← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18645

تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل

ابن تيمية

Полный текст (694 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

«الثيبان يُرجَمان» [أنَّ] كلَّ ثيّب يُرجم، وإنما المراد الزانيان الثيبان يُرجَمان، والزانيان البكرانِ يُجلَدانِ. وقوله: «الثيب بالثيب» أبلغُ، فإن الباء تدلُّ على فعل الزنا، وقد صرّح به في اللفظ الثالث. وإن كان المراد الثيبان الزانيان إما بنفس اللفظ أو بسياق الكلام، فنقول: من شَهِدَ عليه بالزنا أهلُ الذمة ومن تُرَدُّ شهادتُه، لا نُسلِّم أنه زانٍ حتى يدخل في عموم اللفظ، أكثر ما في الباب أنه قد أخبرَ جماعةٌ من الفساق أنه زانٍ، وذلك لا يُوجِبُ أن يكون زانيًا لا في الحقيقة ولا في الحكم الشرعي، أما في الحقيقة فلجواز كذبهم، ولهذا يُحَدُّون حدَّ القَذْفِ عند كثير من الفقهاء. وبالجملة فعلى المخصِّص أن يبين أن هذا زانٍ، وأنَّى يقدر على ذلك! وقوله: «ظهر زناه بشهادة أهل الذمة» دعوى محضة، وإلّا فلا ظهورَ بقول من كذَّبه الله وأوجب عليه الحدَّ. وقوله: «على معنى عدمِ إرادتِه مع تناول اللفظ له». قلنا: عدم الإرادة مسلَّمٌ، وأما تناول اللفظ فغير مسلَّم، ولا يكون التخصيص تخصيصًا حتى يتبين عدمُ مراد المتكلم بعض الصور التي يتناولها اللفظ. الثاني: لو سلَّمنا أن صورة الإجماع مخصوصة فلماذا يجب تخصيص صورة النزاع؟ قوله: «بالقياس عليه».

стр. 282

قلنا: ولِمَ قلتَ: إنّ القياس يُوجِبُ تخصيصَ العام، ولم تَذكر عليه دليلًا، والدليل على خلافِه أن المقتضي لوجوب سائر الصور موجود، وهذا اللفظ العام المجرَّد عن قرينة التخصيص للصورة التي لم تُخَصَّ. وإنما قلنا: إن هذا هو المقتضي لأن المقتضي إما اللفظ المطلق كما ذكرناه، أو اللفظ بشرطِ بُقْيَاه على العموم، فلو كان شرطًا لم يَجُزْ لأحد أن يستدلَّ بالعموم على فردٍ من أفراده حتى يعلم أن سائر الأفراد مرادة منه، [و] حتى يعلم أن الفرد الأول مراد، فيتوقف العلم بإرادة كل واحدٍ من الأفراد على العلم بإرادة الآخر، وهو دور باطل. فإن قلتَ: الشرط هو عدم التخصيص [ق ١٢٠] لهذا الفرد ولسائر الأفراد، لا العلم بإرادته. قلتُ: فعلى هذا لا يجوز الاستدلالُ به على فردٍ حتى أبحث عن جميع أفراد العام، وأبحث عن جميع المخصِّصات لجميع الأفراد، فإذا لم أجد شيئًا من المخصِّصات لشيء من الأفراد عملتُ به في صورة واحدة. ومعلومٌ أن أفراد العام قد تفوق الإحصاءَ والعدَّ، والأدلة المعارضة لحكم العموم في كل فرد قد تتعدد وتكثر، فلو لم يَجُز العمل بالعام في صورة من الصور إلا بعدَ أن يُعلَم أو يَغلِبَ على الظن انتفاءُ كلِّ ما يعارضُ العمومَ في كل فرد من أفراد العموم= لتوقفَ الاستدلالُ به على طرفي البرّ، ومعلومٌ أن هذا فاسد. وأيضًا فإن الصحابة والتابعين أجمعوا على العمل بالعمومات المخصوصة في الكتاب والسنة، إذ قيل: إن أكثر العمومات مخصوصةٌ، ولو لم يكن المقتضي للعمل بها ثَمَّ لما جاز العمل بها بدون المقتضي، والمقتضي

стр. 283

إما دلالة اللفظ أو غيره، والثاني منتفٍ، لأن الأصل عدم الغير، ولأنا رأيناهم لا يتوقفون عند سماع اللفظ على غيره، ورأيناهم يَعزُونَ الحكمَ إلى اللفظ، ولأن القضايا المتعددة إذا اشتركت في حكمٍ وسببٍ غَلبَ على الظن أن ذلك السبب هو الموجب للحكم، فإذا كان اللفظ هو المقتضي مع تخصيصه وهو موجود وجبَ العملُ به. وأيضًا فلو لم يكن اللفظ مقتضيًا لشيءٍ من الأفراد إلَّا بشرط اقتضائه لسائرها، لكان التخصيصُ إخراجًا لجميع الأفراد عن اقتضاء اللفظ لها، وذلك تعطيل اللفظ، فوجب أن لا يكون التخصيص جائزًا، لإفضائِه (١) إلى تعطيل اللفظ، وفي إجماع أهل اللغة والشريعة بل إجماع الأمم على جوازه ووقوعه وحُسْنِه ما يَمنعُ هذا. وإذا ثبتَ أن المقتضي قائم، فلم يعارضه إلا قياس التخصيص، والقياس لا يجوز أن يعارض النص، لأن النبي ﷺ قال لمعاذ: «بم تَحكُم؟» قال: بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد؟» قال: فبسنة رسول الله، قال: «فإن لم تجد؟» قال: أجتهد رأيي ولا آلُو. قال: «الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله لما يُرضِي رسولَ الله» (٢). فصوَّب النبي ﷺ معاذًا على تركه العملَ باجتهاد الرأي [عند وجود ما يُحكَم به في الكتاب والسنة. والقياس يكون باجتهاد الرأي] (٣)، بل هو أخص الاستنباطات باجتهاد الرأي، فوجب أن يكون تركه عند وجود ما يُحكَم به في الكتاب والسنة صوابًا، ومن وجدَ العامَّ المخصوصَ فقد وجدَ ما يحكم به في الكتاب والسنة، فيكون تركُه

стр. 284

للقياسِ صوابًا، وإذا كان صوابًا لم يكن القياس حجةً على هذا التقدير، لأن ترك الحجة الشرعية ليس بصوابٍ، فعُلِمَ أنه ليس بحجة. وأيضًا [ق ١٢١] فإن الله سبحانه يقول في كتابه العزيز: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، والمتنازعان إذا احتجَّ أحدُهما بعموم والآخر بقياس، فعليهما أن يردّاه إلى الله والرسول، والعموم كلامُ الله وكلام رسوله، والرد إليه يُوجِبُ إحقاقَ قولِ المحتجّ به وإبطال قول [الآخر] (١). وأيضًا فإن العموم كلام الله أو الرسول، ودالٌّ بنفسه على مقصود الشارع، ومرادُه لا يتوقف على ثبوت الحكم في الأصل ثم على استخراج العلة ثم على ثبوتها في الفرع (٢)، وذلك إنما يُعلَم باجتهادنا واستنباطنا، والخطأ سريعٌ إلى أهل الاستنباط، فوجبَ تقديمُ ما يَبعُد عن الغلط على (٣) ما يقرب إليه. واعلم أن هذه الأسولة وإن كان لها غَورٌ وفيها كلام طويلٌ، إلا أن القصدَ هنا إيرادُ سُؤالٍ متوجهٍ من هذه الجهة، وإن كان يمكن أن يكون عنه أجوبةٌ صحيحة، فإن مثل هذه الأسولة أفتَحُ لباب الفائدة من الأسولة المعوجَّة المعكوسة. الثالث: سلَّمنا جوازَ تخصيص هذا العموم بالقياس، لكن بأيّ قياس؟ أبالقياس الجلي أو بمطلق القياس؟ الأول مسلَّم، والثاني ممنوع (٤)، فعليك

стр. 285

أن تبيِّن أن هذا القياس من الأقيسة الجلية. وهذا لأنَّ القياس الجلي مثل ما تكون علتُه منصوصةً، أو يكون في معنى الأصل، أو أولى منه بالحكم، إما أن تكون دلالته سمعيةً أو عقليةً ظاهرةً لا تتوقف على كثير بحث ونظر، ولهذا يشترك فيه العلماء والعامة، فجرى مجرى النص، فإن التخصيص به تخصيص (١) بالنص. أما الخفي مع كثرة تطرق الخطأ إليه، فإذا أطلق الشارع لفظًا عامًّا ظاهرًا في العموم، وأراد منّا أن لا يُعمَل به في بعض الصور، لأن في بعض الأحكام معانيَ خفية إذا استنبطت فُهِمَ منها عدمُ إرادة تلك الصور= كان ذلك شبيهًا بالتلبيس والتدليس، وهو غير جائز على الشارع، ومتى جوَّزنا ذلك لم نَثِقْ بمقتضى شيء من العمومات والظواهر. الرابع: سلّمنا جواز التخصيص بكل قياس، لكن لا بدَّ أن يكون القياس صحيحًا، فإن الإجماع منعقدٌ (٢) على امتناع تخصيصه بقياس فاسدٍ، فعليك أن تُبيِّن صحةَ القياس، وإنما تتبين صحة القياس إذا ثبتَ اشتراكُ الأصل والفرع في الموجب للحكم في الأصل. قوله: «لأن التخصيصَ ثمة إنما كان لدفع ضرر وجوب الرجم بالمناسبة، إلى آخرِ ما مرَّ في فصل القياس سؤالًا وجوابًا». قلنا: لا نُسلِّم أنه إنما كان لدفع الضرر. وأما المناسبة التي ادعاها فلم يُبيِّنها، ونحن نُبيِّنها لنكشِف سِتْرَها، وذلك أنه يقول: دفعُ الضرر مناسبٌ لعدمِ الوجوب، بمعنى أنه يَحسُن في نظر العقلاء أن يُضافَ أحدُهما إلى الآخر ويُنسَب إليه، لأن دفعَ [ق ١٢٢] الضرر أمرٌ مطلوبٌ، وعدم الوجوب

стр. 286

طريقٌ صالح له، وإذا رأينا مباشرةَ الحكيم الطريقَ الصالح لتحصيل أمر مطلوب، يغلبُ على ظننا أنه إنما باشره لأجل ذلك المطلوب. فلو رأينا الشرع قد منع الوجوب في صورة التخصيص، ورأينا هذا المنع طريقًا إلى دفع الضرر عن المرجوم، غلب على ظننا أنه إنما فعل ذلك لدفع الضرر، فيكون عدمُ الوجوب مضافًا إلى دفع الضرر، وصورةُ القياس يحصل فيها ضررٌ بتقدير وجوب الرجم، فيكون دفعه علةً لعدم الوجوب، فينتفي الوجوب لإرادة دفعه. هذا تقريره، وهذا أفسد مما ذكره في فصل القياس، ويتبيَّنُ فساده من وجوه: أحدها: لا نسلِّم أن التخصيص إنما كان لدفع الضرر، وذلك لأنّ دفع الضرر أمر مانع من الوجوب، والتعليل بالمانع يعتمد قيام المقتضي، لأنه إذا كان المقتضي منتفيًا كان انتفاءُ الوجوبِ لانتفائه، وإذا كان لانتفائه لم يكن لوجود المانع، لئلا يتوارد على المعلول الواحد بالعين علَّتانِ لا تستلزم إحداهما الأخرى، فإن ذلك لا يجوز. وإذا كان التعليل بالمانع يعتمد قيام المقتضي في الأصل، فعليك أن تُبيِّن قيامَ المقتضي في صورة التخصيص، وأنت لم تُبيِّن ذلك، فلا يكون التعليل بالمانع مقبولًا. الثاني: أن الحكم في الأصل معلَّلٌ بعدم المقتضي، لأنَّ المقتضي لوجوب الرجم الزنا المعتبرُ بشروطه، بالمناسبة الصحيحة بالدوران، بل بالنص والإجماع، وصورة النقض لم يثبت فيها المقتضي، لأن ثبوته إنما يكون بطريقه الشرعي، وشهادةُ الكفار والفسَّاق ليست طريقًا شرعيًّا. وإذا كان معللًا بعدم المقتضي لم يعلَّل بوجود المانع، وهذا منعكس في الفرع، فإن المقتضي وهو الزنا قائم فيه، لأن التقدير ما إذا ثبتَ زناه بإقراره أو ببينة، وإنما الكلام في كون كفره مانعًا أو إيمانه شرطًا.

стр. 287

فإن قال: دفعُ الضرر عمن لم يَزنِ مناسبٌ لعدم وجوب الرجم، وإنما اندفع (١) الرجمُ للضرر فيه. قلتُ: عدمُ الوجوب يكفي فيه عدم المُوجِب، ولا يُحتاج في عدم الوجوب إلى إفضائه إلى دفع الضرر. الثالث: قوله: «التخصيص ثَمَّ إنما كان لمناسبة دفع ضرر وجوب الرجم مع عدم الإيجاب في صورة النقض». قلنا: لِمَ قلتَ: إنه كان كذلك؟ فإن قال: لأني وجدتُ هذا الوصفَ مناسبًا للحكم، فيغلبُ على الظن إضافته إليه، قلنا: إنما يفيد غلبةَ الظن إذا لم يزاحمه وصفٌ آخر لم يكن اعتقاد موجبية أحدهما بأولى من الآخر، أو بأولى من اعتقاد موجبيتهما. وفي صورة النقض كما أن دفع الضرر [ق ١٢٣] مناسب لعدم الإيجاب، فشهادة الفاسق مناسبة للتوقف فيها وعدم الحكم، كما دلَّ عليه قوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، لأنه لا يُؤمَنُ عليه الكذبُ أو المجازفة، ولا يستأهل أن يُنصَب منصبَ الائتمان على الدماء والأموال والفروج، وينفذ قولُه في غيره، لأن التوقف عما لا يُعلَم حقيقته أمرٌ مطلوبٌ في نظر العقلاء، فإذا رأينا الشارع قد أمر الحاكم بالتوقف عن الحكم بشهادة الكفار والفساق، غلبَ على الظن أنه إنما أمر بذلك لكونه مظنة الكذب (٢) أو مستحقًّا للاستخفاف والإهانة، لأن ذلك طريق صالحٌ لتحصيل هذا الغرض، وإذا كان هذا الوصف مناسبًا لم يجز

стр. 288

إضافة الحكم إلى المشترك خاصة، لأن من أعطى رجلًا فقيرًا قريبًا عالمًا، فظنَّ ظانٌّ أنه إنما أعطاه لمجرد علمِه أو قرابته كان مجازفًا، فكذلك إضافة الحكم إلى ما به الاشتراك مع صُلُوح ما به الامتياز للإضافة غير جائز. فإن قيل: فهبْ أن فِسْقَ الشهود مناسبٌ لردّهم، لكن إنما كان ذلك لأجل أن قبول شهادتهم يُفضِي إلى الضرر بالمشهود عليه، وإذا كان مطلوبه أحدَ الشيئين لأجل الآخر لم تكن إضافة الحكم إلى أحدهما مانعًا من إضافته إلى الآخر. قلنا: هذا إن سُلِّم فإنه تعليلٌ بنوع خاص من الضرر، فلا يلزم التعليل بجميع أنواع الضرر [أو] بمطلق الضرر، لأن مطلق الضرر وبعض أنواع الضرر موجود في صور كثيرة، وقد وجبَ الرجم، فلو علَّلنا بمطلق [الضرر] لزمَ انتقاضُ العلة، وإن عللنا بالضرر الناشئ من شهادة الفساق لزم اطرادُها، والتعليل بما يطرد أولى من التعليل بما ينتقض. الرابع: أن نقول: التخصيص لم يكن بمطلق دفع الضرر، بل لأنه قبولٌ لشهادةِ الفاسق المناسبة للردّ، أو لأنه إضرارٌ بمن لم تثبت منه خيانة، وذلك يناسب التحريمَ والمنعَ، لأن هذه الأوصاف قد أومأ إليها النص ودلَّ عليها الإجماعُ، فيكون أولى من تلك، ولأنها مطَّردةٌ فتكون أولى من المنتقضة. الخامس: [إما أن] تدعي أن حصول الضرر مانعٌ من وجوب الحدّ مطلقًا (١)، أو مانعٌ من وجوب الحد بعد وجود الزنا، فإن عينتَ الثاني لم ينفعك.

стр. 289

وإن قال: هو مانع، إلا إذا حصلَ الإحصان الذي اشترطه ونحو ذلك، أو مانع [ق ١٢٤] على الإطلاق، لكن ترك مدلول الدليل مقرونًا بمانعٍ لا يُبطِل دلالتَه. قلنا: فالمناسبة التي ادعيتَها لا تدلُّ على هذا التفصيل. واعلم أنّا ذكرنا ما يختصُّ بهذا النوع، وإلا فقد تقدم في فصل القياس الكلامُ المحقَّقُ في إبطال جنس ما يستدلون به من الأقيسة. قال الجدلي (١): (أو نقول: التخصيص ثابت هنا، وإلّا لما ثبتَ ثمةَ بالنافي للتخصيص، وهو المقتضي لوجوب الرجم. أو نقول: لم يرد الفرع أصلًا، وإلا لأريدَ مع الأصل بالمقتضي للإرادة). هذان تقريرانِ آخرانِ لقياس التخصيص، فإنهم يُثبِتون التخصيصَ في الفرع بأنواعٍ من جنس أدلتهم من التلازم والتنافي وغيرهما، مثل أن يقول: التخصيص ثابت في صورة النزاع، وإلا لما ثبت في صورة الإجماع بالنافي للتخصيص مطلقًا، أو بالنافي للتخصيص السالم عن معارضة ثبوت التخصيص في صورة النزاع، فإنه معارض للنافي للتخصيص. وإنما قلنا: إن النافي للتخصيص قائم، لأن الخطاب العام مقتضٍ لإرادة جميع الأفراد، ودالٌّ على ذلك عند جميع الطوائف إلّا عند من لا يُبالَى به من الواقفة [و] نحوهم، ولأنه لو لم يكن الخطاب العام مقتضيًا للشمول والعموم لما صحَّ أن يعارَض به ما يناقضه في صورة التخصيص، وحينئذٍ فيَبطُل الاعتراضُ به، ولا يحتاج المستدل أن يقول: خُصَّ منه صورة

стр. 290

الإجماع فيُخصَّ صورةُ النزاع. وإذا كان الخطاب العام موجبًا للشمول والعموم فذلك ينافي عدم الشمول، والتخصيص مستلزم لعدم الشمول، فالمقتضي لشمول الخطاب العام نافٍ للتخصيص، وهو المطلوب. وأيضًا فإنه بتقدير التخصيص يتعارض الخطاب العام والدليل المخصص، وذلك مقتضٍ لترك أحدهما، لأنه إن أبقَى العامَّ على عمومه ترك العمل بالمخصص، وإن لم يُبقِ على عمومه ترك العمل به في صورة التخصيص. أو يقال: إن عملَ بالمعارض الخاص لزمَ تركُ العمل العام في قدره، وإن لم يعمل به تركَ الخاصَّ، وإذا كان ذلك التقدير موجبًا للتعارض كان خلاف الأصل. وأيضًا فإن تخصيص الصورة من الخطاب الذي يقتضي الوجوب لا يكون إلا بعد قيام ما يقتضي الوجوب، ويكون التخصيص تركًا لموجب ذلك المقتضي، فيكون ذلك المقتضي مما ينافي التخصيص. ومثل أن يقول: تخصيص صورة الإجماع مع عدم تخصيص [صورة] النزاع لا يجتمعان، لأن المشترك بينهما إن كان مانعًا من [ق ١٢٥] الإرادة ثبتَ التخصيص، وإن لم يكن مانعًا انتفى التخصيص لوجود النافي له السالم عن معارضة مانعية المشترك من الإرادة. ومثل أن يقول: الفرع غير مرادٍ من النص، لأنه لو أريد لأريدَ مع الأصل للمقتضي للإرادة، ولا يتحقق إرادتهما، فلا يتحقق إرادة الفرع. فإن قال: ولا يتحقق إرادة الأصل صحَّ أيضًا.

стр. 291

قيل: يمكن المعارضَ أن يعدِّيه بأن يقول: لو لم يُرَد الفرعُ لأريدَ مع الأصل، ولا يتحقق إرادته. كما يمكنه المقابلة لو قال المستدل: لو أُريدَ الفرعُ لأُريدَ الأصلُ، ولا يتحقق إرادته، بأن يقول: لو لم يرد الفرع لأريد الأصل، ولا يتحقق إرادته، والأجود الفرق، فإنه إذا قال: لو لم يرد الفرع لأريد مع الأصل، فإنه ادعى إرادتَهما على تقدير عدم إرادة أحدهما، ومعلومٌ أنه إذا لم يرد أحدهما لا يتحقق إرادتهما. فإن قيل: المدعَى إرادتهما على تقدير عدم إرادة الفرع وحده. قيل: أولًا: هذا خلاف معنى الكلام، فإن عدم إرادة الفرع أعمُّ من عدمِ إرادته بصفة الانفراد وبصفة الاجتماع. وثانيًا: إن المستدلَّ يقول: قولي «ولا يراد الأصل» أي لا تنحصر الإرادة فيه ولا تتدخل فيها، والمعترض لا يمكنه أن يقول: لو لم يرد بوجهٍ ما لا يدفع الأصل. ثم من عادتهم أن يقول الخصم: لا أسلِّم قيامَ المقتضي اللازم على هذا التقدير، فإنه إذا أريد الفرع قد لا يُراد الأصل بالمانع من إرادته خصوصًا، وهو أنَّ في إرادته مع إرادة الفرع زيادةَ تركِ العمل بما ينفي إرادتهما، فإن المانع من إرادتهما إذا تُرِكَ العملُ به في الفرع ثم تُرِكَ في الأصل ازدادت مخالفة الأصل. فيقال له: لا نسلِّم قيامَ المانع على تقدير إرادة الفرع. فيقول: هو واقع في الواقع، فيكون واقعًا على التقدير. فيقال له مثل ما قيل في التلازم، وقد تقدم الكلام في ذلك، وبيَّنا فسادَ ما

стр. 292

ذكر الجدليُّ أنه يقرر به القياس المخصص، وذلك من وجوه: أحدها: أن يقول: التخصيص ثابت في عدم الإحصان المدَّعى، وهو زنا الكافر مثلًا، لأنه لو لم يكن ثابتًا هناك لما ثبتَ في صورة الإجماع، وهو الزنا الذي لم يثبت ونحوه، لأن النافي للتخصيص ثابت، وهو المقتضي لوجوب الرجم، وهو شمول اللفظ له. فيقال له: لا نُسلِّم أنه لو لم يثبت هنا لما [ق ١٢٦] ثبتَ في صورة الإجماع. أما في هذا المثال الذي ذكرَه فلأن تلك المسألة غير مندرجة في عموم اللفظ، ولا مقتضي للوجوب فيها، وإذا لم تكن مخصوصةً ولا مقتضِيَ فيها للوجوب فقوله: «لو لم يكن التخصيص لم يثبت في صورة الإجماع» [باطل]، ولكن لا يلزم من عدم ثبوت التخصيص ثبوتُ وجوبِ الرجم إلّا إذا ثبتَ دخولُه في العام. الوجه الثاني: أنّا لا نسلِّم التلازمَ، وأما النافي للتخصيص فهو إنما ينفي التخصيص على التقديرات الواقعة في الواقع، أو على التقديرات التي لا تنافيه، لأنه لو نفاه على كل تقديرٍ لنَفاه على تقدير عدم النافي ووجوده، وعلى تقدير عدم الرسول ووجوده، وعلى تقدير وجود الزنا وعدمه، وعلى كل تقدير باطل، وهذا محال، فعُلِمَ أنه إنما ينفيه على كل تقدير واقعٍ أو تقديرٍ لا ينافيه. فإذا ادعيتَ قيامَ المانع من التخصيص في الأصل على تقدير عدم التخصيص في الفرع، فإن كان عدم هذا التخصيص واقعًا لم يصحَّ دعوى التخصيص حينئذٍ، وإن لم يكن واقعًا لم يصح دعوى قيام النافي للتخصيص في الفرع. إن لم يكن واقعًا فلا يصح الاستدلال على وقوعه،

стр. 293

وإن كان واقعًا لم يصح الاستدلال بالنافي على تقدير غير واقع، لاسيما الاستدلال بالنافي للتخصيص على تقدير التخصيص. الوجه الثالث: أن المانع من التخصيص في صورة النزاع موجود، وهو العموم ونحوه كما تقدم، فيكون امتناع التخصيص واقعًا لقيام مقتضيه، فيكون التخصيصُ غيرَ واقع، وإذا كان التخصيص في صورة النزاع غيرَ واقع في الواقع لم يكن المقتضي للوجوب النافي للتخصيص في صورة الإجماع واقعًا على هذا التقدير، لأنه يكون واقعًا على تقدير عدم الواقع، فيكون الواقع مستلزمًا لغير الواقع، وذلك جمعٌ بين النقيضين، وهو محال. الوجه الرابع: النافي للتخصيص قد ترك العمل به في صورة الإجماع بالإجماع، فلا يبقى نافيًا للتخصيص في الأصل ولا مقتضيًا، للإجماع على عدم نفيه للتخصيص وعدم اقتضائه للوجوب في هذه الصورة، فلا يصحُّ الاستدلال به. الوجه الخامس: أن تخصيص الأصلِ [ق ١٢٧] واقع في الواقع بالإجماع، فيكون واقعًا على تقدير عدم التخصيص في الفرعِ، لأنه لا منافاةَ بين تخصيص الأصل وعدم تخصيص الفرع، إذ لو تنافيا لكان إذا خصَّصنا صورةً يلزم تخصيصُ كل صورة، وهو خلاف الإجماع. الوجه السادس: أن النافي للتخصيص لا اختصاصَ له بتقدير التخصيص في الفرع وعدمه، فإمّا أن يكون دالًّا على التقديرينِ أو لا يكون دالًّا، وليس دالًّا على التقديرين بالإجماع، فتعيَّن أن لا يكون دالًّا على التقديرين، أعني تقدير التخصيص في الفرع وعدمه، وإذا لم يكن دالًّا على انتفاء التخصيص في الأصل بطلَ الاستدلالُ به.

стр. 294

الوجه السابع: أن النافي للتخصيص نَفَى التخصيصَ في الصورتين، فإذا التزم مخالفته في إحداهما بالإجماع لم يجب أن يلتزم مخالفته في الأخرى، لما فيه من تكثير مخالفة النافي. الوجه الثامن: أنه إما أن يكون النافي للتخصيص قائمًا أو لا يكون، فإن لم يكن بطلَ الاستدلالُ، وإن كان قائمًا فهو نافٍ للتخصيص في الفرع، فإمّا أن ينتفي التخصيص في الفرع أو يتعارض مقتضيه ونافيه، وكلاهما ينقض الاستدلال. التاسع: أن يقال: ليس [النافي] للتخصيص ثابتًا، لأنه لو كان ثابتًا لما ثبتَ التخصيصُ في الأصل بالنافي له. واعلم أن فسادَ هذا الكلام له طرق كثيرة، وقد تقدم في التلازم طرفٌ من ذلك. وأما قوله: «أو نقول: لم يرد الفرع أصلًا، وإلّا لأريد مع الأصل بالمقتضي للإرادة» وهو اللفظ العام، وإرادته مع الأصل محال، فإرادتُه محالٌ. وقد علمتَ أن في حصول المثال الذي ذكره يمكن منع المقتضي للإرادة أن اللفظ غير عام كما قدمناه، لكنا نسامحه في ذلك، لأن القصد الكلام على مثل هذا التركيب الفاسد، فنقول: لا نسلِّم أنه لو أريد لأريد مع الأصل، فإن هذه الملازمة ممنوعة. قوله: «المقتضي للإرادة». قلنا: المقتضي للإرادة يقتضي إرادتَه على كل تقديرٍ أم على كل تقديرٍ واقع؟ فإن ادعى الأولَ فهو ممنوع باطل، وإن ادعى الثاني فإرادة الأصل غير واقعة، فقوله: «لو أُريدَ لأريدَ مع الأصل بالمقتضي» معناه أن المقتضي يقتضي

стр. 295

إرادتهما، مع العلم بأن أحدهما (١) غير مراد. ثم نقول: إذا كان الأصل يقتضي إرادتهما، وقد ترك هذا الأصل في حكم الأصل، كان تركًا للدليل، وترك الدليل على خلاف الأصل, فتكون كثرته على خلاف الأصل، فلا يلزم تركُ الدليل [ق ١٢٨] في الفرع، لما فيه من تكثير مخالفة الأصل. واعلم أن قوله: «لو أريد لأريد مع الأصل بالمقتضي للإرادة» هو بعينه معنى قوله: «لو لم يخصّ الفرع لما خصّ الأصل بالنافي للتخصيص»، فإن إرادة الحكم هو عدم تخصيصه، والمقتضي للإرادة نافٍ للتخصيص، فكلُّ ما قدمناه على التقدير الأول يأتي هاهنا. قال (٢): (ولئن منع التلازم (٣) بالمانع فنقول: المانع غير متحقق على ما ذكرتم من التقدير، وإلا لوقع التعارض بينه وبين المقتضي على ما عُرِفَ). يقول: إن منعَ المعترضُ التلازمَ أي إرادة الأصل على تقدير إرادة الفرع أو عدم التخصيص في الأصل، وذلك المانع هو النصوص المختصة بالأصل أو الإجماع المختص به أو المناسبة المختصة به. أو يقول: لو أريدَ الأصلُ للزم زيادة ترك العمل بما ينفي الحكم، فإن الأدلة المانعة للوجوب تَنفي إرادتَهما، وإذا تركنا العمل به فيهما زادَ تركُ العمل بها، وذلك منتفٍ. أو يقول: لا أسلِّم أنه لو لم يثبت التخصيص في الفرع لما ثبتَ في الأصل، أو لا أسلِّم أنه لو أريد الفرع لأريد الأصل، لأن النافي للإرادة ــ وهو الإجماع

стр. 296

والضرر اللاحق ــ يمنع الوجوب والإرادة في الأصل، وذلك يقتضي أن يكون مانعًا على هذا التقدير، كما قرِّرَ في التلازم أن المانع مستمرٌّ في الواقع، فيكون مانعًا على هذا التقدير. فإنه يجاب (١) بأن يقال له: المانع الواقع في الواقع غيرُ واقع على تقدير إرادة الفرع أو عدم التخصيص فيه، لأنه لو كان واقعًا للزم التعارضُ بين المقتضي للوجوب أو المقتضي للإرادة وبين المانع من ذلك، والتعارض بين الأدلة على خلاف الأصل. وهذا شبيهٌ بما ذكره في التلازم، حيث ألزمَ السائلَ تعارضًا يلزمُ منه تركُ أحدِ الدليلين، فيكون على خلاف الأصل، بخلاف ما إذا منع ثبوت أحدهما على التقدير، فلا يكون تركًا لأحدهما، وتركُ أحدهما على تقديرٍ ليس تركًا له في نفس الأمر كما تقدم، لأن أحد الأمرين لازمٌ في نفس الأمر، وهو إمّا عدم الدليل أو وجود مدلوله، وهذا التقدير غير واقع، لأنه تقدير عدم تخصيص غير واقع، فلا يضرُّ إذا لزمَ عليه تركُ العمل بالنافي. واعلم أن هذا الجواب ليس بصحيح كما تقدم في التلازم، وذلك أن المعترض يقول: لا أسلِّم ثبوتَ التلازم كما قررناه، ولا يحتاج أن يُسنِدَ منعَه إلى وجود مانع، بل يمنعه ويقرر منعَه من الوجه الذي بيناه، وهو أنّا لا نُسلِّم وجود المقتضي والإرادة في الأصل على تقدير الملزوم، من الوجوه التي تقدمت. ويمكن المعترض تقرير كلامه بوجهٍ آخر نحو مما قرَّر المستدل [ق ١٢٩] كلامه في اللازم، وكما قرر كلامه هنا في جوابه، بأن يقول: لو لم

стр. 297

يُرَد الفرعُ أو لم يُخَصّ الفرعُ لزمَ مخالفةُ المقتضي، لأن المقتضي لإرادته والنافي لتخصيصه قائم، ولو كان تخصيص الأصل وعدم إرادته مستلزمًا لتخصيص الفرع وعدم إرادته لزمَ التعارضُ بين المقتضي لإرادة الفرع والنافي (١) لإرادته، لأن العموم يقتضي إرادتَه، وقياسه على الأصل يقتضي عدمَ إرادته، والتعارضُ يستلزمُ تركَ أحدِ الدليلين، وهو خلاف الأصل. أو يقول: المقتضي لوجوب الرجم غير موجودٍ على تقدير استلزام التخصيص في الأصل التخصيصَ في الفرع، لأنه لو كان موجودًا تعارض المقتضي لوجود الرجم في الفرع والمانعُ وهو الملازمة، والمعارضة على خلاف الأصل. وهذا الكلام هنا في غاية الحسن، وهو أحسن من إيراده في جواب هذا السائل. نعم يَرِدُ عليه أنه تركَ المقتضي في الأصل، فيقال: ما كان على خلاف الأصل، فتكثيرهُ على خلاف الأصل، فيجب الاحتراز عن مخالفة الأصل مهما أمكن. فهذه أجوبةٌ محققة يبطُلُ بها كلام المستدل على هذا الوجه، وكذلك منعه اللازم صحيح والمانع صحيح. وقول المستدل: «إن المانع غير متحقق، لأنه لو تحقق لوقع التعارض». قلنا: هذا مُقابَلٌ بمثلِه، فإنه لو تحقق المقتضي لإرادة الأصل لوقعَ التعارضُ بينه وبين المانع منه، والتعارضُ على خلاف الأصل. وأيضًا فالتعارض واقعٌ في الواقع، فلا يضرُّ التزامُه على هذا التقدير. وقد تقدَّمَ

стр. 298

الكلامُ على مثل هذا في التلازم. قال المصنف (١): (ولئن قال: لِمَ قلتم بأن التخصيصَ عبارةٌ عما ذكرتم؟ فنقول: بالنقل وعمومه موارد استعمال اسم التخصيص في الشرع). اعلم أن التخصيص في الأصل مصدر خَصَّصْتُ الشيءَ أُخصِّصُه تخصيصًا، ويقال: خَصَصْتُه أخُصُّه (٢) خصوصًا، واختصصتُه أختَصُّه اختصاصًا، إذا جعلتَه خاصًّا في نفسه أو في اعتقادك واعتقادِ غيرِك، أي عينًا أو علمًا. وكذلك عظّمتُه وشرَّفتُه، أي جعلتُه عظيمًا في نفسِه أو جعلتُه عظيمًا في نفسي، وكذلك كثيرٌ من الأفعال المتعدية. وتخصيصه إفرادُهُ من غيرِه، وله في باب العموم عدةُ معانٍ: أحدها: أن التخصيص إفراد الشيء بالحكم أو بالذكر، بمعنى أنك لم تَقرِنْ به غيرَه، مثلَ أن تقول: زيدٌ قائمٌ، «الأيِّمُ أحقُّ بنفسِها من وليِّها» (٣)، و «مَطْلُ الغنيّ ظلمٌ» (٤). فهذا هو التخصيص المبتدأ، لأنك لم تُخرِجه من عموم لفظيّ شَمِلَه وغيرَه. وهذا [ق ١٣٠] التخصيص إن عُلِمَ أنه تخصيصٌ في الحكم فلا كلام، وإن لم يُعلم فهل يدل تخصيصُه بالذكر على تخصيصه بالحكم؟ فيه الاختلاف المشهور بين القائلين بالمفهوم ودلالته والمانعين من الاستدلال به. الثاني: أن تقول: خصصتُه إذا أخرجتَه من لفظك العام بإرادتك عدمَ

стр. 299

دخوله، أو بعدم إرادتِك دخولَه، وهذا هو الأصل في تخصيص العام. فإذا قيل: إن الله سبحانه خصَّ من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] العبد والكافر والقاتل، فمعناه أنه لم يُرِد دخولهم في الحكم، بل أراد عدم دخولهم. وكذلك المتكلم من الخلق إذا قال: من دخل داري من نسائي فهي طالقٌ، واستثنى بقلبه «إلا زينب» نفعَه هذا الاستثناءُ فيما بينه وبين الله، وفي قبوله في الحكم خلاف مشهور، لكن هذه الإرادة ــ أعني إرادة الله سبحانه أو إرادة المتكلم ــ لما كانت خفيَّةً (١) عن الخلق جعل ما يدلُّ عليها مخصَّصًا، والمستدلُّ بذلك الدليل مخصِّصا. فهذا هو المعنى الثالث. والرابع من معاني التخصيص: فإنّا نقول: قولُ النبي ﷺ : «لا يَرِث المسلمُ الكافرَ» (٢) خصَّ آية المواريث، وقولُه: «لا يُقطع السارق إلا في رُبُع دينارٍ» (٣) خصَّ آية السرقة. أو نقول: قولُه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] خصَّ قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقوله: ﴿أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]. ويقال: فلان يخصِّصُ هذه الآية أي يعتقد أنها خاصةٌ بدليلٍ اقتضى ذلك، ثم إنك تقول: خصصتُ العامّ بكذا أي جعلتُه مخصوصًا ببعض أفراده، وخصصتُ هذه الصورة من العامّ، أي جعلتُها مخصوصةً من حكمه. فالمخصوص يُقال على العامّ الذي أُخرِج منه شيء، وعلى ما أُخرج من العامّ.

стр. 300

إذا فهمتَ هذا فقول المصنف: «تخصيص الشيء من العامّ عدمُ إرادتِه مع تناول اللفظ له» كلام جيد، إذ لو لم يكن اللفظ متناولًا لما كان تخصيصَ العام في شيء، بل كان تخصيصًا مبتدأً أو كلامًا مبتدأً، وإذا كان اللفظ متناولًا له وهو مراد فليس بمخصوصٍ، بل مرادٌ من اللفظ يَبْقَى (١) على مقتضَى العموم. ومَنْعُ السائل هنا لا وجهَ له، فإنَّ مَنْعَ دلالة اللفظ إنما يستقيم إذا كان اللفظ في الكتاب أو السنة، وقد استدلّ به على حكم، فيحتاج أن يبيّن دلالته عليه، أما لفظ التخصيص الذي يُستعمل هنا فهو لفظٌ من ألفاظ العلماء واصطلاحهم، مثل القياس والتلازم والمناسبة [ق ١٣١] والدوران، فلا وجهَ لمنعه. يُبيِّن ذلك أن المستدل يمكنه تقريرُ دليله بدون التعرض لهذا اللفظ، بأن يقول: حكم الأصل لم يُرَد من هذا اللفظ العام بالإجماع، فلذلك حكم الفرع لا يكون مرادًا بالقياس عليه، إلى آخر الكلام. أو يقول: إخراج حكم الأصل من اللفظ إنما كان للقدر المشترك بينه وبين الفرع. أو يقول: الخطاب بالعام الذي لم يتضمن حكم الأصل إنما كان للقدر المشترك بينه وبين الفرع. فإن استدلاله غير متوقف على تفسير هذا اللفظ، فما وجه الاعتراض على معناه دون معنى القياس والدوران والتلازم وغيرها، إلّا أنه في الجملة في الكلام عليه تكثير للفائدة، لكن هو منعٌ غير متوجه. ومن أهم الأشياء

стр. 301

على المناظر تمييز المُنُوعِ القادحة والمعارضات الصحيحة من المُنُوع التي لا يضرُّ منعُها والمعارضاتِ التي لا يضرّ وجودُها، لاسيما أهل هذه الطريقة، فإن أولهم كانوا يزعمون أن طريقتهم تجمع نَشْر الكلام (١) وتصونه عن الخبط وعدم الضبط، لكن الذي دعاه (٢) إلى ذلك أن التخصيص قد يكون مسلمًا في صورة الإجماع، وقد لا يكونُ كذلك، كالصورة التي مثّل بها، فإن الإجماع فيها مركب، وذلك لأنه إنما لم يجب الرجم فيها عند أبي حنيفة ومالك لعدم الإحصان الذي هو الشرط، ولم يجب عند الشافعي وأحمد في المشهور عنه لأن شهادة أهل الذمة لا تقبل عندهم، فانتفى الرجمُ لعدم البينة به، فيحتاج أن يبيّن التخصيص في هذه الصورة، بأن (٣) يبين عدم إرادتها إجماعًا مع تناول اللفظ لها. قوله: «فنقول بالنقل وعمومه مواردَ استعمال اسم التخصيص في الشرع». اعلم أن معنى اللفظ يثبتُ بالنقل عن أهل اللسان الذين خُوطِبنا بلغتهم، أو بالنقل عن العلماء بلغتهم الذين طلبوا علمها وبحثوا عنها، أو بالنقل عن أهل العرف إن كان اللفظ عُرفيًّا، أو بالنقل عن أهل العرف الخاص إن كان اللفظ اصطلاحيًّا كألفاظ الفقهاء والنحاة ونحوهم. أو يثبت بالاستعمال المجرد، وهما ظاهران، لكن لفظ التخصيص لفظ اصطلاحي عِلْمي (٤)،

стр. 302

المرجعُ فيه إلى أهل الفقه وأسبابه، فيُرجَع فيه إلى النقل عنهم، وهم قد ذكروا في تفسير الخصوص هذا المعنى الذي قاله إما باللفظ الذي قاله أو بما يُشبِهه، مثل أن يقال: إخراج ما لم يرد باللفظ العام ونحو ذلك. وأما عموم المعنى موارد استعمال اللفظ بحيث لا يستعمل اللفظ في مورد إلا وذلك المعنى الكلي موجود فيه، فإن ذلك يدلّ على أن ذلك [ق ١٣٢] المعنى هو مفهوم ذلك اللفظ ومسمّاه ومعناه، ثم منهم من يقول: ذلك المعنى حقيقة ذلك اللفظ، ومنهم من يقول: ذلك اللفظ حقيقة [المعنى، ومنهم من] يقول: الحقيقة استعمال ذلك اللفظ في ذلك المعنى، فيجعل الحقيقة تارةً عبارة عن اللفظ وهو المشهور، وتارةً عن المعنى، وتارةً عن استعمال اللفظ في المعنى، والأمر في ذلك واسعٌ. هكذا زعم أصحابُ هذا الجدل ونحوهم، والتحقيق أنه لا يُكتفَى بذلك حتى يعمّ موارد الاستعمال، ويختص بها بحيث لا يوجد في غيرها، وإلّا فلو وُجِدَ فيها ووُجِدَ في غيرها كان معنى لفظ أعم من ذلك اللفظ. مثال ذلك لفظ «حيوان»، فإذا وجدناهُ يُقال للإنسان والفرس والطير والأسد والثور وغير ذلك من الدوابّ، فقلنا: معنى الحيوان هو الجسم الحسّاس النامي المتحرك بالإرادة، لأنّا وجدنا هذا المعنى يعمُّ مواردَ استعمال لفظ الحيوان. وكذلك لفظ «إنسان» وجدناه يَرِدُ على الأسود والأبيض والعربي والعجمي والطويل والقصير والصغير والكبير من الآدميين، فقلنا: معنى الإنسان هو الحيوان الناطق، أو هو الآدمي أو هو البشري أو نحو ذلك من التفسيرات المطابقة، لأن هذا المعنى عام لموارد استعمال لفظ الإنسان في اللغة. والتحقيق أن يقال: هذا المعنى ــ المدَّعَى أنه مفهوم اللفظ ومسماه وأنه

стр. 303

حقيقة اللفظ أو اللفظ حقيقة فيه ــ مطابقٌ لموارد استعمال اللفظ عمومًا وخصوصًا، وملازم للفظ وجودًا وعدمًا، ودائرٌ معه نفيًا فيه (١)؛ أو عموم المعنى موارد الاستعمال ولزومه لها أو تلازم اللفظ والمعنى في الاستعمال يدلُّ على أنه معناه. أو دوران إرادة هذا المعنى من اللفظ مع اللفظ وجودًا وعدمًا دليلٌ على أن المدار حقيقةٌ في الدائر ودليلٌ عليه وموجبٌ له في الاستعمال اللغوي. وإيضاح هذا المعنى المدَّعَى أنه حقيقة اللفظ له ثلاثة أقسام: إمّا أن يكون أعمَّ من اللفظ، كمعنى الجسم النامي بالنسبة إلى لفظ الحيوان، وكمعنى الحساس والمتحرك بالإرادة الحيوانية إلى لفظ الإنسان. وإمّا أن يكون أخصَّ منه، كمعنى الصاهل والناطق والباغم والراعي بالنسبة إلى لفظ الحيوان، وكمعنى العربي والعجمي بالنسبة إلى لفظ الإنسان. وإمّا أن يكون مساويًا له ومطابقًا في العموم والخصوص، كما ذكرناهُ من معنى الحيوان والإنسان بالنسبة إلى [ق ١٣٣] لفظهما. فإذا قيل: عموم المعنى موارد استعمال اللفظ يوجب كون ذلك المعنى حقيقة في اللفظ. قيل له: قد يعمُّ موارد استعمال ذلك اللفظ وموارد استعمال غيره، كمعنى الجسم النامي، فإنه يعمُّ موارد استعمال لفظ الحيوان والإنسان ولفظ نبات ومعدن، ويعم معنى الجسم لفظ سماء وأرض وتراب وماء وهواء ونار

стр. 304

وغير ذلك، فلو كان مجرَّد عموم المعنى موارد الاستعمال دليل الحقيقة كان لا يشاء أحدٌ أن يجعل الألفاظ حقيقةً في أعمَّ من معناها إلا فعل ذلك، واحتجَّ بعموم المعنى المدَّعى موارد استعمال ذلك اللفظ، كما يعمّها ما هو مساوي (١) لمعنى اللفظ، وإذا كانت هذه الدعوى مستلزمةً وجودَ الباطل كانت باطلةً. فإن قيل (٢): اختصاص ذلك المعنى بموارد ذلك اللفظ أن (٣) لا يكون اللفظ مستعملًا في غير ذلك المعنى، أو كون اللفظ لا يُوجَد إلّا والمعنى العام معه، وإذا كان عدميًّا لم يجز أن يُجعَل جزءًا من المقتضي لوجوهٍ: أحدها: أن الأمر العدمي لا يجوز أن يكون علةً ولا جزءًا من العلة، وإلّا لجاز إسنادُ الحوادث إلى أمور عدميّة، حتى لا تكون دالَّةً على وجود الصانع، وهو مع كونه خلافَ إجماع الأمم معلومُ الفسادِ بالضرورةِ. الثاني: أن وجود ذلك المعنى العام في غير موارد لفظ حيوان وإنسان مع كون ذلك المعنى حقيقة اللفظ، كما منع كون معنى الجسم والنامي حقيقة لفظ حيوان وإنسان، لأن حقيقة اللفظ لا بدَّ أن تكون موجودةً حيثُ ما وُجِد اللفظ، هذا موجب اللفظ ومقتضاه، فلما وُجِدَ ذلك المعنى بدون اللفظ دلَّ على أنه ليس بحقيقة. وصار هذا مثل النقض في الحدود والأدلة والعلل والشروط والقضايا الكلية، فإن النقض يُفسد الحدَّ بالاتفاق، وإن كان في إفساده للعلة خلاف، وكون اللفظ حقيقةً في كذا هو من باب الحدود

стр. 305

اللفظية، لأن الحدَّ تارةً يكون بحسب الاسم، وتارةً يكون بحسب الوصف، فالحدُّ بحسب الاسم أن يضع اللفظ فيقول: ما حدُّ هذا اللفظ؟ أي ما هو المعنى الذي هو مقصود هذا اللفظ ومرادهُ؟ وذلك لا بدَّ أن يساويه في العموم والخصوص، وإذا كان وجود المعنى بدون اللفظ نقضًا ومانعًا يجب على المستدلِّ الاحترازُ عنه، لأنَّ تكليفَه ذلك يُفضِي إلى شططٍ عظيم ومشقة شديدة، لاحتياجه إلى بيان عدم النقض في كل صورة، فيكون ذلك من وظيفة المعترض، لأن غرضه [ق ١٣٤] يَحصُل بالنقض في صورة واحدةٍ. الثالث: أن المعنى في صور الاستعمال يقتضي كونَه حقيقةً، وعدم وجوده مع وجود الاستعمال يقتضي كونه ليس بحقيقة، فيكون هذا معارضًا، وذكر المعارض إنما يجب على المعترض. وهذا الوجه قريبٌ من الذي قبله. فيقال (١): الجواب من وجوه: أحدها: أنّا لا نسلِّم أن اختصاص المعنى العام بموارد الاستعمال أمر عدمي، وذلك أن معناه أن معنى ذلك المعنى مستلزم لموارد استعمال اللفظ، كما أنه إذا وجدت موارد استعمال اللفظ فلا بدَّ من وجود المعنى، وهذا هو التلازم بعينه، مثل تلازم الحدّ والمحدود، والعلة المعينة والمعلول، ونحو ذلك. وهذا أمر وجودي، بل لا فرق بين عموم المعنى موارد استعمال اللفظ وعموم اللفظ موارد المعنى ومواضعه، بل استعمالُ العموم في اللفظ أكثر من استعمال العموم في المعنى، حتى اتفق الناس على أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقةً، واختلفوا في كونه من عوارض

стр. 306

المعاني. فلو جاز أن يُدَّعَى أن عموم اللفظ لموارد المعنى عدميٌّ (١) جاز أن يُدَّعى أن عموم المعنى لموارد اللفظ عدمي. ثم الذي يدلُّ على أنه وجودي أن نقيضه (٢) لا عموم ولا خصوص ولا لزوم ولا وجود كما بيَّناه، وهذه المشتقات كلها عدمية، بدليل جواز وصف المستحيل بها، وصفةُ المستحيل لا يجوز أن تكون وجوديةً، للزوم اجتماع النقيضين، ولامتناع وجود الممتنع، وإذا كان أحد النقيضين عدميًّا كان الآخر وجوديًّا. وأما ما ذكره من كون معناه أن ذلك المعنى لا يُفهَم في غير موارد اللفظ أو لا يكون اللفظ مستعملًا في غير ذلك المعنى، فإن هذه المعاني لازمة وتابعة للأمر الوجودي الذي هو وجود اللفظ حيث يوجد المعنى، كما أن كون المعنى العام يتخلف عن موارد اللفظ وكون اللفظ لا يكون موجودًا بدون المعنى العام أمر عدمي، لكنه لازم عن الأمر الوجودي الذي [هو] عموم المعنى موارد الاستعمال. وهذا شأن كل متلازمين، فإن وجود كلٍّ منهما مستلزمٌ لوجود الآخر، وانتفاؤه محقِّقٌ لانتفائه. ولا يقال: إن التلازم أمر عدميٌّ، بل هو وجوديٌّ مستلزمٌ لعدميّ، واستلزامه للعدم لا يوجب أن يُجعَلَ هو العدم، ولا يجعل العدم جزءًا من حقيقة، وإلّا لتوقَّف فهمُ الحقيقة على فهم كونِه ضِدًّا لكلِّ ضِدٍّ، وهو مُبطل، ولكان عدمُ كلٍّ من الضدين جزءًا من حقيقة الضدِّ الآخر، ووجود الحقيقة

стр. 307

متوقفٌ على وجود أجزائها، فيكون وجودُ [ق ١٣٥] كلٍّ منهما متوقفًا (١) على عدم الآخر، بمعنى أن يكون عدمُه علةً وسببًا لوجوده، أو مقوِّمًا ومحققًا لوجودِه، لأنّ أجزاء الحقيقة هي كذلك، والعلة والمقوَّم (٢) متقدم على المعلول المقوّم تقدُّمًا (٣) ذاتيًّا، فيكون عدمُ كلّ منهما متقدمًا على الآخر تقدّمًا ذاتيًا، ومعلومٌ أن وجود أحدهما مؤثر في عدم الآخر إمّا تأثيرًا ذاتيًّا، أو بجَرَيانِ العادة، فيكون وجودُه متقدمًا على عدم الآخر، فلو كان وجوده متوقّفًا على عدم الآخر توقُّفَ المعلولِ على العلّة لزمَ الدور. وأيضًا فلو كان عدمُ الضدِّ جزءًا من وجودِ ضدّه لكان عدم الممتنعات جزءًا من الوجود الواجب، وهذا معلوم الفساد بالضرورة. وأيضًا فلو كان عدم الضدّ جزءًا من الضدّ الآخر، وكلّ حقيقة فلها ضدّ، لكان العدم جزءًا من علَّةِ كلِّ موجود. والمعترض فرَّ من بعض هذه المحاذير، فكيف يلتزمُها كلَّها، وهذا ظاهر، فتبيَّنَ بهذا أن عمومَ المعنى مواردَ اللفظ وعموم اللفظ مواردَ المعنى ليس واحدٌ منهما (٤) عدميًّا. وهذا إنما أوضحناه لأن بعض هؤلاء الجدليين ادَّعى ذلك. الجواب الثاني: لو سلَّمنا أنه عدميٌّ فلا فرقَ بينه وبين عموم المعنى موارد اللفظ، والعلم بذلك ينتهي عند تصوره، فما لزمَ في أحدهما لزمَ في الآخر.

стр. 308

الثالث: سلَّمنا أنه عدمي، لكن لا نُسلِّم أنه علةٌ لكون اللفظ حقيقةً في المعنى، وإنما هو دليل على أن حقيقة اللفظ ذلك المعنى، وذلك لأن العلة ما يؤثّر في وجود المعلل، وكلّ واحد من عموم اللفظ للمعنى وعموم المعنى للفظ واختصاصه ليس مؤثّرًا في وجود كون اللفظ حقيقةً للمعنى، وإنما المؤثر فيه هو الوضع، سواء كان الوضع متقدمًا على الاستعمال أو كان نفس الاستعمال وضعًا، وذلك يرجع إلى إرادة الواضع وقصده، ثم يتبع ذلك العموم والخصوص المتقدم. نعم العموم والخصوص والتلازم والدوران دليلٌ وعَلَمٌ على الوضع المستند إلى قصد الواضع، و الدليل يجوز أن يكون عدميًّا باتفاق العقلاء ، فإن عدم الشرط العقلي والشرعي دليلٌ على عدم المشروط، وعدم العلة المعيّنة دليلٌ على عدم المعلول، وعدم اللازم دليلٌ على عدم الملزوم، وعدم الفساد في العالم دليلٌ على عدم شريكٍ للإله الحق. وكما يجوز أن يكون دليلًا على الأمور العدمية يجوز أن يكون دليلًا على الأمور الوجودية، كالاستدلال بعدم الشيء على وجود نقيضه، وبعدم الناقل عن (١) الأصل على بقاء الأمر على ما كان عليه منضمًّا إلى استصحاب الحال، وبعدم علامات الأسماء والأفعال على كون الكلمة حرفًا، وبعدم الآيات [ق ١٣٦] على كذب المتنبئ، وبعدم إتيان القاذف بأربعة شهداء على أنه عند الله من الكاذبين، وبعدم الإسلام والعهد على حلِّ الدم والمال، وبعدم الوارث من النسب على استحقاق الوارث بالولاء، وبعدمهما على استحقاق أهل بيت المال. وكذلك الاستدلال بعدم الطبقة الأولى من

стр. 309

الوقف على استحقاق الطبقة الثانية، والاستدلال بزوال ملك المورث على وجود ملك الوارث، والاستدلال بانقضاء مدة الإجارة الذي هو عدم استحقاق المستأجر على عود المنافع إلى ملك المؤجِر، والاستدلال بعدم الضدّ على وجود الضدّ الآخر إن لم يكن له إلّا ضدٌّ واحدٌ (١)، وعلى وجودِ واحدٍ من إضدادِه إن كان ذا أضدادٍ. وهذا كثيرٌ يفوق الإحصاء، وإن كان لا بدَّ في عامّة هذه المواضع من أمر وجوديّ، إذ الحكم هنا أمرٌ وجودي، فمُوجِبُه (٢) لا يكون إلّا وجوديًّا. الرابع: سلَّمنا أنه عدميٌّ، لكن ليس بعلة، وإنما هو جزء من العلة، إذ العلة مجموع الأمرين: عدم المعنى وعدم وجوده في مورد لفظٍ آخر، فلِمَ قلتَ: إن العدم لا يكون جزءًا من العلة؟ وهذا لأنه يكون شرطًا لتأثير العلة بالاتفاق، لتوقف تأثير المؤثر على عدم الموانع، فلمَ قلت: إنه لا يكون جزءًا؟ فإن العلة قد يُعنَى به مجموع ما يجب الحكم عند وجودِه، وعلى هذا فعدم الموانع جزءٌ من العلة. وقد يُعنَى به ما يكون موجبًا إن لم يُعارِضْه غيرُه، وعلى هذا فعدمُ المانع ليس بجزء، فلا يُقدَّمُ أحد التفسيرين. الخامس: لا نسلِّم أن العدم لا يكون علةً ولا جزءًا من العلة، لأن العلة إنما هي علامةٌ وأمارةٌ، وذلك يكون عدميًّا كما تقدم. وما ذكره من الدليل فإن ما يدلّ على ذلك هي العلة الموجبة، فإن العدم المخصّص محالٌ أن يوجب وجوده، أما المعرّف فلا نسلّم ذلك فيه، وفي الداعي تردُّدٌ.

стр. 310

السادس: أن العدم لا يكون علةً ولا (١) جزءًا، لكن للحكم الوجودي أو العدمي. الأول مسلَّم، والثاني ممنوع، فإنّ الناس مجمعون على جواز تعليل العدم بالعدم، كما يقال: عدمُ الطهارة علة لعدم الصلاة، وعدم الاستطاعة علة عدم وجوب الحج، وعدم كونه ماءً أو ترابًا علة (٢) عدم صحة طهارتَي الحدث أو الجنب (٣)، ونحن إنما جعلنا العدم هنا علة لعدم كونِ غير هذا اللفظ حقيقةً، فإن عمومَه يقتضي كونَه حقيقةً، وخصوصه يمنع كونَ غيرِه حقيقةً، إذ لولا اختصاصه بهذه الموارد لكان معنى آخر يعمّ تلك الموارد، فتوجب كونه حقيقةً، ولو كان معنى آخر [ق ١٣٧] غيره حقيقةً لصار اللفظُ مشتركًا، وهو خلاف الأصل، فما ذكرناه عدمٌ يوجب عدمَ حقيقةٍ أخرى لا وجودَ هذه الحقيقة. السابع: العدم لا يكون علّةً للموجود مطلقًا أو إذا تضمَّن أمرًا وجوديًّا. الأول ممنوع، والدليل المذكور لم يعمَّه؛ والثاني مسلَّمٌ، والدليل عليه أن الفقهاء بل والعقلاء كالمجمعين على إضافة الحكم إلى عدم المانع إذا كان المقتضي ظاهرًا، وكذلك يضيفونه إلى أمر عدمي إذا كان مستلزمًا لوجودي، [كقولهم]: مات لعدم الطعام والشراب، وأصابَهم المطرُ لعدم السَّقف، ويُباحُ قتلُ الحربي لأنه لا ذمَّة له، وتجب الصلاة على الحائض ونحوِها إذا انقطع الدم قبل خروج الوقت لزوالِ المانع. ونظائر ذلك كثيرة، وما نحن فيه كذلك، كما تقدم بيانه.

стр. 311

الثامن: أن هذا نفي المانع والمعارض، لكن المانع إذا كان ظاهرًا مشهورًا فلا بدَّ من الاحتراز عنه، حَذَرًا من انفتاح باب الكلام وخروج الأمر إلى الانتشار والخصام. ولهذا كلّ من تمسَّك بالاستصحاب ونحوِه من الأدلة التي كثر تخلُّف مدلولاتِها عنها فلا بدَّ أن يضمّ إليه عدم المعارض. التاسع: أن عدم الاحتراز من هذا المانع يُفضِي إلى انتقاضِ أكثرِ صُوَرِ هذا الدليل، والاستدلالِ بما لا يدلُّ أكثر من الاستدلال بما يدلّ، وذلك أكثر مشقةً على أهل الحق وأعظمُ ضررًا على المعترض على الباطل. بيان ذلك: أن المعاني العامة لموارد الاستعمال وهي حقيقة اللفظ أضعافُ أضعافِ المعاني العامة التي هي حقيقة اللفظ بألوفٍ مؤلَّفةٍ، وذلك أنه ما من معنى عام إلّا ومعناه يعمُّ موارد استعمال كل لفظ أخص من الأخص، حتى ينتهي إلى ما لا شركةَ فيه، وفي ذلك من الدرجاتِ والتفاوت ما لا يعلمه إلا الله، فإن لفظَ «شيء» و «موجود» و «معلوم» و «مذكور» و «ذات» و «عين» و «نفس» و «حقيقة» و «ماهية» (١) يعمُّ موارد استعمال كل لفظٍ من الألفاظ، وليس حقيقة إلّا في معنى واحدٍ. فإذا كان الشيء الواحد يدلُّ على مدلولِه في صورٍ، ويَدُلُّ على غير مدلولِه في أضعافِ تلك الصور كان عدمُ دلالتِه أغلبَ على القلب من دلالته، فإن الكثرة دليل الرجحان، والأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب. وقد احتجَّ هؤلاء الجدليون على أن عموم المعنى موارد الاستعمال يدلُّ (٢) على كون اللفظ حقيقةً بأشياءَ:

стр. 312

أحدها: أن حقيقة اللفظ موصوفةٌ بأنها واحدةٌ، وبأنها عامة لموارد [ق ١٣٨] الاستعمال، وبنحو ذلك. فإذا رأينا هذا المعنى موصوفًا بهذه الصفات غلبَ على ظنِّنا أنه هو القاضي، ولهذا لو كتب قاضٍ إلى قاضٍ بحقّ على فلان بن فلان الفلاني، فقامت البينةُ بأنه فلان بن فلان الفلاني، فادَّعى أن له شركاء في هذا الاسم، لم يُقبَل منه حتى تقوم البينةُ بشريكٍ، ولولا أنه يُستدلُّ على عينٍ بكثرة الصفات التي لم يُعلَم فيها شريكٌ لم يكن كذلك. الثاني: أن جَعْلَه حقيقةً في المعنى يَدفَعُ عن اللفظ فسادَ الاشتراك والمجاز والتعطيل، لأنه لو لم يكن حقيقةً في ذلك المعنى، فإن كان حقيقةً فيما يختصُّ بكلِّ فردٍ من الأفراد لَزِمَ الاشتراكُ، وإن كان حقيقةً فيما يختصُّ ببعض تلك الأفراد دون بعضٍ لزمَ أن يكون مجازًا في الباقي، وإن لم يكن حقيقةً في شيء لزمَ تعطيلُ اللفظ. فإذا جعلناه حقيقةً في الجميع اندفعَ الاشتراك والمجاز، وإذا كان دفعُ هذا الفساد مطلوبًا، وهذا الطريق يخصُّه لدفع هذا الفساد كان سلوكُه جائزًا، وإن كان له طريقٌ آخر كسلوك طريقٍ من الطُّرق المُفضِية إلى المطلوب. الثالث: أن هذا المعنى عامٌّ، والأصل عدم معنى آخر عام، وحقيقة اللفظ لا بدَّ أن تكون عامَّةً، فهذا المعنى حقيقة اللفظ. والجواب عن الأول: أن الظن الذي ذكروه مشروطٌ بعدم العلم بالشريك، وقد بيَّنا وجودَ الشركاء في المعنى العامّ لموارد الاستعمال، فهو نظير ما إذا كان الحق على محمد بن علي أو عبد الله بن محمد ونحو ذلك من الأسماء التي وقعت فيها الشركة. وكذلك أيضًا لو وصف القاضي الفردَ بصفاتٍ قد عُلِمَ فيها الشركة.

стр. 313

فقوله: «حقيقة اللفظ واحدة عامة لموارد الاستعمال». قلنا: وهذه صفة أشياء ليست حقيقة، وهي كل معنى أعمّ من حقيقة اللفظ. والجواب عن الثاني: أن دفع الفساد لا يكون مقصودًا إلّا بعد قيام المقتضي موجودًا، ويكون معدومًا لعدم المقتضي، فدفعُ المجاز والاشتراك والتعطيل لا يكون مقصودًا إلّا إذا قام المقتضي له، والمقتضي له انعقادُ السبب الموجب للمجاز أو الاشتراك أو التعطيل، ولا يسلّم وجود السبب. وأيضًا فإن هذا المحذور قد تعيَّن لدفعِه طريقٌ واحد، وهو حمل اللفظ على حقيقته، لأن حَمْلَه على بعض الحقيقة محذور، فلِمَ قلتَ: إن هذا الطريق هو طريق دفعه، بخلاف ما إذا ذكر النظائر، فإن الغرض يحصل بكل طريق، وهنا لا يحصل إلا بطريقٍ [ق ١٣٩] واحدٍ. وأيضًا فإن جَعْله حقيقةً في المعنى العام المدَّعَى كما أنّ فيه دفعَ هذه المفاسد، ففيه أيضًا المفاسدُ التي قدَّمناها أو احتمالُ تلك المفاسد، وليس في ترك جَعْلِه حقيقةً إلّا السكوت، ومَن خُيِّر بين ركوبِ طريقٍ فيها دفعُ مفسدةٍ واحتمالُ مفسدة وبين تركِها كان التركُ أولى به. ولهذا سُئِل ابن عباس عن رجلين أحدهما كثير الطاعة والذنوب، والآخر قليل الطاعة والذنوب، فقال: لا أَعدِلُ بالسلامة شيئًا (١). وعن الثالث: أن الأصل النافي إنما يحتج به في موضعٍ لم يكثر الوجود بخلافه، أو موضعٍ لم يُعلم أن هناك وجودًا يخالف الاستصحاب. وقد بيّنا

стр. 314

أنه ما من لفظٍ إلّا وهناك معاني (١) كثيرة كلُّها عامٌ لمواردِ استعماله، فتخصيص أحدها بكونه حقيقةً يحتاج إلى دليل. فيقال في مثل هذه الصورة: كونه لم يرد مع تناول اللفظ معنى يعمّ استعمال لفظ الخصوص، ويعمّه أيضًا كونه معنى لفظٍ، وكونه مخرجًا، وكونه غير مدلولٍ عليه، وكونه غيرَ مرادٍ باللفظ ونحو ذلك، وشيء من ذلك ليس بحقيقة لفظ التخصيص، وإنما حقيقة لفظ التخصيص واحدٌ من هذه الأشياء، وذلك لأن هذه المعاني أعمُّ من مواردِ استعمال لفظ العموم، وحقيقة اللفظ لا بدَّ أن تكون مساويةً لموارد الاستعمال كما تقدم. واعلم أن التخصيص عدم إرادة المعنى من اللفظ مع تناوله له بالطريقة التي ذكرناها، وهو مطابقة المعنى لموارد الاستعمال عمومًا وخصوصًا، لأنّ كلَّ مورد للّفظ المخصّص عُدِمَتْ فيه الإرادة واللفظ متناولٌ له سُمِّي تخصيصًا، كعدم إرادة من لا يَرِث من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] ونظائِره من العمومات، وكلّ موضع سُمِّي تخصيصًا فقد عُدِمت [فيه] الإرادة مع تناول اللفظ لجميع التخصيصات، فإثباتُ حقيقةِ اللفظِ ومسمَّاه يَثبتُ بهذا الذي ذكرناه من الطرد والعكس، وهو الدوران والتلازم والمطابقة والمساواة عمومًا وخصوصًا. ومَن أنصفَ عَلِمَ أن مستند العلم بجميع اللغات هو ما ذكرناه من الدوران، لا مجرّد عمومِ المعنى. والكلام في ذلك يطول. واعلم أن قولهم: «عموم موارد الاستعمال» إنما يَصحُّ في حقيقة

стр. 315

الألفاظ الكلية، وهو ما لا يمنع نفسُ معناه من وقوع الشركةِ فيها، أو (١) في الألفاظ العامة، وهو ما لها موردانِ وأكثر حتى تكون هناك موارد يمكن دعوى عمومِ المعنى لها. فأما المعنى الجزئي كما دَلّ عليه لفظ العَلَم [ق ١٤٠] والإشارة والمعرَّف بلام العهد إذا كان معيّنًا، ونحو ذلك، فهنا لا يمكن إثبات المسمَّى بذلك. وأما على ما ذكرناه من مطابقة المعنى لموارد اللفظ فيمكن ذلك. واعلم أيضًا أن قولهم: «موارد الاستعمال» فيه إشكال، وهو أن مورد استعمال اللفظ هو الموضع الذي استعمل اللفظ فيه، فإما أن يكون هو المعنى الذي ادُّعِي أنه مسماه أو غيره، فإن كان هو الأول كان التقدير عموم المعنى موارد المعنى، وإن كان غيره لم يكن ما استعمل فيه اللفظ هو معنى اللفظ. وجوابه أن يقال: معنى «عموم المعنى الموارد» أن هذا المعنى موجود في كلّ موضع وردَ فيه اللفظُ، ويَحصُل التغايُر بين المعنى وبين الموارد باعتبار أن المعنى ذهني والموارد خارجة، أو باعتبار أن المعنى كليٌّ والموارد جزئيّة، أو باعتبار أن المعنى المدَّعى هو جملة الموارد، والجملة من حيث هي جملةٌ مغايرةٌ لأجزائها، وهذا قريب من التقدير الثاني، والله أعلم. واعلم أن على المصنّف هنا استدراكًا واضحًا بعد تسليم صحة هذه القاعدة، لأنّا لم نقصد بالكلام على هذه القاعدة مُحاقَّتَه، وإنما حَاقَقْنا فيها من عدَّها قاعدةً من نظرائه الجدليين أصحابِ الجدل المحدث. وأما ما

стр. 316

يختصّه فقوله: «وعمومه موارد استعمال اسم التخصيص في الشرع»، وذلك أن الألفاظ الشرعية هي ما كانت موجودةً في القرآن أو في كلام رسول الله ﷺ ، ولفظة (١) «التخصيص» بهذا المعنى ليست موجودة في الكتاب والسنة، لأنها من باب الألفاظ الاصطلاحية في أصول الفقه، كالحقيقة والمجاز، والاشتراك والتواطؤ (٢)، والمنطوق والمفهوم، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيّد، والنقض والقلب والكَسْر، وفساد الوضع وفساد الاعتبار، والمناسبة والدوران والتلازم، وغير ذلك. وهذه الألفاظ مستعملةٌ في كلام العلماء، فَيُوجَد عمومُ ما يدّعي أنه معناها وخصوصه في (٣) كلامهم. فإن قال: هو موجودٌ بهذا المعنى في ألفاظ العلماء، وهم أهل الإجماع، وقولهم دليلٌ من أدلة الشرع. قلنا: وليس هو موجودًا (٤) في كلام أهل الإجماع على وجهٍ ارتبطَ به حكمٌ شرعي، حتى يُستدلَّ بتفسيره على مقصودهم. قال المصنَّف (٥): (ولئن مَنَع العموميَّة، فنقول: إنه ثابت في صورة التخصيص، إذ التخصيص [غير] (٦) ثابت بدونه بالنافي للتخصيص، أو

стр. 317

لأن أحد الأمرين لازم، وهو إما عدمُ النصِّ العام أو تحقُّق موجبِه [ق ١٤١] إما بالضرورة أو بالنصّ، فإن الحال لا يخلو عن وجود النصّ أو عدمِه، وإذا (١) كان عامًّا يكون حقيقةً له، فإن الغير لا يكون حقيقةً له، وإلّا (٢) يلزم الاشتراك أو المجاز). اعلم أولًا أنَّ لغةَ العرب المُورَثة (٣) عنها المتداولة في كلامِها، وكلام الفصحاء الذي ينحو نحوها، وهي لغة القرآن والسنة وسلف الأمة، أن الكلمة إذا لم يكن لها فعلٌ وأرادوا أن يَنطِقوا لها بمصدرٍ يَدلُّ على ما يدلُّ عليه مصادرُ الأفعال، صاغوا منها لفظًا على مثال الفُعُولة أو الفعوليّة، أو نَسَبُوا الاسم منها وأَنَّثُوه، فيقولون: العبودة والعبودية، والذكورة والأنوثة والذكورية والأنوثية، والمروءة والإنسانية، تارةً يقتصرون على تأنيث اللفظ المشتق منها، وتارة ينسبونه مع التأنيث، وكأنّهم ــ والله أعلم ــ إذا صاغوه على مثال الفُعولة، فلأنّ هذه البنية مثالٌ [من] أمثلة مصادر الأفعال الثلاث اللازمة، فزادوا الهاء إشعارًا بالفرق بين مصدر الأفعال والمصدر المأخوذ من الأسماء، لأنه فرعٌ على الأول وتَبَعٌ له، بمنزلة المؤنث من المذكر، وإذا زادوا فيه ياء النسب قصدوا به أنه منسوبٌ ومضافٌ إلى الاسم، كأنه قيل: الحال العبودية والحال الذكورية، أي الحال المنسوبة إلى ذلك المعنى، وإنما يُنسَب الشيء إلى الشيء للزومِه إياه واختصاصه به. وهذه المصادر تدلُّ على حالٍ ثابتة لازمة، بخلاف مصادر الأفعال.

стр. 318

قال (١): إن كلّ فعلٍ له مصدرٌ فلا يكاد يُسَمع في الكلام العربي أنه صِيْغَ له مصدرٌ من هذا الجنس [منسوب] إلى اسم مزيد فيه هاء التأنيث، استغناءً بالمصدر عنه، فإن هذا زيادةٌ وعَجرفةٌ إلّا فيما شذَّ، مثل قولهم: الخُصوص والخُصوصية والخَصوصية بضم الخاء وفتحها، وهو أفصح. وقد كَثُر استعمال هذا الضرب في لسان المنتسبين إلى العلم من متأخري الأعاجم، يقولون: العالمية والقادرية والمعلومية والمقدورية والعمومية والخصوصيّة وأشباه هذا، تارةً يَضيفون اسم الفاعل وتارةً اسم المفعول وتارةً المصدر. كما استعمل المصنّف لفظ «العمومية» بقوله: «ولئن مَنَع العموميَّة». وهذا استعمالٌ خارج عن النحو العربي، وزيادةٌ في اللفظ وتكلُّفٌ من غير فائدةٍ، لأنه لو قال: «ولو منع العموم» كان المعنى تامًّا حاصلًا بدون هذه النسبة والتأنيث، فإن العموم مصدر عَمَّ الشيءُ غيرَه يَعُمُّه عمومًا، فإذا منع أنَّ اللفظ قد عمّ فهو المطلوب. فإن قيل: بل فيه فائدة غامضة، فإنّ بين المصدر وبين هذه الأسماء المنسوبة المؤنثة فرقًا دقيقًا (٢)، وذلك أنك إذا قلت: العلم والقدرة، [ق ١٤٢] فإنك تَعني به المعنى القائم بالذات المدلول عليه بلفظ «علم» ولفظ «قدرة»، وكذلك إذا قلت: العموم أو الإحسان، فإنما تعني الحدث أو المعنى القائم بالفاعل الذي نسبتَ إليه العموم أو الإحسان. فإذا قلتَ: العالمية والقادرية، فإنما تعني الحال الثابتة للذات التي اقتضاها العلم

стр. 319

والقدرة، وهي المعبَّر عنها بكون الذات عالمةً وقادرةً، وفرقٌ بين العلم والقدرة وبين كونِ الذات عالمةً وقادرة، لأن كونها عالمةً قادرةً حكمٌ ومعلولٌ وحالٌ اقتضاها العلم والقدرة، ولفظ المصدر إنما دلَّ على نفس الصفة لا على هذه الحال. ألا ترى أنَّا ندلُّ عليها باسم منسوب كأنه صفة لموصوف محذوف، تقديرهُ: الحال العالمية أو النسبة العالمية أو الإضافة العالمية. وفيها فائدة أخرى، وهو أن العلم والقدرة إنما يدل على الصفة والحدث من حيث هو هو لا إشعارَ له بالعلم المعلوم (١)، فإذا قيل: «العالمية» و «المعلومية» كان تقديرها (٢): الحال الحاصلة لذاتٍ عالمةٍ أو الحال الحاصلة لذاتٍ معلومةٍ، وكان فيها دلالةٌ على ما يُنسَب إليه الصفةُ والحدثُ هل هو الفاعل أو المفعول؟ ومجرَّد المصدر لا يَدُلُّ على ذلك. قيل: عن هذا أجوبة: أحدها: لو كان فيه فائدةٌ لم يجز أن تخلو اللغة عن لفظٍ يدلُّ عليه، لأنّ المعنى الذي يكثر دورانُه في القلوب يُحتاج إلى التعبير عنه، فيجب أن تكون له عبارةٌ تدلُّ عليه. ولمّا لم يكن هذا الاستعمال موجودًا في اللغة الحكيمة (٣) عُلِمَ أنّ هذا اللفظ كانَ حقُّه أن يُلحَق بالمهملات، لاسيّما وكلام الله وكلام رسولِه وكلام الأئمة من سلف الأمة لا يجوز أن يَعْرَى عن بيان هذه المعاني. فلو لم يكن بيانُها إلّا بهذه الألفاظ ــ أو لو كان بيانُها بهذه الألفاظ أجودَ ــ لوجبَ أن يكون ذلك في كلامهم، لأنّ إدراكهم للمعاني أتمّ، وتعبيرهم أفصح وأوضح. الثاني: أن نقول: الخلاف في ثبوت الحال مشهورٌ بين الناس، حتى إنّ

стр. 320

أكثر المتكلمين المنتسبين إلى السنة ينفونها، ويقولون: لا معنى لكون الشيء عالمًا قادرًا، إلّا نفس قيام العلم والقدرة به، وأما حالٌ يُوجِبُها له العلم والقدرة فكلَّا. وهؤلاء يُبطِلون ما يُدَّعَى في هذا الموضع من العلّة والمعلول، ويَردُّون ذلك إلى اعتبارات عقلية وأحكام ذهنية يتبعها الأسماء واللغات. فعلى قولِ هؤلاء فلا فرقَ بين قولنا: عِلْمِ الشيء وكونه عالمًا في الوجود الخارجي. وهذا القول أصوب. وأما مَن يُثبِت الأحوال فيقولون: إن لفظ العلم والقدرة ونحوهما يدلُّ على الصفة وعلى الحال، وإذا أرادوا تمييز [ق ١٤٣] الحال قالوا: كون الشيء عالمًا وكونه قادرًا. وعند نُفاةِ الصفات هذه الألفاظ تدلُّ على الحال بانفرادها. فقد اتفقت الطوائف على أن لفظ المصدر يدلُّ على تمام المقصود ، وهذا ظاهر، فإن الحال لازمةٌ للصفة لزومًا خارجيًّا وذهنيًّا، وليس للحال مقصودٌ زائدٌ على ثبوت الصفة. فواضعُ اللغة الحكيمُ أدرجَها في لفظةٍ. يُبيِّن ذلك أنه لو كانت الحال ثابتةً، ولا يدلُّ عليها لفظ المصدرِ لكانت اللغاتُ ــ خصوصًا اللغة الحكيمة ــ عاريةً عن الدلالة على هذه المعاني الكثيرة المحتاج إلى التعبير عنها، وذلك لا يجوز. الثالث: أنه لو لم يدلّ المصدرُ على الحال لكان استعمالُه أولى، وذلك لأنّ المتكلم إن قصد الإثبات فإذا أثبتَ المصدرَ ثَبتت الحالُ، وإن قصد النفي فإذا نفى المصدرَ انتفت الحالُ. أما إذا استعمل هذه الألفاظ وقيل: إنها تدلُّ على الحال، فإذا أثبتها أثبت المصدر، أما إذا نفاها فقد لا ينتفي المصدر، لاعتقاد المتكلم أو المستمع أنه لا حقيقة لها في الخارج حتى
следующие страницы →