← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

قال المؤرِّج: السفيه: البهّات الكذاب (المعتَمِل بخلاف) (١) ما يعلم (٢). وقال قطرب: السفيه: العجول الظلوم القائل خلافَ (٣) الحق (٤). واختلف القراء في قوله: ﴿السُّفَهَاءُ أَلَا﴾ فحقق بعضهم الهمزتين، وهو مذهب أهل الكوفة (٥) ولغة تميم. فأمَّا أبو عمرو وأهل الحجاز فإنهم همزوا الأولى، وليّنوا الثانية طلباً للخفّة (٦). واختار الفرّاء حذف الأولى وهمز الثانية، واحتجّ بأنّ ما يُستأنف أولى بالهمز مما يُسْكتُ عليه. ١٤ - قوله : ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾: قال جويبر (٧)، عن الضحاك (٨)، عن ابن عباس: كان عبد الله بن أُبَيّ بن سلول الخزرجي، (عظيم المنافقين) (٩) من رهط سعد بن عبادة،

стр. 1052

وكان إذا لقيَ سعداً قال: نعم الدين دين محمَّد، وكان إذا رجع إلى رؤساء قومه من أهل الكفر قال: شُدُّوا أيديكم بدين آبائكم، فأنزل الله هذِه الآية (١). (وقال الكلبي (٢)، عن أبي صالح (٣)، عن ابن عباس (٤): نزلت هذِه الآية) (٥) في عبد الله بن أُبيّ وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال عبد الله بن أُبيّ لأصحابه (٦): انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فذهب فأخذ بيد أبي بكر ﵁ فقال: مرحباً بالصدِّيق وسيد (٧) بني تيم وشيخ الإِسلام وثاني رسول الله ﷺ في الغار، الباذل نفسَه وماله (لرسول الله ﷺ ) (٨)، ثمَّ أخذ بيد عمر، فقال: مرحباً بسيد بني عدي بن كعب الفاروق، القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله ﷺ ، ثمَّ أخذ علي، فقال: مرحباً بابن عم رسول الله ﷺ

стр. 1053

وبختنه (١)؛ سيد (٢) بني هاشم ما خلا رسول الله ﷺ ، فقال (٣) علي: يا عبد الله، اتق الله ولا تنافق، فإنَّ المنافقين شرُّ خليقة الله، فقال له عبد الله: مهلاً أبا الحسن (٤) ألِي تقول هذا؟ ! والله إنَّ إيماننا كإيمانكم وتصديقنا كتصديقكم، ثمَّ افترقوا، فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلتُ؟ فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فأثنوا عليه خيراً وقالوا: لا نزال بخير ما عِشت، فرجع المسلمون إلى النبي ﷺ فأخبروه بذلك، فأنزل الله ﴿وَإِذَا لَقُوا﴾ (٥): أي رأوا، يعني: المنافقين عبد الله بن أُبيّ وأصحابه.

стр. 1054

وكان لَقُوا في الأصل لَقيُوا فاستُثقلت الضمة على الياء فنُقلت إلى القاف، وسكنت الياء والواو الساكنة (١) فحُذفت لاجتماعهما (٢). وقرأ محمَّد بن السّميفع: (وإذا لاقوا) (٣) وهما بمعنى واحد. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أبا بكر (وعمر وعليًّا) (٤). ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾: (أي: إيماننا) (٥) كإيمانكم (٦). ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾: رجعوا، ويجوز أن يكون من الخلوة، يقال: خلوتُ به، وخلوت معه، وخلوت إليه، كلها بمعنى واحد (٧).

стр. 1055

﴿إِلَى﴾ قال (١) النضر بن شميل: (إلى) هاهنا بمعنى (مع)، كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (٢) أي (٣): مع نسائكم (٤)، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٥) أي (٦): مع أموالكم، وقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٧). (أي: (٨) مع الله) (٩). وقال النَّابغة: فلا تتركنّي بالوعيدِ كأنني. . . إلى الناس مطليٌّ به القارُ أجربُ (١٠) أي: مع الناس. وقال آخر:

стр. 1056

وَلَوح ذراعين (١) في بِرْكةٍ. . . إلى جؤجؤٍ رَهِلِ المَنْكِبِ (٢) أي: مع جؤجؤ. ﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾ أي: رؤساؤهم (في الكفر) (٣)، وكبراؤهم وقادتهم وكهنتهم (٤). قال ابن عباس: وهم خمسة نفر من اليهود، ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان تابع (٥) له (٦)، كعب بن الأشرف بالمدينة، وأبو بُردة في بني أسلم، وعبد الدار في جهينة (٧)، وعوف بن عامر في بني أسد، وعبد الله بن السَّوداء بالشام (٨).

стр. 1057

والشيطان: المتمرِّد العاتي من الجن والإنس ومن كل شيء. ومنه قيل للحيَّة النَّضناض: شيطان، قال الله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ (١). أي: الحيات، (والعرب تقول) (٢): اتَّق تيك (٣) الدابة فإنها شيطان (٤). وفي الحديث: "إذا مرَّ الرجل بين يدَي أحدكم وهو يصلي فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنَّه شيطان" (٥). ورُوي عن النبي ﷺ : أنَّه نظر إلى رجل يتْبع حماماً طائراً فقال: "شيطان يتبع شيطاناً" (٦)

стр. 1058

أراد: الخبيث الذاعر (١). وحُكي عن بعضهم أنَّه قال -في تضاعيف كلامه- وكلُّ ذلك حين ركبني شيطان، قيل له: (وأي الشياطين) (٢) ركبك؛ قال: الغضب.

стр. 1059

وقال أبو النجم: إني (١) وكلَّ شاعرٍ من البشَر. . . شيطانه أنْثى وشيطانِي ذَكَر (٢) ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أي: على دينكم وأنصاركم. ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾: بمحمد وأصحابه (٣). ١٥ - ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أي: يجازيهم جزاء استهزائهم، سُمي (٤) الجزاء باسم الابتداء، إذ (٥) كان مثله في الصورة، كقوله : ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٦) فسمّى جزاء السيئةِ سيئةً (٧).

стр. 1060

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1061

قال عمرو بن كلثوم (١): ألا لا يجهلَنْ أحدٌ علينا. . . فنجهلَ فوقَ جهلِ الجاهلينا (٢) وقال آخر: نجَازِيهِمُ كَيلَ الصُّواعِ بَما أتَوا. . . ومنْ يركبِ ابن العَمِّ بالظُّلْمِ يُظْلَمِ (٣)

стр. 1062

فسمي الجزاء ظلماً. وقيل: معناه: الله يوبِّخهم ويعيبهم ويجهلهم ويخطّئ فعلَهم (١)؛ لأنَّ الاستهزاء والسخرية عند العرب، (عيب وجهل) (٢) كما يقال: (إن فلاناً) (٣) يُستهزَأ به منذ اليوم، أي: يُعاب (٤). وقال الله : ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ (٥) أي: تُعابُ، وقال إخباراً عن نوح ﵇: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (٦). قال الحسن: معناه: والله (٧) يُظهر المؤمنين على نفاقهم (٨). وقال ابن عباس: هو أن (الله تعالى يُطلع المؤمنين) (٩) يوم القيامة وهم في الجنة على المنافقين وهم في النار، فيقولون لهم: أتحبّون أن تدخلوا الجنة؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم باب من الجنةِ (١٠) ويُقال لهم: ادخلوا، فيسبَحُون ويتقلّبون في النار، فإذا انتهوا إلى الباب سُدَّ

стр. 1063

عنهم (١)، ورُدُّوا إلى النار، فيضحك المؤمنون منهم، فذلك قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢) أي: جُوزي (٣). [٢٤٩] حدّثنا الإمام أبو منصور محمَّد بن عبد الله الحمشاذي (٤)، قال: أنا أبو بكر إسماعيل بن محمَّد المعروف بالصياد (٥) -بالري-

стр. 1064

قال: نا إبراهيم بن إسحاق السراج (١)، قال: نا عمرو بن زرارة الرقي (٢) قال: نا أبو جُنادة (٣)، عن الأعمش (٤)، عن خيثمة (٥)، عن عديّ بن حاتم (٦) قال: قال رسول الله ﷺ : "يُؤمَر بناسٍ من

стр. 1065

الناس (١) إلى الجنّةِ، حتى إذا دنوا منها ووجدوا رائحتها ونظروا إلى ما أعدّ الله لأهلها (٢) من النّزُل (٣) والكرامة نُودوا أن اصرفوهم عنها، قال: فيرجعون بحسرة وندامة لم يرجع الخلائق (٤) بمثلها، فيقولون: يا ربنا، لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا كان أهون علينا، فيقول الله (٥): هذا الذي أردت بكم، هبتم الناسَ ولم (٦) تهابوني، أجللتم الناس ولم تُجلّوني، وكنتم تراؤون الناس بأعمالكم خلاف ما كنتم تُرونني (٧) من قلوبكم، فاليوم أذيقكم من عذابي، مع ما حرمتكم من ثوابي" (٨).

стр. 1066

وقيل: هو خذْلانُه إياهُم، وحِرمانُهم التّوفيق والهداية، وهُو قوله فيما بعد: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ أي: يتركهم (في جهلهم) (١) ويُمهلهُم ويُطيلُ لهم: والمُدَّة أصله: الزيادة، يُقال: مدّ النهّرُ، ومدّه نهرٌ آخر (٢). وقرأ (٣) ابن محيصن وشبل: (ويُمِدهم) بضم الياء وكسر الميم (٤)، وهما لغتان بمعنى واحد، (إلا أن) (٥) المدّ أكثر ما يأتي في الشرّ، والإمداد في الخير، قال الله تعالى في المَدّ: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ (٦) وقال في الإمداد: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ (٧) وقال:

стр. 1067

﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ (١) وقال: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ (٢). ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: كفرهم وضلالتهم وجهالتهم (٣)، وأصل الطغيان: مجاوزة القدر (٤)، يقال: ميزانٌ فيه طُغيانٌ، (إذا كانت) (٥) مجاوزةً للقدر (٦) (في الاستواء) (٧) قال الله : ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ (٨) أي: جاوز حدّه الذي قُدّر له، وقال لفرعون: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ (٩) أي: أسرف في الدعوى، حيث قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (١٠).

стр. 1068

وقوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾: يعصون ويتردَّدُون (١) في الضلالة مُتحيِّرينَ، يقال: عَمهَ يَعْمَهُ عَمَهاً وعُمُوهاً وعَمَهاناً فهُو عَمِهٌ وعَامِهٌ، إذا كان جائراً عن الحق (٢)، قال رؤبة: ومَهمَهٍ أطرافُه في مَهْمَهِ. . . أعمى الهُدى بالحائِرينَ العُمَّهِ (٣) ١٦ - قوله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾. ومعناه: أنَّهم استبدلوا واختاروا الكفر على الإيمان (٤)، وإنّما

стр. 1069

أخرجه بلفظ الشِّراء والتجارة توسُّعاً؛ لأنَّ الشِّرى والتجارة راجعان إلى الاستبدال والاختيار، وذلك أنّ كلَّ واحدٍ من البيِّعَين (١) يختارُ ما في يدَي صاحِبِه على ما في يَدَيْه (٢)، قال الشاعر: أخذتُ بالجُمّةِ رأساً أزْعَراً. . . وبالثنايا الواضحاتِ دردراً وبالطّويلِ العَمْرِ عُمْراً حيدراً (٣). . . كما اشترى المسلمُ إذْ تنَصَّرا (٤)

стр. 1070

أي: اختار النصرانية على الإِسلام. وقرأ يحيى بن يعمر (وبعض أهل المدينة) (١)، وابن أبي إسحاق (٢): (اشتروِا الضلالة) بكسر الواو، لأنَّ الجزم يُحرّكُ إلى الكسرِ. وقرأ أبو السَّمال (٣) العدوي بفتحه، حرّكه إلى أخفِّ الحركات (٤). ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ أي: فما ربحوا في تجارتِهم. تقول العرب: ربحَ بيعك وخسرتْ صفقتُك ونام ليلُك. أي: ربحتَ، وخسرتَ في بيعك، ونمتَ في ليلِك (٥)، قال الله : ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٧) وقال الشاعر:

стр. 1071

وأعْورَ من نبْهانَ أمَّا نهارُه. . . فأعْمى وأمَّا ليلُه فبصيرُ (١) وقال آخر: حارث (٢) قد فرّجتَ عنّي غمِّي. . . فنامَ ليلي وتجلَّى همِّي (٣) وقرأ ابن أبي عبلة (٤): (فما ربحت تجاراتهم) على الجمع (٥). ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ من الضلالة، وقيل: مصيبين في تجاراتهم (٦). قال سفيان الثوري: كلُّكم تاجر، فلينظر امرؤٌ ما تجارته، قال الله : ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٧).

стр. 1072

١٧ - قوله : ﴿مَثَلُهُمْ﴾ أي: شبههم (١). ﴿كَمَثَلِ الَّذِي﴾: بمعنى الذين، دليله سياق الآية، نظيره قوله : ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ ثمَّ قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٢). قال الشاعر: إنَّ الذي حَانت بفَلْجٍ دماؤهم. . . هم القومُ كلُّ القومِ يا أمَّ خالدِ (٣)

стр. 1073

﴿اسْتَوْقَدَ﴾: أوقد ﴿نَارًا﴾ كما يقال: أجاب واستجاب (١)، قال الشاعر: ودَاع دعا يا مَن (٢) يجيب إلى النَّدى. . . فلم يستجبه عند ذاك مُجيبُ (٣) ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾: النار. ﴿مَا حَوْلَهُ﴾: يقال: ضاء القمر يضُوء (٤) ضَوءاً، وأضاء يضيء إضاءةً، وأضاء غيره، فيكون (٥) لازماً ومتعدياً (٦). وقرأ محمَّد بن السميفع: (ضاءت) بغير ألف (٧). و﴿حَوْلَهُ﴾: نصب على الظرف (٨). ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي:

стр. 1074

أذهب الله نورهم، وإنما قال: ﴿بِنُورِهِمْ﴾ والمذكور في أول الآية النار، لأنَّ للنار شيئين النور والحرارة، فذهب نورهم وبقيت الحرارة عليهم (١). ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ قال ابن عباس وقتادة والضحاك ومقاتل والسدي: نزلت هذِه (٢) الآية في المنافقين، يقول: مثلهم في كفرهم ونفاقهم كمثل رجل (أوقد ناراً) (٣) في ليلة مظلمة في مفازة (٤)، فاستضاء بها واستدفأ ورأى ما حوله فاتَّقى (٥) (ما يحذر ويخاف) (٦) وأمِن (٧)، فبينا هو كذلك إذ طفيت ناره فبقي مظلماً خائفاً متحيراً، فكذلك المنافقون إذا (٨) أظهروا كلمة الإيمان (٩) واستناروا بنورها واعتزوا بعزها وأمِنوا، فناكحوا

стр. 1075

المسلمين ووارثوهم (١)، وقاسموهم الغنائم، وأمنوا على أموالهم وأولادهم، فإذا ماتوا عادوا (في الظلمة والخوف) (٢) وبقوا في العذاب والنقمة (٣). وقال مجاهد: إضاءة النار: إقبالهم إلى المسلمين والهدى، وذهاب نورهم: إقبالهم إلى المشركين والضلالة (٤). وقال سعيد بن جبير ومحمد بن كعب، وعطاء ويمان بن رئاب (٥):

стр. 1076

نزلت في اليهود وانتظارهم خروج النبي ﷺ وإيمانهم به (١) واستفتاحهم به على مشركي العرب، فلمّا خرج كفروا به، وذلك أن قريظة والنضير وبني قينقاع قدموا من الشام إلى يثرب (٢) حين انقطعت النبوة من بني إسرائيل، وأفضت إلى العرب، فدخلوا إلى (٣) المدينة يشهدون لمحمد

стр. 1077

- ﷺ بالنبوة، وأنّ أمّته خير الأمم، وكان يغشاهم رجل من بني إسرائيل يقال له: عبد الله بن هيبان (أبو الهيبان) (١) قبل أن يُوحى إلى رسول الله ﷺ كلّ سنة، فيحضهم على طاعة الله وإقامة التوراة والإيمان بمحمد ﷺ ويقول: إذا خرج فلا تفرّقوا عنه وانصروه، وقد كنت أطمع أن أدركه، ثمَّ مات قبل خروج النبي (٢) ﷺ فقبلوا (٣) منه، ثمَّ لمّا خرج رسول الله ﷺ كفروا به، فضرب الله لهم هذا المثل (٤). وقال الضحاك: لمّا (٥) أضاءت النار أرسل الله عليها ريحاً عاصفاً، فأطفأها، فكذلك اليهود، كلمّا أوقدوا ناراً لحرب محمَّد ﷺ أطفأها الله (٦). ثمَّ وصفهم (الله ) (٧) جميعاً فقال: ١٨ - ﴿صُمٌّ﴾ أي: هم صمٌّ عن الهدى فلا يسمعونه. ﴿بُكْمٌ﴾: عنه فلا (يقولون

стр. 1078

به) (١). ﴿عُمْيٌ﴾: عنه فلا يبصرونه (ولا يتبعونه) (٢). وقيل: ﴿صُمٌّ﴾: يتصاممون عن سماع (٣) الحق، ﴿بُكْمٌ﴾ يتباكمون عن قول الحق، ﴿عُمْيٌ﴾ يتعامون (٤) عن النظر إلى الحق بعين الاعتبار (٥). وقرأ عبد الله: (صما بكما عميا) (نصباً) (٦) على معنى: وتركهم كذلك، وقيل: على الذم، وقيل: على الحال (٧). ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾: عن الضلالة والكفر إلى الهدى (٨) والإيمان. ثمَّ قال: ١٩ - ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾: هذا مثل آخر ضربه الله لهم أيضاً، معطوف على المثل الأوّل، مجازه: مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً، ومثلهم (٩) أيضاً كصيّب.

стр. 1079

قال أهل المعاني: (أو) بمعنى الواو، يريد: وكصيّب، كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (١). وأنشد الفراء: وقد زعمتْ سَلمَى بأنّيَ فاجرٌ. . . لِنفسي تُقاها أو عليها فُجُورُها (٢) أي: وعليها. وأنشد أبو عبيدة: يُهِينُون من حقَّروا شيْبَهُ. . . وإنْ كان فيهِم يَفِي أو يَبَرْ (٣) والصيِّب: المطر الشديد. قال الشاعر: لَصيِّبٍ (٤) راحَ يُرَوِّي الغُدُرا. . . تفْتُرُ عنه الأرض لمّا أنْ سرى (٥)

стр. 1080

وأصله من صاب يصوب صوباً، إذا نزل من علوٍّ إلى سُفل (١)، قال الشاعر: فَلستَ لإنسيٍّ ولكن لملأكٍ. . . تنزَّل من جوّ السماء يصوبُ (٢) أي ينزلُ. فسُمي المطر صيباً؛ لأنه ينزل من السماء. واختلف النحاة في وزنه من الفعل، فقال البصريون: هو على وزن (فَيعِل) بكسر العين، ولا يوجد هذا المثال إلا في المعتلّ نحو: سيِّد وميِّت وليِّن وهيِّن (وضيِّق وطيِّب) (٣). وأصله: صَيْوب فجُعلت الواو ياء، وأدغمت إحدى اليائين في الأخرى. وقال الكوفيون: هو وأمثاله على وزن فَعْيِل وأصله: صَيْيِب فاستثقلت الكسرة على الياء، فسُكنت وأدغمت إحداهما في الأخرى، وحركت إلى الكسرة (٤).

стр. 1081

﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ والسماء كلّ ما علاك، فأظلّك، وأصله: (سَماوٌ) لأنه من سما يسمو، فقلبت الواو همزة؛ لأنَّ الألف لا تخلو من مدة، فتلك المدة كالحركة، وهو من أسماء الأجناس، يكون واحداً وجمعاً، قال الله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ثمَّ قال: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (١). وقيل: هو جمع واحدتها: سَمَاوَةٌ، والسموات جمع الجمع (٢). قال العجاج: سَماوَةَ الهِلالِ حتى احقَوْقفا (٣) وقوله: ﴿فِيهِ﴾ أي: في الصيّب، وقيل: في الليل، كناية عن غير مذكور، وقيل: في السماء؛ لأنَّ المراد بالسماء السحاب، وقيل: هو

стр. 1082

عائد على السماء نفسها، على لغة من يقول بتذكيرها (١)، قال الشاعر: فَلَو رفع السماءُ إليهِ قوماً. . . لحِقنا بالسماءِ مع السحابِ (٢) والسماء: يُذكّر ويؤنث، قال الله : ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ (٤). وقوله: ﴿ظُلُمَاتٍ﴾: جمع ظُلْمة، وضمّة اللام على الإتباع لضمة (٥) الظاء (٦). وقرأ الأعمش: (ظلمات) بسكون اللام على أصل الكلام؛ لأنها ساكنة في التوحيد (٧)، كقول الشاعر:

стр. 1083

أبَت ذِكَرٌ عَوَّدْنَ أحْشاءَ قلبِه. . . خُفُوقاً ورَفْضَات الهوى في المفاصلِ (١) فيترك (٢) الفاء ساكنة على حالها (في التوحيد) (٣). وقرأ أشهب العُقيلي: (ظلَمات) بفتح اللام (٤)، وذلك أنَّه لما أراد تحريك اللام حرّكها إلى أخفّ الحركات، كقول الشاعر: فلمّا (٥) رأونَا بادياً رُكبَاتُنا. . . على موطنٍ لا نخلطُ الجدّ بالهزلِ (٦) وقوله: ﴿وَرَعْدٌ﴾: هو الصوت الذي يخرج من السحاب، و ﴿وَبَرْقٌ﴾ (٧): وهو النار (الذي يخرج) (٨) منه. قال مجاهد: الرعد: مَلَكٌ يُسبّح بحمده، يقال لذلك الملَك:

стр. 1084

رعد، ولصوتِه أيضاً: رعد، والبرق مَصْعُ (١) مَلَكٍ يسوق السحابَ (٢). وقال عكرمة: الرعد مَلَكٌ هو موكّل بالسحاب يسوقها (٣) كما يسوق الراعي الإبِل (٤). وقال شهر بن حوشب: الرعد مَلَكٌ يُزجي السحاب كما يَحُثُّ الراعي الإبل، فإذا انْتَبَذتِ (٥) السحابُ ضَمَّها فإذا اشتد غضبه طار (٦) من فيه النار، فهي (٧) الصواعق (٨). [٢٥٠] أخبرنا عبد الله بن حامد (٩) بقراءتي عليه قال: أنا أحمد بن

стр. 1085

محمَّد بن الحسن (١) قال: نا محمَّد بن يحيى (٢) قال: نا عبد الرحمن بن مهدي (٣)، عن سفيان (٤)، عن سلمة بن كُهَيل (٥)، عن سعيد بن أشوع (٦)، عن ربيعة بن الأبيض (٧) عن علي (٨) ﵇ قال: البرق مخاريق الملائكة يسوقون بها السحاب. والمخاريق العصي (٩).

стр. 1086

وقال أبو الدرداء: الرعد للتسبيح (١)، والبرق للخوف (٢) والطمع، والبرد عقوبة، والصواعق بالخطيئة، والجراد رزق لقوم، وزجر لآخرين، والبحر بمكيال (٣)، والجبال بميزان (٤). وقال أبو الجَلْد (٥):

стр. 1087

الرعد متن (١) الريح، والبرق الماء (٢) يعني: تلألؤ الماء (٣). وأصل الرعد من الحركة والصوت، وأصل البرق من البريق والضوء (٤)، والصواعق: المهالك، وهي جمع صاعقة، والصاعقة والصاقعة: الصعقة (٥) المهلكة، ومنه قيل: صَعِقَ الإنسان إذا غُشِيَ عليه، وَصَعِق: إذا مات (٦).

стр. 1088

﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: (مخافة الموت) (١)، وهو نصب على المصدر، وقيل بنزع حرف الصفة (٢). وقرأ قتادة: (حذار الموت) (٣). ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ أي: عالِمٌ بهم، يدلُّ عليه قوله : ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٤). وقيل معناه: والله (٥) مُهلكهم وجامعهم في النار، دليله قوله : ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ (٦) أي: تهلكُوا جميعاً (٧). وأمال الكسائي وأبو عمرو فقرؤوا (٨) ﴿الْكَافِرِينَ﴾ في حال الخفض والنصب لكسرة الفاء والراء (٩).

стр. 1089

٢٠ - قوله ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾ أي: يقرُب، يقال: كاد إذا قرب ولم يفعل (١)، والعربُ تقول: كاد يفعل كذا (٢)، بغير (أنْ) فإذا شبّهوه بـ (عسى) قالوا: كاد أن يفعل كذا، والأول أفصح (٣) وأشهر، قال الشاعر: قد كاد من طول البلى أن يَمْصَحَا (٤) ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أي: يختلسُها ويستلِبُها، ومنه الخُطَّاف (٥)،

стр. 1090

(وقرأ أُبيّ: (يتخطَّف) (١)، وقرأ ابن أبي إسحاق بنصب الخاء وتشديد الطاء، أي: (يتخَطَّفُ) (٢)، فأدغم (٣)، وقرأ الحسن بكسر الخاء والطاء مع التشديد، أتبع الكسرة الكسرة (٤). وقرأ (٥) العامة بالتخفيف، كقوله تعالى: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ (٦) وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ (٧). ﴿كُلَّمَا﴾ (كل) حرف (٨) ضُمَّ إلى (ما) الجزاء، فصار أداة للتكرار، وهي منصوبة للظرف (٩)، ومعناها: متى ما (١٠).
следующие страницы →