كما ذكرناه في التلازم أن ما ينفيه من هذا الجنس أكثر مما يثبته، وهذا من رحمة الله سبحانه، فإنه لم يكن دليل مغلطي مموّه إلّا نصبَ الله من جنسه ما ينفي مقتضاه غير منع مقدماته، فيفيد ذلك مقابلة المستدل به بمثل دليله، فينقطع، ويعلم أن الشيء الواحد

стр. 250

إذا دلَّ على نوعه على النقيضين كان نوعُه باطلًا. وهذا مما يُبيِّن فسادَ جميع ما يُستدلُّ به من هذا الجنس من الحجج المموّهة، فلما كان الأمر كذلك احتالوا لإتمام كلام المستدل بما سيأتي ذكره وبيانُ فسادِه وعدمِ تمامِه. واعلم أن هذا السؤال المذكور في الجواب فاسدٌ عند التحقيق لوجوهٍ، وذلك أن مبناه على أن يقال: لا يتحقق أحدهما، وهو إضافة الحكم إلى المشترك أو الحكم في الفرع، لأنه لو تحقق أحدهما لتحقق إضافة الحكم في الأصل إلى المشترك، لأنه إن كان الثابت إضافة الحكم إلى المشترك فقد لزم إضافة الحكم في الأصل إليه، وإن كان الثابت هو الحكم في الفرع فثبوته في الفرع إنما هو لأجل القدر المشترك، إذ ليس في الفرع ما يوجب اختصاصَه به بالإجماع. ولأن الأصل عدم علة زائدة، ولأنه إذا ثبت في الفرع لزم إضافته إلى المشترك بنفس الدليل الذي دلَّ على أنه ثبت في الأصل، ثبت لأجل القدر المشترك أولى، لأن عامة الأسولة مندفعة عنده. وإذا كان للمشترك فقد لزمت إضافة الحكم إلى المشترك، وهو المدَّعى. ثم قال: واللازم منتفٍ، وهو إضافته إلى المشترك، لما بيّنا. قال: «ولأنه لو كان مضافًا إلى المشترك [ق ١٠١] لكان المشترك علة، والمانع عن الحكم متحقق في الفرع، فيتحقق التعارض بينهما، وأنه على خلاف الأصل على ما عُرِفَ»، لأن علة الحكم ما أضيف الحكم إليه، وذلك يوجب ثبوته في الفرع، وفي الفرع ما يمنع ثبوته، فيتعارض المقتضي والمانع، وتعارضُ الأدلة على خلاف الأصل، لاستلزامِه تركَ العمل بأحد الدليلين. وذلك فاسدٌ من وجوه: أحدها: قوله: «وإلا لتحقق إضافة الحكم في الأصل إلى المشترك، ولا

стр. 251

يكون مضافًا إلى المشترك لما بينا». قلنا: الذي ذكرتَه مما ينفي الإضافة إلى المشترك قد تقدم الجواب عنه بما دلَّ على نقيضه، وبالجواب عنه فلم يبقَ ذلك دليلًا يدل على عدم الإضافة إلى المشترك، حتى يُستدلَّ بها هنا على عدم الإضافة. الثاني: قوله: «والمانع عن الحكم متحقق في الفرع، فيلزم التعارض»، قلنا: أيُّ مانعٍ في الفرع؟ فإنك لم تُبْدِ مانعًا في الفرع، لا في أول كلامك ولا في آخره، فلا يُسلَّم وجودُ مانع في الفرع، فعليك بيانه. فإن قيل: الحكم المتنازع فيه من الأحكام الشرعية لا بدَّ أن يتحقق فيه المقتضي والمانع، إذ المجتهد لا يقول بأحد الحكمين إلا بدليل عنده. قلنا أولًا: هذا إن صحَّ فهو يوجب وقوعَ التعارض، فلا يُقبل ما ينفي وقوعَه. وإن لم يصحّ فقد بطل الاستدلال على المانع. وثانيًا: إن الاختلاف يدلُّ على وجود حجة في الجملة، سواء كانت صحيحة أو فاسدة، لكن لا يلزم منه وقوع مانعٍ صحيح. وإذا لم يدلّ على وقوع مانعٍ صحيح فالتعارض بين الصحيح والفاسد ليس على خلاف الأصل. الرابع (١): أنَّا قدَّمنا ما يدلُّ على ثبوت الحكم في الفرع، وذلك يدل على عدم المانع، لأنه لو كان موجودًا لزم التعارض بينه وبين ما ذكرناه، وذلك على خلاف الأصل. الخامس: أن يُعارَض هذا الكلام بمثله، فيقال: لو لم يتحقق أحدهما لزم

стр. 252

إضافة الحكم إلى المختص، وذلك يوجب امتناعَ الإضافةِ إلى المشترك وعدمَ الحكم في الفرع، وهو باطلٌ لما بيّناه، ولأنه لا مانع في الفرع، لأنه لو كان فيه مانع لزم المعارضة بينه وبين المقتضي الذي ذكرناه، والمعارضة على خلاف الأصل. قال الجدلي (١): (فنقول: لا نُسلِّم بأنه لو تحقق أحدهما لكانت الإضافة متحققةً، بل لا يكون كذلك لما ذكرتم من الدلائل. ولئن منع فذلك مدفوعٌ بالضم، بأن نقول: المدَّعَى أحد الأمرين ابتداءً منضمًّا إلى ما ذكرتم من الدلائل، أو نقول: المدَّعَى أحدهما على تقدير عدم أحدهما). اعلم أنّ حاصلَ هذا الكلام أن المستدلَّ مَنَعَ إضافةَ الحكم إلى المشترك على [ق ١٠٢] تقدير أحدهما، أي على تقدير الإضافة إلى المشترك، وعلى تقدير الحكم في الفرع، بأن قال: لا أسلّم أنه لو تحقق أحدهما لكانت الإضافة إلى المشترك متحققة، بل لا تكون متحققة لما ذكرتم من الدلائل الدالة على عدمها. فمنعه المعترض دلالةَ الأدلة على تقدير أحدهما، وهو منع ظاهر، فإنه إذا تحقق أحدهما تحققت الإضافة إلى المشترك لما مرّ، فلا تكون الإضافة منتفية بالأدلة النافية على تقدير ثبوتها. فقال المستدل: هذا مدفوعٌ بالضم، أي بضم الدلائل الدالة على عدم الإضافة إلى المنع والدعوى، وذلك أن يقول المستدل: المدعَى ابتداءً أحدُ الأمرين: إما إضافة الحكم في الأصل إلى المشترك، أو الحكم في الفرع

стр. 253

منضمًّا إلى تلك الدلائل الدالَّة على عدم الإضافة إلى المشترك، فإذا ادَّعَى ذلك احتاج السائلُ أن يمنعه مع ذلك القيد، بل يقول: لا يتحقق أحدهما، فإنه لو تحقَّق أحدُهما منضمًّا إلى ما ذكرنا من الدلائل لتحققت الإضافة إلى المشترك، وإذا قال ذلك قيل له: لو تحقق أحدهما مع الدلائل النافية للإضافة إلى المشترك، لم تتحقق الإضافة إلى المشترك، لأن ذلك التقدير المضموم ينفي الإضافة إليه. وكذلك لو قال: لا يتحقق أحدهما مع الدلائل المضمومة، لأنه لو تحقق معها لتحققت الإضافة. قيل له: لا يتحقق على ذلك التقدير. ولا يمكنه أن يقول أن يمنع (١) عدم تحقق الإضافة على ذلك التقدير، فهذا مما يقوله المموهون في دفع المنع على التقدير كما تقدم. وقد أجاب المستدل بجواب ثان، وهو أن يقال: المدعى أحدهما على تقدير عدم أحدهما، أي المدعى الإضافة إلى المشترك أو الحكم في الفرع بتقدير عدم أحدهما، وحينئذ فتقدير دلالة الدلائل الدالة على نفي إضافة الحكم إلى المشترك إما أن يكون واقعًا أو لا يكون، فإن كان واقعًا لم تكن الإضافة إلى المشترك واقعة، فيكون المدعى الحكم في الفرع على هذا التقدير، وإن لم يكن واقعًا لزم عدم ما ينفي الإضافة إلى المشترك، وحينئذ فالمدَّعَى الإضافة إلى المشترك على تقدير عدم النافي لهذه الإضافة قد ادعى كل منهما على تقدير عدم الآخر، فلا يضر منع دلالة الدلائل على عدم

стр. 254

الإضافة إلى المشترك على تقدير أحدهما، لأنه إنما ادَّعاها على تقدير عدم أحدهما. ولا يُمكِن المعترضَ أن يقول: لو تحقق أحدهما لكانت الإضافة متحققة كما تقدم، لأن المستدل يقول: لو تحققت الإضافة لتحققت بدون الحكم في الفرع، والمجموع غير واقع، لما مرَّ من الدلائل الدالة على الحكم وعدم الإضافة. وإذا تحقق أحدهما على تقدير عدم أحدهما تحقق في الواقع، لأن عدم أحدهما إن كان واقعًا في الواقع تحقق أحدهما، وإن لم يكن واقعًا تحقق نقيضُه، وهو وجود أحدهما. ولأنه إذا [ق ١٠٣] تحقق أحدهما على تقدير عدم أحدهما تحقق افتراقهما أعني تنافيهما على ذلك التقدير، فذلك إن كان واقعًا في الواقع لزم وجود أحدهما ضرورة، وإن لم يكن الاقتران واقعًا لزم انتفاء التقدير، فيلزم انتفاء أحدهما على التقدير. وقد يدعي أحدهما في الواقع من غير ضمّ، لكن إذا لم يكن التقدير واقعًا عنده بأن يقول: ما ذكره من الدلائل الدالة الواقعة في الواقع إما أن تكون واقعةً أو لا تكون، فإن كانت واقعةً لم يصحَّ منعُها، وإن لم تكن واقعةً في التقدير وهي واقعة في الواقع فالتقدير غير واقع، لاستلزامه رفعَ الواقع في الواقع. أو يقال: الواقعُ في الواقع واقعٌ على التقدير الممكن في الواقع، وإلا لم يكن التقدير الممكن في الواقع (١) ممكنًا في الواقع، وهو محال. وقد تقدم الكلام فيما يُشبه هذا، وسيأتي إن شاء الله.

стр. 255

واعلم أن هذا الكلام فاسدٌ أشدُّ فسادًا مما قبله من وجوه: أحدها: أنه منع ما لا يقبل المنع، وهو قوله: «لا نسلِّم أنه لو تحقق أحدهما لكانت الإضافة متحققة» فإنا قد بيّنا في تقرير السؤال أنه متى لزم إضافة الحكم إلى المشترك أو الحكم في الفرع قد تحقق الإضافة إلى المشترك، لأنه إذا ثبت الحكم في الفرع فالمقتضي له إمّا المشترك أو غيره، أو لا هو ولا غيره، والقسمان الثانيان باطلان بالإجماع وبالنافي وبالأدلة المتقدمة وبالمناسبة وبالدوران، فتعين الأول. الثاني: أنه منعُ الشيء بعد تسليمه، وذلك غير مقبول، بل هو انقطاع، لأنه قد تقدم قوله: الحكم يضاف إلى المشترك أو إلى ما يحقق الإضافة إلى المشترك، ثم قال: وإنما ندعي لزوم الإضافة إلى المشترك أو لزوم الحكم في الفرع، فلا بدَّ أن يكون الحكم في الفرع يُحقق الإضافة إلى المشترك لئلا يتناقضَ الدعويانِ، فإذا قال بعد هذا: لا نسلّم لزومَ الإضافة إلى المشترك كان منعًا لما ادعاه وسَلَّمه، وهو ثبوت الإضافة إلى المشترك أو ما يُحقّق الإضافةَ إليه، وهو ثبوتُ الحكم في الفرع الذي يُحقّق الإضافة إلى المشترك. الثالث: أنه لو لم تكن الإضافة محققةً لبطل أصلُ دليله، لأن مَبناه على إضافة الحكم إلى المشترك، فإذا منعه على تقدير صحة دعواه فقد لزم بطلان إضافة الحكم إلى المشترك، أو بطلان تحقق أحد الشيئين: الإضافة أو الحكم في الفرع. وإنما ذلك يُبطِلُ (١) دليله، وبيان ذلك أنه لا يخلو إما أن يتحقق أحدهما أو لا يتحقق، فإن تحقق أحدهما فإما أن تتحقق الإضافة أو لا تتحقق، [ق ١٠٤] فإن تحققتْ بطل هذا المنعُ، وإن لم تتحقق فالإضافة غير

стр. 256

متحققة، فلا يصح الدليل، وإن لم يتحقق أحدهما فالمنتفي إما ثبوت الحكم في الفرع، وهو المدعى، فيلزم امتناع ثبوت المدعى، وإما الإضافة، فيبطل الدليل، فكيف يصح الجواب عن نقض معارضات الدليل بإبطال نفس الدليل؟ فعُلِمَ أن هذا المنع موجبٌ لبطلان الدليل، وهو قاطع. الرابع: قوله: «بل لا تكون محققة لما ذكرتم من الدليل»، والخصم لم يذكر دليلًا كما بيّناه. الخامس: أن الدليل الذي ذكره يمنع إضافةَ الحكمِ إلى المشترك، فإن صحَّ هذا الدليلُ بطلَ أصلُ دليل المستدل، وإن لم يصحَّ بطلَ قوله: «بل لا يكون كذلك»، أعني قوله: لا تكون الإضافة متحققة. وإذا بطل كون الإضافة [غير] متحققةً ثبت كون الإضافة متحققة، فعلم أن قوله: لا تكون الإضافة متحققة، على هذا التقدير كلام باطل. السادس: أن تحقق أحدهما إما أن يكون مع جملة الأمور الواقعة واقعًا أو غير واقع، فإن كان واقعًا فمن جملة الأمور الواقعة تحققُ الإضافة لما مرّ، وإن كان غير واقع في جملة الأمور الواقعة فقد امتنع إما إضافة الحكم إلى المشترك أو الحكم في الفرع، وإذا بطلَ أحدُهما بطلَ دليلُه أو مذهبُه. السابع: قوله: «ولئن منعَ فذلك مدفوعٌ بالضمّ، بأن نقول: المدعَى أحد الأمرين ابتداءً منضمًّا إلى ما ذكره من الدلائل» معناه: ولئن منعَ المعترضُ كون ما ذكر من الدلائل دالًّا على عدم الإضافة، على تقدير تحقق أحدهما، وهو الإضافة إلى المشترك أو (١) الحكم في الفرع، وهذا المنع قد تقدمَ

стр. 257

نظيرُه في التلازم وغيره، فإنه يقول: لا أُسلِّم أن ما ذكرت من الدلائل دالٌّ (١) على عدم الإضافة على التقدير الذي ادعاه المستدل: تقدير [تحقُّق] أحدهما. وهو منعٌ صحيح متوجه، وليس عنه جوابٌ يتحقق إلا بتقرير التقدير الذي ادعاه المستدلُ، ولو ثبت له ذلك التقدير لاستغنى عن هذا الكلام. وقد تقدم ذكر توجيهه. وبيانه هنا أن يقال: ما ذكرتَه من الدلائل الدالة على عدم الإضافة إن كانت سالمةً عن المعارض أو راجحةً عليه فإنه يستلزمُ عدمَ الإضافة، لاستلزام الدليل السالم أو الراجح ثبوتَ مدلولِه، وعدمُ الإضافة يستلزم عدم الحكم في الفرع، لأن الحكم إذا لم يكن مضافًا إلى المشترك كان مضافًا إلى المختص، وحينئذٍ يمتنع ثبوته في الفرع لعدم المختص، كما مرّ تقريره، ولأن المقتضي له إما المشترك أو غيره، وغيرُه منفيٌّ بالأصل والمشترك بما ذكره، فيلزم [ق ١٠٥] انتفاءُ الحكم فيه مطلقًا. ولأن المستدل إنما يُثبِت (٢) الحكمَ في الفرع بالإضافة إلى المشترك، والخصمُ يمنع ثبوتَه مطلقًا، فلو جاز ثبوتُه في الفرع بدون الإضافة إلى المشترك كان على خلاف الإجماع، فما ذكرته من الدليل مستلزمٌ عدمَ الإضافةِ وعدمَ الحكم في الفرع، لكونِ الدليل دالًا على عدم الإضافة وعدم الحكم في الفرع، فلزم (٣) تحقق أحد الأمرين مع انتفاء كل واحد من الأمرين، وذلك جمعٌ بين النقيضين وهو محال. وهذا المحال إنما لزم من كون الأدلة المانعة من الإضافة مانعةً على

стр. 258

تقدير ثبوت أحدهما، أعني الإضافةَ أو الحكمَ في الفرع، فيكون دلالةُ الأدلة على هذا التقدير مستلزمًا للمحال، وما يستلزم المحالَ فهو محالٌ، لوجوب امتناع الملزومِ عند امتناع اللازم، فعُلِمَ أن المنع منعٌ صحيحٌ ثابتٌ بالبرهان. الثامن: قوله: «فذلك مدفوعٌ بالضم، بأن نقول: المدَّعَى أحدُ الأمرين ابتداءً منضمًّا إلى ما ذكرتم من الدلائل، أو نقول: المدعى أحدُهما على تقدير عدم أحدهما». وحاصل هذا الكلام أن يقول المستدل: أنا أدَّعي ثبوتَ أحد الأمرين، وهو الإضافة إلى المشترك أو ثبوت الحكم في الفرع، منضمًّا إلى ما ذكرتم من الدلائل الدالة على عدم إضافة الحكم إلى المشترك، وإذا ادعيتُ ثبوتَ أحدهما منضمًّا إلى ما ذكرتم من الدلائل لم يصحَّ منعُ دلالة الدلائل مع ثبوت أحدهما، لأنه منعٌ لنفس المدَّعَى. أو يقول: المستدل: أنا أدَّعي أحدهما على تقدير عدم أحدهما، أي أدَّعي أحدَ الأمرين: الإضافة إلى المشترك على تقدير عدم الحكم في الفرع، أو أدّعي الحكم في الفرع على تقدير عدم الإضافة إلى المشترك. واعلم أن نفسَ تفسير هذا الكلام وتصوّره يُبيِّن لك صحته من فساده، فهل سمعتَ بعاقلٍ قَطُّ يَدَّعي دعوى بعضُها يَنقُض بعضًا وثبوتُها يوجب إبطالها، وكأنه قَصَدَ بهذا ترويجَ هذه العبارة على من لا يفهم معناها، لكنه يسمع: المدعى أحد الأمرين أو المدعى أحدهما على تقدير عدم أحدهما، فيحسب أن هذه دعوى صحيحة أو دعوى ممكنة الصحة، فإذا تَصَوَّر معناها عَلِمَ مقتضاها (١).

стр. 259

فيقال له: قولك: «المدعى أحدُ الأمرين ابتداءً، منضمًّا إلى ما ذكرتم من نفي الإضافة إلى المشترك» نفي الحكم في الفرع بالإجماع والمناسبة والدوران والنافي لغير ذلك؛ وتسليم المستدل لذلك في أول استدلاله، فإذا ادعيتَ أحدَهما [ق ١٠٦] بنفيِهما جميعًا فقد ادعيتَ الجمعَ بين النقيضين، لأنك ادعيتَ وجودَ أحد الشيئين مع انتفائهما جميعًا. وكذلك أيضًا قوله: المدعى أحدهما على تقدير [عدم] أحدهما. جوابه أن يقال: ثبوتُ أحدِهما على تقدير [عدم] أحدهما محالٌ وجمعٌ بين النقيضين، لأن أحدهما إن كان هو الإضافة إلى المشترك فلا يصح دعواه على تقدير عدم الحكم في الفرع، لأن وجوده مستلزمٌ للحكم في الفرع، فكيف يكون موجودًا ولازمه معدوم. وإن كان أحدهما هو الحكم في الفرع فهو مستلزم للإضافة إلى المشترك، فكيف يصحُّ دعوى وجودِه مع انتفاء لازمه؟ فحاصله أنهما متلازمانِ لما مَرَّ غير مرةٍ؛ فدعوى أحدهما على تقدير عدم أحدهما دعوى وجود الملزوم مع عدم اللازم، أو دعوى انتفاء اللازم مع وجود الملزوم، وذلك فاسدٌ بالضرورة كما عُرِفَ في التلازم. التاسع: أن يقال: هَبْ أنك تدّعي أحدهما مع الانضمام إلى الدليل، أو تدّعي أحدَهما على تقدير عدم أحدهما، لكن مجرد الدعوى لا يُحِقُّ حقًّا ولا يُبطِل باطلًا، فلا نسلِّم ثبوتَ المدعى، فعليك إثباته، فإن أثبته بما ذكره من الكلام كان دورًا أو تسلسلًا، وهو باطل. وإن أثبته بغيره فقد احتاج إلى دليل ثانٍ يدل على الحكم في المسألة، وذلك انتقالٌ من دليلٍ إلى دليلٍ قبلَ تمام الأول، فيكون انقطاعًا، أو أن يكون معارضةً صحيحة للمعترض في معارضته ليسلم الدليل الأول، وهذا يكون مقبولًا. والفرق بين الانتقال

стр. 260

والمعارضة أن الانتقالَ يكون قبل ثبوت المقدّمات ولزوم الدليل منها، بل ينتقل إذا منع المقدمات أو عُورِضَ فيها إلى دليل مستقل. والمعارضة تكون بعد ثبوت المقدمات ولزوم الدليل منها، فيعارضه المعترض في المقدمة أو في حكم الدليل، فيعارض المعترض بدليل آخر، إمّا في نفس مقدماته أو بعد ثبوتها، ليسلم الدليل الأول، فإن الدليلينِ راجحانِ على دليل واحد إذا كانت متكافئةً في القوة. العاشر: أن يُقال: قولك «المدعى أحدهما منضمًّا إلى الدليل المانع من الإضافة»، فذلك المانع من الإضافة إما أن يكون واقعًا في الواقع أو غيرَ واقع، فإن كان واقعًا فقد بطلت الإضافة إلى المشترك، فيبطلُ أصلُ الدليل، لأن ثبوتَ الحكم في الفرع لم تُثبته إلا بالقياس على الأصل بواسطة الإضافة إلى المشترك، وإن لم يكن واقعًا فقد ادعيتَ أحدَهما [ق ١٠٧] منضمًّا إلى أمر غير واقع، فكأنك قلت: أدّعي دعواي إذا كانت الأمور التي ضممتُها إليها غير واقعة، وإذا كانت الضميمةُ غيرَ واقعة لزمَ عدمُ وقوع ملزومها وهو الدعوى، فتكون قد ادعيتَ أحدهما بتقدير كونهما غير واقعينِ، وذلك دعوى وجودِ الشيء بتقدير عدمه، وهو دعوى كون الموجود معدومًا، وهو دعوى المحال. وكذلك يقال على قوله: «المدعى أحدُهما بتقدير عدم أحدهما». يقال: عدم أحدهما إن كان غيرَ واقع فقد ادعيتَ أحدَهما بتقدير غير واقع، وهو دعوى المحال كما مرَّ، وإن كان هذا التقدير واقعًا، وهو عدم أحدهما، فذلك المعدوم إن كان حكم الفرع فقد بطلَ أصلُ الدعوى، وإن كان الإضافة إلى المشترك فقد بَطَلتِ الإضافةُ إلى المشترك، فيبطلُ الدليلُ الذي ذكرتَه في

стр. 261

أول المسألة، فيثبت الانقطاعُ. الحادي عشر: أنّا إذا سلَّمنا صحةَ الدعوى كان حاصلُها أنّا ندَّعي الحكمَ في الفرع على تقدير عدم الإضافة إلى المشترك، امتنع أن يكون المدَّعى هو الإضافة إلى المشترك، فيكون هو الحكم في الفرع، ونحن نسلِّم أن يُدَّعَى ذلك لكن [لا تُقبل دعواه] بغير دليل، فإن استدل بالقياس المذكور كان دورًا، وإن استدل بغيرهِ فذاك دليلٌ مستقل، وذلك انقطاعٌ عن إتمام الدليل الذي استدلَّ به. الثاني عشر: أنه إذا ادعى هذه الدعوى فقد رجع عن دعوى الإضافة إلى المشترك عينًا، وذلك يُبطِلُ دليلَه. واعلم أنك إذا فهمتَ حقيقةَ كلامه فلك أن تتصرفَ بالأدلة الدالة على فساده، وتُخالفَ بين تركيباتها، حتى يُمكِنك أن تذكر وجوهًا كثيرةً من صور الاستدلال وأنواعه، الدالة على فساد هذا الكلام الذي قد عُلِمَ فسادُه بالضرورة. فإن ما عُلِمَ صحتُه أو فسادُه بالضرورة لم يمتنع أن تكونَ هناك أدلةٌ تقتضي صحتَه أو فسادَه، بل الواقع كذلك، فإنّ تواردَ الأدلة على المعلومات واقعٌ في الموجودات. لكن قد يقال: الدليل لا يُحتاج إليه، وقد يقال: بل فيه فوائد، وهو خُطور المدلول بالبالِ عند ذهولِه عن حقيقةِ التصور وعن سائرِ الأدلة، والاستدلال بها على من عَسَى ذِهنُه يَقصُرُ عن درك الحقيقة، أو من يَنفِي الحقيقةَ جدالًا وعنادًا، إلى غير ذلك من الفوائد. ومدارُ إبطالِه هنا على الملازمة بين الإضافة إلى المشترك وبين ثبوت الحكم في الفرع كما قدمناه، وعلى أن الدليل الذي شرعَ فيه قد [ق ١٠٨] بطلَ، وصَار مُدَّعيًا محضًا.

стр. 262

قال الجدلي (١): (ولئن قال: العدم في المتنازع مما يستلزم عدمَ كل واحد ممّا ذكرتم، والدليل [دلَّ] على العدم (٢)، فيتحقق هو أو ملزومٌ من ملزوماتِ عدم كل واحدٍ منهما. فنقول: الوجوب في المتنازع مما يستلزم أحدَهما قطعًا، فالدليل دلَّ على الوجوب، فيتحقق هو أو ملزومٌ من ملزوماتِ أحدِهما كما ذكرتم). هذا أيضًا دعويانِ من نمط تلك الدعاوى، إلا أن العبارة تغيرت. وحاصلهُ أن المعترض قال: عدم الحكم المتنازع فيه يستلزم عدمَ الإضافةِ إلى المشترك وعدمَ الحكم في الفرع، لأن الحكم إذا عُدِمَ فقد عُدِمَ الحكمُ في الفرع بالضرورة، وعُدِمت الإضافةُ إلى المشترك، لأنه يمتنع اجتماعُ الإضافةِ إلى المشتركِ وعدمِ الحكم في الفرع، إذ لا معنى لإضافة الحكم إلى المشترك إلا وجود الحكم معه، ولا يجوز أن يقال: تخلَّفَ عنه لمانعٍ، لأن المشترك هو ما يشترك فيه الصورتانِ من المقتضي للحكم وعدم المانع منه، ويمتنع أن يُضافَ الحكمُ إلى ذلك ويكون معدومًا عن محلِّه، فإذا كانت الإضافة إلى المشترك موجودةً أو أدلتُه موجودة، لزمَ تخلُّفُ المعلولِ عن علَّتِه والمدلولِ عن دليله لا (٣) لمانع، وهو باطل بالضرورة والإجماع، ولأن الحكم إذا عُدِمَ لم يبقَ (٤) عليه دليلٌ خالٍ عن معارضةٍ راجحةٍ، ولا علةٌ خاليةٌ عن معارضة، إذ لو كان عليه علةٌ أو دليلٌ راجحٌ لما عُدِمَ. وعَدَمُ الأدلةِ

стр. 263

والعلل الراجحة يُبطِلُ ما ذكره المستدلُّ من الإضافة الموجبة ثبوتَ الحكم في الفرع، ولأنه يقتضي الإضافةَ بالأدلة النافية السالمة عن معارضةِ اتحادِ الأصل والفرع في الحكم. ثم قال: والدليل قد دلَّ على عدم الحكم المتنازع فيه من النصوص النافية وغيرها، فيتحقق هو، وهو عدم الحكم في الفرع أو ملزومٌ من ملزوماتِ عدم كلِّ واحدٍ منهما، لأنّ عدمَ الإضافة إلى المشترك وعدمَ حكم الفرع كلٌّ منهما لازمٌ لعدم الحكم المتنازع فيه، فإنَّه إذا عُدِمَ الحكمُ المتنازعُ فيه فقد عُدِمَ حكمُ الفرع وعُدِمَت الإضافةُ إلى المشترك، فإذا تحققَ عدمُ الحكم المتنازع فيه فأحد الأمرين لازمٌ، وهو إما أن يتحقق عدمُه أو يتحقق ملزومٌ من ملزوماتِ عدم كل واحدٍ منهما، وذلك الملزوم هو عدمُ الحكم المتنازع فيه بعينه، فإنه ملزومٌ لعدم الحكم في الفرع وملزومٌ لعدم الإضافة إلى المشترك. أو يقول: فهو [ق ١٠٩] ملزوم من ملزوماتِ عدم كل منهما، سواء كان نقيضَ الحكم أو ما يُساوي النقيضَ أو ضدَّ الحكم أو ما يُنافيه. أو يقول: يتحقق عدمُ الحكم في الفرع أو لوازِمه، ومن لوازمه عدمُ كلٍّ منهما. أو يقول: يتحقق الملزوم أو اللازم، وإذا تحقق ما هو مستلزمٌ لعدم كل منهما تحققَ لازمُه، وهو عدمُ كلٍّ منهما، وإذا عُدِمَ كلٌّ منهما بطلَ دعوى وجودِ أحدهما، لامتناع اجتماع النقيضين. فتبيَّن أنه إذا عُدِمَ الحكمُ المتنازعُ فيه فلا بُدّ أن يتحقق هو أو ملزومٌ من ملزوماتِ عدمِ كلٍّ منهما، فيتحققُ عدمُ كلٍّ منهما. واعلم أن هذا الكلام دعوى عاريةٌ، ليس فيها زيادةٌ على الدعاوى الماضية سوى تغييرِ العبارة وتطويلها بغير فائدةٍ، وسلوكِ الطريق المُعْوجَّةِ المنكوسة،

стр. 264

وما مثل هذا إلّا مثل من قيل له: أين أذنك (١) اليسرى؟ فوضعَ يدَه اليمنى فوق رأسِه، ثم نزلَ بها إلى أذنه، وترك أن يوصلها إليها من تحت ذَقَنِه؛ ومثل مَن سلك ما بين فُرضَتَي القوس على ظهره دون وتره، ومثل مَن أراد أن يذهب من الشام إلى مكة، فذهب إلى أرمينية، ثم من أرمينية إلى الصين، ومن الصين إلى الهند، ومن الهند إلى اليمن، ومن اليمن إلى الحجاز. بل مثل مَن رَحَلَ إلى العُلا ثم رجع إلى تبوك، ثم ذهب إلى العُلا ثم رجع إلى مَعَان، ثم ذهب إلى العُلا ثم رجع إلى دمشق، ثم ذهب إلى العُلا، كلما طالَ سفرٌ رجع القهقرى حتى يرجع من حيث بدأ. أو مثل من قال: إن كان فلان وُلِدَ له مولودٌ فهو أبو ابن أبي المولود، أو فهو والدُ ولدِ والدِ المولود، أو مثل من قال: إن كان النهار موجودًا فملزومٌ من ملزوماتِ وجودِه مستلزمٌ لعدم نقيضِه، وقد تحقق الملزوم وهو عدم النقيض، فيتحقق ملزومُه وهو ملزوم وجود النهار، فيتحقق ملزوم وجود النهار، فيتحقق وجود النهار، فيتحقق ملزومه، فيفيد هذا الدليل العظيم أنه إن كان النهار موجودًا فهو موجود، يا لها فائدةً جليلة! ثم فيه زيادةُ قبحٍ على ما تقدم من وجوه: أحدها: قوله: «العدم في المتنازع مما يستلزم عدم كل منها»، فيقال له: العدم في المتنازع إما أن يكون مسلَّمًا لك أو أنت مستدلٌّ عليه، وأيُّهما كان فإذا ثبتَ استغنيتَ عن القدح في دليل المستدل، فإن مقصودك إنما [هو] إبطالُ ما ادعاه، فإذا أثبتَّ نقيضَ مُدَّعاه فهذا غاية الإبطال. الثاني: أن قولك: «والدليل دلَّ على العدم» تَعني به دليلًا ذكرتَه، أو الدليل في نفس الأمر، أو دليلًا تذكره؟ فإن عنيتَ شيئًا تقدمَ فليس فيما تقدم

стр. 265

ما يقتضي عدمَه، وإن عنيتَ الدليل [ق ١١٠] في نفس الأمر لم نُسلِّم ذلك، فإنّا لا نُسلِّم أن في المسألة نصًّا ينافي الوجوب، وإن عنيتَ دليلًا تذكره فلم تذكره، ثم لو ذكرتَه كنتَ قد ذكرتَ دليلًا، فأنت تريد إبطال دليل المستدلّ بإثبات نقيضِ مُدَّعاه فتكون قد منعتَ مقدمته التي استدل بها بإثبات نقيض ما ادعاه من الحكم المتنازع فيه، وذلك غير مقبول، لأنه غَصْبٌ. فإن قال: إنما استدللتُ على ذلك بعد فراغه من الدليل. قيل: لم يذكر دليلًا مستقلًّا على نفي الحكم، وإنما مَنَعَه مقدمةَ الدليل، وعارضَه فيها بما يدل على بطلان الحكم المتنازع فيه، وهذا عَينُ الغَصْب. الثالث: أن قوله: «العدم في المتنازع مما يَستلزم عدمَ كل واحدٍ مما ذكرتم، والدليل دلَّ على العدم، فيتحقق هو أو ملزومُ عدمِهما». قلنا: إن صحّ قيام الدليل على العدم فهو مستلزمٌ عدمَهما، فأنت مستغنٍ عن تحقق ملزوم عدمهما، لأن المقصود من تحقق ملزوم العدم الاستدلال به على تحقق لازمه، وهو العدم أعني عدمَهما، وإذا كان لا يثبتُ ذلك إلا بالدليل على تحقق عدمهما الذي هو لازم قيام الدليل على عدم الحكم المتنازع فيه، فأنت تُثبِت المدلولَ بما لا يثبت إلا بعد ثبوت المدلول، حيث أثبتَّ عدمَهما بتحقق ملزومه الذي يُحقِّق عدمَ ملزومهما، وتحقُّقُ عدم ملزومِهما أعني ثبوتَه وحصولَه إنما أثبتَّه بثبوت ملزومه، وهو عدم الحكم المتنازع فيه، فإنه إذا تحقق عدمُ الحكم فقد تحققَ عدمُ ملزوم عدمهما، وإذا تحققَ عدمُ ملزوم عدمِهما تحققَ لازمُه وهو عدمهما، وإذا تحققَ عدمُهما تحققَ عدمُ الحكم. فأنت أثبتَّ عدمَ الحكم بمقدماتٍ لا تَثْبُتُ إلا بعدَ عدمِ ثبوتِ الحكم، وهذا من أقبح المصادرات.

стр. 266

وحاصله أنه ذكر عَدمين لا حاجة إليهما، فإنه زعم أن الدليل دل على [عدم] الحكم المتنازع فيه، ثم جعل عدم الحكم المتنازع مستلزمًا لعدمِ الأمرين، وهما الإضافة إلى المشترك والحكم في الفرع، وجعلَ عدمَ الأمرين مستلزمًا لعدم الحكم. ولو كان الدليل دلَّ على عدم الحكم المتنازع فيه لم يحتج إلى أن ينفيه بواسطةٍ تنفيها لكونها تَنتفي بانتفائه، فإن الاستدلال على الشيء بنفسه لا يجوز، فكيف الاستدلالُ عليه بما لا يَثبتُ إلا بعدَ ثبوتِ المستدَلِّ عليه؟ الرابع: قوله: «فيتحقق هو أو ملزومٌ من ملزوماتِ عدمِ كلٍّ منهما». قلنا: إن أردتَ بالملزوم هو نفسه كان التقدير: يتحقق هو أو هو، فإن قيل: فيتحقق هو، وهو ملزوم من ملزومات عدم كل منهما كان أجود. وإن أردتَ بملزوم من ملزومات العدم [ق ١١١] غيرَه، فذلك لا يكون ملزومًا إلا بواسطة هذا، فيكون التقدير: فيتحقق هو أو اللازم من لوازمه التي تستلزم عدمَ كلٍّ منهما، ومعلومٌ أن لازمه تابعه، وقد يجوز انفكاكه عنه، فإذا ردَّد الكلامَ أوهمَ جوازَ حصولِ لازمه بدونه، وهو غير جائز. الخامس: قوله: «والدليل دلَّ على العدم، فيتحقق هو أو ملزوم من ملزومات عدم كلٍّ منهما» لفظ مشترك، فإن حرف «أو» للترديد يقتضي أحد الشيئين، ولو دلَّ الدليلُ على عدم الحكم لتحقق عدم الحكم وما يستلزم عدم كلٍّ منهما، لأن عدم الحكم يستلزم عدم كل منهما، فإذا كان عدم الحكم وعدم ملزوم عدم كل منهما يتحققان إذا عُدِمَ الحكمُ كيف يصح أن يُجعلَ اللازم أحدهما؟ وما هذا إلّا بمثابة أن يقال: إن كان زيدٌ أبا عمرو فزيد ابن أبي عمرو أو أبو عَمرو.

стр. 267

فإن قال: هذه القضية مانعة الخلو لا مانعة الجمع، أي إنه لا يخلو من عدم الحكم أو عدم ما يستلزم عدمهما. قلنا: والقضية التي تمنع الخلو من الأمرين لا يصح استعماله حتى يكون العلم بامتناع خلو أحدهما لدليلٍ غير امتناع خلو الآخر، كفى إقامة الدليل على امتناع خلو الملزوم، وهنا إنما يعلم تحقق عدم ما يستلزم عدمهما بتحقق عدم الحكم، فكيف يجعل قسيمًا لامتناع الحكم؟ وهذا حكم ظاهر لمن فهمَه. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. ثم إن الجدلي عارضَ الدعوى بالدعوى مع ما ذكرناه من الكلام الضائع (١)، فقال: «فنقول: الوجوبُ في المتنازع مما يستلزمُ أحدَهما قطعًا، فالدليل دلَّ على الوجوب، فيتحقق [هو] أو ملزومٌ من ملزومات أحدهما». وهذا مثل الذي قبله، فإن الدليل إذا دل على الوجوب من نص أو قياس أو نحوه، فإن الوجوب يستلزم الحكمَ في الفرع أو الإضافةَ إلى المشترك، بل يستلزمهما جميعًا، وإذا كان كذلك فقد تحقق الوجوب، وهو مستلزم أحدَهما، فيتحقق ملزومٌ من ملزومات أحدهما، نحو إرادة الوجوب من النصوص، أو ملزومية وجوب الأصل لوجوب الفرع أو مداريته، كما قيل في السؤال، وأيُّهما كان يلزم الوجوب. وهذا الكلام بعد تحقق دليل الوجوب صحيح، إلا أنه تطويل ركيكٌ كما تقدم سواء، فقد عاد الأمرُ إلى مقابلة الدعوى بالدعوى، حتى إن السائل يقول في آخر ذلك: ما ذكرتُه راجحٌ، لأنه متعددٌ تعددًا كثيرًا لأنه عدمي، والأمر العدمي لا يفتقر إلى غيره، فيتحقّق على تقدير وجود الغير وعدمه،

стр. 268

بخلاف الوجودي فإنه يقف على وجود السبب والمحلّ والشرط ونحو ذلك من الأمور اللازمة، فيقولُ المستدل: ما ذكرتُه راجحٌ، لأنه متعددٌ في الدعوى بالنسبة إلى [ق ١١٢] الملزوم الواحد، وبالنسبة إلى الملزومات المتعددة والدلائل المتعددة عليها، فإن كل واحد من ذلك يستلزم الوجوبَ، ولأن لزوم الوجوب عما ذكرناه من الملزومات يُعطي (١) عدم الوجوب فيما ذكرتم. وحاصله أن المعترضَ رجَّحَ تحققَ الحكم العدمي بأنَّ تحققَه أيسرُ لعدم توقفه على أمور وجودية، والمستدلُّ رجَّح الوجوديَّ بأن الأسباب المقتضية له أكثر، واقتضاؤها أقوى، فالحكم العدمي يسير في نفسه، لكن أسبابه كثيرةٌ قوية، فيكادان يتعادلان من هذه الجهة. واعلم ــ أصلحك الله ــ أن الدعاوي إذا تعدَّدت لم ينفع تعدُّدها أن يكون الدليلُ على كلٍّ منها غيرَ الدليل على الأخرى ، لأن الدليل الواحد إن صحَّ صحَّت تلك الدعاوي، وإن لم يصحَّ لم يصحَّ شيءٌ منها، فلا فرق بين اتحادها وتعددها. واعلم أن الدعاوي إذا كانت متلازمةً فإن ما صحَّح الملزومَ صحَّح اللازمَ، وما أبطلَ اللازمَ أبطلَ الملزومَ، فصارت المراتبُ ثلاثًا: أحدها: أن يتعدد الدليل بتعدد الدعوى، سواءٌ تلازمت أو لم تتلازمْ، وهذا الذي لا شكَّ فيه. الثاني: أن يتعددَ من غير تلازمٍ من أحد الطرفين، والدليل واحدٌ، وهذا

стр. 269

نادر، بأن يدل على الدعوى بوجهٍ وعلى الأخرى بوجهٍ. والثالث: أن يتعددَ، وتكونَ إحداهما من لوازم الأخرى مع اتحاد الدليل، وهو أكثر ما يستعملُه المموِّهونَ، وليس هو من طرق المحققين، وربما نذكره إن شاء الله في موضع آخر. وقد ظهر بما بيناه أن المستدلَّ لم يُقِم دليلًا صحيحًا، وأن أكثر أَسوِلة المعترض وأجوبة المستدلّ باطلةٌ، وذلك يُوجِبُ أن كلًّا منهما منقطع، فإن من احتجَّ بما لم يُفِد فهو منقطع، ومن أورد ما لا يقدح فهو منقطع، لكن في تفاصيل الكلام قد يحصلُ من المستدلِّ أجوبةٌ صحيحة من ذلك المقام، ومن المعترض أسوِلةٌ قادحة كما بيناه، لكن ذلك كله مبنيٌّ على أصلٍ غير صحيح كما تقدم، فلهذا حكمنا بانقطاع كل منهما. وإنما ذكرتُ هذا لأن بعض الطلبةِ قال: أُحِبُّ أن تذكر لي في آخر كلامك مَن فَلَج بالحجة من المستدل والمعترض، فذكرتُ ذلك، لأن الجدل الباطل لا يُفلِحُ فيه مَن سَلكَه استدلالًا وسؤالًا وانفصالًا ، فإن من استدلَّ بالباطل فهو مُبطِلٌ، ومن ردَّ الباطلَ بالباطل ولم يُبيِّن أن الدليل باطل فهو مُبطِلٌ، ومن أجابَ عن الباطل بباطلٍ ولم يُبيِّن أن السؤالَ باطل فهو مُبطِل، وكلُّ مبطلٍ فإنه يكون منقطعًا إذا بُيِّن بطلانُه. والله أعلم.

стр. 270

(فصل ثم القياس قد يكون مخصصًا) (١) اعلم أنه لا بدَّ من مقدمتين: إحداهما: أن تخصيص عموم الكتاب والسنة بالقياس مسألةٌ مشهورة، والخلاف فيها مشهورٌ قديمًا وحديثًا بين الفقهاء والمتكلمين على أقوال: أحدها: أنه يجوز، وهو قول [ق ١١٣] المالكية أو أكثرهم وأكثر الشافعية وإحدى الروايتين عن أحمد وقول كثيرٍ من أصحابه. والثاني: لا يجوز، وهو قول بعض الشافعية والحنبلية، وروايةٌ عن أحمد وطوائف من المتكلمين. والثالث: الوقف، وهو قول الواقفية، وقد رُوي عن أحمد ما يدلُّ على ذلك. والرابع: إذا كان العموم مخصوصًا بدليلٍ يجوز نسخُ العامِّ به جازَ تخصيصهُ بالقياس، وإلّا فلا، وهو المشهور عن الحنفية. ثم من المجوِّزين من لا يرى التخصيص إلا بالقياس على الصورة المخصوصة بالنص، وهذا هو المشهور عند أهل الطريقة الجدلية، وهو الذي يسمونه قياس التخصيص. والخامس: أنه يجوز تخصيصُه بالقياس الجلي دون الخفي، وهو قول طائفة من الشافعية. والجليُّ قد قيل: هو القياس في معنى الأصل، وما نُصَّ

стр. 271

على علته، وما كان أولى بالحكم من الفرع. وعلى هذا التفسير فلا يختلف الفقهاء الذين يَخُصُّون العمومَ بخبر الواحد أنهم يخصُّونه بمثل هذا القياس، فإن أكثرهم عندهم هذا من باب دلالات اللفظ دون القياس. وقيل: إن الجلي هو قياسُ المعنى، وهو القياس المناسب ونحوه، دون قياس الشبه، وعلى هذا التفسير فيُجعَل هذا التفريق قولًا رابعًا. واعلم أن من نظر في مآخذِ الأحكام ودلالات الأدلة عليها: الظواهرِ والأقيسةِ من كلام الشارع تارةً، ومن المعاني المعقولة أخرى، عَلِمَ يقينًا أنه في بعض المواضع يُقطَع برجحانِ العموم، وفي بعضها يقطعُ برجحان القياس، فإن العمومَ أعلاه ما احتفَّ من القرائن ما دلَّ على أن مقصودَ الشارع به العموم، واتّحدتْ أفرادُه، وانضمَّ إليه عمومٌ عقلي. ثم ما تخلَّفَ عنه بعض هذه الأفراد، مثل أن يكون مجرَّدًا عن القرائن المقوية. ثم ما اقترنَ به قرائنُ تُوهن عمومَه وإن لم تَمنع الاحتجاجَ به، كالعموم الخارج على سبب. ثم العموم الذي لم يُقصَدْ به قصد العموم وإنما سِيْقَ الكلامُ لشيء آخر، إن جعل حجةً عند السلامة عن المعارض، كقوله: «فيما سَقَتِ السَّماءُ العُشرُ، وما سُقِي بالدَّوالي والنَّواضِح نصفُ العُشر» (١)، حيث قصد به بيان قدر المُخْرَج لا بيان أنواع ما تجب فيه الزكاة. وكذلك القياس على مراتبَ: أعلاه قياسٌ عُلِمَت علتُه بنص أو إيماءِ نص أو إجماع، والقياس في معنى الأصل، وهو قياس لا فارق وقياس

стр. 272

الأَولى، ثم القياس الذي عُلِمَتْ مناسبةُ الوصفِ فيه بالتأثير والاعتبار ونحو ذلك، ثم أقيسة الدلالة، ثم أقيسة الشَّبه، ثم الطرديات إن اعتُقِدتْ حجةً. [ق ١١٤] إذا علمتَ هذا الترتيبَ فالقول المجمل: إن قَويَّ العمومِ مقَدَّمٌ على ضعيف القياس، وقويّ القياسِ مقدَّم على ضعيف العموم ، فإن تعارضَ قويان وضعيفان فبحسب قوتهما وضعفهما، وهو كما لو تعارضَ عمومانِ أو قياسان (١)، ولكل مسألةٍ ذَوْق (٢) خاص. ولما اتسعتْ دلالاتُ الظواهر والأقيسة قال الإمام أحمد: ينبغي للمتكلم في الفقه [أن] يجتنب هذين الأصلينِ المجملَ والقياسَ. وقال: أكثر ما غَلِطَ الناسُ من جهة التأويل والقياس. يعني بالمجمل العامَّ والمطلقَ ونحوَ ذلك، فإن تسميةَ العام والمطلق مجملًا عرفٌ معروفٌ في لسان الأئمة، وهو على وفق اللغة، يقال: أجملتُ الحسابَ: إذا جمعتَه وضممتَ بعضَه إلى بعض حتى يصير جملةً واحدةً. فالعامُّ يَجمع أفرادَه، وتسميتُه مجملًا أظهر من تسمية المبهم الذي لا يبين المراد من لفظه مجملًا، وفي عرف المتأخرين لفظ المجمل يقع على هذا وعلى هذا، وأكثر ما يستعملونه فيما لم يتبين مراده من لفظه. أراد الإمامُ أنه ينبغي له أن يتوقى المسارعةَ إلى الحكم بأحد هذين الأصلين قبلَ الفحصِ والبحثِ عما يُعارِضُه ويُقوِّيه، فإن أكثر الغلط في الأصول والفروع إنما وقعَ من جهة التأويل، وهو الاستنباط من الظواهر، ومن جهة القياس، وهو البحث عن المعاني من غير نصوصٍ قاطعةٍ للاحتمال.

стр. 273

هذه مقدمةٌ لا بدَّ من التنبيه عليها. المقدمة الثانية: أن العام المخصوصَ دليلٌ فيما عدا صورة التخصيص عند جماهير السّلف والخلف من الطوائف كلِّها، وذهبَ بعض الحنفية إلى أنه ليس بحجة. وعلى القول الأول فإذا كان بعضُ الصور يُماثِل الصورةَ المخصوصة فقد تعارضَ العمومُ المخصوصُ والقياس المختص، فإن كانت الصورة الأخرى مساويةً للصورة المخصوصة في المعنى الذي خُصَّتْ لأجله ظَهَرَ هنا ترجيح القياس على تناول العموم، وإن كانت مَقِيسةً على غير الصور المخصوصة فقد تعارضَ قياسٌ مختص وعمومٌ مخصوص، فإن كان القياس قويًّا رجحناه وإلا فلا. واعلم أن أكثر ما يستعملون القياس المخصِّص في جواب المعارضة لأن المستدلَّ إذا أثبتَ الحكمَ بدليل، فعُورِضَ بعموم يُناقِضُ دعواه، قال: قد خُصَّتْ منه صورةُ الإجماع، فأخصُّ منه صورةَ النزاع بالقياس عليها. وربما استدلَّ بقياس إحدى الصورتين على الأخرى ابتداءً، فإذا عُورِضَ بالعموم قال: قد خُصَّ منه الأصلُ المَقِيسُ عليه، فيُخَصُّ منه الفرع. قال المصنف (١): (القياس قد يكون [ق ١١٥] مخصصًا، كما يقال في مسألة شرائط الإحصان جوابًا عن النصّ العام، كقوله ﵇: «الثيّبان يُرجَمان» (٢)، أنه خُصَّ عن النص موضعُ الإجماع، وهو ما إذا ظهر زناه بشهادة أهل الذمة على معنى عدم إرادته منه، مع تناول اللفظ إياه، كذا صورة النزاع بالقياس عليه، لأن التخصيص ثمة إنما كان لدفع ضرر وجوب الرجم

стр. 274

بالمناسبة، إلى آخر ما مرَّ في فصل القياس سؤالًا وجوابًا). اعلم أن المختار أن النص إذا خُصَّتْ منه صورةٌ جاز أن يُلْحَق بها في التخصيص ما شاركَها في معناها، وهؤلاء الجدليون أصحاب هذه الطريقة لا يستعملون من الأقيسة المخصّصة إلا هذا، وهو قول أكثر الحنفية، فمن أحبَّ المناظرةَ العلمية فله أن يقول: لا أسلِّم جوازَ التخصيص بالقياس أصلًا، لحديث معاذ (١) إن كان ممن ينصر هذا القول، وإن كان ممن ينصرُ الجوازَ مطلقًا فله أن يقول: أنا أَخُصُّ منه (٢) صورة كذا وكذا، وإن لم يكن قد خُصَّ منه شيءٌ، لأن القياس حجة شرعية دالة على خصوص الحكم بنفسه، فيجب تقديمه على العموم، كما يجب [تقديم] خبر الواحد، لأن تقديمَ العموم يقتضي إبطال القياس بالكلية، وتقديم القياس يَبقى معه العملُ بالعموم فيما عدا صورة التخصيص، والجمع بين دليلينِ أولَى من إلغاء أحدهما. ومن قال بقياس التخصيص دون سائر الأقيسة ــ وهم الحنفية وهؤلاء الجدليون ــ قال: العامُّ قبل التخصيص نصٌّ في أفراده، حقيقةٌ في مسمَّاه وآحادِه، لأنه متناولٌ لكل واحدٍ بعمومه، ولم يُعارِض عمومَه في شيء من الأفراد نصٌّ، ولا إجماعٌ يخالفه، فلا يجوز أن تُعارَض نصوص الكتاب والسنة بالأقيسة. أما إذا خُصَّ فقد صار مجازًا، وبطلَ الاحتجاجُ به عند

стр. 275

بعض الناس و [ضعُف] عند الباقين، فإنّ المتكلم قد علمنا أنه لم يُرِدْ به الاستغراقَ، وإلّا لما خُصَّ منه شيءٌ، فإذا كان لم يُرِدْ به الاستغراقَ جاز أن تكون هذه الصورةُ من جملة ما لم يُرِدْه، وجاز أن تكون من جملة المراد، فإذا لم يعارض فيها قياس كان المقتضي ــ وهو عموم اللفظ ــ قائمًا من غير معارضٍ، فيعمل عملَه. أما إذا عارضَ فيها قياس فإن المقتضي لإرادتها قد عارضه معارضٌ وهو القياس، وترجَّح هذا المعارض بالعلم بعدم إرادة العموم من هذا اللفظ، فصار راجحًا. ومن حقَّقَ الطريقةَ التي أومأنا إليها في صدر الكلام عرفَ الحقَّ من الباطل، وأمكنَه تقريرُ رجحانِ القياس على العموم الضعيف وبالعكس، وليس هذا موضعَ استقصاءِ الكلام في ذلك. ونحن نتكلم على تقدير تسليم قياس التخصيص، إما وحدَه أو هو وغيره، ونبيِّن أن هذا المجادل لم [ق ١١٦] يستعمل صحيحَه وإنما استعملَ فاسدَه، كما تقدَّم في استعمالِه أصلَ القياس. وذلك أن الإسلام ليس شرطًا في الإحصان الموجب للرجم عند فقهاء الآثار من الشافعية والحنبلية ونحوهم، وهو شرط عند فقهاء الأمصار من الحنفية والمالكية. وأما سائر الشروط من مساواة المتجامعين في الإحصان، ففيه خلاف وتفصيل ليس هذا موضعه. فإذا احتجَّ من يقول بوجوب الرجم على الكافر أو على الحرِّ المتزوج بأمَةٍ بقوله ﷺ : «الثيبانِ والبكرانِ يُجلدانِ ويُرجَمانِ»، وهذا اللفظ ليس هو مشهورًا (١) في كتب الحديث، وأظنه قد رُويَ من حديث أُبي بن كعب (٢)،

стр. 276

وإنما الذي رواه مسلم في «صحيحه» (١) عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: «البِكرُ بالبِكر جَلْدُ مائةٍ وتغريبُ عامٍ، والثيبُ بالثيب جَلْدُ مائةٍ والرجمُ». وفي «الصحيح» (٢) أيضًا عن عمر وغيرهِ: أنه كان فيما أُنزِل من القرآن «الشيخُ والشيخةُ إذا زنيا فارجموهما البتةَ نكالًا من الله والله عزيز حكيم»، فنُسِخَ لفظُه وأُبقيَ حكمُه باتفاق الفقهاء أهل السنة، للنصوص الكثيرة عن النبي ﷺ في رجم الثيب، التي ليس هذا موضعها. فإذا احتجَّ المستدلُّ بأحد الألفاظ الثلاثة، قال له المعترض: خصَّ عن النص موضع الإجماع، وهو ما إذا شهد عليه أهل الذمة إلى آخر التقدير. وكذلك لو استدل ابتداءً على عدم الرجم بدليل ذكره، فيعارضه السائل بالنص العام المقتضي للوجوب، فإن المستدل يقول: خصّ عنه صورة الإجماع، فيخص صورة النزاع بالقياس. والكلام فيه كالكلام في القياس المثبت للوجوب ابتداءً سؤالًا وجوابًا، إلا أنه يُبدَل لفظ الوجوب بلفظ المخصص. واعلم أنهم يُورِدون على القياس المخصوص ما لا يصحُّ من الأسولة، فنذكره ونُبيّن حاله، وذلك أن المخصص إذا قال: خُصَّتِ الصورةُ الفلانية، فكذلك [هذه] الصورة بالقياس عليها، لأن التخصيص هناك إنما كان تحصيلًا للمصالح المتعلقة بالتخصيص بشهادة المناسبة، فيجب ثبوت

стр. 277

التخصيص في هذه الصورة تحصيلًا لتلك المصلحة= قالوا له: لا نُسلِّم وجودَ المناسبة في صورة الإجماع، لأن المناسبة هي مباشرةُ الفعلِ الصالح لحصول مطلوب، والتخصيصُ ليس بفعلٍ، لأنه عدم إرادة الصورة المخصوصة من اللفظ الشامل لها، والعدم لا يكون فعلًا، فلا تتحقق المناسبةُ فيه، لأنها إنما تتحقق في الأفعال. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن التخصيص يضاف إلى الشارع تارةً وإلى العبد أخرى. أما [ق ١١٧] الأول فكأن يقال: خَصَّ الشارعُ الصورةَ الفلانية من عموم القول الفلاني، أو خَصَّتِ الآيةُ أو الحديثُ الصورةَ الفلانية، فيضاف إلى كلامه وقوله. وأما الثاني فمثل أن يقال: خصصنا هذا العموم بكذا. وكلاهما وجودي. أما إن أريد به الثاني فظاهر، لأن المكلف يُخرِج تلك الصورة من العموم، ويعتقد ويقول: إنها ليست مرادةً، وقولُه واعتقادُه عدمَ الإرادة أمرٌ وجودي. وعلى هذا التقدير فالمناسبة متحققة في فعله، بمعنى أن الله أمره بهذا التخصيص تحصيلًا لتلك المصلحة، والأمر بالتخصيص أمر وجودي. وهذا ظاهر، فَلنا أن نُقِرَّ التخصيصَ بهذا. وهذا جواب مستقل. وأما إن أريد به الأول فالتخصيص أزالَ القول العام أو الخطاب بالقول العام، مع عدم إرادة (١) الصورة المخصوصة، وهو أمر وجودي، فإنَّ عدمَ

стр. 278

إرادة الصورة المخصوصة ليس هو عدمًا محضًا، وإنما هو عدم خاص، لا يتحقق فيه لتحققها في لازمه. الوجه الثاني: أن الشارع لا يُخصِّص العام حتى يَنْصِبَ دليلًا دالًّا على عدم إرادة الصورة المخصوصة عقليًّا أو سمعيًّا أو حسّيًّا ، أو غير ذلك الدليل المخصص يخصص منه فيكون ظاهرًا (١)، فإن عدم الإرادة بدون الدليل الدالِّ على عدم الإرادة مع الخطاب العام محال، لأنه تكليفُ ما لا يطاق، ولأنه تدليسٌ وتلبيسٌ، ولأنه يمتنع في مثل هذه الصورةِ العلمُ بالتخصيص، والكلامُ فيما إذا علمنا أنه مخصوص. الوجه الثالث: هَبْ أن التخصيص أمر عدمي، لكن لِمَ قلتَ: إن المناسبة لا تتحقق في الأمور العدمية؟ فإنا نقول: إنما لم يُرِدِ الشارعُ هذه الصورة لما في إرادتها من الضرر، أو لعدم المصلحة في إرادتها، فيُعلَّل عدمُ الإرادة تارةً بعدم المقتضي وتارةً بوجود المانع، وكلاهما مناسب لعدم الإرادة، فعُلِمَ أن المناسب يتحقق تارةً فيما يريده الشارع ويفعله، وفيما لا يريده بل يتركه. قوله: «المناسبةُ هي مباشرة الفعل». قلنا: قد تقدم الكلام على هذا الحدّ، وبينا أنه مدخول، أو أنه جرى مجرى الغالب، إذ إضافةُ المباشرةِ إلى الله وتسميةُ حكمِه فعلًا لا بدَّ فيه من تجوُّزٍ واستعارة؛ وإذا كان كذلك جاز أن يُسمَّى عدم الإرادة فعلًا، كما يُسمَّى الإرادة أو القول فعلًا.

стр. 279

الوجه الرابع: أن التخصيص يصحُّ طلبُه وجودًا وعدمًا من الربّ لعبده ومن العبد لربّه، بأن يقال: إما (١) خصُّوا هذه الصورة الفلانيّة، [ق ١١٨] وذلك متحققٌ لكونه أمرًا وجوديًّا. الوجه الخامس: لو لم يكن وجوديًّا لكان نقيضُه وهو عدم التخصيص وجوديًّا، لامتناع خلو النقيضين، لكن ليس بموجود لكونه مما يصحُّ وصفُ المعدوم به، والوجودي لا يكون صفةً للمعدوم. وإذا لم يكن النقيضُ وجوديًّا كان التخصيص وجوديًّا. وربما استدلَّ بعضُهم على أنه فعلٌ بهذا الدليل، لأن نقيضه ليس بفعلٍ، لأن الفعل أمر وجودي، وعدم التخصيص ليس بوجودي، فلا يكون فعلًا، وإذا لم يكن نقيضه فعلًا ثبت أنه فعلٌ، إذ لو لم يكن هو ولا نقيضُه من الأفعال لم يكن مقدورًا، وهو محال. وفي هذين نظرٌ، لأنه يمكن أن يُمنَع كونُ عدم التخصيص ليس وجوديًّا، لأنه عبارة عن إبقاء العموم بحاله، وكونه بحيث يصحُّ أن يوصف بعدم تخصيص العموم، فإنه لا عمومَ فيه حتى يُنفَى عنه تخصيصُه. نعم يصحُّ أن يُوصَفَ بعدم التخصيص المبتدأ، أو بعدم التخصيص مطلقًا، إذا عُنِيَ به عدمُ هذا النوع، أما عدم تخصيص العموم فممنوع. واعلم أن حقيقة الأمر أن التخصيص مشتملٌ على أمر وجودي وعدمي ، فإن حقيقتَه لا تقوم بدونهما. وبهذا يندفع هذا السؤال، لكن على العبارة الثانية سؤال، وهو أنه يمكن أن يقال: التخصيصُ ليس فعلًا ولا عدمَ فعلٍ، وليس بمقدور، إذا عُنِيَ به عدمُ الإرادة، والإرادة صفة أزلية، فلا تكون مقدورةً وإن (٢)

стр. 280

كان المراد مقدورًا، وكذلك عدم الإرادة الأزلية واجب العدم، فيمتنع أن يكون مقدورًا وإن كان ما عُدِمَتْ إرادتُه مقدورًا (١)، فبينَ الصفةِ ومتعلَّقِ الصفة فرقٌ ظاهر. وهذا مبنيٌّ على أصول أهل السنة أن الإرادة صفة أزلية وإن كان تعلُّقُها حادثًا، وقد يوصف بأنه إرادةٌ أيضًا (٢). وأما القدرية فيقول أكثرهم: إن الإرادة فعل من الأفعال، وهل هي نفس الخلق والأمر أو صفةٌ قائمةٌ لا في محلٍّ؟ بينهم في ذلك خلاف معروف ليس هذا موضعه. الوجه السادس: أن يقال: أجمع المسلمون على إمكان قياس التخصيص، فإما أن يكون التخصيص أمرًا وجوديًّا أو لا يكون وجوديًّا، لكن المناسبة تتحقق فيه مع ذلك، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل، إذ ليس غرضنا إلا تعديةَ الحكمِ من صورة التخصيص إلى صورة أخرى، وهذا أمرٌ ممكنٌ بالضرورة. واعلم أن تقرير الجدليِّ ضعيف من وجوه: أحدها: أن التخصيص الذي يتكلم فيه هنا أن يُخرَجَ من [ق ١١٩] اللفظ بدليل منفصلٍ مَا لولا ذلك الدليلُ لوجبَ دخولُه في اللفظ، ولا يكون تخصيصًا حتى يكون اللفظ شاملًا له، وهل يُشترط في تسميته تخصيصًا أن يجوز إرادة المتكلم له؟ فيه خلافٌ بين الناس، مبناه أن ما خرج بدليل العقل الظاهر وقرائن الأحوال ونحوها من الدلائل التي تمنع فهم صورة التخصيص من اللفظ العام هل يُسمَّى تخصيصًا؟ وأكثر الناس يسمونه تخصيصًا، والنزاع لفظي. وعند ذلك فقوله: «الثيبان يُرجَمانِ» أو قوله: «الثيبُ بالثيب جَلْدُ مائةٍ والرجمُ»، وقوله: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» (٣) لا يقتضي عمومُه إلّا رجمَ من زَنَى، وكذلك قوله:

стр. 281

«الثيبان يُرجَمان» [أنَّ] كلَّ ثيّب يُرجم، وإنما المراد الزانيان الثيبان يُرجَمان، والزانيان البكرانِ يُجلَدانِ. وقوله: «الثيب بالثيب» أبلغُ، فإن الباء تدلُّ على فعل الزنا، وقد صرّح به في اللفظ الثالث. وإن كان المراد الثيبان الزانيان إما بنفس اللفظ أو بسياق الكلام، فنقول: من شَهِدَ عليه بالزنا أهلُ الذمة ومن تُرَدُّ شهادتُه، لا نُسلِّم أنه زانٍ حتى يدخل في عموم اللفظ، أكثر ما في الباب أنه قد أخبرَ جماعةٌ من الفساق أنه زانٍ، وذلك لا يُوجِبُ أن يكون زانيًا لا في الحقيقة ولا في الحكم الشرعي، أما في الحقيقة فلجواز كذبهم، ولهذا يُحَدُّون حدَّ القَذْفِ عند كثير من الفقهاء. وبالجملة فعلى المخصِّص أن يبين أن هذا زانٍ، وأنَّى يقدر على ذلك! وقوله: «ظهر زناه بشهادة أهل الذمة» دعوى محضة، وإلّا فلا ظهورَ بقول من كذَّبه الله وأوجب عليه الحدَّ. وقوله: «على معنى عدمِ إرادتِه مع تناول اللفظ له». قلنا: عدم الإرادة مسلَّمٌ، وأما تناول اللفظ فغير مسلَّم، ولا يكون التخصيص تخصيصًا حتى يتبين عدمُ مراد المتكلم بعض الصور التي يتناولها اللفظ. الثاني: لو سلَّمنا أن صورة الإجماع مخصوصة فلماذا يجب تخصيص صورة النزاع؟ قوله: «بالقياس عليه».

стр. 282

قلنا: ولِمَ قلتَ: إنّ القياس يُوجِبُ تخصيصَ العام، ولم تَذكر عليه دليلًا، والدليل على خلافِه أن المقتضي لوجوب سائر الصور موجود، وهذا اللفظ العام المجرَّد عن قرينة التخصيص للصورة التي لم تُخَصَّ. وإنما قلنا: إن هذا هو المقتضي لأن المقتضي إما اللفظ المطلق كما ذكرناه، أو اللفظ بشرطِ بُقْيَاه على العموم، فلو كان شرطًا لم يَجُزْ لأحد أن يستدلَّ بالعموم على فردٍ من أفراده حتى يعلم أن سائر الأفراد مرادة منه، [و] حتى يعلم أن الفرد الأول مراد، فيتوقف العلم بإرادة كل واحدٍ من الأفراد على العلم بإرادة الآخر، وهو دور باطل. فإن قلتَ: الشرط هو عدم التخصيص [ق ١٢٠] لهذا الفرد ولسائر الأفراد، لا العلم بإرادته. قلتُ: فعلى هذا لا يجوز الاستدلالُ به على فردٍ حتى أبحث عن جميع أفراد العام، وأبحث عن جميع المخصِّصات لجميع الأفراد، فإذا لم أجد شيئًا من المخصِّصات لشيء من الأفراد عملتُ به في صورة واحدة. ومعلومٌ أن أفراد العام قد تفوق الإحصاءَ والعدَّ، والأدلة المعارضة لحكم العموم في كل فرد قد تتعدد وتكثر، فلو لم يَجُز العمل بالعام في صورة من الصور إلا بعدَ أن يُعلَم أو يَغلِبَ على الظن انتفاءُ كلِّ ما يعارضُ العمومَ في كل فرد من أفراد العموم= لتوقفَ الاستدلالُ به على طرفي البرّ، ومعلومٌ أن هذا فاسد. وأيضًا فإن الصحابة والتابعين أجمعوا على العمل بالعمومات المخصوصة في الكتاب والسنة، إذ قيل: إن أكثر العمومات مخصوصةٌ، ولو لم يكن المقتضي للعمل بها ثَمَّ لما جاز العمل بها بدون المقتضي، والمقتضي

стр. 283

إما دلالة اللفظ أو غيره، والثاني منتفٍ، لأن الأصل عدم الغير، ولأنا رأيناهم لا يتوقفون عند سماع اللفظ على غيره، ورأيناهم يَعزُونَ الحكمَ إلى اللفظ، ولأن القضايا المتعددة إذا اشتركت في حكمٍ وسببٍ غَلبَ على الظن أن ذلك السبب هو الموجب للحكم، فإذا كان اللفظ هو المقتضي مع تخصيصه وهو موجود وجبَ العملُ به. وأيضًا فلو لم يكن اللفظ مقتضيًا لشيءٍ من الأفراد إلَّا بشرط اقتضائه لسائرها، لكان التخصيصُ إخراجًا لجميع الأفراد عن اقتضاء اللفظ لها، وذلك تعطيل اللفظ، فوجب أن لا يكون التخصيص جائزًا، لإفضائِه (١) إلى تعطيل اللفظ، وفي إجماع أهل اللغة والشريعة بل إجماع الأمم على جوازه ووقوعه وحُسْنِه ما يَمنعُ هذا. وإذا ثبتَ أن المقتضي قائم، فلم يعارضه إلا قياس التخصيص، والقياس لا يجوز أن يعارض النص، لأن النبي ﷺ قال لمعاذ: «بم تَحكُم؟» قال: بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد؟» قال: فبسنة رسول الله، قال: «فإن لم تجد؟» قال: أجتهد رأيي ولا آلُو. قال: «الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله لما يُرضِي رسولَ الله» (٢). فصوَّب النبي ﷺ معاذًا على تركه العملَ باجتهاد الرأي [عند وجود ما يُحكَم به في الكتاب والسنة. والقياس يكون باجتهاد الرأي] (٣)، بل هو أخص الاستنباطات باجتهاد الرأي، فوجب أن يكون تركه عند وجود ما يُحكَم به في الكتاب والسنة صوابًا، ومن وجدَ العامَّ المخصوصَ فقد وجدَ ما يحكم به في الكتاب والسنة، فيكون تركُه

стр. 284

للقياسِ صوابًا، وإذا كان صوابًا لم يكن القياس حجةً على هذا التقدير، لأن ترك الحجة الشرعية ليس بصوابٍ، فعُلِمَ أنه ليس بحجة. وأيضًا [ق ١٢١] فإن الله سبحانه يقول في كتابه العزيز: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، والمتنازعان إذا احتجَّ أحدُهما بعموم والآخر بقياس، فعليهما أن يردّاه إلى الله والرسول، والعموم كلامُ الله وكلام رسوله، والرد إليه يُوجِبُ إحقاقَ قولِ المحتجّ به وإبطال قول [الآخر] (١). وأيضًا فإن العموم كلام الله أو الرسول، ودالٌّ بنفسه على مقصود الشارع، ومرادُه لا يتوقف على ثبوت الحكم في الأصل ثم على استخراج العلة ثم على ثبوتها في الفرع (٢)، وذلك إنما يُعلَم باجتهادنا واستنباطنا، والخطأ سريعٌ إلى أهل الاستنباط، فوجبَ تقديمُ ما يَبعُد عن الغلط على (٣) ما يقرب إليه. واعلم أن هذه الأسولة وإن كان لها غَورٌ وفيها كلام طويلٌ، إلا أن القصدَ هنا إيرادُ سُؤالٍ متوجهٍ من هذه الجهة، وإن كان يمكن أن يكون عنه أجوبةٌ صحيحة، فإن مثل هذه الأسولة أفتَحُ لباب الفائدة من الأسولة المعوجَّة المعكوسة. الثالث: سلَّمنا جوازَ تخصيص هذا العموم بالقياس، لكن بأيّ قياس؟ أبالقياس الجلي أو بمطلق القياس؟ الأول مسلَّم، والثاني ممنوع (٤)، فعليك

стр. 285

أن تبيِّن أن هذا القياس من الأقيسة الجلية. وهذا لأنَّ القياس الجلي مثل ما تكون علتُه منصوصةً، أو يكون في معنى الأصل، أو أولى منه بالحكم، إما أن تكون دلالته سمعيةً أو عقليةً ظاهرةً لا تتوقف على كثير بحث ونظر، ولهذا يشترك فيه العلماء والعامة، فجرى مجرى النص، فإن التخصيص به تخصيص (١) بالنص. أما الخفي مع كثرة تطرق الخطأ إليه، فإذا أطلق الشارع لفظًا عامًّا ظاهرًا في العموم، وأراد منّا أن لا يُعمَل به في بعض الصور، لأن في بعض الأحكام معانيَ خفية إذا استنبطت فُهِمَ منها عدمُ إرادة تلك الصور= كان ذلك شبيهًا بالتلبيس والتدليس، وهو غير جائز على الشارع، ومتى جوَّزنا ذلك لم نَثِقْ بمقتضى شيء من العمومات والظواهر. الرابع: سلّمنا جواز التخصيص بكل قياس، لكن لا بدَّ أن يكون القياس صحيحًا، فإن الإجماع منعقدٌ (٢) على امتناع تخصيصه بقياس فاسدٍ، فعليك أن تُبيِّن صحةَ القياس، وإنما تتبين صحة القياس إذا ثبتَ اشتراكُ الأصل والفرع في الموجب للحكم في الأصل. قوله: «لأن التخصيصَ ثمة إنما كان لدفع ضرر وجوب الرجم بالمناسبة، إلى آخرِ ما مرَّ في فصل القياس سؤالًا وجوابًا». قلنا: لا نُسلِّم أنه إنما كان لدفع الضرر. وأما المناسبة التي ادعاها فلم يُبيِّنها، ونحن نُبيِّنها لنكشِف سِتْرَها، وذلك أنه يقول: دفعُ الضرر مناسبٌ لعدمِ الوجوب، بمعنى أنه يَحسُن في نظر العقلاء أن يُضافَ أحدُهما إلى الآخر ويُنسَب إليه، لأن دفعَ [ق ١٢٢] الضرر أمرٌ مطلوبٌ، وعدم الوجوب
следующие страницы →