← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 10221–10260 · переход к 10226.

стр. 10221

وقال شِمْر بن عطية: جاء ابن عباس ﵄ إلى كعب الأحبار فقال له: حدثني عن قول الله : ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ الآية. فقال كعب: هذا مثل ضربه الله تعالى لمحمد ﷺ ، فالمشكاة صدره، والزجاجة قلبه، والمصباح نور النبوة. ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وهي شجرة النبوة ﴿يَكَادُ﴾ نور محمد وأمره يتبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت يضيء ولو لم تمسسه نار (١). وقال محمد بن كعب القرظي: المشكاة إبراهيم والزجاجة إسماعيل، والمصباح محمد ﷺ سماه الله مصباحًا كما سماه سراجًا فقال ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٢) ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وهي إبراهيم ﵇ سماه مباركًا، لأن أكثر الأنبياء كانوا من صلبه. ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ يعني: إبراهيم ﵇ لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولكن كان حنيفًا مسلمًا، وإنما قال ذلك لأن اليهود تصلي قِبَل المغرب والنصارى قِبَل المشرق ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ يعني: تكاد محاسن محمد ﷺ تظهر للناس قبل أن أوحي (٣) إليه، ﴿نُورٌ

стр. 10222

عَلَى نُورٍ﴾ أي: نبي مرسل من نسل نبي مرسل (١). وروى مقاتل عن الضحاك قال: شبه عبد المطلب بالمشكاة وعبد الله بالزجاجة والنبي ﷺ بالمصباح كان في صلبهما فورث النبوة عن إبراهيم ﵉ ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ بل هي مكية (لأن مكة) (٢) وسط الدنيا (٣). ووصف بعض البلغاء هذِه الشجرة فقال: هي شجرة التقى والرضوان، وعشيرة الهدى والإيمان، شجرة أصلها نبوة (٤) وفرعها مروءة وأغصانها تنزيل، ووقفها تأويل، وخدمها جبريل وميكائيل. وقال آخرون: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن. روى الربيع بن أنس (٥) عن أبي العالية (٦) عن أبي بن كعب (٧) ﵁ قال: هذا مثل المؤمن فالمشكاة نفسه، والزجاجة صدره، والمصباح ما جعل الله تعالى من الإيمان والقرآن في قلبه ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾

стр. 10223

وهي الإخلاص لله تعالى (وحده ولا شريك له) (١). فمثله مثل شجرة التف بها الشجر، فهي خضراء ناعمة، لا تصيبها الشمس على أي حالة (٢) كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت، وكذلك المؤمن، قد أجير من أن يصيبه شيء من الفتن، وقد ابتلي بها فثبته الله تعالى فيها، فهو بين أربع خلال: إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، فهو (٣) في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات. ثم قال عز شأنه ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ فهو يتقلب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعلمه نور، ومدخله نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة (٤). وقال ابن عباس ﵄: هذا مثل نور الله تعالى وهداه في قلب

стр. 10224

المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه نار، فإذا مسته النار ازداد ضوءًا على ضوئه، كذلك يكاد قلب المؤمن يعلم (١) بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاء العلم ازداد هدى على هدى، ونورًا على نور. كقول إبراهيم ﵇ قبل أن تجيئه المعرفة ﴿هَذَا رَبِّي﴾ حين رأى الكوكب من غير أن يخبره (٢) أحد أن له ربًّا، فلما أخبره الله أنه ربه ازداد هدى على هدى ثم قال: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ يعني إيمان المؤمن وعمله (٣).

стр. 10225

وقال الحسن وابن زيد: هذا مثل للقرآن في قلب المؤمن، وكما أن هذا المصباح يستضاء به وهو كما هو لا ينقص فكذلك القرآن يهتدى به ويؤخذ ويعمل به، فالمصباح هو القرآن، والزجاجة قلب المؤمن، والمشكاة لسانه وفمه، والشجرة المباركة شجرة الوحي، ويكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، يقول تكاد حجة القرآن تتضح (١) وإن لم يُقرأ (٢). وقيل: تكاد حجج الله تعالى على خلقه تضيء لمن فكر فيها وتدبرها (ولو لم تمسسه نار أي) (٣) ولو لم ينزل القرآن (٤) ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾، (يعني أن القرآن نور من الله لخلقه مع ما قد أقام لهم

стр. 10226

من الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن فازدادوا بذلك نورًا على نور) (١). ثم أخبر أن هذا النور المذكور عزيز فقال: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ تقريبًا للشيء الذي أراده إلى الأفهام، وتسهيلًا لسبيل الإدراك على الأنام. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ٣٦ - ثم قال : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ﴾ نظم الآية: ذلك المصباح في بيوت (٢) ويجوز أن يكون معناه (٣) توقد في بيوت (٤) وهي المساجد عن أكثر المفسرين (٥).

стр. 10227

[١٩٦٨] أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن فنجويه الدينوري (١) قال: حدثنا أبو علي بن حبش (٢) قال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الجوهري (٣) قال: حدثنا علي بن إشكاب (٤) قال: حدثنا محمد بن ربيعة الكلابي (٥) عن بكير بن شهاب (٦) عن سعيد بن جبير (٧) عن ابن عباس ﵄ قال: المساجد بيوت الله تعالى في الأرض، وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض (٨).

стр. 10228

وقال عمرو بن ميمون: أدركت أصحاب رسول الله ﷺ وهم يقولون: المساجد بيوت الله، وحق على الله أن يكرم من زاره فيها (١). [١٩٦٩] أخبرنا الحسين بن محمد (٢)، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان (٣)، قال: حدثنا عبيد الله بن ثابت الحريري (٤)، قال: حدثنا أبو سعيد الأشج (٥)، قال: حدثنا أبو أسامة (٦)، عن صالح بن حيان (٧)، عن ابن (٨) بريدة (٩) في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ

стр. 10229

اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ الآية. قال: إنما هي أربع مساجد لم يبنها إلا نبي، الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل ﵉ فجعلاها قبلة، وبيت المقدس بناه داود وسليمان ﵉، ومسجد المدينة بناه رسول الله ﷺ ، ومسجد قباء أسس على التقوى بناه رسول الله ﷺ (١). [١٩٧٠] أخبرنا ابن فنجويه (٢)، قال: حدثنا (٣) أبو زرعة أحمد بن الحسين بن علي الرازي (٤)، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن سعيد الهمداني (٥) بالكوفة (٦)، قال: حدثنا (٧) المنذر بن محمد القابوسي (٨)، قال: حدثني الحسين بن سعيد (٩)، قال: حدثني

стр. 10230

أبي (١)، عن أبان بن تغلب (٢)، عن نفيع بن الحارث (٣)، عن أنس (٤) وعن بريدة (٥) ﵄ قالا (٦): قرأ رسول الله ﷺ هذِه الآية: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ إلى قوله ﴿وَالْأَبْصَارُ﴾ فقام رجل فقال: أي بيوت هذِه (٧) يا رسول الله؟ قال: "بيوت الأنبياء". قال: فقام إليه أبو بكر ﵁ فقال: يا رسول الله هذا البيت منها -لبيت علي وفاطمة؟ قال: "نعم من أفاضلها" (٨). وقال الصادق: بيوت النبي ﷺ (٩).

стр. 10231

وقال السدي: بيوت (١) المدينة (٢). وأولى الأقوال بالصواب: أنها المساجد لدلالة سياق الآية على أنها بيوت بنيت للصلاة والعبادة (٣). فإن قيل: ما الوجه في توحيد المشكاة والمصباح وجمع البيوت، ولا يكون مشكاة واحدة إلا في بيت واحد. قلنا: هذا من الخطاب المتلون (٤) الذي يفتح بالتوحيد ويختم بالجمع، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٥) ونحوها.

стр. 10232

وقيل: رجع إلى كل واحد من البيوت (١). وقيل: هو مثل قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ (٢) وإنما هو في واحدة منها (٣) ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾ أن تبنى عن مجاهد (٤)، نظيره قوله : ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ (٥). وقال الحسن: تعظم (٦).

стр. 10233

﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قال ابن عباس ﵄: يتلى فيها كتابه (١). ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ قرأ قتادة وأشهب العقيلي ونصر بن عاصم الليثي وابن عامر وعاصم برواية أبي بكر: بفتح الباء على غير تسمية الفاعل (٢). ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. ثم قال عز شأنه:

стр. 10234

٣٧ - ﴿رِجَالٌ﴾ أي: هم رجال كما تقول: ضرب زيدًا وأكل طعامك، فيقال: من فعل هذا (١) فيبيِّن فيقول: فلان وفلان. والوقف على هذِه القراءة عند قوله : ﴿وَالْآصَالِ﴾ (٢). وقرأ الآخرون: بكسر الباء، وجعلوا التسبيح فعلًا للرجال. قال ابن عباس ﵄ (٣): كل تسبيح في القرآن صلاة (٤). ويدل عليه قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ أي: بالغداة والعشي. قال المفسرون: أراد الصلوات الخمس المفروضة، فالصلاة التي

стр. 10235

تؤدى بالغدو: صلاة الفجر، والتي تؤدى في الآصال: صلاة الظهر والعصر والعشائين لأن اسم الأصيل يجمعها (١). [١٩٧١] أخبرنا ابن فنجويه الدينوري (٢)، قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن شنبة (٣)، قال: حدثنا عمير بن مرداس (٤)، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس (٥)، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد (٦)، عن أبيه (٧)، عن عطاء بن يسار (٨)، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من أحد يغدو أو يروح إلى المسجد، ويؤثره على ما سواه إلا وله عند الله نُزُل (٩) يُعدّ له في الجنة (كلما غدا أو

стр. 10236

راح) (١) كما لو أن أحدكم زاره من يحب زيارته لاجتهد في كرامته" (٢). [١٩٧٢] أخبرنا ابن فنجويه (٣) قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان (٤) قال: حدثنا إبراهيم بن سهلويه (٥) قال: حدثنا أبو سلمة يحيى بن المغيرة المخزومي (٦) قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني (٧) عن إبراهيم المدني (٨) عن أبي حازم (٩) عن سهل بن سعد

стр. 10237

الساعدي (١) ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من غدا إلى المسجد وراح ليتعلم خيرًا أو يعلمه كان كمثل المجاهد في سبيل الله رجع غانمًا، ومن غدا إليه وراح لغير ذلك كان كالناظر إلى الشيء ليس له، يرى المصلين وليس منهم، ويرى الذاكرين وليس منهم" (٢).

стр. 10238

ثم وصفهم فقال: ﴿رِجَالٌ﴾ قيل تخصيص الرجال بالذكر في هذِه البيوت أنه ليس على النساء جمعة ولا جماعة في المساجد (١). ﴿لَا تُلْهِيهِمْ﴾ تشغلهم ﴿تِجَارَةٌ﴾. قال أهل المعاني: إنما خص التجارات لأنها أعظم ما يشتغل بها الإنسان عن الصلوات وسائر الطاعات (٢). ﴿وَلَا بَيْعٌ﴾ إن قيل التجارة اسم يقع على البيع والشراء، فما معنى ضم ذكر البيع إلى التجارة. فالجواب عنه ما قال الواقدي: أنه أراد بالتجارة الشراء نظيرها قوله : ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ (٣) يعني الشراء (٤).

стр. 10239

﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ أي: وإقامة، فحذف الهاء الزائدة لأجل الإضافة؛ لأن الخافض وما خفض عندهم كالحرف الواحد، فاستغنوا بالمضاف إليه من الهاء، إذ كانت الهاء عوضًا من الواو، لأن أصل الكلمة أقومت إقْوامًا، فاستثقلوا الفتحة (١) على الواو، فسكنوها فاجتمع حرفان ساكنان، فأسقطوا الواو ونقلوا حركته إلى القاف وأبدلوا من الواو المحذوفة هاء في آخر الحرف كالتكثير للحرف كما فعلوا في قولهم عدةً وزنةً وأصلها: وعدة ووزنة، فلما أضيفت حذفت الهاء وجعلت الإضافة عوضًا منها (٢)، كقول الشاعر: إنّ الخَلِيطَ أَجدُّوا البَيْنَ وانجردوا ... وأَخْلفُوك عِدَ الأمْرِ الذي وَعَدوا (٣)

стр. 10240

أراد عِدةَ الأمر، فأسقط الهاء منها لما أضافها. ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ المفروضة. عن الحسن (١). وقال ابن عباس ﵄: الزكاة إخلاص الطاعة لله تعالى (٢). قال ابن حيان: هم أهل الصفة (٣). [١٩٧٣] أخبرني ابن فنجويه (٤) قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان (٥) قال: حدثنا إبراهيم بن سهلويه (٦) قال: حدثنا سلمة بن

стр. 10241

شبيب (١) قال: حدثنا عبد الرزاق (٢) قال: حدثنا جعفر بن سليمان (٣) قال أخبرني عمرو بن دينار (٤) مولى لآل الزبير، عن سالم (٥)، عن ابن عمر ﵄ أنه كان في السوق، فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم فدخلوا المسجد فقال ابن عمر ﵄: فيهم نزلت: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٦). [١٩٧٤] وأخبرني الحسين بن محمد الدينوري (٧) قال: حدثنا أبو

стр. 10242

سعيد أحمد بن عمر بن حبيش الرازي (١) قال: حدثنا علي بن طيفور النسائي (٢) قال: حدثنا قتيبة (٣) قال: حدثنا ابن لهيعة (٤) عن دراج (٥) عن أبي حجيرة (٦) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن (للمساجد) (٧) أوتادًا، الملائكة جلساؤهم وهم يتفقدونهم، فإن مرضوا عادوهم وإن كانوا في حاجة أعانوهم" وقال: "جليس المسجد على ثلاث خصال أخ مستفاد أو كلمة محكمة أو رحمة منتظرة" (٨).

стр. 10243

قوله : ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ﴾ من هوله بين طمع في النجاة (١) وحذر من الهلاك. ﴿وَالْأَبْصَارُ﴾ أيّ ناحية يؤخذ بهم أذات اليمين أم ذات الشمال؟ ومن أين يؤتون كتبهم أمن قبل الإيمان أم من قبل الشمائل؟ وذلك يوم القيامة (٢). ٣٨ - ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ يعني أنهم اشتغلوا بذى الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ليجزيهم الله ﴿أَحْسَنَ﴾ أي بأحسن ﴿مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ما لم يستحقوه بأعمالهم (٣) ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

стр. 10244

ثم ضرب لأعمال الكافرين مثلًا. ٣٩ - فقال عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ وهو الشعاع الذي نراه نصف النهار في البراري عند شدة الحر كأنه ماء فإذا قرب منه الإنسان نفش فلم يره شيئًا. وسمي سرابًا لأنه يتسرب أي يجري كالماء (١). ﴿بِقِيعَةٍ﴾ وهي جمع القاع مثل جار وجيرة، والقاع: هو المنبسط الواسع من الأرض، وفيه يكون السراب (٢) ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾ يظنه العطشان ﴿مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾ يعني: جاء ما قدره أنه ماء. ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ يعني: لم يجده على ما قدر، وقيل: معناه: جاء موضع السراب. فاكتفى بذكر السراب من موضعه (٣).

стр. 10245

كذلك الكافر يحسب أن عمله مغن عنه أو نافعه شيئًا، فإذا أتاه الموت واحتاج إلى عمله لم يجد عمله أغنى عنه شيئًا ولا نَفَعه (١). ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أي وجد الله بالمرصاد عند ذلك ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ جزاء عمله ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ٤٠ - ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى لأعمال الكفار أيضًا. يقول مثل أعمالهم في خطئها وفسادها وضلالتهم وجهالتهم وحيرتهم فيها (٢) كظلمات (٣). ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ وهو العميق الكثير الماء، وذلك أشد ظلمة، ولُجَّة البحر معظمه (٤).

стр. 10246

﴿يَغْشَاهُ﴾ يعلوه ﴿مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ متراكم ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾. قرأ ابن كثير برواية النَّبَّال (١) والفليحي: ﴿سَحَابٌ﴾ بالرفع والتنوين. (ظلماتٍ) (٢) جر على البدل من قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ (٣). وروى البّزِّي عنه (سحابُ ظلماتٍ) بالإضافة. وقرأ الباقون ﴿سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ﴾ كلاهما بالرفع والتنوين. وتمام الكلام عند قوله: ﴿سَحَابٌ﴾ ثم ابتدأ: ﴿ظُلُمَاتٍ﴾ (٤).

стр. 10247

﴿بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة البحر. قال المفسرون: أراد بالظلمات أعمال الكافر، وبالبحر اللّجي قلبه، وبالموج ما يغشى قلبه من الجهالة والشك والحيرة، وبالسحاب: الرَّينُ والختم والطبع على قلبه (١). قال أبي بن كعب في هذِه الآية: الكافر يتقلب في خمس من الظلم فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومرجعه (٢) إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار (٣). ﴿إِذَا أَخْرَجَ﴾ يعني: الناظر ﴿يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي: لم يقرب من أن يراها من شدة الظلمات (٤).

стр. 10248

وقال الفراء: كاد صلة، أي لم يرها كما تقول: ما كدت أعرفه (١). وقال المبرد: يعني: لم يرها إلا بعد الجهد كما يقول القائل: ما كدت أراك من الظلمة وقد رآه. ولكن بعد يأس وشدة. وقيل معناه: قرب من الرؤية ولم ير كما يقال: كاد العروس يكون أميرًا، وكاد النعام (٢) يطير. ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أي: لم يهده الله فلا إيمان له. قال مقاتل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان يلتمس الدِّين في الجاهلية ولبس المُسُوح (٣) ثم كفر في الإسلام (٤).

стр. 10249

[١٩٧٥] أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد بن إبراهيم العدل (١)، قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن منصور الواعظ (٢)، قال: حدثنا أبو عمرو محمد بن عبد الواحد الزاهد (٣)، قال: حدثنا محمد بن يونس الكديمي (٤)، قال: حدثنا عبيد الله بن عائشة (٥)، قال: حدثنا حماد بن سلمة (٦)، عن ثابت (٧)، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى خلقني من نوره وخلق أبا بكر من نوري، وخلق عمر وعائشة من نور أبي بكر، وخلق المؤمنين من أمتي من الرجال من نور عمر، [وخلق المؤمنات من أمتي من نور عائشة] (٨) فمن لم يحبني ولم يحب أبا بكر وعمر

стр. 10250

وعائشة، فما له من نور، فنزل عليه ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (١). ٤١ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ أجنحتهن في الهواء. ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ قال المفسرون: الصلاة لبني آدم، والتسبيح عام لغيرهم من الخلق (٢). وفيه وجوه من التأويل: أحدها: كل مصلٍّ مسبحٍ قد علم الله صلاته وتسبيحه (٣).

стр. 10251

والثاني: كل مصلٍّ ومسبح منهم قد علم صلاة نفسه وتسبيحه الذي قد كُلِّف (١). الثالث: قد علم كل منهم صلاة الله وتسبيحه (٢). ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾. ٤٢ - قوله : ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: تقديرها وتدبير أمورها وتصريف أحوالها كما يشاء. ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾. ٤٣ - قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي﴾ يسوق (٣) ﴿سَحَابًا﴾ إلى حيث يريد. ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أي: يجمع بين قطع السحاب المتفرقة بعضها إلى بعض والسحاب جمع وإنما ذكِّر

стр. 10252

للكناية على اللفظ. ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ متراكمًا بعضه فوق بعض ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ أي: من وسطه -وهو جمع خَلَل (١). وقرأ ابن عباس والضحاك: (من خَلَله) على التوحيد (٢). ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ أي: البرد ﴿مِنَ﴾ صلة (٣). وقيل: معناه وينزل من السماء قدر جبال، أو أمثال جبال من برد إلى الأرض فـ (من) الأولى للغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء، والثانية للتبعيض لأن البرد بعض الجبال التي في السماء، والثالثة: لتبيين الجنس لأن جنس تلك الجبال جنس البرد (٤).

стр. 10253

﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ أي: بالبرد (١) ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ فيهلكه ويهلك زرعه وأمواله. ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ أي: ضوء برق السحاب (٢). ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ من شدة ضوئه وبريقه. قرأ أبو جعفر: (يُذْهِبُ) بضم الياء وكسر الهاء (٣). وغيره من الذهاب.

стр. 10254

٤٤ - ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ يصرفهما (١) في اختلافهما وتعاقبهما. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت في (٢) هذِه الأشياء. ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (لذوي العقول) (٣). [١٩٧٦] أخبرنا ابن فنجويه (٤)، قال: حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي (٥)، قال (٦) حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل (٧)، قال حدثني أبي (٨)، قال: حدثنا سفيان (٩)، عن الزهري (١٠)، عن سعيد (١١)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" (١٢).

стр. 10255

٤٥ - قوله : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ قرأ على الاسم كوفي غير عاصم (١) والباقون (خلق) على الفعل (٢). ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ أي من نطفة، وقيل إنما قال (من ماء) لأن أصل الخلق من الماء، ثم قلب بعض الماء إلى الريح فخلق منه الملائكة، وبعضه إلى النار فخلق منه الجن، وبعضه إلى الطين فخلق منه آدم ﵇ (٣).

стр. 10256

﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالحيات والحيتان والديدان. ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ قوائم كالأنعام والوحوش والسباع. ولم يذكر ما يمشي على أكثر من أربع لأنه كالذي يمشي على أربع في رأي العين (١). ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ كما يشاء ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ٤٦ - ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ٤٧ - قوله : ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ يعني: المنافقين. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ ويدعو إلى غير حكم الله. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾. نزلت هذِه الآية في بشر المنافق وخصمه اليهودي حين اختصما في أرض فجعل اليهودي يجره إلى رسول الله ﷺ وجعل المنافق يجره إلى كعب بن الأشرف، ويقول: إن محمدًا يحيف علينا (٢) فذلك قوله :

стр. 10257

٤٨ - ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ﴾ الرسول ﴿بَيْنَهُمْ﴾ بحكم الله ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. ٤٩ - ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)﴾ مطيعين منقادين لحكمه. ٥٠ - ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا﴾ يعني: أنهم كذلك فجاء بلفظ التوبيخ (١) ليكون أبلغ في الذم كقول جرير في المدح: أَلَستم خير من ركب المطايا ... وأنْدى العالمين بُطُون راحِ (٢) يعني: أنتم كذلك. ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ أي يظلم. ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لأنفسهم بإعراضهم عن الحق والواضعون المحاكمة في غير موضعها.

стр. 10258

٥١ - قوله : ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى كتاب الله ﴿وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ نصب القول على خبر كان واسمه في قوله: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (١) ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ٥٢ - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ٥٣ - قوله : ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ وذلك أن المنافقين كانوا يقولون لرسول الله ﷺ أينما كنت نكن معك إن أقمت أقمنا وإن خرجت خرجنا وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا (٢) فقال الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ هذِه طاعة بالقول واللسان دون الاعتقاد فهي معروفة منكم بالكذب، إنكم تكذبون فيها، وهذا معنى قول مجاهد (٣).

стр. 10259

وقيل: معناه طاعة معروفة أمثل وأفضل من هذا القسم الذي تحنثون فيه (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من طاعتكم ومخالفتكم. ٥٤ - ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن طاعة الله ورسوله والإذعان لحكمها. ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ﴾ أي: على الرسول ﴿مَا حُمِّلَ﴾ كُلِّف وأمر به من تبليغ الرسالة. ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ من طاعته ومتابعته. ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. [١٩٧٧] سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن عقيل الوراق (٢) في آخرين، قالوا: سمعنا أبا عمرو إسماعيل بن نجيد السلمي (٣)

стр. 10260

(يقول) (١) سمعت أبا عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري (٢) يقول: من أمَرّ السُّنة على نفسه (٣) قولًا وفعلًا نطق بالحكمة، ومن أمرَّ الهوى على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالبدعة لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (٤). ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (البيّن) (٥). ٥٥ - قوله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (وإنما أدخل اللام لجواب اليمين المضمرة؛ لأن الوعد قول مجازها: وقال (٦) الله للدَّين آمنوا منكم وعملوا الصالحات والله ليستخلفنهم في الأرض) (٧) أي: ليورثنهم أرض الكفار من العرب
следующие страницы →