стр. 10186
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 18686
تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير
الثعلبي
Полный текст (16 476 стр.). Показаны 10186–10225 · переход к 10191.
стр. 10187
عبد السلام بن حرب (١)، عن يزيد بن (٢) عبد الرحمن الدالاني (٣)، عن خارجة بن هلال (٤)، عن أبي سعيد (٥) ورافع بن خديج (٦) وابن عمر ﵃ قالوا: جاءنا غلام لعثمان ﷺ يقال له كيس فقال: قوموا إلى أمير المؤمنين فكلموه يكاتبني، فدخلنا عل عثمان ﵁ فقلنا له: إن غلامك هذا قد سألنا أن تكاتبه قال: أرابه شيء؟ أخذته بخمسين ومائة يجيء به وهو حر. قال: فخرجنا فأعانه كل رجل منا بشيء، قال: فذهب فلم يلبث أن جاء فقال: قوموا معي فقمنا معه فدخلنا. ثم قال: كونوا بالباب، ثم قال: يا كيس تذكر يوم عركت أذنك. قلت: بلى يا سيدي. قال: ألم أنهك أن تقول يا سيدي. قال: فلم يزل بي حتَّى ذكرت. قال: قم فخذ بأذني، قال: فأبيت فلم يزل حتَّى قمت فأخذت بأذنه فعركتها وهو يقول: شُدّ شُدّ (٧) حتَّى إذا رآني قد بلغت منه ما بلغ مني، قال: حسبك ثم قال: واهًا للقصاص في الدنيا، اخرج فأنت حر وما معك لك (٨).
стр. 10188
قوله : ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ نزلت في معاذة ومسيكة جاريتي (عبد الله بن أبي بن سلول السلولي) (١) كان يكرههما على الزنا لضريبة يأخذها منهما -وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية يؤاجرون (٢) إماءهم- فلما جاء الإسلام قالت معاذة لمسيكة: إن هذا الأمر الَّذي نحن فيه لا يخلو من وجهين فإن يك خيرًا فقد استكثرنا منه، وإن يك شرًّا فقد آن لنا أن ندعه، فأنزل هذِه الآية (٣).
стр. 10189
وقال مقاتل: نزلت في ست جوار لعبد الله بن أبي كان يكرههن على الزنا ويأخذ أجورهن وهن: معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة. فجاءته إحداهن ذات يوم بدينار، وجاءت أخرى بِبُرد فقال لهما: ارجعا فازنيا، فقالتا: والله لا نفعل قد جاءنا الله تعالى بالإسلام، وحرم الزنا، فأتتا رسول الله ﷺ وشكتا إليه؛ فأنزل الله تعالى هذِه الآية (١).
وروى معمر عن الزهري أن عبد الله بن أُبيّ أسر رجلًا من قريش يوم بدر وكان لعبد الله جارية يقال لها: مُعاذة وكان القرشي الأسير (٢) يريدها على نفسها وكانت مسلمة وكانت تمتنع منه وكان ابن أبي يكرهها على ذلك ويضربها رجاء أن تحمل للقرشي فيطلب فداء ولده، فأنزل : ﴿وَلَا تُكرِهُواْ فَتَاتِكُمْ﴾ إماءكم (٣) ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾ (٤)
стр. 10190
أي: الزنا ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ يعني: إذ أردن وليس معناه الشرط؛ لأنه لا يجوز إكراههن على الزنا إن لم يردن تحصنًا (١).
ونظيرها قوله : ﴿وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤمِنِينَ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنُتُمْ مِؤْمِنِينَ﴾ (٣).
(أي: إذ) (٤) وقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَ الْمْسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ (٥)
стр. 10191
стр. 10192
﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ﴾ بعد ورود النَّهي ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾ لهن (١) ﴿غَفُوُرٌ رَحِيمٌ﴾ والوزر على المكره.
وكان الحسن إذا قرأ هذِه الآية قال: لهن والله، لهن والله (٢).
٣٤ - قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا﴾
خبرًا وعبرة ﴿مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾
٣٥ - قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَتِ وَالْأَرْضِ﴾
قال ابن عباس (٣) وأنس (٤) ﵄: الله هادي أهل السماوات
стр. 10193
стр. 10194
стр. 10195
وقال بعضهم: يعني أن الأنوار كلها منه كما يقال فلان رحمة وسخطة وهو لا يكون في نفسه رحمة ولا سخطة، وإنما يكون منه الرحمة والسخطة (١).
وقال بعض أهل المعاني: أصل النور هو التنزيه والتصفية، يقال امرأة نوار ونسوة نُور إذا كانت متعرية من الريبة والفحشاء. قال الشاعر:
نوار في صواحبها نوار ... كما فاجاك سرب أو جوار (٢)
فمعنى النور هو المنزه من كل عيب (٣).
وقال بعض العلماء: النور على أربعة أوجه نور متلألأ، ونور متولد، ونور من جهة صفاء اللون، ونور من جهة المدح.
فالنور المتلألأ مثل قرص الشمس والقمر والكواكب وشعلة السراج.
والنور المتولد هو الَّذي يتولد من شعاع الشمس والقمر والسراج فيقع على الأرض فيستنير منه (٤).
стр. 10196
والنور الَّذي هو من صفاء اللون مثل نور اللآلئ واليواقيت وسائر الجواهر وكل شيء له نور صاف.
والنور الَّذي هو من جهة المدح قول الناس: فلان نور البلد (١) وشمس العصر.
قال الشاعر:
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا ما بدت لم يبد منهن كوكب (٢)
وقال آخر:
إذا سار عبد الله من مرو ليلة ... فقد سار منها نورها وجمالها (٣)
فيجوز أن يقال: الله من جهة المدح، لأنه واجد الأشياء، ونور جميع الأشياء منه، دون سائر الأوجه؛ لأن النور المحسوس الَّذي هو ضد الظلمة (لا يخلو) (٤) من شعاع وارتفاع وسطوع ولموع وهذِه كلها منفية عن الله سبحانه؛ لأنها من أمارات الحديث.
قالوا: ولا يجوز أن يقال لله سبحانه: يا نور إلَّا أن يضم إليه شيء، كما لا يجوز أن يقال: يا بديع إلَّا أن يضم إليه شيء، كما قال الله
стр. 10197
стр. 10198
стр. 10199
стр. 10200
ومثله روى مقاتل عن الضحاك (١). أضاف هذِه الأنوار إلى نفسه تفضيلًا (٢).
وروى عطية عن ابن عباس ﵄ قال: يعني: بالنور الطاعة سمى طاعته نورًا (٣).
ثم ضرب له مثلًا فقال عز من قائل: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾.
قال أهل المعاني: هذا من المقلوب، أي: كمصباح في مشكاة (٤)، وهي الكُوَّة التي لا منفذ لها (٥)، وأصلها الوعاء يجعل فيها الشيء.
стр. 10201
стр. 10202
وقيل المشكاة: عمود القنديل الَّذي فيه الفتيلة (١).
وقال مجاهد: هي القنديل (٢).
﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ أي: سراج وأصله من الضوء، ومنه الصبح، ورجل صَبِيْحُ الوجه ومُصْبح إذا كان وضيئًا (٣).
وفرق بين المصباح والسراج: فقال الخليل: المصباح السراج بالمسرجة، والسراج نفس السراج.
وقيل: السراج أعظم من المصباح؛ لأن الله تعالى سمى الشمس سراجًا فقال: ﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ (٤) ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَجًا﴾ (٥) وقال في غيرها من الكواكب: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا الْسَّمَاءَ الْدُّنْيَا بِمَصَابِيْحَ﴾ (٦).
﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ قرأ نصر بن عاصم: (في زَجاجة) بفتح الزاي،
стр. 10203
والباقون بضمه (١).
قال الأخفش: فيها ثلاث لغات: ضم الزاي وفتحه وكسره (٢).
﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ أي: نجم ضخم ﴿دُرِّيٌّ﴾ مضيء، ودراري النجم عظامها. واختلف القراء فيه:
فقرأ (٣) أبو عمرو والكسائي: مكسورة الدال مهموزة الياء ممدودة (٤).
وهو من قول العرب: درأ النجم إذا طلع وارتفع ومر من مكان إلى مكان آخر إذا رجع وانقض في أثر الشيطان وأسرع وأصله من الدفع، ووزنه من الفعل فِعِّيلُ.
стр. 10204
وقرأ حمزة وأبو بكر مضمومة الدال مهموزة ممدودة (١).
قال أكثر النحاة: هو لحن، لأنه ليس في الكلام فُعِّيل بضم الفاء وكسر العين (٢).
قال أبو عبيد (٣): وأنا أرى لها وجهًا، وذلك أنها دُرُّوء (٤) على وزن فُعُّول من درأت، مثل سُبُّوح وقُدُوس، ثم استثقلوا كثرة الضمات فيه فردوا بعضها إلى الكسر، كما قالوا: عِتيا وهو فُعُول
стр. 10205
стр. 10206
стр. 10207
стр. 10208
стр. 10209
وقرأ الآخرون: بفتح التاء والقاف والدال على المضي (١) يعنون المصباح (٢).
﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال عكرمة وجماعة من العلماء (٣): يعني لا يسترها من الشمس جبل ولا واد فإذا طلعت الشمس أصابتها، وإذا غربت أصابتها، فهي ضاحية للشمس طول النهار. وليست بشرقية وحدها حتَّى لا تصيبها الشمس إذا
стр. 10210
غربت، ولا هي غربية وحدها فلا تصيبها الشمس بالغداة إذا طلعت، بل تأخذ حظها من الأمرين، وإذا كان كذلك كان أجود وأضوأ لزيتها.
وقال السدي وجماعة: يعني ليست في مَفْيوءةٍ (١) لا تصيبها الشمس ولا في مَقْنُوةٍ (٢) بارزة للشمس لا يصيبها الظل فهي لم يضرها الشمس ولا الظل (٣).
وقال بعضهم: هي معتدلة ليست في شرق فيلحقها الحر ولا في غرب فيضربها (٤) البرد، وهي رواية أبي ظبيان عن ابن عباس ﵄ (٥).
وقال ابن زيد: هي شامية؛ لأن الشام لا شرقي ولا غربي (٦).
стр. 10211
قال ثعلب: يقول هي شرقية وغربية وهذا (كقولك) (١) فلان لا مسافر ولا مقيم، وليس هذا بأبيض ولا أسود، إذا كان له من كلا الأمرين قسط ونصيب (٢).
قال الشاعر:
بأيدي رجال لم يسموا (٣) سيوفهم ... ولم يكثروا القتلى بها حين سُلّت (٤)
يعني: فعلوا هذا وهذا. قال الحسن: ليست هذِه الشجرة من شجر الدنيا، ولو كانت في الأرض لكانت شرقية أو غربية، وإنما هو مثل ضربه الله لنوره (٥).
стр. 10212
стр. 10213
وقيل: لأن منبتها منزل الأنبياء والأولياء في الأرض المقدسة (١).
وقيل: لأنه بارك فيها سبعون نبيا منهم إبراهيم ﵈ (٢) (لذلك قال مباركة) (٣).
[١٩٦٣] أخبرنا ابن فنجويه الحافظ (٤)، قال: أخبرنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك (٥)، قال: حدثنا أحمد بن عيسى بن السكين البلدي (٦)، قال: حدثنا هاشم بن قاسم الحراني (٧)، قال: حدثنا يعلى
стр. 10214
ابن الأشدق (١) عن عمه: عبد الله بن جراد (٢) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم بارك في الزيت والزيتون، اللهم بارك في الزيت والزيتون" (٣).
[١٩٦٤] وأخبرنا ابن فنجويه (٤)، قال: حدثنا أحمد بن جعفر (٥)، قال: حدثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي (٦)، قال: حدثنا أبو شعيب الحراني (٧)، قال: حدثني أحمد بن عبد الملك (٨)، قال:
стр. 10215
стр. 10216
стр. 10217
أبو حمزة (١) عن جابر (٢) عن أبي الطفيل (٣) عن عبد الله بن ثابت الأنصاري (٤) ﵁ قال: دعا بنيه ودعا بزيت (فقال) (٥) ادهنوا رؤوسكم. فقالوا: لا تدهن رؤوسنا بالزيت، قال: فأخذ العصا وجعل يضربهم ويقول: أترغبون عن دهن رسول الله ﷺ (٦).
[١٩٦٦] وأخبرنا ابن فنجويه (٧) قال: حدثنا عبد الله بن يوسف بن (بامويه) (٨)، قال: أخبرنا محمد بن عمر بن الخطاب الدينوري (٩)،
стр. 10218
стр. 10219
ثم قال: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ من صفائه وضيائه.
﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ قبل أن يصيبه نار، واختلف العلماء في معنى هذا المثل والمُمَثّل وفي المعني (١) بالمشكاة والزجاجة والمصباح، فقال قوم: هذا مثل ضربه الله تعالى لنبيه ﷺ .
[١٩٦٧] أخبرنا أبو بكر الجوزقي (٢) قال: حدثنا أبو عثمان البصري (٣) قال: حدثنا أحمد بن سلمة (٤) قال: حدثنا الحسن بن
стр. 10220
منصور (١) قال: حدثنا النعمان بن راشد الجزري (٢) قال: حدثنا الوازع (٣) بن نافع (٤) عن سالم (٥) عن ابن عمر ﵄ في هذِه الآية قال: المشكاة جوف محمد ﷺ ، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي جعل الله فيه ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ لا يهودي ولا نصراني، ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ إبراهيم ﵇، ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ النور الذي جعل الله في قلب إبراهيم كما جعل في قلب محمد عليهما الصلاة والسلام (٦).
стр. 10221
وقال شِمْر بن عطية: جاء ابن عباس ﵄ إلى كعب الأحبار فقال له: حدثني عن قول الله : ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ الآية.
فقال كعب: هذا مثل ضربه الله تعالى لمحمد ﷺ ، فالمشكاة صدره، والزجاجة قلبه، والمصباح نور النبوة.
﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وهي شجرة النبوة ﴿يَكَادُ﴾ نور محمد وأمره يتبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت يضيء ولو لم تمسسه نار (١).
وقال محمد بن كعب القرظي: المشكاة إبراهيم والزجاجة إسماعيل، والمصباح محمد ﷺ سماه الله مصباحًا كما سماه سراجًا فقال ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٢) ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وهي إبراهيم ﵇ سماه مباركًا، لأن أكثر الأنبياء كانوا من صلبه. ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ يعني: إبراهيم ﵇ لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولكن كان حنيفًا مسلمًا، وإنما قال ذلك لأن اليهود تصلي قِبَل المغرب والنصارى قِبَل المشرق ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ يعني: تكاد محاسن محمد ﷺ تظهر للناس قبل أن أوحي (٣) إليه، ﴿نُورٌ
стр. 10222
عَلَى نُورٍ﴾ أي: نبي مرسل من نسل نبي مرسل (١).
وروى مقاتل عن الضحاك قال: شبه عبد المطلب بالمشكاة وعبد الله بالزجاجة والنبي ﷺ بالمصباح كان في صلبهما فورث النبوة عن إبراهيم ﵉ ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ بل هي مكية (لأن مكة) (٢) وسط الدنيا (٣).
ووصف بعض البلغاء هذِه الشجرة فقال: هي شجرة التقى والرضوان، وعشيرة الهدى والإيمان، شجرة أصلها نبوة (٤) وفرعها مروءة وأغصانها تنزيل، ووقفها تأويل، وخدمها جبريل وميكائيل.
وقال آخرون: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن.
روى الربيع بن أنس (٥) عن أبي العالية (٦) عن أبي بن كعب (٧) ﵁ قال: هذا مثل المؤمن فالمشكاة نفسه، والزجاجة صدره، والمصباح ما جعل الله تعالى من الإيمان والقرآن في قلبه ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾
стр. 10223
وهي الإخلاص لله تعالى (وحده ولا شريك له) (١).
فمثله مثل شجرة التف بها الشجر، فهي خضراء ناعمة، لا تصيبها الشمس على أي حالة (٢) كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت، وكذلك المؤمن، قد أجير من أن يصيبه شيء من الفتن، وقد ابتلي بها فثبته الله تعالى فيها، فهو بين أربع خلال: إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، فهو (٣) في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات. ثم قال عز شأنه ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ فهو يتقلب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعلمه نور، ومدخله نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة (٤).
وقال ابن عباس ﵄: هذا مثل نور الله تعالى وهداه في قلب
стр. 10224
المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه نار، فإذا مسته النار ازداد ضوءًا على ضوئه، كذلك يكاد قلب المؤمن يعلم (١) بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاء العلم ازداد هدى على هدى، ونورًا على نور. كقول إبراهيم ﵇ قبل أن تجيئه المعرفة ﴿هَذَا رَبِّي﴾ حين رأى الكوكب من غير أن يخبره (٢) أحد أن له ربًّا، فلما أخبره الله أنه ربه ازداد هدى على هدى ثم قال: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ يعني إيمان المؤمن وعمله (٣).
стр. 10225
وقال الحسن وابن زيد: هذا مثل للقرآن في قلب المؤمن، وكما أن هذا المصباح يستضاء به وهو كما هو لا ينقص فكذلك القرآن يهتدى به ويؤخذ ويعمل به، فالمصباح هو القرآن، والزجاجة قلب المؤمن، والمشكاة لسانه وفمه، والشجرة المباركة شجرة الوحي، ويكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، يقول تكاد حجة القرآن تتضح (١) وإن لم يُقرأ (٢).
وقيل: تكاد حجج الله تعالى على خلقه تضيء لمن فكر فيها وتدبرها (ولو لم تمسسه نار أي) (٣) ولو لم ينزل القرآن (٤) ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾، (يعني أن القرآن نور من الله لخلقه مع ما قد أقام لهم