стр. 10011
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 18686
تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير
الثعلبي
Полный текст (16 476 стр.). Показаны 10011–10050 · переход к 10016.
стр. 10012
حنيفة وأصحابه (١).
روى الأشعث عن الشعبي قال: جاء خصمان إلى شريح فجاء أحدهما بشاهد قد قطع زناد (٢) يده ورجله في قطع الطَّريق، ثم تاب وأصلح فأجاز شريح شهادته. فقال المشهود عليه: أتجيز شهادته عليّ وهو أقطع؟
فقال شريح: كل صاحب حد إذا أقيم عليه ثم تاب وأصلح فشهادته جائزة إلَّا القاذف، فإنَّه قضاء من الله ألا تقبل شهادته أبداً وإنَّما توبته فيما بينه وبين الله تعالى (٣).
стр. 10013
٦ - قوله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾
أي: يقذفونهن (١) بالزنا. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ يشهدون على صحة قالوا. ﴿إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
قرأ أهل الكوفة: ﴿أَرْبَعُ﴾ بالرَّفع (٢) على الابتداء والخبر (٣).
وقرأ الباقون بالنصب (٤) على معنى: أن يشهد أربع شهادات (٥).
* * *
стр. 10014
стр. 10015
﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
وقرأ نافع وأيوب ويعقوب: (أنْ) و (أن) خفيفتين. (لعنةُ) و (غضبُ) مرفوعتين، وهي رواية المفضل عن عاصم (١).
وقرأ الباقون بتشديد النونين وما بعدهما نصب (٢).
٨ - ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾
ويدفع عن الزوجة الحد (٣) ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ
стр. 10016
الْكَاذِبِينَ﴾ يعني: الزوج.
٩ - ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ (١)
قرأ نافع: ﴿غَضَبَ اللَّهِ﴾ مثل سمع الله (٢) على الفعل (٣).
وقرأ الباقون على الاسم (٤).
١٠ - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾.
جواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف يعني: لعاجلكم بالعقوبة وفضحكم، ولكنه ستر عليكم ورفع عنكم الحد باللعان حكمة منه ورحمة (٥).
стр. 10017
فأمَّا سبب نزول الآية:
فروى عكرمة (١) عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ قال سعد بن عبادة (٢): يا رسول الله (٣) لو أتيت لكاع (٤)، وقد تفخذها رجلٌ لم (٥) يكن لي أن أهيجه (٦) ولا أحركه حتَّى آتي بأربعة شهداء. فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتَّى يفرغ من حاجته ويذهب، وإن قلتُ ما رأيتُ إن في ظهري لثمانين جلدة. فقال رسول الله ﷺ : "يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ " قالوا: لا تلمه يا رسول الله، فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلَّا بكرًا، ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوجها. قال سعد بن عبادة ﵁: يا رسول الله بأبي وأمي والله إنِّي لأعرف أنها من الله وأنها حق،
стр. 10018
ولكن عجبت من ذلك لما أخبرتك. فقال رسول الله ﷺ : "فإن الله تعالى يأبى إلَّا ذلك" فقال: صدق الله ورسوله، فلم يلبثوا إلَّا يسيرًا حتَّى جاء ابن عم له يقال له: هلال بن أميَّة من حديقة له، فرأى رجلًا مع امرأته يزني بها فأمسك حتَّى أصبح، فلما أصبح غدا على رسول الله ﷺ وهو جالس مع أصحابه، فقال يا رسول الله: إنِّي جئت إلى (١) أهلي عشاء فوجدت رجلًا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني. فكره رسول الله ﷺ ما أتاه به وثقل عليه جدًّا حتَّى عرف ذلك في وجهه، فقال هلال ﵁: والله يا رسول الله إنِّي لأرى الكراهية (٢) في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم إنِّي لصادق، وما قلت إلَّا حقًّا، وإني لأرجو أن يجعل الله تعالى لي (٣) فرجًا. فهمَّ رسول الله ﷺ بضربه. قال: واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيُجْلد هلال وتبطل شهادته (٤). فإنَّه لكذلك ورسول الله ﷺ يريد أن يأمر بضربه، إذ نزل عليه الوحي، فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أن الوحي قد نزل حتَّى فرغ، فأنزل الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ إلى آخر الآيات. فقال رسول الله ﷺ : "أبشر يا هلال فإن الله قد جعل
стр. 10019
لك (١) فرجًا" فقال: قد (٢) كنت أرجو ذلك من الله. فقال رسول الله ﷺ : "أرسلوا إليها" فجاءت فلما اجتمعا عند رسول الله ﷺ قيل لها: فَكَذَّبت. فقال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ " فقال هلال: يا رسول الله بأبي وأمي لقد صدقت وما قلت إلَّا حقًا، فقال رسول الله: "لاعنوا بينهما". فقيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. فقال له عند الخامسة: "يا هلال اتق الله فإن عذاب الدُّنيا أهون من عذاب الآخرة وإن عذاب الله أشد من عذاب النَّاس، وإن هذِه الخامسة هي الموجبة التي توجب عليك العذاب". فقال هلال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله ﷺ فشهد الخامسة: أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم قال للمرأة: "اشهدي". فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. فقال لها عند الخامسة ووقفها: "اتقي الله، فإن الخامسة موجبة وإن عذاب الله أشد من عذاب النَّاس (٣) " فتلكأت (٤) ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة أنّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين.
стр. 10020
стр. 10021
стр. 10022
عن يونس بن عبيد (١)، عن الْحسن (٢) قال: لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية. قال سعد بن عبادة ﵁: يا رسول الله أرأيت إن رأى رجل مع امرأته رجلًا (٣) فقتله تقتلونه، وإن أخبر بما رأى جلد ثمانين جلدة أفلا يضربه بالسيف؟ ! فقال رسول الله ﷺ : "كفى بالسيف شا". قال: أراد أن يقول (٤): شاهدًا ثم أمسك، وقال: "لولا أن يتتابع فيه الغَيْران (٥) والسكران" وذكر الحديث (٦).
стр. 10023
وقال ابن عباس ﵄ في سائر الروايات، ومقاتل: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآية، قرأها النَّبيّ ﷺ يوم الجمعة على المنبر فقال عاصم بن عدي الأنصاري ﵁: جعلني الله فداك، إن رأى رجل منا مع امرأته رجلًا فأخبر بما رأى جلد ثمانين، وسماه المسلمون فاسقًا ولا تقبل شهادته أبداً، فكيف لنا بالشهداء؟ ونحن إذا (١) التمسنا الشهداء كان الرجل فرغ من حاجته ومرّ.
وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له: عويمر، وله امرأة يقال لها: خولة بنت قيس بن محصن (٢)، فأتي عويمر عاصمًا ﵄ فقال: لقد رأيت شريك بن السحماء (٣) على بطن امرأتي خولة، فاسترجع عاصم وأتى رسول الله ﷺ في الجمعة الأخرى، فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بالسؤال الذي سألت في الجمعة الماضية في أهل بيتي! فقال رسول الله ﷺ : "وما ذاك؟ " فقال: أخبرني عويمر أنَّه رأى شريك بن السحماء (٤) على بطن امرأته خولة -وكان عويمر
стр. 10024
وخولة والشريك كلهم بنو عم عاصم ﵁ فدعا رسول الله ﷺ بهم (١) جميعاً.
فقال لعويمر: "اتق الله في زوجتك وحليلتك وابنة عمك، فلا تقذفها بالبهتان"، فقال: يا رسول الله، أقسم بالله إنِّي رأيت شريكًا على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإنها حبلى من غيري.
فقال رسول الله ﷺ للمرأة: "اتقي الله ولا تخبريني إلَّا بما صنعت". فقالت: يا رسول الله، إن عويمرًا رجل غيور، وإني ربَّما أكون (٢) وشريكًا نطيل السمر ونتحدث، فحملته المغيرة على ما قال. فقال رسول الله ﷺ لشريك: "ما تقول؟ " قال: ما تقول المرأة.
فأنزل الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية. فأمر رسول الله ﷺ حتى نؤدي الصَّلاة جامعة فصلَّى العصر، ثم قال لعويمر ﵁: "قم". فقام، فقال: أشهد بالله إن خولة لزانية وإني لمن الصادقين. ثم قال في الثَّانية: أشهد بالله إنِّي رأيت شريكًا على بطنها وإني لمن الصادقين. ثم قال في الثالثة: أشهد بالله إنَّها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين. ثم قال في الرابعة: أشهد بالله إنِّي ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين. ثم قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر -يعني: نفسه- إن كان من الكاذبين فيما قال.
стр. 10025
قال: ثم أمره بالقعود. وقال لخولة: "قومي" فقامت، فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإن عويمرًا لمن الكاذبين ثم قالت في الثَّانية: أشهد بالله إنه ما رأى شريكًا على بطني وإنه لمن الكاذبين. ثم قالت في الثالثة: أشهد بالله إنِّي حبلى منه وإنه لمن الكاذبين. ثم قالت في الرابعة: أشهد بالله إنه ما رأى (١) قط عليَّ فاحشة وإنه لمن الكاذبين. ثم قالت في الخامسة: غضب الله على خولة -تعني: نفسها- إن كانت من الكاذبين.
ففرق رسول الله ﷺ بينهما وقال: "لولا هذِه الأيمان كان لي في أمرهما (٢) رأي" (٣).
ثم قال: "تحينوا بها الولادة فإن جاءت بأُصْيهب (٤)
стр. 10026
стр. 10027
ذكر حكم الآية:
إذا قذف الرجل زوجته (١) بالزنا لزمه الحد (٢)، وله التخلص منه بإقامة البينة على زناها أو باللعان (٣) فإن أقام البينة حقق الزنا ولزمها الحد (٤). وإن التعن حقق عليها الزنا.
ولها التخلص منه باللعان، فإن التعنت وإلا لزمها الحد.
وللزوج أن يلعن (٥) سواء كان متمكنًا من البينة أو غير متمكن منها.
стр. 10028
ويصح اللعان من كل زوج مكلف كان حرًّا أو عبداً (١) مسلماً كان أو كافراً وكل من صح (٢) يمينه صح لعانه وقذفه (٣).
وقال أهل العراق: اللعان بين كل حرين بالغين.
ولا يصح اللعان إلَّا عند الحاكم أو خليفته، فإذا لاعن غلظ بينهما بأربعة أشياء: عدد الألفاظ، والمكان، والوقت، وجمع النَّاس.
فأمَّا اللفظ: فأربع شهادات، وفي الخامسة ذكر اللعنة للرجل وذكر الغضب للمرأة، وقد مضت كيفية ذلك.
وأمَّا المكان فإنَّه يقصد أشرف المكان بالبلدان إن كان بمكة فعند الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان ببيت المقدس ففي مسجدها، وفي سائر البلدان في مساجدها.
وإن كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذي يعتقدان تعظيمه، إن كانا يهوديين فالكنيسة، وإن كانا نصرانيين فالبيعة، وإن كانا مجوسيين ففي بيت النَّار، وإن كانا لا دين لهما مثل الوثنيين فإنَّه يلاعن بينهما في مجلس حكمه.
стр. 10029
стр. 10030
فأمَّا لعان المرأة فإنَّه يسقط به الحد فقط.
فإن كذَّب الرجلُ نفسَه فإنَّه يعود ما عليه ولا يعود ما له.
والحد والنسب عليه فيعودان، وأمَّا التحريم والفراش فإنهما له فلا يعودان، وفرقة اللعان هي فسخ؛ لأنَّه حصل بفعل من قبل المرأة.
وقال أبو حنيفة وسفيان رحمهما الله: تطليقة بائنة (١)، لأنَّه من قبل الرجل بدأ (٢) والله أعلم لجميع ذلك.
* * *
стр. 10031
١١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾
ذكر سبب نزول هذِه الآيات وقصة الإفك:
[١٩١٩] أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمَّد بن إسحاق المهرجاني (١) بها بقراءتي عليه فأقر بها قال: أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الحافظ (٢) سنة ستة عشر وثلاثمائة، قال: حدّثنا محمَّد بن يَحْيَى (٣)، قال: حدّثنا عبد الرَّزاق (٤).
[١٩٢٠] وأخبرنا أبو سعيد (٥) محمَّد بن عبد الله بن حمدون (٦)، قال: حدّثنا أبو حامد أحمد بن محمَّد (٧) بن الحسن الشرقي (٨)، قال: حدّثنا محمَّد بن يَحْيَى الذهلي (٩)، قال: حدّثنا عبد الرَّزاق (١٠) ح.
[١٩٢١] وأخبرنا أبو نعيم الأزهري (١١)، قال: حدّثنا أبو عوانة
стр. 10032
الإسفراييني (١)، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الصنعاني (٢)، قال: قرأنا (٣) على عبد الرَّزاق (٤)، قال: حدّثنا معمر (٥) عن الزُّهريّ (٦) ح.
[١٩٢٢] وأخبرنا عبد الخالق بن علي (بن عبد الخالق) (٧) (٨) أخبرنا أبو بكر بن خَنْب (٩)، قال: حدّثنا عبد الله بن روح المدايني (١٠)، قال: حدّثنا شبابة بن سوار (١١)، قال: حدّثنا خارجة ابن مصعب (١٢)، عن ابن أبي عتيق -واسمه: عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي بكر (١٣) -
стр. 10033
عن الزُّهريّ (١).
قال: أخبرني سعيد بن المسيب (٢) وعروة بن الزُّبير (٣) وعلقمة بن وقاص (٤) وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (٥) عن حديث عائشة (٦) زوج النَّبيّ ﷺ ورضي عنها حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله تعالى. وكلهم حدثني (٧) بطائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لها (٨) من بعض وأثبت اقتصاصًا، وقد وعيت عن كل واحد الحديث الذي حدثني وبعض حديثهم يصدق بعضًا، ذكروا أن عائشة ﵂ زوج النَّبيّ ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه (٩)، قالت عائشة ﵂: فأقرع بيننا في غزاة
стр. 10034
غزاها (١)، فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله ﷺ وذلك بعد ما أنزل الحجاب (٢) وأنا أحمل في هودجي (٣).
وأنزل فيه مسيرنا (٤) حتَّى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوه وقفل ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتَّى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرَّحْل (٥) فلمست صدري فإذا عقدي من جَزْع (٦) ظفار قد انقطع،
стр. 10035
فرجعت فالتمست عقدي، وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يُرَحّلون فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه، قالت وكانت النساء إذ ذاك خفافًا لم يُهَبّلْهُنّ (١) اللحم إنَّما يأكلن اللُّعقة (٢) من الطَّعام، فلم يستنكر القوم ثقل (٣) الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثه السنن فبعثوا الجمل
стр. 10036
وساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم فليس بها داعٍ ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي (١) فنمت. وكان صفوان بن المعطل السُّلمي ثم الذكواني قد عرّس (٢) من وراء الجيش فادَّلَج (٣) فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني وكان قد رآني قبل أن يضرب الحجاب. فما استيقظت إلَّا باسترجاعه حين عرفني، فخمَّرت وجهي بجلبابي فوالله ما يكلمني كلمة غير استرجاعه حتَّى أناخ راحلته فوطئت (٤) على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتَّى أتينا الجيش بعدما نزلوا (موغرين في نَحْر) (٥) الظهيرة (٦).
стр. 10037
فهلك من هلك في شأني وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول، فقدمت المدينة فاشتكيت حين قدمتها شهرًا والنّاس (١) يخوضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أن لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي (٢) إنَّما يدخل رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول: "كيف تِيْكم (٣)؟ " ثم ينصرف، فذلك الذي يُريبني، ولا أشعر بالشر حتَّى خرجت بعدما نقهت (٤) وخرجتْ معي أم مسطح قبل المناصع (٥)،
стр. 10038
وهو متبرزنا، فلا فخرج إلَّا ليلًا إلى ليل وذلك قبل (١) أن يتخذ الكنف (٢) قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأُول بالتنزه، وكنا نتأذى بالكُنُف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأمُّ مسطح وهي عاتكة بنت أبي رُهم بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصِّديق وابنها مِسْطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مِرْطِها (٣) فقالت: تعس مسطح فقلت لها بئس ما قلت أتسبين رجلًا شهد بدرًا. قالت: أي: هَنْتَاه (٤) أو لم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي ودخل عليّ رسول الله ﷺ فسلم ثم قال: "كيف تيكم؟ " قلت:
стр. 10039
أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا أريد حينئذٍ أن أتيقن الخبر من قبلهما. فأذن لي رسول الله ﷺ ، فجئت لأبوي فقلت لأمي: يا أمه ماذا (١) يتحدث النَّاس؟ فقالت: أي بُنَيّة هوني عليك فوالله لقلَّما كانت امرأة قط وضيئة (٢) عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها. قلت: سبحان الله أو قد تحدث النَّاس بهذا؟ قالت: نعم. قالت: فمكثت تلك الليلة حتَّى أصبحت لا يَرْقأُ لي (٣) دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي. ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد يسألهما (٤) واستشارهما في فراق أهله.
فأما أسامة ﵁ فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود. فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيراً. وأمَّا على فقال: لم يُضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة. فقال: "يا بريرة (٥) هل رأيت من شيء يريبك من أمر عائشة؟ " فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إنْ رأيت عليها قط
стр. 10040
أمرًا أَغمِصُه (١) عليها أكثر من أنها جارية حديثه السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الدَّاجنُ (٢) فتأكله.
قالت فقام رسول الله ﷺ مِنْ يومه فاستعذر من عبد الله بن أُبي بن سلول قال وهو على المنبر: "يا معشر المسلمين من يَعْذُرني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمتُ على أهلي إلا خيراً. ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيراً وما كان يدخل على أهلي إلَّا معي". فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس (٣) ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج (٤) أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان رجلًا صالحاً ولكن احتملته الحمِيَّة.
стр. 10041
فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله (لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير -وهو ابن عم سعد بن معاذ-) (١) فقال لسعد (٢): والله لنقتلنه فإنَّك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: فثار الأوس والخزرج حتَّى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائم على المنبر. فلم يزل رسول الله ﷺ يُخَفِّضُهم حتَّى سكتوا وسكت. قالت: وبكيت (٣) يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم وأبواي يظنان أن البكاء فالقٌ كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنتْ عليّ امرأة من الأنصار (٤) فأذنت لها، فجلست تبكي معي. فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ (فسلم ثم) (٥) جلس. قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل. وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني. قالت: فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس ثم قال: "أما بعد يا عائشة فإنَّه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فَسَيُبِّرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه. فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه". قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته
стр. 10042
قلص (١) دمعي حتَّى ما أُحِسّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله فيما قال؟ فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ؟ فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ . فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ؟ فقلت: وأنا ما أقول لرسول الله ﷺ . فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرًا (٢) إنِّي والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا الأمر حتَّى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إنِّي بريئة -والله يعلم أني بريئة- لا تصدقونني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتُصَدِّقونني، والله ما أجد لي ولكم مثلًا إلَّا كما قال أبو يوسف وما أحفظ اسمه ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (٣). قالت: ثم تحولت واضطجعت على فراشي وأنا والله حينئذٍ أعلم أني بريئة وأن (٤) الله تعالى مبرئي (٥) ببراءتي. ولكن والله ما كنت أظن أن يُنَزَّل في شأني وحي (٦) يتلى. ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله فيَّ
стр. 10043
بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا، يبرئني الله سبحانه بها. قالت: فوالله ما رام (١) رسول الله ﷺ مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحدٌ حتَّى أنزل الله سبحانه على نبيه ﷺ فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحَاء (٢) عند الوحي، حتَّى إنه ليتحدر منه مثل الجُمَان (٣) من العرق في اليوم الشات من ثقل الوحي الذي أُنزل عليه. قالت: فلما سُرِّي عن رسول الله ﷺ -وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها رسول الله ﷺ أن قال: "أبشري يا عائشة أما الله تعالى فقد برأك". فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلَّا الله هو الذي أنزل براءتي. قالت: فأنزل الله هذِه الآيات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ عشر آيات لبراءتي. قالت: فقال أبو بكر ﵁ وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئًّا أبداً بعد الذي قال لعائشة. فأنزل الله : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ الآية. فقال أبو بكر ﵁: والله إنِّي لأحب أن يغفر الله لي، فرجع
стр. 10044
إلى مسطح النفقة التي كان ينفق (١) عليه. وقال: لا أنزعها (أبداً منه) (٢). قالت عائشة ﵂: وكان رسول الله ﷺ سأل زينت بنت جحش زوج النَّبيّ ﷺ ورضي الله عنها: "ما علمت أو ما رأيت؟ " فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري؟ ! والله ما علمت إلا خيراً. قالت عائشة وهي التي كانت تساميني (٣) من أزواج النَّبيّ ﷺ فعصمها الله تعالى بالورع فطفقت أختها حَمْنة بنت جحش (تحارب لها) (٤) فهلكت فيمن هلك.
قال الزُّهريّ: فهذا ما انتهى إلينا من هؤلاء الرهط (٥).
стр. 10045
[١٩٢٣] أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمَّد بن الإسفراييني (١) بها (٢)، قال: حدّثنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق (٣)، قال: حدّثنا محمَّد بن إسماعيل الصَّائغ (٤) بمكة، ومحمد ابن حرب المديني (٥) بالفسطاط (٦)، قالا: حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس (٧)، قال حدثني أبي (٨)، عن هشام بن عروة (٩)، عن أبيه (١٠)، عن عائشة (١١) ﵂ قالت: كان النَّبيّ ﷺ إذا أراد أن
стр. 10046
يسافر سفرًا (١) أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فخرج سهم عائشة ﵄ في غزو (٢) النَّبيّ ﷺ بني المصطلق (٣) من خزاعة.
قال أبو أويس: وحدثنا أيضاً عبد الله بن أبي بكر (٤) عن عمرة (٥)، عن عائشة ﵂، وذكر الحديث بطوله بمثل معناه.
قال عروة في سؤال رسول الله ﷺ بريرة ﵂ عن عائشة ﵂ قال: فانتهرها بعض أصحابه، وقال: اصدقي رسول الله ﷺ .
قال عروة: فعيب ذلك على من قاله.
فقالت: لا والله ما أعلم عليها إلَّا ما يعلم الصَّائغ على تَبرِ الذَّهب الأحمر (٦).
ولئن كانت صنعت ما قال النَّاس ليخبرنك الله. فعجب النَّاس من فقهها.
стр. 10047
قالت: وبلغ ذلك الرجل الذي قيل له. فقال: سبحان الله والله ما كشف كنف أنثى قط فقتل شهيدًا في سبيل الله.
وزاد في آخره: قالت: وقعد صفوان بن المعطل لحسان بن ثابت فضربه ضربة بالسيف وقال حين ضربه:
تلّق ذُباب السَّيف مني فإنني ... غُلامٌ إذا هُوْجيتُ لستُ بشاعر
ولكنَّني أحمي (١) حماي وانْتَقم ... من البَاهتِ الرامي البراء الطواهر (٢)
فصاح حسَّان بن ثابت واستغاث بالنَّاس على صفوان، غفر صفوان ﵁، وجاء حسَّان النَّبيّ ﷺ (فاستعدى على صفوان في ضربته إياه، فسأله النبي ﷺ أن يهب له ضرب صفوان إياه فوهبها للنبي ﷺ ) (٣) فعوضه منها حائطًا من نخل عظيم وجارية رومية، ثم باع حسَّان ﵁ ذلك الحائط من معاوية بن أبي سفيان ﵁ في ولايته بمال عظيم.
قالت عائشة ﵂: فقيل في أصحاب الإفك أشعارًا، قال أبو بكر الصِّديق ﵁ لمسطح في رميته عائشة ﵂ وكان يدعى عوفًا:
стр. 10048
يا عوف ويحك هلا قلت عارفة ... من الكلام ولم تَتْبع به طمعاً
وأدركتْك حميًا معشرًا أنفًا ... ولم تكن قاطعًا في عوف مقتطعا
لمّا رميت حصانًا غير مقرفةٍ ... أمينةُ الجيب لم تعرف لها خضعا
فيمن رماها وكنتم معشرًا إفكًا ... في سيِّئ القول من لفظ الخنا شرعاً
فأنزل الله عذرًا في براءتها ... وبين عوف وبين الله ما صنعا
فإن أعش أجز عوفًا في مقالته ... شر الجزاء بما ألقيته تبعاً (١)
وقال حسَّان بن ثابت الأنصاري ثم النجاري ﵁ (وهو يبرئ عائشة ﵂ مما قيل فيها) (٢) ويعتذر إلها:
حَصَانٌ رزان ما تُزّن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
خليلة خير النَّاس دينًا ومنصبًا ... نبي الهدى والمكرمات الفواضل
стр. 10049
عقيلةُ حيٍّ من لُؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدها غير زائل
مُهذّبة قد طيَّب الله خِيْمها ... وطهرها من كل شين وباطل
فإن كان ما قد جاء عني قلته ... فلا رفَعَتْ سوطي إليّ أناملي
وإن الذي قد قيل ليس بلائطٍ ... بك الدهر بل قول امرئ غير ماحل
وكيف وودي ما حييتُ ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل
له رتبٌ عالٍ على النَّاس فضلها ... تقاصر عنها سَوْرة المتطاول (١)
قال: وأمر النَّبيّ ﷺ بالذين رموا عائشة ﵂ يجلدوا الحد جميعاً ثمانين ثمانين. فقال حسَّان بن ثابت ﵁:
لقد دانَ عبدُ الله ما دان أهله ... وحمنة إذ قالوا هجيرًا ومسطحُ
стр. 10050
تعاطوا برجم القول زوج نبيهم ... وسخطة ذا الرب الكريم فأبرحوا
وآذوا رسول الله فيها فعمّموا ... مخازي ذُلٍّ جللّوها وفضحوا (١) (٢)
فهذا سبب نزول الآية وقصتها وأمَّا التفسير:
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ بالكذب (٣) ﴿عُصْبَةٌ﴾ جماعة ﴿مِنْكُمْ﴾.
قال الفراء: العصبة الجماعة من الواحد إلى الأربعين (٤).