← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18645

تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل

ابن تيمية

Полный текст (694 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

السادس: أنَّه إذا قال: العقلُ ينفي الوجوبَ، فأنا أسْتَصْحبه ما لم يجئْ دليلُ التغيير. قيل: بذلك (١) قد جاءت الأدلة النافية (٢)، وهي كل آية وحديث دخل فيه صورة النزاع، وهي مثل (٣) قوله ﷺ : «في كلِّ أربعين بنت لبون، وفي كلِّ خمسين حقة، وفي الرِّقَةِ رُبْعِ العُشْر» (٤)، و «ما من صاحب ذهبٍ ولا وَرقٍ لا يؤدِّي زكاتَها إلا جُعِلَتْ له صَفائحُ من نارٍ تُكْوَى بها جَبِيْنُه وجَنْبُه وظهْرُه في يومٍ كان مقدارُه خَمسِين ألفَ سنة، فيرى سبِيْلَه إما إلى الجنةِ وإمَّا إلى النارِ» (٥). فإن قال: الدَّيْن مانع من الدخول في العموم، ويمنع من الوجوب. قيل له: لا نُسَلِّم، فإن الأصل عدم مانِعِيَّتِه. السابع: أنَّ الذين يُجِيْزون التمسُّك بالأصل النافي يشترطون فيه عدم الناقل؛ لإجماعهم على أنه لا يجوز الاستدلالُ به قبل البحث التام عن النواقل الشرعية، والذين يمنعون الاستدلال به إما مطلقًا أو في غير الدفع والإبقاء ونحو ذلك ينصُّون (٦) على فساد هذا الاستدلال. أما الآخرون [ق ٢٣٨] فظاهر. وأما الأولون فلأنَّ شرط الاستدلال عدم النواقل، والنواقل

стр. 492

هنا موجودة، وهؤلاء يوجبون على المُناظِر إذا استدلَّ به إبداء عدم الناقل حسب الطاقة، وإن كانوا لا يوجبون ذلك في الأدلَّة الشرعية؛ لأن الأدلَّة الشرعية تدلُّ بنصِّها على الحكم الشرعي، وإنما يُخافُ حصولُ معارض، والأصلُ عدمُه، أما هذا فإنَّما يدل على حكمٍ عقليٍّ كان قبل مجيء الشرعيِّ، وذلك لا يجوز اعتقادُ بقائه حتى يُعلم أنَّ الشرعَ أبقاه، أو أنه قرَّره، وذلك يحتاج إلى دليلٍ شرعيٍّ يدلُّ على التقرير، أو عدم التغيير، والمستدلُّ لم يتعرَّض لهذا. وأما إن عَنَى بالنافي أدلةً سمعية تنفي الوجوب في صورة النزاع، فلا نسلِّم وجودها أَلْبتة، وعلى المستدل إبداؤه، وهو لم يتعرض له، وهو كالمتعذِّر عليه أن ... (١) يستدلّ بقياس أو بعموم يحتاج إلى نوع تأويل، أو يحتج بحديث عثمان ونحوه (٢) وحينئذٍ فلا ريب أن ذلك دليل في الجملة، لكن لا تُقبل دعوى وجوده حتى يبديه؛ إذ المعترض يعتقد أن ليس على نفي الوجوب دليلٌ سمعيٌّ، وإن اعتمد على طريقة نفي الضرر ونحوها، فسيأتي بيانُ فسادِها. فيثبتُ بهذا التحرير الواضح أنه لم يثبت نافيًا للوجوب فضلًا عن كون سالمًا. وإن عَنَى القدر المشترك، أو مطلق النافي، قيل: هو في نفس الأمر إمَّا أن يكون عقليًّا أو سمعيًّا، ويُعادُ الكلام. وإن ادَّعى نافيًا خارجًا عن الأدلة العقلية والسمعية فعليه بيانُه، ولا سبيل إليه.

стр. 493

الوجه الثالث (١): أن يُقال: النافي للوجوب إما أن يكون متحقِّقًا في نفس الأمر أو لا يكون، فإن لم يكن متحقِّقًا بطل الاستدلال، وإن كان متحقِّقًا، فإما أن يجب العمل به مطلقًا، أو عند عدم مطلقِ المعارض، أو عند عدم معارضٍ مخصوص، والأوَّل والثاني خلاف الإجماع، بل خلاف ما تقتضيه ضرورة العقل. وأما الثالث فنقول: ذلك المعارض المقتضي للوجوب لابدَّ أن يكون راجحًا على (النافي)، ولا يُشترط فيه غير ذلك بالاتفاق. فيقول: أنت لم تعلم سلامته إلا عن معارضة موجبية المشترك بين الصورتين، وهو لم يسلم عن معارضة موجبيَّة المختص بصورة النزاع، ولا عن معارضة موجبية المشترك بين صورة النزاع وسائر صور الوجوب، ولا عن معارضة المركَّب بينها وبين سائر صور عدم الوجوب، وهي معارضات كثيرة لا تكاد تنضبط. وقد عَلِمْنا أن بعضها يُقَدَّم على النافي بالإجماع، وبعضها يُقَدَّم النافي عليه [ق ١٣٩] بالإجماع، وبعضها مختلف فيه، ولابدَّ من فصلٍ بين ما تقدَّم على النافي، وما تقدم النافي عليه، فَلِمَ قلتَ: إن مجرَّد موجبيَّة المشترك [هي] التي تُقَدَّم على النافي وسائر المعارضات لا تقدَّم على النافي؟ لأنَّ التخصيصَ لا بدَّ له من مُخَصِّص، فليس في ذلك إلا سلامته (٢) عن موجب واحد أو نوعٍ واحد من أنواع الموجبات، فامتيازُ هذا عن غيره لا بُدَّ له من سبب، وليس معه أكثر من أنَّ موجبيَّة المشترك تقتضي الوجوبَ فيه.

стр. 494

قيل له: وأيُّ موجبية قامت فيه من جنس موجبيَّة المشترك، فإنها تقتضي ذلك، فما الموجب لتخصيص هذه الموجبيَّة؟ فإن قال: لأنَّ موجبيَّة المشترك تقتضي الوجوبَ في الصورتين، فيحصُل التنافي المدَّعى. قيل له: حصول المقصود بالأدلة تابعٌ لصحَّة الأدلة في نفسها، فإن الدليل يُتْبَع ولا يَتْبع، فيجب أن تكون الدعوى على مطابقته، ولا يجوز أن يُجْعَل هو على مطابقة الدعوى؛ لأن الأدلة أعلامُ الله التي نصبها أسبابًا (١) موصلات إلى العلم بأحكامه، والدعاوى أقوال العباد واعتقاداتهم، والعبادُ مأمورون باتِّباع ما أنزل الله وشرَعَ ونَصَب، فلا يجوز أن يجعلوا ما شرع الله ونصبَ تبعًا لهم. والمستدلُّ إنما خصَّ موجبيَّة المشترك بالاحتراز عنها دون غيرها بمعنًى فيها يقتضي ذلك= إنما خصَّها لأن دعواه تتمّ بها دون غيرها، وتمامُ دعواه بها ليس لخاصةٍ فيها، بل لنفس الدعوى، فكأنه اعتقد صحة الدعوى. ثم طلب ما يدلُّ عليها، وهذا غير جائز. والذي يوضِّح ذلك: أن كون المشترك بين صورة المدين والفقير موجبًا للزكاة أمر لم يعتقدْهُ أحدٌ من الأمَّة، ولا يجوز أن يعتقده. وكون المشترك بين المَدِين وبين الغني الجلي (٢) موجبًا أقرب بالنافي للوجوب على المدين، لا يمكن أن يُعْمَل به حتى يُعتقد عدم موجبيَّة المشترك بين

стр. 495

المَدين والبريء من الديون. أمَّا عدم (١) موجبيَّة المشترك بينه وبين الفقير بالذكر تخصيصٌ من غير مخصِّصٍ يقتضي ذلك في حقيقة الأمر، بل تخصيصٌ بمَحْضِ التحكُّم وصِرْف التشهِّي، بل تخصيصٌ لِمَا يصحِّح الدَّعوى، وتخصيصُه بالذِّكْر موقوفٌ على صِحَّة الدعوى. وإذا كان كذلك لم يكن في ذلك ما يدلُّ على خصوص الدعوى، بل يكون كسائر الأدلة العامة التي اعترضوا بأنه [لا دلالة] (٢) فيها؛ إذ لا فرق بين قول القائل: «يجب العمل بالنافي على تقديرِ عدمِ هذا المعارض وإن لم يكن لتخصيصه موجِب»، وبين قوله: «يجبُ على هذا التقدير وإن لم [يكن] دليل [ق ٢٤٠] الوجوب مختصًّا بالتقدير»، فإنَّ التحكمَ بتقديرٍ لقيامِ مقتضٍ لا يختصُّ بذلك (٣) التقدير، كالتحكُّمِ بتقديرٍ يقومُ منه مانعٌ لا يختصُّ بذلك التقدير، فإنَّ قيام المقتضي إذا لم يكن ناشئًا من التقدير ولوازمه، والمانعُ إذا لم يكن ناشئًا من التقدير ولوازمه= لم يكن فرق بينَه ــ على ذلك التقدير ــ وبينه على غير ذلك التقدير، ومعلومٌ أنَّ هذا لا يجوز التعويلُ عليه، فافهم هذا فإنه سرُّ عدم دلالة هذا النظر مع أنه في ظاهره قد يختل. الرابع: أنَّ الدليل ما كان النظرُ فيه مُفْضيًا إلى علم أو ظنٍّ غالب، ومن عَلِم أن الأصل ينفي وجوبَ الزكاة مطلقًا، وإنما خولفت في مواضع لقيام أسباب موجبيَّتِه، ثم عرضت عليه صورة قد علم أن أمرًا من الأمور لا يوجب

стр. 496

الزكاة فيها ولا في غيرها منتفٍ عنها، ولم ينظر هل فيها أسباب غيره توجب الزكاة أم لا، ثم قيل له: هل يكون علمك بالأصل النافي مع علمك بعدم هذا الأمر الذي لا يوجب الزكاة قط عنها محصِّلًا لظنك عدم الوجوب؟ لَعَلِم بالاضطرار أن مجرَّد هذا لا يفيد ظنًّا بجواز أن تكون الصورة من صور الوجوب، أو من صور عدم الوجوب، وأن الذي علمنا انتفاءه عنها ليس مما يوهم الوجوب، وهذا ظاهر. الخامس: النافي لوجوب الزكاة قد (١) تخلَّف عنه مقتضاه في مواضع لا تُحصى، ونحن نعلمُ أن تلك المواضع امتازت عن غيرها بأسباب موجبة، والمستدلُّ لم يذكر انتفاءَ سببٍ من الأسباب الموجبة عن صورة النزاع، فإن المشترك بينه وبين الفقير ليس موجبًا إجماعًا، وإذا لم يكن موجبًا في نفس الأمر لم يكن مانعًا من العمل بالنافي، فيكونُ قد استدلَّ بمجرد النافي الذي لم يظن سلامته عن شيءٍ من المعارضات، وهذا لا يجوز إجماعًا. السادس: أنَّ المشترك لا يكون معارضًا للنافي إلا بتقدير الوجوب فيهما، وهذا التقدير غير ثابتٍ إجماعًا، فلا يكون مُعَارضًا أصلًا، فقولُه بعد هذا: «بالنافي السالم عن معارضة القطعي» غير مُسَلَّم؛ لأنه لا يَسْلَم عن معارضةِ شيءٍ له حقيقة، وإنما يتعارض لنفي المعارض إذا كان له في الجملة حقيقة، ولو على بعض التقادير الواقعة، فأمَّا ما لم يوجد ولا يجوز أن يوجد، فلا يجوز أن يتوهَّم معارضته ليحترز عنها، وحينئذٍ يكون استدلالًا بمجرَّد النافي للوجوب، وهو غير صحيح. السابع: ما ذكرته من النافي وإن دلَّ على عدم الوجوب، لكن الأمور

стр. 497

الموجبة من النصوص العامة والأقيسة وغيرها دالَّة على الوجوب، فإن تعارضا وَقَفَ الاستدلال [ق ٢٤١] ثم الترجيح معنا (١)؛ لأنه إذا اجتمع النافي للزكاة والموجب لها قُدِّم الموجِب؛ لأن عامة صور الوجوب قد قُدِّم فيها المقتضي على النافي، وتقديمُ مدلولِ أحدِ الدليلين عند التعارض دليلٌ على رجحانه. وليس له أن يقول: وقد قُدِّم النافي على الموجب في صورة عدم الوجوب. لأنَّا نقول: العدمُ هناك إنما كان لعدمِ الموجب، لا لقيام المانع، والموجب هنا موجود، فإن مَنَع الموجب ــ على التقدير ــ فعنه جوابان: أحدهما: أنّا نقول بموجب (٢) النصوص الشاملة لصورة النزاع، وندّعي عدم إرادة صور العدم فيها فإنه معلومٌ قطعًا، والمقتضي لإرادة صورةِ النزاع ــ وهو شمول اللفظ لصورته ولم يقم (٣) دليلٌ أرجح من العموم على عدم إرادتها ــ قائم، فإن ادَّعى الدليل المانع من الإرادة قيل: الأصل عدمه، فعليك بيانه. الثاني: أنَّه يمنع قيام المقتضي للوجوب ــ أيضًا ــ على تقدير ملك النصاب المعتبر، إذ لا فرق بين [الأمرين] (٤).

стр. 498

فإن قال: الموجب لا يختص هذا التقدير. فعنه جوابان: أحدهما: أني أُثْبِت بهذا الدليل الوجوبَ مطلقًا، وهو المقصود، فإنَّه إذا صحَّ بطل الدليل. الثاني: أنه إذا (١) لم يختص التقدير فدليل النافي لا يختص أيضًا تقدير عدم هذا المعارض المذكور؛ إذ لا فرقَ بينَ قيام موجبٍ في صورة النزاع على تقدير عدم الوجوب في صورة الفقير، وعدم كون المشترك بينها وبين صورة المَدِين موجبًا، وبين قيام ما به من الوجوب، على تقدير عدم الوجوب هناك، وعدم كون المشترك موجبًا، فإنَّ ما يدلُّ على الوجوب في هذه الصورة أو العدم فيها من الأدلة العامة لا اختصاصَ له بتلك الصورة وجودًا ولا عدمًا. وإن قال: إثبات الوجوب غَصْب. فعنه جوابان: أحدهما: أن إثباته بعد فراغ المستدلِّ ليس غصبًا، وهذا على تقدير أن لا أمنع المقدمة بإثباته. الثاني: أنه وإن كان غصبًا فنفي الوجوب مصادرة على المطلوب، وكلاهما سواء، بل المصادرة أقبح؛ لأن ما ذكره المستدل من التنافي لا يتم إلا بما ينفي الوجوبَ في صورة النزاع، وما ذكره المعترض لا يتم إلا بما يُثبت الوجوب في صورة النزاع، بل فِعْل المعترض أجمل لأوْجُه:

стр. 499

أحدها: أنه مفعول على سبيل المقابلة، فلا يكون قبيحًا. الثاني: أنه جائز عند بعض الناس في الجملة. الثالث: أنه يذكره على وجه المعارضة المستقلة، أو على وجه المعارضة في المقدمة، والأول [ق ٢٤٢] جائز بالاتفاق. أما المصادرة على المطلوب، أو الاستدلال على المقدمة بنفسِ ما يدلُّ على المدَّعَى= فقبيحٌ بالاتفاق، وإن كان الأول قبيحًا غير مقبول أصلًا، والثاني قبيح مقبول مع سماجته. واعلم أنَّ هذا الوجه يتضمنُ وجهين: أحدهما: معارضةٌ مستقلَّة. والثاني: معارضته بجنس دليله، وهو السؤال الذي زعم أنَّ المعترض لا يمكنُ أن يقولَه، وقد قرَّرْناه لهم، فقد بيَّنا أنه يمكن المعارضة به، وأن إثبات النافي بهذا الجنس كإثباته بالجنس الذي سلَّموا فساده سواء، وأجبنا (١) عما كنَّا ذكرناه لهم من جواب المعترض، وهو ظاهر بيِّن لمن أَنْصف. هذا إذا كان الحكم الذي ضمَّ إليه ضد المدَّعى اجماعيًّا، وهو عدم الوجوب على الفقير، فإنه ضم ضد المدَّعى ــ وهو الوجوب على المَدِيْن ــ إلى هذا العدم المتَّفَقِ عليه، وادَّعى تنافيهما، وأحدُهما ثابت قطعًا. فيتعيَّن أنهما ضدُّ المدَّعى المساوي لنقيضِه أو غير نقيضِه، فيلزم المدَّعى. وأما إن كان من صور الخلاف، مثل النصاب المركَّب من الذهب والفضة، فإنَّ العلماء اختلفوا في ضمِّ أحدِ النقدين إلى الآخر في تكميل

стр. 500

النصاب، فذهب أكثرُهم مثل: أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى روايتَيْه إلى الضم، وذهبَ الشافعيُّ وأحمد ــ في الرواية الأخرى ــ إلى عدمه (١)، والذين قالوا بالضمِّ منهم مَن قال: يُضَم بالأجزاء، ومنهم مَن قال: يُضَم بالأحَظّ للمساكين من القيمة أو الوزن، ومنهم مَن قال: يُضَم بالقيمة. وسواء كان الخلاف بين العلماء، أو عن بعض العلماء المجتهدين كالروايات والأقوال المأثورة عن الأئمة المتبوعين، وكالوجوه والطرق الموجودة في مذاهبهم= فإنَّ ذلك كلَّه خلاف مقيد (٢)، فإذا كان المستدلُّ يعتقد عدمَ الوجوب على المَدِين مثلًا، والوجوب في المركَّب، أو في الحلي، أو في مال الصبي، أو في المال الضائع، ونحو ذلك. = قال: الوجوب على المدين مع العدم في النصاب المركَّب لا يجتمعان. أمكنه ــ عند هؤلاء ــ أن يثبت التنافي بما شاء من الأدلة، كالنصوص والأَقْيِسَة والتلازمات الدالَّة على الوجوب، أو على عدمه، بخلاف ما إذا كان المضموم إليه مُجْمَعًا عليه، فإنَّه يكون قد ادَّعى أحدَ أمرين، أحدهما لازمُ الانتفاء، وهنا ادعى (٣) أحدَ أمرين، ليس أحدُهما لازمَ الانتفاء، لأنه إذا قال: إما أن يَجِب هنا أو لا يجب هناك، أو لابدَّ من الوجوب هنا أو عدمه هناك، فليس الوجوبُ [هنا] ولا العدم هناك معلومَ الانتفاء، لوقوع الخلاف فيه، ولا يمكن الخصم أن [ق ٢٤٣] يعارضه بمثله

стр. 501

في جميع الصور. فإذا قال: العدم هنا والعدم هناك لا يجتمعان، فلابدَّ أن يقول: إما أن يجب عينًا، أو يجب هنا (١) ولا يجب هناك، لم يجب أن يستدلَّ بعين ما استدلَّ به المستدلّ؛ إذ لا إجماع هنا على العدم هناك. ويمكن أيضًا أن يُسْتَدل على التنافي بما تقدَّم من الترديد، وهو أن يقول: الوجوب على المَدين مع عدمه في المركَّب لا يجتمعان؛ لأنَّ المشترك بينهما لا يخلو؛ إما أن يكون موجبًا أو لا يكون، فإن كان موجبًا لزم الوجوب، وإن لم يكن موجبًا لزم عدمُه بالنافي السالم، وعلى التقدِيرَين فقد لزم التنافي، ويلزم من تنافيهما وعدم اجتماعهما عدم الوجوب على المَدِين؛ لأن الوجوب في المركَّب إما أن يكون ثابتًا أو لا يكون، فإن لم يكن ثابتًا، فإنه لا يجبُ هنا؛ لما تقدم من أن الوجوب هنا والعدم هناك لا يجتمعان، وإن كان ثابتًا فإنه لا يجب أيضًا هنا؛ لأن الوجوبَ لا يشمل الصورتين بالاتفاق. أمَّا عند العراقي ومن يوافقه في فصل المَدِين فلانتفاءِ الوجوبِ في فصل المَدِين، وأما عند المخالف له ــ إن كان شافعيًّا ــ فلانتفاء الوجوب في فصل المركَّب، وهذا معنى قوله: «والترديد لازم بعد اللزوم فيهما» أي بعد أن يلزم الوجوب في إحداهما والعدم في الأُخرى، أو بعد أن يلزم عدمُ الاجتماع في ما كان من صور الخلاف، أو كان فيه روايتان عن مجتهد يلزم الترديد بأن يقول: الوجوبُ هناك إما أن يكون ثابتًا أو لا يكون، فإن لم يكن ثابتًا لم يجب هنا، لتنافي الوجوب هنا والعدم هناك، وإن كان ثابتًا فإنه لا يجبُ هنا؛ لأن الوجوب لا يجتمع في الصورتين بالاتفاق.

стр. 502

واعلم أنَّ الاتفاق قد يُعْنَى به اتفاق الأُمة، وقد يُعنى اتفاق مذهب المُتناظِرَين، أمَّا الأول فإن أمْكَن فهو أجْوَد، إلا أنه لا تكاد تتأتَّى الإحاطةُ به في مسألتين مُختلِفَتي المأخذ، وأما الثاني فهو الغالب على كلام الجدليين. ثم العدم في المدَّعى والوجوبُ فيما ضُمَّ إليه إما أن يكون متفَقًا عليه في مذهب المستدلّ، أو على الأول دون الثاني، أو الثاني دون الأول، أو مختلفًا فيهما، وعلى التقديرات الأربع فإما أن يكون الوجوبُ في محلِّ النزاع، والعدمُ في الصورة التي ضُمَّ إليها متفقًا عليه في مذهب المعترض أو مختلفًا في الأول فقط، أو في الثاني [ق ٢٤٤] فقط، أو فيهما، فهذه ستة عشر تقديرًا، لكنها تتداخل إلى سبعة: الأول: أن يكون المذهبان متفِقَين على التناقض في الحكمين، مثل أن يقول المالكي والشافعي أو الحنبلي: وجوب صدقة الكافر، أو وجوب الغَنَم فيما زاد على عشرين ومائة، مع عدمه في المغشوش الغالب عليه الغش، أو مع عدم وجوب صدقة الفطر في عبيد التجارة، أو عدم وجوب بنتَي لبونٍ وحِقَّة في ثلاثين ومائة من الإبل لا يجتمعان؛ لأن المشترك إن كان مقتضيًا للوجوب ثبتَ الوجوبُ فيهما، وإن لم يكن مقتضيًا انتفى الوجوب بالنافي السالم. أو يقول: تجبُ في مال الصبي والمجنون بالنص والأَقْيسة الموجبة، ولا تجب في صورة العدم بالأدلة النافية، فثبَتَ أنَّ الوجوبَ والعدم لا يجتمعان، وعلى التقديرَين يلزم عدم اجتماعهما، ويلزم من ذلك عدم الوجوب هنا؛ لأن الوجوبَ في فِطْرة العبد الكافر، وفي الغنم في ما زاد على العشرين ومائة من الإبل، إما أن يكون ثابتًا، أو لا يكون، فإن لم يكن ثابتًا؛

стр. 503

لزم عدمُ ثبوتِهِ في صدقة فطر عبيد التجارة، وبنتي لبون وحقة في ثلاثين ومائة من الإبل؛ لأن العدمَ هناك والوجوبَ هنا لا يجتمعان، وإن كان ثابتًا هناك لزم عدم الثبوت هنا؛ لأن الوجوب لا يشمل الصور بالاتفاق، وهذا مُعَارَض بمثله سواء، مثل أن يقول الحنفيُّ: عدمُ الوجوب هنا مع الوجوب هناك لا يجتمعان؛ لأن المشترك إما موجب فيثبت الوجوب فيهما، أو غير موجب فلا يثبت الوجوب بالنافي السالم، وعلى التقديرَين فلا يجتمعان، ويلزم من ذلك عدم الوجوب فيهما، لأن الوجوب هناك إمَّا ثابت أو غير ثابت، فإن كان ثابتًا لزم الوجوب هنا، لعدم اجتماع العدم هنا والوجوب هناك، وإن لم يكن ثابتًا لزمَ الوجوب هنا؛ لأن شمولَ العدم لهما يخالف الإجماع، وإذا كان كذلك لم يتم. سلَّم (١) هؤلاء الجدليون ذلك. الثاني: أن يكون قد اختُلِف في الوجوب هنا في مذهب المستدل، سواء اتفق على الحكمين في مذهب المعترض، أو اختلف في الأوَّل، أو الثَّاني، مثل مال المَدِين عند الشافعيِّ وأحمد، فإنه مُخْتَلفٌ عنهما فيه في الجملة (٢)، أي في الأموال الظاهرة (٣)، وكذلك الحُلي عندهما، فإذا قال من يستدلُّ به لعدمِ الوجوبِ في الحلي: «الوجوبُ فيه مع العدمِ في مالِ [ق ٢٤٥] الصبيِّ والمجنونِ لا يجتمعانِ ... » وساقَ الكلامَ إلى آخره، وإذا لم يجتمعا لزم الوجوبُ في الحلي؛ لأن الوجوبَ في مالِ الصبيِّ إن لم يكن ثابتًا لزم

стр. 504

عدمُ الوجوبِ في الحليِّ، لامتناع الوجوبِ هنا والعدمِ هناك، وإن كان ثابتًا لزم عدمُ الوجوبِ في الحليِّ؛ لأنَّ الوجوبَ لا يعمُّ الصورتين بالاتفاق، فهذا لا يتمُّ؛ لأن فيهما قولًا بالوجوب فيهما، لكن كلام المعترضِ هُنا يتمُّ إن لم يكن قد اخْتُلِفَ عنده في العدم هناك. الثالث: أن يكون قد اختُلِفَ في الوجوب هنا، أو العدم هناك، كما لو استدلَّ الشافعيُّ أو الحنبليُّ في مسألةِ صدقةِ الفطر عن العبد والكافر، أو إيجاب الغنم بعدَ إيجاب الإبل= بأنَّ عدمَ الوجوبِ هنا مع الوجوب في مال العبد عند أحمد، أو مال المَدِين عند الشافعي. أو يقال: العدمُ في مالِ الصبيِّ مع الوجوب في الحليِّ لا يجتمعان؛ بأنَّ الوجوبَ هنا والعدمَ في مال المَدِيْن لا يجتمعان، فهذا يتم؛ لأنه يمكنه أن يقول في آخره: لأن الوجوب لا يشمل الصورتين بالاتفاق، ولا يتمكَّنُ (١) المعترضُ أن يقول: لأن العدم لا يشمل الصورتين بالاتفاق؛ لأنَّ الشافعيَّ والحنبليَّ يمنعُ ذلك. وكذلك مسالةُ النصابِ إذا استدل الحنفيُّ في مسألة الدَّين. وضَمَّ إليه النصاب المركَّب أمكنه أن يقول: الوجوبُ لا يشمل الصورتين بالاتفاق لوجهين: أحدهما: أنَّ له في الدَّيْن قولًا بالعدم، فعلى هذا يكون العدم شاملًا. الثاني: أنَّ صاحِبَيْ أبي حنيفة لا يوجبان في المركَّب الذي تمَّ بالقيمة

стр. 505

دون الوزن (١)، فيكون العدم شاملًا للصورتين في الجملة. وإن كان الكلام مع حنبليٍّ لم يُسَلِّم عدمَ شمول الوجوب، ولم يمكنه أن يدَّعِي عدمَ شمولِ العدم بالاتفاق؛ لأن في المسألتين عنده خلافًا، وأكثر استدلالِ هؤلاء من هذا النوع. الرابع (٢): أن يكون قد اخْتُلِف في الموضعين في مذهبه، سواء اتفقَ مذهبُ المستدلِّ فيهما، أو اختلف في الأول أو الثاني منه، كما لو استدلَّ الحنبليُّ على عدمِ الوجوبِ في الحليِّ: بأن الوجوبَ فيه والعدم على المَدِيْن لا يجتمعان، فهذا ــ أيضًا ــ لا يتمُّ؛ لأنه لا يمكنه أن يقول: الوجوبُ ثَمَّ شاملٌ بالاتفاق، ولا يمكن المعترض أن يقول: العدمُ غير شامل بالاتفاق. الخامس: أن يكون مذهبُه غير مختلف في العدمِ هنا والوجوبِ هناك [ق ٢٤٦] لكن مذهب المعترض مُخْتَلِف في الوجوب هنا دون العدم هناك، فهذا يتم أيضًا؛ لأنه يمكنه أن يقول: الوجوبُ ليس شاملًا لهما بالاتفاق. هذا كما لو قال المالكيُّ أو الشافعيُّ أو الحنبليُّ في الخضروات وما دون النصاب من المُعَشَّرات: الوجوبُ هنا والعدم في مال الصبي والمجنون مما لا يجتمعان، فهذا يتم ما يقولونه؛ لأنه يمكنه أن يقول: لأن الوجوب غيرُ شامل لهما بالاتفاق؛ لأن صاحِبَيْ أبي حنيفةَ يقولان بشمول العدم. السادس: أن يكون مذهبه متفقًا هنا وهناك، ومذهب المعترض مختلفًا

стр. 506

في السالم؛ فهذا معترَض عليه بمثله؛ لأنه إذا قال: الوجوبُ ليس شاملًا بالاتفاق، قال المعترض: العدمُ غير شاملٍ بالاتفاق؛ لأنه قد اخْتُلِفَ عنده في العدم، ولم يختلف عنده في الوجوب هنا، فلم يقل أحدٌ بالعدم في الموضعَيْن. السابع: أن يكون مذهبُه متفقًا فيهما ومذهب المعترض مُخْتَلِفًا فيهما، فهذا لا يتم له ولا للمعترض؛ لأنه قد قيل في مذهب المعترض بالوجوب فيهما والعدم فيهما. ومثالُ هذا والذي قبله أن يقال: وجوبُ الفِطْرة عن العبد الكافر مع عدم وجوب الزكاةِ على الفور لا يجتمعان، فهذا لا يتم للمستدل؛ لأنه لا يمكنه أن يقول: والوجوب غير شامل لهما إجماعًا؛ لأنَّ أبا يوسف يقول بالوجوب في الموضِعَيْن (١) لكن يتم هذا للمعترض. أو يقول الشافعي للحنبلي: وجوبُ الزكاة في مالِ العبد مع عدم وجوبها في الصغار منفردة عن الكبار لا يجتمعان، فهذا لا يتم من الطرفين؛ لأنه لا يمكن أن يقال: الوجوبُ غير شامل فيهما بالإجماع، ولا شامل فيهما بالإجماع. واعلم ــ أصلحك الله ــ أن كلّ ما (٢) ذكرناه من الأدِلَّة على فساد القول

стр. 507

بالدليل المذكور في التنافي إذا كانت إحدى الصورتين إجماعيَّة فهو موجودٌ هنا، ويزيدُ هذا النوع بوجوهٍ ظاهرةٍ في فساده. أما الكلامُ في بطلان التنافي، فقد تقدَّم نفيُ الكلامِ هنا في لزوم المدَّعى على تقدُّم التنافي والفساد في قوله: «وإن كان الوجوبُ ــ يعني في الصورة المنافية لنقيض المدَّعَى ــ غير ثابت لزم عدمُ الوجوبِ على المَدِين ضرورةَ تنافي الوجوب هنا والعدم ثمَّ، وإن كان الوجوبُ ثابتًا هناك، لزم عدمُ الوجوب هنا ــ أيضًا ــ لأن الوجوبَ لا يشمل الصورتين بالاتفاق؛ لأن البعضَ يقول بالوجوبِ هنا (١) والعدم هناك، والبعضُ يقول بعكس ذلك». فنقول: الكلامُ عليه من وجوه: أحدُها: أن التنافي إما أن يُثبته بما يدلُّ [ق ٢٤٧] على ثبوتِ (٢) الوجوبِ مطلقًا، أو على انتفائه مطلقًا، أو بما يدلُّ على ثبوته على تقدير كون المشترك موجبًا، وعلى انتفائه على تقدير كونه غير موجب. فهذه الأدلة إما أن تكون صحيحةً أو فاسدة، فإن كانت فاسدةً بطل التنافي (٣) فبطل الدليل، وإن كانت صحيحةً فهي دالَّة على الوجوب مطلقًا، أو على انتفائه مطلقًا، فإثباتُ الوجوبِ على تقديرٍ، وعدمِهِ على تقديرٍ آخر تحكُّم (٤) لم يدلَّ عليه الدليل، فيكون باطلًا. الثاني: أن أقوى أدلة التنافي إثباتُه بتقدير إيجاب المشترك، وبتقدير

стр. 508

عدم إيجابه. فنقول: إن كان المشترك موجبًا لزم الوجوب فيهما معًا، وإن لم يكن موجبًا لزم العدمُ فيهما معًا، فقولهم بعد هذا: إن كان الوجوبُ ثابتًا هناك لزم عدم الوجوب هنا إثباتُ الوجوبِ في أحدهما والعدمِ في الآخر، وذلك خلاف مدلول الدليل المذكور، فإن كان دليلُ التنافي صحيحًا بطلت المقدِّمة الثانية، وإن كان باطلًا بطل الدليلُ كلُّه. أو نقول: إن كانت المقدِّمةُ ثابتةً صحيحة ــ وهو لا ينازع اجتماع وجوبِ أحدهما وعدم الآخر ــ بطل التنافي؛ لأن التنافي امتناع الوجوبِ في صورة والعدم في أُخرى، وإذا بطل التنافي بطلت المقدمة؛ لأن صحتها مَبْنية عليه، وإن لم تكن صحيحة بطل الاستدلال بها. وبالجملة؛ فإن (١) كونهما متلازمين وجودًا وعدمًا، وكون أحدها ملزومًا لعدمِ الآخر تناقضٌ ظاهر، ولا يجوز تأليف الدليل من مقدِّمتين متناقِضَتَيْن متضادَّتين. الثالث: قوله: «الوجوبُ لا يشمل الصورتين». قلنا: لا نُسَلِّم ذلك، وقولُه «بالاتفاق» دعوى غير صحيحة؛ لأن العلماء لم يجمعوا أن المسألتين مستويتان في الوجوب أو في انتفائه، ولا أنَّ حكمَ إحداهما مستلزمٌ لحكمِ الأخرى، وإنَّما تكلَّموا في كلِّ واحدٍ منهما على حِدَة، فالقولُ بالوجوبِ في صورةٍ وعدمِهِ في أُخرى= موافقة هؤلاء في مسألةٍ وموافقة هؤلاء في مسألةٍ أخرى، وهذا جائز بالاتفاق، فإنَّ المسلمين

стр. 509

مجمعون على أنَّ من وافق بعض المجتهدين في الوجوب في مسألة لم يجب عليه أن يوافقه في الوجوب في كلِّ مسألة، وكذلك لو وافقه في عدم الوجوب. وهذا مما أجمع عليه المسلمون إجماعًا ضروريًا، فإنَّ أحدًا لم يخالف في أنَّ من وافقَ بعضَ العلماءِ في حكمِ حادثةٍ لا يجبُ أن يوافقه في حكم حادثةٍ أخرى ليست متعلِّقة بها. وقولهم: «لا قائل بالفرق» إنما يصحُّ إذا كان مأخَذُ المسألتين واحدًا، مع أن الأكثرين [ق ٢٤٨] على جواز التفريق ما لم يصرحوا بالتسوية، وهذا نكتة الدليل، وهو أحد قولَي هؤلاء المموِّهِين، وهو من القواعد التي حكى غيرُ واحدٍ إجماعَ المسلمين على فسادها، وسيأتي إن شاء الله كلامٌ في ذلك أطول من هذا (١). الرابع: قوله: «الوجوبُ لا يشمل الصورتين بالاتفاق (٢)» يعني به: أن شموله لهما ليس متفقًا عليه، أو يعني به: أن نفي شمولِهِ لهما متفق عليه، وذلك أن «الباء» يجوز أن تكون متعلِّقة بالفعل، ويجوز أن تكون متعلِّقة بنفي الفعل، فإذا علَّقها بالفعل كان التقديرُ: أن شموله لهما بالاتفاق ليس بواقع، وإن علَّقها بالنفي كان التقديرُ: أن انتفاء الشمول متفقٌ عليه. فإن عنيتَ هذا المعنى الثاني فهو غير مُسَلَّم ولا صحيح، فإنَّ أهلَ الإجماع لم يتكلَّموا في الشمول بنفي ولا إثبات، فلا يجوز إضافة نفيه أو إثباته إليهم. وإن عَنَيْتَ الأول فهو مُسَلَّم، لكن عدم الإجماع على الحكم ليس دليلًا على بطلانه، وأنا أُسَلِّم أنهم لم يُجمعوا على شمول الوجوب للصورتين، لكن الفرق بين

стр. 510

عدم الإجماع على الشمول، والإجماع على عدم الشمول ظاهر. الخامس: أنهم إن لم يُجْمِعوا على عدم شمول الوجوب للصورتين جاز إثباتُ الشمول، وبطلت هذه المقدمة، وإن أجمعوا على عدم شمول الوجوب للصورتين فقد أجمعوا على الوجوب في إحدى الصورتين، والعدم في الأُخرى، وحنيئذٍ لا يجوز أن يُقَدَّم دليل على الوجوب فيهما؛ ولا على العدم فيهما؛ لأنَّ ذلك يخالف الإجماع، فيكون باطلًا. السادس: أنهم أجمعوا على الوجوب في إحداهما والعدم في الأُخرى، والتنافي يمنعُ الوجوب في إحداهما والعدم في الأخرى، فيكونُ التنافي باطلًا. فإن قيل: التنافي دلَّ على أنَّ الوجوبَ هنا والعدمُ هناك لا يجتمعان، والإجماع لم يُعَيِّن هذه الصورة. قلنا: دليلُ التنافي عامٌّ مُطْلق ليس فيه تخصيص، والإجماع المدَّعى عامٌّ مطلق ليس فيه تخصيص، فتخصيص التنافي من هذه الأدلَّة يفتقر إلى دليل على صحته، ولا دليلَ على صحَّته إلا الذي يدلُّ على بطلانه، فتعذَّرَ تصحيحُه إذًا، والله أعلم وأحكم.

стр. 511

(فصل في التمسُّكِ بالنص، وهو الكتابُ والسنة) (١) اعلم أنه كان ينبغي تقديم النصِّ على سائر الأدلة، كما هو الواجب، وكما هو عادة [ق ٢٤٩] أهل العلم. و النصُّ له معنيان (٢): أحدهما: القولُ الدَّالُّ على معناه على وجهٍ لا تردُّدَ فيه، وهو خلاف الظاهر والمجمل. والثاني: هو مُطْلق دلالة القول، سواء كانت قطعية أو ظنية، فيدخل فيه القاطع والظاهر، وهو مُراد هؤلاء، وهو المشهور في ألْسِنَةِ السَّلَف. قوله (٣): (واعلم أوَّلًا بأنه لا يُراد من اللفظ معنًى إلَّا وأن يكون جائزَ الإرادة، والمعنيّ من جواز الإرادة أنه لو ذكَرَ وأرادَ ما أرادَ لا يُخَطَّأُ لغةً، ويُقال في الخلافيات: جواز الإرادة مما (٤) يوجب الإرادة؛ لدوران ظن الإرادة معه وجودًا وعدمًا. ويقال: إن (٥) كان جائزَ الإرادة يكون مرادًا؛ لأنه لو لم يكن مرادًا، فلا

стр. 512

يخلو إما أن يكون (١) غيره مرادًا، [أو لم يكن، فإن لم يكن مرادًا يلزم تعطيل النص، وإن كان مرادًا] (٢) فلا يخلو إما أن كان جائزَ الإرادة، أو لم يكن، فإن لم يكن يلزم إرادة ما لا يجوز إرادته، وإنَّه قبيحٌ جدًّا، وإن كان جائزَ الإرادة يلزم اختلال الفهم، وخرجَ الانقسامُ بين كونه مرادًا وبين عدم كونه مرادًا). اعلم ــ أصلحك الله ــ أن دلالات الألفاظ على المعاني ووجوهها هي ينبوع (٣) الأحكام الشرعية وجِماع الأدلة السمعية، وقد قَسَّم الناسُ فيها وذكروا من وجوهها ما يكثر تدواره (٤) في الفقه وفي الأصول من دلالةِ منطوقٍ ومفهوم، وعموم وخصوص، وإطلاق وتقييد، وحقيقة ومجاز، ومشترك ومتواطئ، ومفرد ومرادف، وغير ذلك من أنواع الدلالات، فعليكَ بفهم وجوهِ القرآن، كما قال أبو الدرداء: «لا يفقه الرَّجُل كلَّ الفقه حتى يرى للقرآن وجوهًا كثيرة» (٥).

стр. 513

واعلم أن المعنى المرادَ من اللفظ لا بدَّ أن يكون جائزَ الإرادة؛ لأنه لو [لم] يكن جائزَ الإرادة لكان ممتنع الإرادة، والممتنع غيرُ واقع، فلا يكون مرادًا، وهذا ظاهر كما ذكره. لكن لفظ «إلَّا وأن يكون» ليس بلفظٍ جَيِّد، وكان حقُّه أن يقول: «إلَّا ويكون»، أو: «إلا أن يكون»، كما يعرفه أهلُ العربيَّة. وقوله: «والمعنى من جواز الإرادة أنه لو ذكر وأراد ما أراد لا يُخَطَّأ لغةً». وهذا في كلام الله، وكلام رسوله ﷺ ، وكلام أهل العلم الذين يَنْتَحونَ في كلامهم نحوَ اللغةِ العربية، وإلَّا فكلامُ العامة في العقود والأيْمان ونحو ذلك يكون المعنى جائز الإرادة منه مع تَخْطِئتهم لغةً. واعلم أنَّ هذا التفسير قد يتوجَّه، وقد يُناقَشُ صاحِبُه بأن يقال: دلالةُ اللفظِ على المعنى يكون باعتبار الحقائق الثلاث: اللغوية والشرعية والعرفية، فلو ذكر اللفظَ وأرادَ [ق ٢٥٠] ما يدلُّ عليه بطريق الحقيقة الشرعية أو العرفية (١) لخُطِّئ لغةً، إلَّا أنَّه قد يقول: الحقيقةُ الشرعية والعرفية لغةٌ أيضًا. ويَرِدُ عليه ــ أيضًا ــ أن المعاني التي تستحيل من الشارع أن يريدها بكلامه مع صلاح اللفظ لها معاني لو ذكر اللفظ وإن بدت منه لم يُخَطَّأ المريد لغةً، وهو (٢) مخطئ الإرادة إما عقلًا أو شرعًا. و جميعُ وجوه الخطأ منفيةٌ عن الشارع ، فلا يكون جائز الإرادة، وهذا

стр. 514

كما لو قال الرجل: بيعُ الكعبةِ جائز، مِن قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]؛ لأنه لو ذكر اللفظ وأرادَ هذا المعنى لم يُخَطَّأ لغةً، وكذلك نَهْيُه ﷺ أن يَسْقي الرجلُ ماءَه زَرْعَ غيرِه (١)، لو (٢) أرادَ به الزرعَ الذي في التراب= لم يُخَطَّأ لغةً، وإرادَتُه من الشارع محالٌ قطعًا. واعلم ــ أصلحك الله ــ أن وجوه الأدلة السمعية معروفة قد ذكرها الناسُ قديمًا وحديثًا، وقد يتفرَّد هؤلاء ــ أهلُ الجدلِ المُمَوَّه من الخراسانيين ــ بقولهم: «جواز الإرادة يقتضي الإرادة»، وخرجوا في ذلك عما عليه أهل الأصول والفقه، وأهلُ الجدل المتقدِّمون منهم ومن غيرهم، والمتأخِّرون من العراقيين وغيرهم، وما عليه أهلُ الخلاف في جميع الأعصار والأمصار، إلا من سلك سبيلَهم، فإنَّ هؤلاء لم يُعرِّجُوا على هذا الكلام ولم يلتفتوا إليه، ولم يستدلّوا في شيءٍ من كلامهم وكتبهم بمثل هذا الدليل، ولو ذكر ذلكَ أحدٌ لتَجافَوْه وطعنوا عليه ولم يلتفتوا إليه. وقول المصنف: «يقال في الخلافيات: جوازُ الإرادة مما (٣) يوجب

стр. 515

الإرادة». يعني به: خلافيات أهلِ الجدل المُمَوَّه، وإلا فالخلافيات المشهورة عند كلِّ الطوائف لا يلتفتون فيها إلى هذا الكلام. ونحن نذكرُ ما احتجُّوا به على هذه القاعدة ونُبيِّنُ تزييفَه، ثم ندلّ على فسادها. وقد احتجَّ لها هذا المصنِّف بشيئين: أحدهما: أنه دار ظنُّ الإرادة مع جواز الإرادة وجودًا وعدمًا، أما وجودًا ففي المواضع التي أريدت [و] في ظنِّنا إرادتها وهي جائزةُ الإرادة، مما لا تنحصر كثرةً، وأما عدمًا ففي المواضع التي لم تُرَد ولم يُظَن إرادتها، وهي غير جائزِة الإرادةِ، وذلك أيضًا مما لا ينحصر، ودوران الأمر مع الشيءِ وجودًا وعدمًا يدلُّ على أنَّ المدارَ عليه الدائر. وهذا المسلك ليس بشيء؛ لأنَّا لا نُسَلِّم دوران ظنّ الإرادة مع جواز الإرادة وجودًا وعدمًا؛ لأن معنى الدوران: أن يوجد الدائر في كلِّ صورة من صُوَر وجود المدار [ق ٢٥١]، أو في كلِّ صورة تحقَّقْنا وجودَ المدار فيها، وفي صورٍ متعدِّدة، مع عدم تخلُّف الدائر في مواضع لم يكن قد دارَ معه وجودًا (١). ومعلومٌ أنَّ الصور التي تخلَّف (٢) فيها ظنّ الإرادة عن جواز الإرادة أضعاف أضعاف الصور التي اقترنَ فيها ظنُّ الإرادة بجواز الإرادة، وذلك لأن كلَّ لفظٍ فإنه يجوز أن يُرادَ به كلُّ واحدٍ من مَجازاته، بمعنى أنه لو أُرِيْدَ

стр. 516

منه لم يكن خطأً. ومعلومٌ أن مجازات الألفاظ أضعاف الحقائق، فإنَّ الاستعارة والتشبيه والتعريض والكناية والإضمار والتقديم والتأخير لا يكادُ يُحصى، وإنما يُرَاد في الغالب إما الحقيقة أو واحدٌ من مجازاتها، فَعُلِمَ أنَّ المعاني التي تجوز إرادتها ولم تُرَد أكثر من المعاني التي أُرِيدت. وكذلك الألفاظُ المشتركة والمنقولة والمغيَّرة (١) شرعًا نقلًا وتغييرًا شرعيَّين أو عُرْفيَّين إنما يريد بها المتكلِّم في الغالب أحدَ المعنيين، مع أن المعاني الأُخَر جائزة (٢) الإرادة ولم تُرَد. وكذلك أسماء الأجناس التي هي الغالبة على اللغات كثيرًا ما يُراد بها تعريف ماهيتها (٣) فتكون سائرُ الصور جائزة الإرادة ولم تُرَدْ. وكذلك كلُّ عامٍّ مخصوص ومطلق قد قُيِّد، فإن المواضع التي لم ترد منه جائزة الإرادة ولم تُرَد. وكذلك ــ أيضًا ــ الألفاظ الكُلية يجوز أن يُراد بها في الإثبات خبرًا وطلبًا كلُّ فرد من أفرادها، ومعلومٌ أن تلك الأفراد لم يُرَدْ منها إلا واحد، أو لم يُرَدْ منها شيء؛ بل (٤) أريدت الحقيقة (٥) من حيث هي هي. وهذا بابٌ واسع فمن تأمَّل كلَّ لفظٍ في كلام متكلِّمٍ رأى أنه يجوز أن

стр. 517

يُراد به من المعاني ما شاء الله، والمتكلِّم لم يُرِد إلا واحدًا من تلك المعاني، فكيف يقال: «دارَ ظنُّ الإرادة مع جواز الإرادة وجودًا»، وتخلُّفُ الظنِّ عن هذا الجواز أكثرُ من وجودِهِ معه؟! فإن قال: إنما أُريد بالدوران وجوده معه في عدة صور. قلنا: لا نُسَلِّم أن الدوران بهذا التفسير فقط يفيد شيئًا، وإنما يفيده التفسير الذي تقدَّم. وقد يقال أيضًا: لم يَدُر عدم ظن الإرادة مع عدم جواز الإرادة عدمًا؛ لأن كثيرًا من الناس يظنون إرادة ما لا تجوز إرادته، لعدم علمهم بدلالات الألفاظ وبجواز ما يجوز أن يكون مرادًا، لكن هذا مكبوت مغلوب بالنسبة إلى نقيضه. الوجه الثاني (١): لا نُسَلِّم أنه دار ظن الإرادة مع جواز [ق ٢٥٢] الإرادة في شيءٍ من الصور؛ لأنَّ دوران الظن معه. أمَّا إذا رأينا الشيء جائز الإرادة ظنَّنا أنه مراد، أو حصل ظنُّنا بأنه مراد، وإذا رأينا غير جائز الإرادة انتفى ظنُّنا بإرادته، والمرجعُ في هذا إلى ما يجده الناس، ونحنُ إذا اعتقدنا أنَّ هذا الشيء جائز الإرادة فقط، من غير ضميمة أخرى؛ لم يَبْنِ ذلك لنا ظنًّا، ولم يَقْتَضِ لنا رأيًا، ولا يوجب لنا اعتقادًا. ومن ادَّعى أنَّ ظنَّه بوقوع الإرادة يحصل عنه اعتقاده، لأن الشيءَ جائزُ الإرادة= فقد ادَّعى على العقول خلاف ما جَبَلها الله عليه، على أنَّا لا نجد

стр. 518

ذلك، ولا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها. ولو ثبتَ له حصولُ الإرادة [لحصول] (١) الظن عند جواز الإرادة لاستغنى عنه إثباته بالدوران، ولو أنَّه قال: حصول الإرادة دار مع جواز الإرادة لكان أجود. وإن قال: إنما أُرِيْد الظن حَصَل مقارنًا لجواز الإرادة في كثيرٍ من الصور، ولا أدَّعِي أنه هو الموجب للظن. قلنا: هذا القدر غير موجب؛ لأن الجواز هو المقتضي للظنِّ، وأنه هو دليلُه ومقتضيه؛ لأن الاعتقادات الحاصلة في النفس عن أدلةٍ إنما تحصل بعد شعور النفس بتلك الأدلة، والظن الحاصل (٢) بالإرادة حاصل مع أن الشعور بجواز الإرادة وحده غير حاصل. الثالث: أن يقال: الدوران إنما يفيد العِليَّة إذا لم يزاحم المدارَ مدارٌ آخر، وهنا قد زاحمه مدارات أُخر، فإنَّ ظن الإرادة قد دار مع كونه معنى اللفظ، أي هو الذي ينبغي للمتكلم أن يُعَيِّنه بلفظه، ودار مع كونه حقيقة اللفظ، ودار مع كونه دلَّ الدليلُ على إرادته، ودار مع كونه يجب إرادته، ودار مع كون اللفظ دالًّا عليه، فإنه ما من معنًى من هذه المعاني إلا وُجِدَ الظنُّ معها في صورٍ كثيرة، وانتفى في صور كثيرة، فلماذا يجب أن يقال: المقتضي للظنِّ هو جواز الإرادة دون سائر هذه المعاني، ودون غيرها؟! بل إذا أنصف العاقلُ وجدَ الظنَّ بالإرادة في كلِّ موضع له سبب

стр. 519

وموجب غير السبب الذي له في الموضع الآخر من غير أن يخطر بباله أن جواز الإرادة هو السبب، وكلُّ سبب من تلك الأسباب يدور الظنُّ معه وجودًا وعدمًا. الرابع: أنَّ الظن الحاصل بإرادة معنى كلّ كلمةٍ يدورُ مع أسبابٍ خاصةٍ بتلك الكلمة، فالظنُّ الحاصل بإرادة الأمر [ق ٢٥٣] دار مع صيغة «افْعَل» المجرَّدة، أو ما يقوم مقامها وجودًا وعدمًا، والظنُّ الحاصل بإرادة كلِّ المُسَمَّيات من الليل والنهار، والشمس والقمر، والبر والبحر، والسماء والأرض، دارَ مع الصِّيَغ المخصوصة الموضوعة لهذه المعاني على وجهٍ يَطَّرِدُ في كلِّ موارده، وينعكس في غير موارده. فإن قيل: القَدْر المشترك ــ وهو ظنُّ الإرادة ــ دار مع القدر المشترك ــ وهو جواز الإرادة ــ فيكون مطلق الظنِّ ناشئًا عن مطلق الجواز. قلتُ: هذا ممنوع ــ كما تقدَّم بيانُه ــ بل ظنُّ إرادة كلِّ معنى دارت (١) مع أسبابٍ خاصةٍ به من وضع اللفظ ومعرفة (٢) دلالته، وتلك الأسباب تستلزمُ كونَ المعنى جائز الإرادة، كما أنَّ كلَّ واحد من شبع [زيد] (٣) وشبع عمرو دار مع قدرٍ مخصوصٍ من الأكل يختصُّ به، فلو قيل: إنَّ مسمَّى الأكل يقتضي مُسَمَّى الشبع، لأنه هو القدر المشترك= كان غلطًا، وإنما القَدْر المشترك الأكل المُشْبِع، أو أكل الكفاية، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، وذلك يستلزم حركةَ فَكِّه عند الأكل، أو حصول الطعام

стр. 520

في معدته، وإن لم يكن ذلك وحدَه كافيًا في حصول الشبع، لكن هو لازمٌ من لوازم الشبع. المسلك الثاني (١): قولهم: «إذا كان جائز الإرادة يكون مرادًا، لأنه لو لم يكن مرادًا فلا يخلو إما أن كان (٢) غيره مرادًا، أو لم يكن مرادًا، فإن لم يكن مرادًا يلزم تعطيلُ النصِّ، وإن كان مرادًا ولم يكن جائز الإرادة لزم إرادة ما لا يجوز إرادته، وإن كان غيره مرادًا وهو جائز الإرادة يلزم اختلال الفهم، فقد خرج الانقسام بين كونه مرادًا وبين عدم كونه مرادًا». والاعتراضُ عليه أن يقال: لا نُسَلِّم أنَّ غيره إذا كان مرادًا ــ وهو جائز الإرادة ــ يلزم اختلال الفهم، ولم يذكر على ذلك دليلًا، ولا شكَّ أن هذا باطل؛ لأن الاختلال إنما يلزم إذا لم يكن لكلِّ لفظٍ صيغةٌ مخصوصةٌ تدلُّ على المراد الأصليّ من غيره. فإن أكثر ما يقول: إن المعنيين إذا كان كلُّ منهما جائز الإرادة وقد أُريدَ أحدُهما دون الآخر لزم اختلال الفهم بفهم المعنى الذي ليس بمراد، فوجب أن لا يكون جائز الإرادة إلَّا مرادًا. قلنا: إنما يلزم اختلال الفهم [عند] من اعتقد أن مجرَّد جواز الإرادة يقتضي الإرادة بالمفسدة الناشئة من اعتقاد هذا الاعتقاد، مع كونه غير مطابق يلزم (٣) إثبات أيّ حقيقةٍ شاء الإنسان بالمفسدة [ق ٢٥٤] الناشئة من اعتقادها

стр. 521

بتقدير عدمها، وحينئذٍ فتكون الحقائق تابعة للعقائد حتى يُحكم بثبوت كلِّ مُعْتَقد خشيةَ فسادِ الاعتقاد، وهذا أحد أنواع السَّفْسَطة. الثاني (١): نقول: إذا كان غيره مرادًا فلابدَّ أن يدلَّ دليلٌ على إرادته، إما كونه حقيقة اللفظ وقد تجرَّدَ عن القرائن، أو كونه مجاز اللفظ الذي اقترنَ به ما يقتضي إرادة مجازِه، أو كونه فردًا من أفراد حقيقته، أو كونه أحد معنَيَي اللفظ المشترك الذي دلَّ دليل على أنَّه هو المراد، أو على أنّ الآخر ليس بمراد. واستقراءُ اللغات يدلُّ على أنَّ كلَّ متكلَّم قَصَدَ الإفهام إنَّما يُعْلم مراده بأمر زائد على مجرَّد جواز الإرادة، وعلى التقدير فلا اختلال للفهم. الثالث: تدَّعِي أنَّ كل ما جاز إرادته فإنه لابدَّ أن يكون مرادًا، أو تدعي أن الأصل فيه أن يكون مرادًا، فإن ادَّعيت الأول ففساده معلوم بالاضطرار، وإن ادَّعيت الثاني فقد سلَّمْتَ تخلُّف الإرادة عن جواز الإرادة في مواضع. فنقول: تلك المواضع التي كان المعنى [فيها] جائزَ الإرادة ولم يُرَد لابد أن يكون قد اقترن بالمعنى الآخر المراد ما دلَّ على أنه هو المراد، ونحن ... (٢) كلَّ الألفاظ من هذا القسم فيُعْلَم المراد بما هو دليلٌ عليه في كلِّ موضع بحسبه. الرابع: إذا كان جائز الإرادة، فإن دلَّ دليلٌ على أنه مراد فلا كلامَ فيه، وإن لم يدلَّ دليلٌ سوى كونه جائز الإرادة، فإنه يجوز أن يكون مرادًا، ويجوز أن لا يكون مرادًا، وإلَّا لوجَبَ التلازم بين جواز الإرادة ووجودها في جميع

стр. 522

المواضع، وهو خلافُ إجماع العقلاء. فنقول حينئذٍ: هذا المعنى جائز عدم الإرادة، فلا يخلو إما أن يكون مرادًا، أو لا يكون، فإن لم يكن مرادًا بطل الاستدلال، وإن كان مرادًا لزم إرادة ما يجوز أن يكون مرادًا، ويجوز أن لا يكون مرادًا من غير دليل يُبَيِّن رُجْحان أحدهما، وذلك تكلُّمٌ بما لا يُفهم، وتكليفٌ لما لا يُطاق، ونَصْب دليل لا دِلالَة فيه. وإن قالوا: إرادة المعنى راجحة. قلنا: عدم إرادته راجحة (١) لإعضادها بالأصل، بل نقول: إذا جاز أن يكون مرادًا وجاز أن لا يكون مرادًا، كان ترجيحُ أحدِهما على الآخر لغير مرجِّحٍ باطلًا، فالواجب التوقُّف عن الجزم بأحدِهما حتى يأتي ما يرجِّحُه. فإن قالوا: هو ثابت الإرادة إلا (٢) عند وجود مُعَارِض. قلنا: بل هو غير مرادٍ إلا عند وجودِ ما يدلُّ على الإرادة، ولا شك أن نسبة عدم الحكم إلى عدم مُقْتَضِيه أولى من نِسْبَته إلى وجودِ مانعٍ منه، لما في الثاني من التعارض بين [ق ٢٥٥] المقتضي والمانع. ولهم مسلك ثالث (٣): وهو أنه لابدَّ أن يُرَاد باللفظ ما هو جائز الإرادة؛ لأنه إذا عدم ذلك فإما أن لا يُراد معنى، أو يراد ما لا يجوز إرادته، وكلاهما ممتنع، فثبتَ أنَّ إرادةَ المعنى الجائزةِ إرادتُه واجبة، وهي تدفع عن اللفظ

стр. 523

هذين الفسادين، فحينئذٍ إذا فرض معنًى جائزُ الإرادة كان المقتضي لإرادته قائمًا، وإن لم يدل على عينه، فإن المقتضي للحكم يعمل علمَه، وأيُّ (١) محلٍّ وُجِد، وإنما التعيينُ بمنزلة الطُّرُق التي كل منها محصِّل للغرض، فلا يضر أيُّها سُلِك. فإذا أُريدَ منه هذا المعنى حصل الغرضُ المطلوبُ مما يقتضيه نفس استعمال اللفظ، فيكون المقتضي للإرادة ثابتًا. وهذا المسلك أيضًا ليسَ بشيءٍ؛ لأن وجودَ معنى جائز الإرادة لابد منه، وتعيّنه بهذا المعنى إذ هذا المعنى (٢) إنّما يكونُ طريقًا إذا لم تكن فيه مفسدة، وهذا فيه مفسدة، وهو التعرض بحمل اللفظ على ما لم يُرَد به. وأيضًا: فهذا إنما يقتضي أنَّ هناك معنًى ما جائز الإرادة، فإذا أبدى الخصمُ معنًى من المعاني جائز الإرادة اندفع الحاجة إلى ذلك المعيّن؛ لأن المقتضي يقتضي معنًى ما جائز الإرادة، فإذا حصلت المزاحمة لم يكن أحدُهما بأولى من الآخر، والمقتضي لا عمومَ له، وحينئذٍ فلا يمكن الاستدلال بهذه القاعدة؛ لأنه ما من لفظٍ إلا ويمكن الخصمَ أن يذكرَ فيه معنًى جائزَ الإرادة في نفس الأمر. فإنَّا نعلمُ أنَّ اللفظ له معنى جائزُ الإرادة، لكن اندفاع المفسدة ليس موقوفًا علينا (٣) ولا على تَعْييننا. ولهم مسلك رابع: وهو أنَّ مفسدة عدم الحمل أشد من مفسدة الحمل، إذ المعنى إذا كان مرادًا، فلم يعتقِدْه مرادًا لزم إبطال مقصود الشارع قطعًا، أما إذا لم يكن مرادًا واعتقدناه مرادًا فلا بدَّ أن نَحْمله على كلِّ جائز الإرادة،

стр. 524

وحنيئذٍ فنكون قد علمنا ببعض المقصود. والدليلُ على أنَّ مجرَّد جواز الإرادة لا يقتضي حصولَ الإرادة وجوه: أحدها: إما أن يقتضيه [في] كلِّ حال، أو في بعض الأحوال، فإن كان الأول لزم إرادة ما تجوز إرادته من كلِّ لفظ، وهو خلاف المعلوم بالاضطرار، وإن كان الثاني فلابدَّ أن يتميَّز الحال فيها الاقتضاء عن غيرها، وحينئذٍ فإما أن ينضمَّ إلى جواز الإرادة قَيْد عَدَمي، أو قَيْد وُجُودي، فإن كان الأوَّل بأن يقال: جواز الإرادة يقتضي الإرادة ما لم يعارضه بما يمنع الإرادة، أو ما لم يعارضه كونه مجازًا، كان النافي للمجاز أقوى من [ق ٢٥٦] جواز الإرادة المقتضي لإرادة المجاز ونحو ذلك. أو قَيْد وجودي بأن يُقال: لابدَّ أن يستعمل اللفظ على وجهٍ يقتضي أن ذلك المعنى مرادٌ به، فإن كان الأول يلزم كون التعارض بين المقتضي والمانع، ولزم أن لا يفهم أحدٌ معنًى من لفظٍ حتى يَعْلَم انتفاءَ جميع الموانع، ويستشعر ذلك، ولزم أن تكون الأمور العدمية (١) أبعاضًا للأدلة والعلل، وهذا كلُّه خلاف الأصل إن لم نقل: هو ممتنع. ثم نقول: حال اللفظ قبل وجود المانع إن كان مثله بعد وجودِه، لَزِم ترجيح الشيء على مِثْله، وإن كانت صفتُه الثبوتيَّة قبل وجودِ المانع أكمل منها بعد وجودِه، فهو القسم الثاني فَثَبت أنه (٢) لا يفيد الإرادة إلَّا (٣) بوصفٍ وجودي ينضمُّ إلى جواز الإرادة، فيكون مجموع ذلك هو المقتضي، فلا

стр. 525

يكون مجرَّد جواز الإرادة هو المقتضي. فإن قيل: هذا يلزم في كون الأصل في الكلام هو الحقيقة، وأن الأصل في الأمر الإيجاب، والأصل في الصيغة العامة الشمول. قيل: تلك المواضع قام الدليل [فيها] على أن تلك الأدلة عند تجرّدها تقتضي مدلولاتها، فكان ذلك راجحًا على ما ذكرناه هنا، بخلاف جواز الإرادة، فإنه لم يقم دليلٌ على اقتضائها الإرادة. الثاني: أنه إذا كان جائز الإرادة فإما أن يتوقَّف وقوع إرادته على شيءٍ غير جوازها، أو لا يتوقَّف، فإن لم يتوقف لزمَ كون الشيء الجائز يترجَّح طرفُ وجودِه على طرف عدمه من غير مرجِّح زائد، وهو باطل، وإن توقَّف وقوع الإرادة على شيء زائد على جوازها كان المقتضي لوقوع الإرادة هو ذلك الشيء الزائد، فلا يكون جواز الإرادة موجبًا للإرادة، وهذا واضح. الثالث: كون الجواز يقتضي الوجوب، أو يقتضي الوقوع، تعليقٌ على الشيء ما لا يقتضيه، وقلبٌ للحقائق، وذلك لأن أسباب الجواز تُخْرج الشيءَ من حَيِّز الامتناع فقط، أو من حَيِّز الامتناع والوجوب. وأسبابُ الوجوب تُخرج الشيءَ من حيِّز الإمكان والامتناع. وأسبابُ الوقوع تُخرج الشيءَ من حَيِّز العدم، فإذا حلَّ (١) بأنه يصير الشيءُ جائزًا جاعلًا له موجودًا أو واجبًا فقد صار الممكن واجبًا أو موجودًا، مع قَطْع النظر عن غير الإمكان، ومعلوم أنَّ هذا باطل. الرابع: إذا جعلنا الشيءَ مرادًا لله ولرسوله بمجرَّد عِلْمنا بأنه يجوز أن

стр. 526

يراد من اللفظ؛ فقد قلنا على الله ما لا نعلم، وقَفَونا ما [ق ٢٥٧] ليس لنا به علم، وذلك حرامٌ بنصِّ القرآن، وذلك لأنَّ عِلْمنا بأنه جائز الإرادة علم بأنَّ المتكلِّم لو أراده لم يكن لاحنًا، أو لم يكن متكلِّمًا بغير العربية، أو علم بأنَّ المتكلّم له أن يريده، وإذا عَلِمنا أن الله ــ سبحانه ــ له أن يريد المعنى، أو له أن يشاء الفعل، ثم أخبرنا عنه بأنه قد شاءه، وأنه قد أراده من غير دليلٍ زائد، دلَّنا على أنه أراده، لا علمنا بأن له أن يريده، كُنَّا قد أخْبَرنا عنه بأكثر مما عَلِمْنا منه، والعلمُ به ضروري، وذلك قولٌ على الله ما لا نعلم. الخامس: أن كونه جائز الإرادة إما أن يعنى به جائز الإرادة لغة، بمعنى أنَّ كلَّ عربيٍّ لو أراد ذلك المعنى من ذلك اللفظ لم يكن خارجًا عن لغته، أو جائز الإرادة من كلِّ وجهٍ، بمعنى أنَّ الله ورسوله إذا أراده لا يلزم منه محذور من مخالفة الأصول في قَلْب الحقائق، فإن عَنَى المعنى الأول فنحنُ نعلم باضطرار أنَّ مجرَّد كون العربي يجوز أن يريد المعنى من اللفظ لا يقتضي ذلك أنَّ الله ــ ــ ورسوله أراده، فإنَّ العربي من حيث هو كذلك يريد الحقَّ والباطلَ، والهوى والضلال، والكفر والإيمان، والله ورسوله منزَّهٌ عن ذلك، وإن أريد القسم الثاني (١) بطل قولهم، فإنهم لا يثبتون جواز الإرادة إلا لغةً.

стр. 527

(فصل (١) ثم التمسُّك بالنصِّ من وجوه: أحدها: دعوى إرادة الحقيقة إذا لم ينعقد الإجماع على عدم إرادة الحقيقة ، فيقال: الحقيقة مرادة؛ [لأن] (٢) الأصل في الكلام هو إرادة (٣) الحقيقة، فإن الغرض من الكلام هو الإفهام، فلو لم يكن الأصل ما ذكرنا يلزم اختلال الفهم، فلا يوجد الإفهام؛ ولأن الثابت بطريق الحقيقة أسبق إلى الفهم بالنسبة إلى غيره، فالظاهر من حال العاقل الإقدام إلى (٤) ما هو أسرع إفضاءً إلى الغرض، فَتُرَاد الحقيقة، على أن عدم الإرادة مما يفضي إلى ترك العهد والاصطلاح (٥) والإخلال بالظن فينتفي). اعلم أنّ هذا طريقٌ صحيح، فإن الأصل في الكلام هو إرادة الحقيقة، وهذا مما اتفقَ عليه الناسُ من جميع أصحاب اللغات، فإن مقصود اللغات لا يتم إلا بذلك، وهو مستوفًى في مواضعه.

стр. 528

والحقيقةُ قد يُعْنَى بها المعنى المدلول عليه باللفظ، وقد يُعنى به اللفظ الدال على المعنى، وقد يُعنى به نفس الدِّلالة. و (١) المشهور: أنها اللفظ المستعمل فيما وُضِعَ له، والأوضاعُ ثلاثة؛ وضعٌ لغويٌّ، وشرعيّ، وعرفيّ، فذلك [ق ٢٥٨] صارت الحقائق ثلاثة أنواع. وقد يكونُ اللفظ حقيقةً بالنسبة إلى وضعٍ مجازًا بالنسبة إلى وضعٍ آخر، وتختلف الأوضاعُ ــ أيضًا ــ باختلاف الأعصار والأمصار، فكم من لفظٍ غَلَب استعمالُه في معنًى عند قوم، وفي معنًى آخر عند قوم، فدلالات الكتاب والسنة مبنيَّة على معرفة أوضاع من نزل القرآنُ بلسانه، وبُعِثَ الرسولُ فيه (٢). ودلالات الأقوال المستعملة في العقود والأيمان مبنيَّة على معرفة أوضاع مَن ذلك المتكلِّم منهم، ثم إن كان ممن يتكلم بوضْعَين فلا بدَّ من التمييز، ولهذا اختلَفَ الفقهاءُ في الحاسب إذا قال: له عليَّ درهم في درهمين، أو أنت طالق طلقة في (٣) طلقتين. وقد ذكر في تقرير (٤) إرادة الحقيقة ثلاثة أوجهٍ، فنقْتَصِر على شرحها: أحدها: أن مقصود الكلام هو الإفهام، والإفهام إنما يتم إذا علم أن ذلك اللفظ موضع لذلك المعنى، فإما أن يكون هذا وحدَه كافيًا في الإفهام، أوْ لا، فإن كان كافيًا فهو المقصود بقوله: «إن الأصل في الكلام إرادة الحقيقة»،

стр. 529

وإن لم يكن كافيًا فلا يحصل بسماع (١) شيءٍ من الألفاظ معرفة مقصود المتكلِّم حتى يقترن به ما يبينه، فلا يحصل المقصود من الخطاب بنفس الخطاب، ولا يحصل الإفهام بمجرَّد سماع الكلام، وذلك يُعَكِّر على مقصود الخطاب بالإبطال. الثاني: أن المعنى الثابت بطريق الحقيقة أسبق إلى الفهم من غيره، كما يشهد به الواقع، وسلوك الطريق التي هي أقرب إلى المقصود أظهر من حال الحكم (٢). الثالث: أن عدم إرادة الحقيقة يُفْضي إلى تَرْك المعنى المعهود المصطلح عليه، ويُزيل ظنَّ إرادته، فيكون ... (٣) بما في ذلك من المفسدة. ثم اعلم أنه إن أجمع الناس على أن الحقيقة غير مرادة، كقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وقوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٤) [البقرة: ٢٣٢]، عند مَن يقول: إن حقيقة النكاح: الوطء. وقوله: «رُفِعَ عن أمتي الخطأ والنِّسْيان» (٥)، فإن حقيقة [رفع] الخطأ والنسيان بمعنى

стр. 530

أنه غير واقع لم يُرَد إجماعًا، وكذلك قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، فإن سؤال الجدران لم يُرَد بالإجماع= لم يصح دعوى إرادتها، وإن لم يجمعوا (١) على ذلك صحّ دعوى إرادتها، إلا أن يعارضه المستدل بما ينفي إرادتها. وفي الحقيقة لا فرق بين أن يكون النافي لها الإجماع أو غيره من الأدلة الراجحة، وإنما خُص الإجماعُ بالذكر؛ لأن غالبَ ما يستعملون هذه الطريقة في الأقوال العامة والمطلقة (٢). و العمومات على ثلاثة أقسام: أحدها: ما انعقد الإجماع على بقائه على عمومه [ق ٢٥٩] وهو قليل. والثاني: ما أُجمع على تخصيصه، وهو كثير جدًّا، وقد اختلفوا بعد التخصيص، هل يبقى (٣) حقيقة أو مجازًا؛ على قولين مشهورين، مع أنَّه
следующие страницы →