← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 10676–10715 · переход к 10681.

стр. 10676

[٢٠٨١] أخبرني أبو عبد الله ابن فنجويه (١)، نا أبو بكر بن مالك القطيعي (٢)، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل (٣)، نا أحمد بن محمد بن أيوب (٤)، نا أبو بكر بن عيّاش (٥)، عن إدريس بن وهب بن منبه (٦)، قال: حدثني أبي (٧) قال: إنَّ سليمان ﵇ ركب الريح يومًا فمرَّ بحرّاث فنظر الحَرَّاث إليه فقال: لقد أُوتي آل داود مُلكًا عظيمًا فحملت الريح كلامه وألقته في أُذن سليمان ﵇ فنزل حتَّى أتى الحراث فقال: إني سمعت قولك وإنما مشيت إليك؛ لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه، لتسبيحة واحدة يقبلها الله ؛ خير مما أوتي آل داود فقال الحراث: أذهب الله همك كما أذهبت همي (٨).

стр. 10677

١٨ - قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ الآية. [٢٠٨٢] أخبرني ابن فنجويه (١)، نا مخلد بن جعفر (٢)، نا الحسن ابن علويه (٣)، نا إسماعيل بن عيسى (٤)، نا إسحاق بن بشر (٥)، نا أبو إلياس (٦)، عن وهب بن منبه (٧)، عن كعب (٨)، قال: إنَّ سليمان ﵇ إذا ركب حمل أهله وسائر حشمه وخدمه وكتّابه وتلك السقوف بعضها فوق بعض على قدر درجاتهم، وقد اتخذ مطابخ ومخابز يُحمل فيها تنانير الحديد وقدور عظام يسع كل (٩) قدر عشرة جزائر، وقد اتخذ ميادين للدواب أمامه فيطبخ الطباخون ويخبز الخبازون وتجري

стр. 10678

الدواب بين يديه بين السماء والأرض والريح تهوي بهم، فسار من اصطحبه إلى اليمن (١) فسلك المدينة مدينة الرسول ﷺ فقال سليمان ﵇: هذِه (٢) دار هجرة نبي في آخر الزمان طوبى لمن آمن (٣) به وطوبى لمن اتبعه وطوبى لمن أقتدى به، ورأى حول البيت أصنامًا تعبد من دون الله تعالى فلما جاوز سليمان ﵇ البيت بكى البيت فأوحى الله إلى البيت: ما يبكيك؟ فقال: يا رب أبكاني أن (٤) هذا نبي من أنبيائك وقوم من أوليائك مرّوا عليّ فلم يهبطوا فيّ ولم يصلوا عندي ولم يذكروني بحضرتي والأصنام تُعبد حولي من دونك، فأوحى الله إليه أن لا تبك، فإني سوف أملؤك وجوهًا سجدًا وأُنزل فيك قرآنا جديدًا، وأبعث فيك (٥) نبيًّا في آخر الزمان أحب أنبيائي إليّ، وأجعل فيك عمارًا من خلقي يعبدونني، وأفرض على عبادي فريضة يدفون إليك (٦) دفيف النسور إلى وكرها،

стр. 10679

ويحنون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضها وأُطهرك من الأوثان وعبدة الشيطان. قال: ثم مضى سليمان ﵇ حتَّى مرَّ بوادي السدير (١) واد من الطائف فأتى على وادي النمل (فذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ (٢) تمشي وكانت عرجاء (تتكاوس وكانت) (٣) مثل الذئب في العِظَم فنادت النملة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني: أن سليمان يفهم مقالتها وكان لا يتكلم خلق (٤) إلَّا حملت الريح ذلك فألقته في أذن سليمان. (٥) ١٩ - قال: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾

стр. 10680

يعني: مع عبادك الموحدين (١). وقال قتادة (٢) ومقاتل (٣): واد النمل بأرض الشام. (وقال نوف الحميري: كان نمل وادي سليمان مثل الذئاب) (٤). وقال الشعبي: النملة التي فقه سليمان ﵇ كلامها كانت ذات جناحين (٥).

стр. 10681

وقال مقاتل: سمع سليمان ﵇ كلامها من ثلاثة أميال (١) (٢). واختلفوا في اسم تلك النملة: [٢٠٨٣] فأخبرني أبو عبد الله (الحسين بن محمد بن الحسين) (٣) الدينوري (٤)، نا أبو العباس أحمد بن محمد بن يوسف الصرصري (٥)، نا الهيثم بن خلف الدوري (٦)، نا هارون بن حاتم البزار (٧)، أنا إبراهيم بن الزبرقان التيمي (٨)، عن أبي روق (٩)، عن الضحاك (١٠)، قال: كان اسم النملة التي كلمت سليمان ﵇ طاحية (١١).

стр. 10682

[٢٠٨٤] وأخبرني ابن فنجويه (١)، نا طلحة (٢)، وعبيد الله (٣)، قالا: نا ابن (٤) مجاهد (٥)، حدثني الفضل بن الحسن (٦)، نا أبو محمد النعمان بن شبل الباهلي (٧)، حدثني ابن أبي روق (٨)، عن أبيه (٩)، قال: كان اسم نملة سليمان ﵇ حَرْمَى. وهو قول مقاتل (١٠).

стр. 10683

ورأيت في بعض الكتب أن سليمان ﵇ لمّا سمع قول النملة قال: ائتوني بها، فأتوه بها فقال لها: لم حذَّرت النمل ظلمي؟ أما علمتِ أني نبي عادل؟ فلم قلت: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُوُدُهُ﴾؟ فقالت النملة: أما سمعت قولي: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؟ مع ما (١) أني لم أرد حطم النفوس وإنما أردتُ حطم القلوب، خشيت أن يتمنَّين مثل (٢) ما أعطيت ويشتغلن بالنظر إليك عن التسبيح، فقال لها سليمان ﵇: عظيني، فقالت النملة: هل علمتَ لم سُمِّيَ أبوك داود؟ قال: لا، قالت: لأنه داوى جُرْحَهُ فَرُدّ (٣)، هل تدري لما سُميتَ سليمان؟

стр. 10684

قال: لا، قالت: لأنك سليم القلب وكنتَ (١) ما أوتيت لسلامة صدرك وآن لك أن تلحق بأبيك، ثم قالت: أتدري لِمَ سخر الله لك الريح؟ قال: لا، قالت: أخبرك الله أن الدنيا كلها ريح، قال: فتبسم سليمان ﵇ ضاحكًا (٢) متعجبًا من قولها وقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِى﴾ إلى آخر الآية (٣). [٢٠٨٥] أخبرني ابن فنجويه (٤)، نا ابن شنبة (٥)، نا الحضرمي (٦)، نا الحسن الخلال (٧)، نا عبد الرزاق (٨)، عن معمر (٩)، عن الزهري (١٠)، عن عبيد الله بن عبد الله (١١)، عن ابن عباس قال:

стр. 10685

نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربعةٍ من الدواب: الهدهد والصُّردُ والنحلة والنملة (١). ٢٠ - قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَدَ الْطَّيْرَ﴾ أي: طلبها وبحث عنها ﴿فَقَالَ مَالِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ فتح ابن كثير وعاصم والكسائي وأيوب ﴿لِىَ﴾ هاهنا وفي سورة يس (٢) ﴿وَمَا لِىَ﴾ وأرسل حمزة الياء فيهما جميعًا، وأما أبو عمرو فكان يرسل الياء في هذِه ويفتح في يس وفرّق بينهما فقال: لأن هذِه التي في النمل استفهام والأخرى انتفاء (٣).

стр. 10686

﴿أَمْ كَانَ﴾ قيل؛ الميم صلة، وقيل: أم بمعنى بل (١) كان ﴿مِنَ الْغَائِبِينَ﴾. ٢١ - قوله تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ وكان عذابه أن (٢) ينتف ريشه (٣) وذنبه فيدعه مُمَعّطًا ثم يلقيه في

стр. 10687

بيت النمل فيلدغه (١). وقال عبد الله بن شداد: نتفه وتشميسه (٢). وقال (٣) الضحاك: لأشدن رجله ولأشمسنه (٤). (مقاتل بن حيان: لأطلينه بالقطران ولأشمسنه) (٥)

стр. 10688

وقيل: لأودعنه القفص (١)، وقيل: لأفرقنَّ بينه وبين إلفه (٢)، وقيل: لأمنعنه من خدمتي (٣)، (وقيل: لأجمعن بينه وبين من لا يجانسه) (٤)، وقيل: لأبددن عليه وقته (٥). ﴿لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ (قرأ ابن كثير بنونين) (٦) ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ حجة واضحة.

стр. 10689

وأما سبب تفقده ﵇ الهدهد وسؤاله عنه من بين الطير إخلاله بالنوبة التي كان يثوبها واحتياج سليمان ﵇ إلى الماء فلم يعلم من حَضَرَهُ بعْد الماء، وقيل له عِلْم ذلك عند الهدهد فتفقده فلم يجده فتوعّده (١). وكانت القصة فيه على ما ذكره العلماء بسيرة الأنبياء ﵈، دخل حديث بعضهم في بعض: إنّ نبي الله سليمان ﵇ لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج إلى أرض الحرم فتجهز للمسير واستصحب من الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ، وأمر الريح الرخاء فحملتهم، فلما وافى الحرم أقام به ما شاء الله أن يقيم، وكان ينحر كل يوم -طول مقامه بمكة- خمسة آلاف ناقة (٢) ويذبح خمسة

стр. 10690

آلاف ثور وعشرين ألف شاة. وقال: لمن حضره من أشراف قومه: إن هذا مكان يخرج منه نبي عربي صفته كذا وكذا يعطى النصر على جميع من ناوأه (١) وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد عنده في الحق سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم، قالوا: فبأي دين يُدين يا نبي الله؟ ، قال: بدين الحنيفية فطوبى لمن أدركه وآمن به وصدقه، قالوا: وكم بيننا وبين خروجه يا نبي الله؟ قال: زهاء ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل وإن اسمه لمثبت في زبر الأنبياء. قال: فأقام ﵇ بمكة حتَّى قضى نسكه، ثم أحبَّ أن يسير إلى أرض اليمن، فخرج من مكة صباحًا وسار نحو اليمن يوم نجم سهيل، فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضًا حسناء تزهر خضرتها، فأحب النزول بها ليصلي ويتغدى فطلبوا الماء فلم يجدوا وكان الهدهد دليله على الماء (وكان يرى الماء) (٢) من تحت الأرض كما يرى أحدكم كأسه بيده فينقر الأرض فيعرف موضع الماء وبُعده ثم تجيء الشياطين فيسلخونه كما يسلخ الإهاب ثم يستخرجون الماء (٣).

стр. 10691

قال سعيد بن جبير: ذكر ابن عباس هذا الحديث فقال له نافع بن الأزرق: أرأيت قولك الهدهد ينقر الأرض فيبصر الماء كيف يُبصر هذا ولا يبصر الفخ يجيء حتَّى يقع في عنقه، فقال له ابن عباس: ويحك إن القدر إذا جاء حال دون البصر (١). وروى قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "أنهاكم عن قتل الهدهد فإنه كان دليل سليمان على قرب الماء من بعده وأحب أن يُعبد الله" حيث يقول: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ الآية (٢). قالوا (٣): فلما نزل سليمان ﵇ قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل

стр. 10692

بالنزول فأرتفع نحو السماء فأنظر إلى طول الدنيا وعرضها، ففعل ذلك فنظر يمينًا وشمالًا فرأى بستانًا لبلقيس فمال إلى الخضرة فوقع فيه، فإذا هو بهدهد (١)، وكان اسم هدهد سليمان ﵇: يعفور واسم هدهد اليمن عنفير، فقال عنفير اليمن ليعفور سليمان ﵇: من أين أقبلت؟ وأين تريد؟ قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود. وقال الهدهد: ومن سليمان بن داود؟ قال) (٢): ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والرياح، فمن أين أنت؟ قال: من هذِه البلاد، قال: ومن ملكها؟ قال: امرأة يقال لها: بلقيس، وإن لصاحبكم سليمان مُلكًا عظيمًا ولكن ليس ملك بلقيس دونه، فإنها ملكت اليمن كلها، وتحت يدها اثنا عشر ألف قائد تحت يدي كل قائد مائة (٣) ألف مقاتل، فهل أنت منطلق معي حتَّى تنظر إلى ملكها؛ قال: أخاف أن يتفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء. قال الهدهد اليماني: إن صاحبك ليسره أن تأتيه بخبر هذِه الملكة، فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها وما رجع إلى سليمان ﵇ إلَّا وقت العصر.

стр. 10693

قال: فلما نزل سليمان ﵇ ودخل عليه وقت الصلاة طلب الهدهد، وذلك أنَّه نزل على غير ماء، فسأل الإنس عن الماء فقالوا: ما نعلم هاهنا ماء، فسأل الجن والشياطين فلم يعلموا فتفقد الهدهد ففقده -قال ابن عباس في بعض الروايات: وقعت لفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا هو (١) موضع الهدهد خال فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عن (٢) الهدهد فقال: أصلح الله الملك ما أدري أين هو وما أرسلته مكانا فغضب عند ذلك سليمان ﵇ وقال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾. روى عكرمة، عن ابن عباس، قال (٣): كل سلطان في القرآن فهو حجة (٤). قال (٥): ثم دعا بالعقاب سيد الطير فقال: عليَّ بالهدهد الساعة،

стр. 10694

فرفع العقاب نفسه دون السماء حتَّى (١) التزقَّ بالهواء فنظر في الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم ثم التفت يمينًا وشمالًا فإذا هو بالهدهد مقبلًا من نحو اليمين فانقض العقاب نحوه يريده، فلما رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بسوء فناشده فقال: بحق الله الَّذي قواك وأقدرك عليَّ إلَّا رحمتني ولم تتعرض لي (٢) بسوء. قال (٣): فولى العقاب عنه وقال له: ويلك ثكلتك أمك إن نبي الله حلف أن يعذبك أو يذبحك، ثم طارا متوجهين نحو سليمان ﵇ فلما انتهى (٤) إلى العسكر تلقته النسر والطير فقالوا له: ويلك (٥) أين غبت في يومك هذا؟ فلقد توعدك نبي الله وأخبروه بما قال. فقال الهدهد: وما استثنى رسول الله؟ قالوا: بلى، قال (٦): أو ليأتيني بعذر بيِّن ثم طار العقاب والهدهد حتَّى أتيا سليمان ﵇، وكان قاعدًا على كرسيه فقال العقاب: قد أتيتك به يا نبي الله. فلما قرب الهدهد منه رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعًا لسليمان ﵇ فلما دنا منه أخذ برأسه (فمده إليه) (٧)

стр. 10695

وقال له: أين كنت؟ لأعذبنك عذابًا شديدًا، فقال له الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى. فلما سمع ذلك (١) سليمان ارتعد وعفا عنه (٢). [٢٠٨٦] أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه (٣) الثقفي (٤)، نا الفضل بن الفضل الكندي (٥)، نا محمد بن إبراهيم بن أبي الرجال (٦) ببغداد، نا إبراهيم بن بسطام (٧)، عن أبي قتيبة (٨)، عن الحسن بن (٩) أبي جعفر البصري (١٠)،

стр. 10696

عن الزبير بن الخريت (١)، عن عكرمة (٢)، قال: إنما صرف سليمان ﵇ عن ذبح الهدهد لبره بوالديه (٣). قالوا (٤): ثم سأله فقال: ما الَّذي أبطأ بك عني؟ فقال الهدهد ما أخبر الله في كتابه.

стр. 10697

٢٢ - قوله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بعَيدٍ﴾ قرأ العامة بضم الكاف، وقرأ عاصم ويعقوب وأبو حاتم بفتحه فهما لغتان مشهورتان (١). ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ علمت ما لم تعلم ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ﴾ قرأ الحسن وأبو عمرو وابن أبي إسحاق وحُمَيد (وابن كثير) (٢) في رواية البزي (من سبأ)، و (لسبأ) (٣) مفتوحة الهمزتين (٤) غير مجرَاة، ردّوها إلى القبيلة وهي اختيار أبي عبيد، وقرأ قنبل بإسكان الهمزة في الوصل، وقرأ الباقون: بالإجراء جعلوه اسم رجل (٥) وبه نطق الخبر أن النبي ﷺ سئل عن سبأ

стр. 10698

فقال: "كان رجلًا له عشرة من البنين تيامن منهم ستة وتشاءم أربعة".

стр. 10699

وسنذكر أسماءهم وقصتهم في سورة سبأ إن شاء الله (١). وقال الشاعر: الْوَارِدُونَ وتَيْمٌ في ذُرى سَبَإٍ ... قَدْ عَضَّ أَعْنَاقَهُمْ جِلْدُ الجَوَاميسِ (٢)

стр. 10700

﴿بِنَبَإٍ﴾ بخبر (١) ﴿يَقِينٍ﴾ لا شك فيه. قال وهب: قال الهدهد إني أدركت ملكًا لا يبلغه مُلكك (٢). ٢٣ - ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ وكان (٣) اسمها بلقيس بنت اليشرح وهو الهدهاد وقيل: شراحيل ابن ذي جدن (٤)، بن اليشرح بن الحرث بن قيس بن صيفى بن سبأ ابن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكان أبو بلقيس الَّذي يسمى اليشرح -ويلقب بالهدهاد- ملكًا عظيم الشأن وقد ولد له أربعون ملكًا، وكان يملك أرض اليمن كلها، وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفوًا لي، وأبى أن يتزوج منهم، فزوَّجوه امرأة من الجن يقال لها: ريحانة بنت السكن (٥) فولدت تلمقة (٦) وهي بلقيس

стр. 10701

ولم يكن له ولد غيرها، ويصدِّق هذا: [٢٠٨٧] ما أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه (١)، نا محمد بن الحسن بن بشر (٢)، نا محمد بن خريم بن مروان (٣)، نا هشام بن عمار (٤)، نا الوليد بن مسلم (٥)، عن سعيد بن بشير (٦)، عن قتادة (٧)، عن النضر بن أنس (٨)، عن بشير بن نُهيك (٩)، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال (١٠): "كان أحد أبوي بلقيس جنيًّا". (١١)

стр. 10702

قالوا (١): فلما مات أبو بلقيس ولم يخلّف ولدًا غيرها طمعت في الملك فطلبت من قومها أن يبايعوها فأطاعها قوم وعصاها آخرون فاختاروا عليها رجلًا فملكوه عليهم (وافترقوا فرقتين كل فرقة منها استولت بملكها على طرف من أرض اليمن، ثم إن هذا الرجل الَّذي ملّكوه أساء السيرة في أهل مملكته حتَّى كان يمّد يده إلى حريم رعيّته ويفجر بهن وأراد أصحابه أن يخلعوه فلم يقدروا عليه، فلما رأت بلقيس ذلك أدركتها الغيرة فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه فأجابها الملك: والله ما منعني أن أبتديك بالخطبة إلّا اليأس منك. فقالت: لا أرغب عنك فإنك كفؤ كريم فاجمع رجال قومي واخطبني إليهم فجمعهم وخطبها إليهم. فقالوا: لا نراها تفعل هذا، فقال لهم: إنما هي ابتدأتني وأنا أحب أن تسمعوا قولها فتشهدوا عليها فلما جاؤوها وذكروا لها.

стр. 10703

قالت: نعم أحببت الولد ولم أزل، كُنْتُ أرغب عن هذا، فالساعةُ قد رضيتُ به فزَّوجُوها منه، فلما زُفَّتْ إليه خرجتْ في ناس كثير من خدَمِها وحشمِها حتَّى غصّتْ منازله ودوره بهم، فلما جاءته سقته الخمر حتَّى سكر، ثم جزّتْ رأسه وانصرفت من الليل إلى منزلها فلما أصبح الناس رأوا الملك قتيلًا ورأسه منصوبًا على باب دارها، فعلموا أن تلك المناكحة كانت مكرًا وخديعةً منها، فاجتمعوا إليها فقالوا لها: أنت أحقُّ بهذا الملك من غيرك، فقالت: لولا العار والشَّنَار (١) ما قتلته، ولكن عمَّ فسَادُه فأخذتني الحميَّةُ حتَّى فعلتُ ما فعلتُ فملّكوها) (٢) واستتبَّ أمرُها (٣). [٢٠٨٨] أخبرني أبو عبد الله بن فنجويه (٤)، نا أبو بكر بن خرجة (٥)، نا ابن أبي الليث ببغداد (٦) (٧)، نا أبو غريب (٨)، نا أبو

стр. 10704

معاوية (١)، عن إسماعيل بن مسلم (٢)، عن الحسن (٣)، عن أبي بكرة (٤)، قال: ذكرتُ بلقيس عند رسول الله ﷺ فقال ﷺ : "لا يفلح قومٌ ولَّوا أمرَهم امرأة" (٥). ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج الملوك إليه من الآلة والعدّة. ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ سرير ضخْم حسنٌ وكان مُقدمُه من ذهبٍ

стр. 10705

مفصص بالياقوت (١) الأحور والزُّمُرُّد (٢) الأخضر ومؤَخَّره من فضة مكلل بأنواع (٣) الجواهر وله أربع قوائم: قامْة من ياقوت أحمر وقائمة من ياقوت أخضر وقائمة من زمرد وقائمة من دُرّ (٤) وصفائح السرير من ذهب وعليه سبعة (٥) أبيات على كل بيْت باب مُغلق (٦). وقال ابن عباسٍ: كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعًا في ثلاثين ذراعًا وطوله في الهواء ثلاثون ذراعًا (٧).

стр. 10706

وقال مقاتل: كان ثمانين ذراعًا في ثمانين ذراعًا وطوله في الهواء ثمانون ذراعًا مكلل بالجواهر (١). ٢٤ - ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤)﴾ (٢). ٢٥ - قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوْا﴾ قرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو جعفر، وحميد الأعرج والكسائي ويعقوب برواية رويس ﴿أَلَّا يَسْجُدُوْا﴾ بالتخفيف على معنى: ألا يا (٣) هؤلاء اسجدوا (٤) وجعلوه أمرًا من الله مستأنفًا، وحذفوا هؤلاء اكتفاء بدلالة يا عليها وذكر بعضهم (٥)

стр. 10707

سماعًا من العرب: ألا يَا رْحموا، ألا يا تصدقوا علينا، يريدون ألا يا قوم كقول الأخطل: ألا يا أسْلَمي يا هند، هندُ بني بدرٍ ... وإِن كانَ حَيّانا عِدى آخر الدَهرِ (١) فعلى هذِه القراءة اسجدوا في موضع جزم على الأمر والوقف عليه ألا يا، يبتدي: أُسجدُوا. قال الفراء (٢): حدثني الكسائي (٣) عن عيسى الهمداني (٤)، قال: ما كنت أسمع المشيخة يقرؤونها إلا بالتخفيف على نية الأمر (٥)، وهي

стр. 10708

في قراءة عبد الله: (هَلّا تسجدون لله) بالتاء (١)، وفي قراءة أُبيّ (ألا يسجدون لله) (٢) فهاتان القراءتان حجةٌ لمن خفّف، وقرأ الباقون: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ بالتشديد على (٣) معنى وزين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا لله فـ (أنْ) في موضع نصب ويسجدوا نصب بأن (٤)، واختار أبو عبيد (٥) هذِه القراءة وقال: التخفيف وجْةٌ حسَنٌ إلا أنّ فيه انقطاع الخبر (عن أمر) (٦) سبأ وقومها ثم نرجع بعد

стр. 10709

ذلك (١) إلى ذكرهم (٢)، والقراءةٌ بالتشديد خبرٌ يتبعُ بعضُه بعضًا لا انقطاع في وسطه، والوقف على هذِه القراءة ألا ثمَّ يبتدي (يسْجدوا) (٣) كما يصل. ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ الخفي المخبوء ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٤). وقال أكثر المفسرين (٥): خبء السماء: المطر، وخبء الأرض: النبات (٦)، وفي قراءة عبد الله: يخرج الخبء من السماوات (٧) ومِنْ

стр. 10710

وفي يتعاقبان تقول العرب: لا يستخرجنّ العلم فيكم يريد منكم؛ قاله الفراء (١). ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (قراءة العامة) (٢) بالياء فيهما، وقرأ الكسائي بالتاء، وهي رواية حفص عن عاصم (٣). ٢٦ - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾ (الذي كل عرش وإن عظم فدونه لا يشبهه عرش ملكة سبأ ولا غيره، قال ابن إسحاق، وابن زيد من قوله: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ إلى قوله:

стр. 10711

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (١)، كله كلام الهدهد (٢). ٢٧ - قوله تعالى: ﴿قَالَ﴾ يعني: سليمان ﵇ للهدهد ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ فيما أخبرت ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فدلّهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا (٣) ورَوِيَ (٤) الناس والدوابُّ، وكانوا قد عَطِشوا، ثم كتب سليمان ﵇ كتابًا: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا عليَّ وأتوني مسلمين (٥). قال ابن جريج: لم يزد سليمان ﵇ على ما قصّ الله تعالى في كتابه: ﴿إِنَّهُ﴾، ﴿وَإِنَّهُ﴾ (٦).

стр. 10712

قال منصور: كان يقال: كان سليمان ﵇ أبلغ الناس في كتابه وأقله إملاءً ثم قرأ: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾ (١). قال قتادة: وكذلك الأنبياء ﵈ كانت تكتبُ جملًا لا يطيلون ولا يكثرون (٢)، فلما كتب الكتاب طبعه بالمسك وختمه بخاتمه وقال للهدهد. ٢٨ - ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فكن قريبًا منهم (٣) ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ يردّون الجواب (٤). وقال ابن زيد (٥): في الآية تقديم وتأخير مجازها: أذهب بكتابي

стр. 10713

هذا فألقه (قرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة بإسكان الهاء، وقالون يختلس كسرتها في الوصل، والباقون: يشبعونها فيه (١) ﴿إِلَيْهِمْ﴾ ثم قول عنهم فكن قريبًا منهم ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ يردّون الجواب) (٢)، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به (٣) بلقيس وكانت بأرض يقال له مأرب (٤) من صنعاء (٥)

стр. 10714

على ثلاثة أيام فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب (وكانت إذا رقدت غلقت الأبواب) (١) وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها، وأوت إلى فراشها، فأتاها الهدهدُ وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها؛ هذا قول قتادة (٢). وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة (وحولها القادة والجنود فرفرف (٣) ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها) (٤) فألقى الكتاب في حجرها (٥). وقال ابن منبه وابن زيد: كانت لها كَوَّة (٦) مستقبلة الشمس تقع

стр. 10715

الشمس فيها حين تطلع؛ فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد تلك الكوة فسدها بجناحيه فارتفعت الشمس ولم تعلم فلما استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها. قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب، وكانت كاتبة قارئة عربية من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلما رأت الخاتم أرعدت وخضعت؛ لأن ملك سليمان ﵇ كان في خاتمه، وعرفت أن الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم مُلكًا منها؛ لأن مَلِكًا رسله الطير إنه لملك عظيم، فقرأت الكتاب، وتأخر الهدهد غير بعيد، فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها، وجعلت الملأ من قومها، وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كل قائد مائة ألف مقاتل (١). وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورَتِها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، كل رجل منهم على عشرة آلاف. قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بقليس: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ (٢) فذلك.
следующие страницы →