стр. 1016
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 18686
تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير
الثعلبي
Полный текст (16 476 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1017
стр. 1018
وقال زر بن حبيش وابن جريج وابن واقد: يعني بالوحي، نظيره قوله: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥)﴾ (١) وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ (٢). وقوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)﴾ (٣) (٤).
وقال الحسن: يعني (٥) الآخرة (٦). وقال عبد الله بن هانئ: هو ما غاب عنهم من علوم القرآن.
وروى زيد بن أسلم (٧)، عن أبيه (٨)، عن عمر بن الخطاب أنَّه
стр. 1019
قال: كنت مع النَّبيّ ﷺ جالسًا، فقال: "أتدرون أي أهل الإيمان أفضل؟ " قالوا: يا رسول الله، الملائكة. قال: "هم كذلك وحُق لهم ذلك، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله بالمنزلة التي أنزلهم، بل غيرهم". قلنا: يا رسول الله، الأنبياء؟ قال: "هم كذلك، وحق لهم ذلك، وما يمنعهم، بل غيرهم"، قلنا: يا رسول الله، فمن هم؟ قال: "أقوام يأتون من بعدي (في أصلاب) (١) الرجال يؤمنون (٢) بي ولا يرونني (٣) ويجدون الورق المعلَّق فيعملون بما فيه، فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانًا" (٤).
стр. 1020
وروى سفيان (١) عن الحارث بن قيس (٢) أنَّه قال لعبد الله بن مسعود: عند الله نحتسب ما سبقتمونا -يا أصحاب محمد- إليه من رؤية رسول الله ﷺ . فقال عبد الله: بل عند الله نحتسب إيمانكم بمحمد ﷺ ولم تروه. ثم قال عبد الله: إن أمر محمد كان بيّنًا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب (٣)، ثم قرأ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (٤).
стр. 1021
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾:
أي: يديمونها ويتمونها ويحافظون عليها بمواقيتها وركوعها وسجودها وحدودها وحقوقها، وكل من واظب على شيء وقام به فهو مقيم له (١)، يقال: أقام فلانٌ الحجّ للناس، وأقام القوم
стр. 1022
سوقهم (١) إذا استعملوها ولم يعطلوها (٢).
وقال الشاعر:
أقامَتْ غَزَالةُ سوقَ الضِّرابِ. . . لأهلِ العِراقَينِ حَوْلاً قَمِيطا (٣)
وأراد تعالى بالصَّلاة هاهنا الصلوات الخمس، فذكرها بلفظ الواحد كقوله تعالَى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ (٤) يعني: الكتب (٥).
وأصل الصَّلاة في اللغة الدعاء، ثم ضمَّت إليها هيئات سميت بمجموعها صلاة؛ لأنَّ الغالب على هذِه العبادة الدعاء (٦).
стр. 1023
وقال أبو حامد الخارْزَنْجي: اشتقاقها من الصّلى، وهو (١) النَّار (٢)، وأصله من الرفق وحسن المعاناة بالشيء، وذلك أن الخشبة المعوجَّة إذا أرادوا تقويمها سخَّنوها بالنار ثم قوَّموها بين خشبتين، فكذلك المصلي ينبغي أن يتأنَّى في صلاته ويحفظ حدودها ظاهرًا وباطنًا، ولا يعجل فيها (ولا يخف) (٣) ولا ينحرف.
قال الشاعر:
فَلا تعْجل بأمْرِكَ واستَدِمْهُ. . . فَمَا صَلَّى عَصَاكَ كمُسْتَدِيمِ (٤)
أي: ما قوّم أمرك كالمتأني (٥).
قوله : ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أي (٦)، أعطيناهم ينفقون.
стр. 1024
والرزق: هو المهيأ للانتفاع به، فإن كان طعامًا فللتغذي، وإن كان لباسًا فللتدفي والتوقي، وإن كان مسكنًا (فالانتفاع به سكنى) (١)، وقد ينتفع المنتفع بما (٢) هيئ (٣) للانتفاع به على وجهين (٤): حلالًا وحرامًا، فلذلك قلنا: إن الله رزق الحلال والحرام (٥). وأصل الرزق في اللغة: الحظ والنصيب (٦).
﴿يُنفِقُونَ﴾: يتصدقون، وأصل الإنفاق: الإخراج عن اليد أو عن الملك، يقال: نفق المبيع إذ كُثر مشتروه فأسرع خروجه، ونفقت الدابة: إذا خرج روحها، ونافقاء اليربوع من ذلك؛ لأنَّه إذا أُتي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق؛ أي (٧): خرج منه. والنفق: سربٌ في (٨) الأرض له مخلص إلى مكان آخر يخرج إليه (٩).
стр. 1025
٤ - ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾:
يصدقون. ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يا محمد، يعني: القرآن، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يعني (١): الكتب المتقدمة، مثل صحف إبراهيم وموسى (٢) والزبور والإنجيل وغيرها. ﴿وَبِالْآخِرَةِ﴾ أي: وبالدار الآخرة. سُميت آخرة؛ لأنها تكون بعد الدُّنيا؛ ولأنها أُخِّرت حتَّى تفنى الدُّنيا ثم تكون.
﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾: يعلمون ويستيقنون أنها كائنة (٣) ودخلت ﴿هُمْ﴾ تأكيدًا يسميه الكوفيون عمادًا، والبصريون فصلًا (٤).
٥ - ﴿أُولَئِكَ﴾
أي (٥): أهل هذِه الصفة، و (أولاء) اسم مبني على الكسر (٦)، ولا واحد له من لفظه، والكاف خطاب، ومحل ﴿أُولَئِكَ﴾ رفيع بالابتداء، وخبره في قوله: ﴿عَلَى هُدًى﴾ (٧) أي (٨): رُشد وبيان وصواب (٩).
стр. 1026
﴿مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ﴾: ابتداء ثانٍ ﴿هُمُ﴾ عماد ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: خبر الابتداء (١)، وهم الناجون الفائزون، فازوا بالجنة ونجوا من النَّار. وقيل: هم الباقون في الثواب والنعيم المقيم (٢).
وأصل الفلاح في اللغة البقاء (٣). قال لبيد:
نَحُلُّ بلادًا كلُّها حُلَّ قبلنا. . . ونرجو الفلاحَ بعد عادٍ وحمْيَرِ (٤)
قال الأعشى:
ولَئِنْ كُنَّا كَقَومٍ هَلَكُوا. . . مَا لِحيٍّ يا لَقومي مِن (فلحْ) (٥) (٦)
стр. 1027
стр. 1028
стр. 1029
وقيل: المنافقين (١).
والكفر: هو الجحود والإنكار، وأصله من الكفْر وهو التغطية والستر، ومنه قيل للحراث كافر؛ لأنَّه يستر البذر (في الأرض) (٢)، قال الله تعالى: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ (٣) يعني: الزراع، وقيل للبحر: كافر، ولليل: كافر.
وقال لبيد:
حَتّى إذا ألْقَتْ يدًا في كافِرٍ. . . وَأجَنَّ عوْراتِ الثُّغورِ ظلامها (٤)
وقال أيضاً (٥):
في ليلة كفَر النجُومَ غَمَامُهَا (٦)
стр. 1030
ومِنه المتكفِّر بالسلاح، وهو الشاكي الذي غطّى السلاح جميع بدنه. فسُمي الكافر كافراً؛ لأنَّه ساتر للحق ولتوحيد الله ونعمه (١) ولنبوة أنبيائه (٢).
قوله : ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: واحد عليهم ومتساوٍ لديهم. وهو اسم مشتق من التساوي (٣).
﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾: خوّفْتهم (٤) وحذرتهم. قال أهل المعاني: الإنذار: الإعلام (٥) مع تحذير، يقال: أنذرتهم فنذروا؛ أي: أعلمتهم
стр. 1031
فعلموا (١).
وفي المثل: قد أعذر من أنذر (٢).
وفي قوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ وأخواتها أربع قراءات:
تحقيق الهمزتين، وهي لغة تميم، وقراءة أهل الكوفة؛ لأنها ألف الاستفهام دخلت على القطع (٣).
وحذف الهمزة التي وصلت بفاء (٤) الفعل وتعويض مدة منها (٥)، كراهة (٦) الجمع بين الهمزتين وهي لغة أهل الحجاز (٧).
وإدخال ألف بين الهمزتين (٨): وهي قراءة أهل الشام في رواية هشام (٩).
стр. 1032
قال الشاعر:
تطاولتُ (١) فاسْتشْرفْتُه فرأيْتُه. . . فقُلْتُ لهُ (٢) آأنت زيد الأراقمِ (٣)
والإخبار اكتفاء بجواب الاستفهام: وهي قراءة الزُّهريّ، (ومثله ابن محيصن) (٤).
و﴿أَمْ﴾: حرف عطف على الاستفهام، و ﴿لَمْ﴾: حرف جزم لا يلي إلَّا الفعل؛ لأنَّ الجزم يختص (٥) بالأفعال (٦).
﴿تُنْذِرْهُمْ﴾: تحذرهم. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وهذِه الآية خاصة فيمن حقت عليه كلمة العذاب والشقاوة في سابق علم الله ، وظاهرها استخبار، ومعناها إخبار (٧).
стр. 1033
ثم ذكر سبب تركهم الإيمان.
٧ - فقال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾
(طبع الله) (١) ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. (والختم والطبع) (٢) بمعنى واحد، وهما التغطية للشيء والاستيثاق من أن يدخله شيء آخر.
فمعنى الآية: طبع الله على قلوبهم وأقفلها فليست تعي خيرًا ولا تفهمه، يدل عليه قوله : ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٣).
وقال بعضهم: معنى الطبع والختم حكم الله عليهم بالكفر والشقاوة، كما يقال للرجل: ختمت (٤) عليك فلا (٥) تفلح أبداً (٦).
стр. 1034
стр. 1035
وقال سيبويه (١): توحيد السمع يدل على الجمع؛ لأنَّه توسط جمعين، كقوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٢) وقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ (٣) يعني: الأنوار والأيمان.
قال الرَّاعي:
بِها جِيفُ الحَسْرى فأمَّا عِظامُها ... فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ (٤)
أي: جلودها.
وقرأ ابن أبي عبلة: (وعلى أسماعهِم) (٥).
стр. 1036
وتم الكلام عند قوله: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ (١)، ثم قال: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ أي: غطاء وحجاب، فلا يرون الحق، ومنه غاشية السرج (٢).
وقرأ المفضل بن محمد الضبي (٣) عن عاصم (٤): (غشاوة) بالنصب، كأنه أضمر له فعلًا؛ أي: (٥) وجعل على أبصارهم غشاوة، أو حمله على الختم. أي: وختم على قلوبهم غشاوةً، يدل عليه قوله في الجاثية: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ (٦) (٧).
وقرأ الحسن: (غُشاوة) بضم الغين (٨).
стр. 1037
وقرأ الجحدري (١): (غَشاوة) بفتح الغين (٢). وقرأ أصحاب عبد الله: (غَشوة) بفتح الغين من غير ألف (٣).
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: القتل والأسر في الدُّنيا، والعذاب الدائم في العقبى.
والعذاب: كل ما يُعنِي الإنسان ويشق عليه، ومنه عذبة السوط؛ لما فيها من وجود الألم (٤). وقال الخليل: العذاب ما يمنع الإنسان من مراده، ومنه الماء العذب؛ لأنَّه يمنع (٥) من العطش (٦).
ثم نزلت في المنافقين عبد الله بن أُبَي ابن سلول، ومُعتّب بن قُشير، وجَدّ بن قيس وأصحابهم، حين قالوا: تعالوا إلى خُلَّةٍ نسلم بها من (٧) محمد وأصحابه، ونكون مع ذلك متمسكين بديننا.
стр. 1038
فأجمعوا على أن أظهروا كلمة الإيمان بألسنتهم واعتقدوا خلافها، وأكثرهم من اليهود (١)، فقال الله :
٨ - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾
أي (٢): صدقنا بالله، ﴿وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: وبيوم القيامة. قال الله : ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
والنّاس: هم الجماعة من الحيوان المتميز بالصورة الإنسانية، وهو جمع إنسان، وإنسان في الأصل (إنسِيان) بالياء، ألا ترى أنك إذا صغَّرْتَ (٣) رددت الياء إليه (٤) فقلت: أُنَيْسِيَان فأسقطوا الياء منه ونقلوا حركته (٥) إلى السِّين، فصار: إنسانًا (٦).
واختلف العلماء في سبب تسميته بهذا الاسم:
فقال ابن عباس: سُمِّي إنسانًا لأنه عُهد إليه فنسي، قال الله : ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ (٧) (٨).
стр. 1039
قال القائل:
وسميت إنسانًا لأنك ناسي (١)
وقال بعض أهل المعاني: سمي إنسانًا (٢) لظهوره وإدراك البصر إياه من قولك (٣): آنست كذا. أي (٤): أبصرتُ (٥). قال الله : ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ (٦) وقال: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ (٧).
وقيل (٨): لأنَّه يُستْأنسُ به (٩). ويقال: لمّا خلق الله آدم ﵇ آنسه بزوجته (١٠) فسُميَ إنسانًا (١١).
стр. 1040
٩ - قوله : ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾
أي: يخالفون الله ويكذبونه، وأصل الخَدْع في اللغة: الإخفاء (١)، ومنه قيل للبيت الذي يُخَبّأ فيه المتاع: مَخْدَع، فالمخادع يُظهر خلاف ما يضمر.
وقال بعضهم: أصل الخَدع (٢) في اللغة: الفساد (٣).
قال الشاعر:
أبيض اللون لذيذٌ طَعْمُهُ. . . طيِّبُ الريقِ إذا الريقُ خَدَعْ (٤)
أي: فسد، فيكون معناه: يفسدون ما أظهروا بألسنتهم من الإيمان بما أضمروا في قلوبهم من الكفر (٥).
وقيل معناه: يخادعون الله بزعمهم وفي ظنهم، (يعني: أنهم) (٦)
стр. 1041
اجترؤوا على الله حتَّى ظنوا أنهم يخادعون الله (١)، وهذا كقوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ (٢) يعني بزعمك وعلى ظنك.
وقيل معناه: يفعلون في دين الله ما هو خداع فيما بينهم (٣).
وقيل معناه: يخادعون رسول الله ﷺ ، قاله الحسن (٤)، كقوله : ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (٥) أي: آسفوا وليَّنا (٦)، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ (٧) أي: أولياء الله (٨)، لأنَّ الله لا يُؤذى ولا يُخادع، فبيّن الله أنّ من آذى نبيًّا من أنبيائه أو وليًّا من أوليائه فقد (٩) استحقّ العقوبة، كما لو (١٠) آذى الله وخادعه، يدلُّ عليه الخبر
стр. 1042
المروي أنّ الله تعالى يقول: "من آذى وليًّا من أوليائي فقد بارزني بالمحاربة" (١).
وقيل: إنّ ذكر الله تعالى في قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ تحسين وتزيين لافتتاح الكلام، والقصد بالمخادعة الذين آمنوا (٢) كقوله قولهّ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٣).
стр. 1043
ثم المخادعة على وزن المفاعلة، وأكثر المفاعلة إنما تجيء في الفعل المشترك بين اثنين، كالمقاتلة والمضاربة والمشاتمة، وقد تكون أيضاً من واحد، كقولك: طارقت النّعل، وعاقبت اللص، وعافاك الله (١)، قال الله : ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (٢) وقال: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ (٣)، فالمخادعة هاهنا عبارة عن الفعل الذي يختص بالواحد؛ لأن الله تعالى لا يكون منه خداع (٤).
﴿وَالَّذِينَءَامَنُوا﴾ أي: ويخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم قالوا (٥): آمنا، وهم غير مؤمنين. وقال بعضهم: خِداعهم المؤمنين
стр. 1044
هو أنهم كانوا يُجالِسون المؤمنين ويُخالِطُونهم حتى يأنس بهم المؤمنون ويعدُّوهم (١) من أنفسهم، فيفشون إليهم أسرارهم فينقلونها إلى أعدائهم (٢)، قال الله : ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ لأن وبال خِداعِهم راجع (٣) إليهم، فكأنهم في الحقيقة إنما يخدعون (٤) أنفسهم، وذلك أن (٥) الله يُطلع نبيه محمداً ﷺ على أسرارهم ونفاقهم، فيفتضحون في الدنيا ويستوجبون العقاب الشديد في العقبى (٦).
стр. 1045
قال أهل الإشارة: إنما يُخادَعُ (١) من لا يعرف البواطن، فأما من عرَف البواطن فإن من خادعه فإنما يخدع نفسه (٢).
واختلف القَرَأَةُ (٣) في قوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ فقرأ شيبة ونافع وابن كثير وابن أبي إسحاق وأبو عمرو: (يخادعون) بالألف (٤)، جعلوه من المفاعلة التي تختص بالواحد، وقد ذكرنا نظائرهُ، وتصديق ذلك (٥) الحرف الأوَّل قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ لم يختلفوا فيه إلا ما رُوي عن أبي حيوة الشامي أنَّه قرأ: (يخدعون الله) (٦) وقرأ الباقون: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ على أشبه اللغتين وأفصحهما (٧)، واختاره أبو عبيد.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ وما يعلمون أنّها كذلك.
стр. 1046
١٠ - قوله : ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾
أي: شك ونفاق، ومنه يقال: فلان يُمَرِّضُ في الوعد إذا لم يصححه (١). وأصل المَرض: الضعف والفتور، فسُمِّي الشكُّ في الدين والنفاق مرضاً؛ لأنه يضعف الدين واليقين، كالمرض الذي يُضعف البدن وينقص قواه، ولأنه يؤدي إلى الهلاك بالعذاب، كما أن المرض في الأبدان يؤدي إلى الهلاك بالموت (٢).
﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ شكًّا ونفاقاً وعذاباً وهلاكاً.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وجيع يَخْلُص وجعُه (٣) إلى قلوبهم، وهو بمعنى مؤلم (٤)، كقول عمرو بن معد يكرب (٥):
стр. 1047
أمِنْ رَيْحَانَة الداعِي السَّمِيعُ. . . يُؤَرِّقُني وأصحابي هُجُوعُ (١)
أي: المُسمع، يعني: خيالها.
﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ما: المصدرية (٢)، أي: بتكذيبهم الله ورسوله في السر. وقرأ أهل الكوفة بفتح الياء وتخفيف الذال (٣)، أي: بكذبهم، إذ قالوا: آمنا وهم غير مؤمنين (٤).
١١ - ﴿وَإِذَا﴾
حرف توقيت بمعنى حينئذٍ، وهي تؤذن بوقوع الفعل المنتظر، وفيها معنى الجزاء (٥).
﴿قِيلَ﴾: فعل ماضٍ مجهول، وكان في الأصل (قُوِلَ) مثل
стр. 1048
(فُعِلَ) (١) فاستثقلت الكسرة على الواو، فنقلت كسرتها إلى فاء الفعل، فانقلبت (٢) الواو ياءً لكسرة ما قبلها، هذِه (٣) اللغة العالية وعليها العامة، وهي اختيار أبي عبيد (٤).
وقرأ (الكسائي ويعقوب) (٥): ﴿قِيلَ﴾ و ﴿وَغِيضَ﴾ و ﴿وَحِيلَ﴾ و ﴿وَسِيقَ﴾ و ﴿وَجِاْئَ﴾ و ﴿سِئَ﴾ و ﴿سِيئَتْ﴾ بإشمام الضمة فيها لتكون دالّة على الواو المنقلبة وفاصلة بين الصدر والمصدر (٦).
﴿لَهُمْ﴾ يعني: للمنافقين، وقيل: لليهود، قال لهم المؤمنون (٧):
﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾: بالكفر والمعصية وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد والقرآن (٨). قال الضحاك: بتبديل الملّة وتغيير
стр. 1049
السنة (١) وتحريف كتاب الله (٢). ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾.
١٢ - ﴿أَلَآ﴾:
كلمة تنبيه للمخاطَب يبتدأ بها لتدلّ على صحة ما بعدها (٣).
﴿إِنَّهُمْ هُمُ﴾: عماد وتأكيد للكلام (٤).
﴿الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: (ما أُعِدَّ لَهم) (٥) من العذاب (٦).
١٣ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾
يعني: المؤمنين لليهود (وقيل: للمنافقين) (٧).
﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾: عبد الله بن سلام (٨)، وغيره من مؤمني
стр. 1050
أهل الكتاب (١). وقيل: أصحاب محمَّد ﷺ ومن آمن به من المهاجرين والأنصار (٢).
﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ﴾: فعل (٣) ﴿السُّفَهَاءُ﴾: الجُهَّال (٤).
قال الله : ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾: لا المؤمنين الذين آمنوا وصدقوا محمدا ﷺ (٥).
﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنّهم كذلك، وقيل: لا يؤدُّون للعلم حقَّه (٦).
стр. 1051
قال المؤرِّج: السفيه: البهّات الكذاب (المعتَمِل بخلاف) (١) ما يعلم (٢).
وقال قطرب: السفيه: العجول الظلوم القائل خلافَ (٣) الحق (٤).
واختلف القراء في قوله: ﴿السُّفَهَاءُ أَلَا﴾ فحقق بعضهم الهمزتين، وهو مذهب أهل الكوفة (٥) ولغة تميم. فأمَّا أبو عمرو وأهل الحجاز فإنهم همزوا الأولى، وليّنوا الثانية طلباً للخفّة (٦).
واختار الفرّاء حذف الأولى وهمز الثانية، واحتجّ بأنّ ما يُستأنف أولى بالهمز مما يُسْكتُ عليه.
١٤ - قوله : ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾:
قال جويبر (٧)، عن الضحاك (٨)، عن ابن عباس: كان عبد الله بن أُبَيّ بن سلول الخزرجي، (عظيم المنافقين) (٩) من رهط سعد بن عبادة،
стр. 1052
وكان إذا لقيَ سعداً قال: نعم الدين دين محمَّد، وكان إذا رجع إلى رؤساء قومه من أهل الكفر قال: شُدُّوا أيديكم بدين آبائكم، فأنزل الله هذِه الآية (١).
(وقال الكلبي (٢)، عن أبي صالح (٣)، عن ابن عباس (٤): نزلت هذِه الآية) (٥) في عبد الله بن أُبيّ وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال عبد الله بن أُبيّ لأصحابه (٦): انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فذهب فأخذ بيد أبي بكر ﵁ فقال: مرحباً بالصدِّيق وسيد (٧) بني تيم وشيخ الإِسلام وثاني رسول الله ﷺ في الغار، الباذل نفسَه وماله (لرسول الله ﷺ ) (٨)، ثمَّ أخذ بيد عمر، فقال: مرحباً بسيد بني عدي بن كعب الفاروق، القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله ﷺ ، ثمَّ أخذ علي، فقال: مرحباً بابن عم رسول الله ﷺ
стр. 1053
وبختنه (١)؛ سيد (٢) بني هاشم ما خلا رسول الله ﷺ ، فقال (٣) علي: يا عبد الله، اتق الله ولا تنافق، فإنَّ المنافقين شرُّ خليقة الله، فقال له عبد الله: مهلاً أبا الحسن (٤) ألِي تقول هذا؟ ! والله إنَّ إيماننا كإيمانكم وتصديقنا كتصديقكم، ثمَّ افترقوا، فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلتُ؟ فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فأثنوا عليه خيراً وقالوا: لا نزال بخير ما عِشت، فرجع المسلمون إلى النبي ﷺ فأخبروه بذلك، فأنزل الله ﴿وَإِذَا لَقُوا﴾ (٥): أي رأوا، يعني: المنافقين عبد الله بن أُبيّ وأصحابه.
стр. 1054
وكان لَقُوا في الأصل لَقيُوا فاستُثقلت الضمة على الياء فنُقلت إلى القاف، وسكنت الياء والواو الساكنة (١) فحُذفت لاجتماعهما (٢).
وقرأ محمَّد بن السّميفع: (وإذا لاقوا) (٣) وهما بمعنى واحد.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أبا بكر (وعمر وعليًّا) (٤). ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾: (أي: إيماننا) (٥) كإيمانكم (٦).
﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾: رجعوا، ويجوز أن يكون من الخلوة، يقال: خلوتُ به، وخلوت معه، وخلوت إليه، كلها بمعنى واحد (٧).
стр. 1055
﴿إِلَى﴾ قال (١) النضر بن شميل: (إلى) هاهنا بمعنى (مع)، كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (٢) أي (٣): مع نسائكم (٤)، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٥) أي (٦): مع أموالكم، وقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٧). (أي: (٨) مع الله) (٩).
وقال النَّابغة:
فلا تتركنّي بالوعيدِ كأنني. . . إلى الناس مطليٌّ به القارُ أجربُ (١٠)
أي: مع الناس.
وقال آخر: