← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 10711–10750 · переход к 10716.

стр. 10711

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (١)، كله كلام الهدهد (٢). ٢٧ - قوله تعالى: ﴿قَالَ﴾ يعني: سليمان ﵇ للهدهد ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ فيما أخبرت ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فدلّهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا (٣) ورَوِيَ (٤) الناس والدوابُّ، وكانوا قد عَطِشوا، ثم كتب سليمان ﵇ كتابًا: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا عليَّ وأتوني مسلمين (٥). قال ابن جريج: لم يزد سليمان ﵇ على ما قصّ الله تعالى في كتابه: ﴿إِنَّهُ﴾، ﴿وَإِنَّهُ﴾ (٦).

стр. 10712

قال منصور: كان يقال: كان سليمان ﵇ أبلغ الناس في كتابه وأقله إملاءً ثم قرأ: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾ (١). قال قتادة: وكذلك الأنبياء ﵈ كانت تكتبُ جملًا لا يطيلون ولا يكثرون (٢)، فلما كتب الكتاب طبعه بالمسك وختمه بخاتمه وقال للهدهد. ٢٨ - ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فكن قريبًا منهم (٣) ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ يردّون الجواب (٤). وقال ابن زيد (٥): في الآية تقديم وتأخير مجازها: أذهب بكتابي

стр. 10713

هذا فألقه (قرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة بإسكان الهاء، وقالون يختلس كسرتها في الوصل، والباقون: يشبعونها فيه (١) ﴿إِلَيْهِمْ﴾ ثم قول عنهم فكن قريبًا منهم ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ يردّون الجواب) (٢)، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به (٣) بلقيس وكانت بأرض يقال له مأرب (٤) من صنعاء (٥)

стр. 10714

على ثلاثة أيام فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب (وكانت إذا رقدت غلقت الأبواب) (١) وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها، وأوت إلى فراشها، فأتاها الهدهدُ وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها؛ هذا قول قتادة (٢). وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة (وحولها القادة والجنود فرفرف (٣) ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها) (٤) فألقى الكتاب في حجرها (٥). وقال ابن منبه وابن زيد: كانت لها كَوَّة (٦) مستقبلة الشمس تقع

стр. 10715

الشمس فيها حين تطلع؛ فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد تلك الكوة فسدها بجناحيه فارتفعت الشمس ولم تعلم فلما استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها. قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب، وكانت كاتبة قارئة عربية من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلما رأت الخاتم أرعدت وخضعت؛ لأن ملك سليمان ﵇ كان في خاتمه، وعرفت أن الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم مُلكًا منها؛ لأن مَلِكًا رسله الطير إنه لملك عظيم، فقرأت الكتاب، وتأخر الهدهد غير بعيد، فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها، وجعلت الملأ من قومها، وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كل قائد مائة ألف مقاتل (١). وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورَتِها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، كل رجل منهم على عشرة آلاف. قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بقليس: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ (٢) فذلك.

стр. 10716

٢٩ - قولى تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾. قال قتادة (١): حسنٌ، نظيره قوله: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ (٢)، وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه (٣). والضحاك: سَمَّتْهُ كريمًا؛ لأنه كان مختومًا (٤)، يدل عليه: [٢٠٨٩] ما أخبرنا عبد الله بن حامد (٥)، أنا أحمد (٦) بن شاذان (٧)، نا جبعويه (٨) بن محمد (٩)، نا (محمد بن مروان) (١٠)،

стр. 10717

عن ابن جريج (١)، عن عطاء بن أبي رباح (٢)، عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ قال: "كرامة الكتاب ختمه" (٣). [٢٠٩٠] وأنبأني عبد الله بن حامد (٤)، أنا أحمد بن محمد بن يوسف (٥)، نا عمرو (٦)، نا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي (٧)،

стр. 10718

نا إسحاق بن منصور (١)، نا معاذ بن هشام (٢)، حدثني أبي (٣)، عن قتادة (٤)، عن أنس (٥) قال: لما أراد نبي الله ﷺ أن يكتب إلى العجم قيل له: إن العجم لا يقبلون إلا كتابًا عليه ختمٌ (٦)، فاصطنع خاتمًا، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه (٧). وقال ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتابًا ولم يختمه فقد استخف به؛ لأن الختم ختم (٨)، وقيل: سمّته كريمًا؛ لأنه كان مُصَدّرًا ببسم الله (الرحمن الرحيم) (٩) ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾.

стр. 10719

٣١ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾ وقرأ أشهب العقيلي: (ألّا تغْلوا) بالغين معجمة (١) ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ طائعين مؤمنين (٢). ٣٢ - قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ قال ابن عباس (٣): كان مع بلقيس (٤) ألف قيل مع كل قيل مائة ألف (٥).

стр. 10720

والقَيْلُ (١) المَلِك (٢) دون المَلِك الأعظم (٣) ﴿أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ أشيروا عليّ فيما عرض لي وأجيبوني فيما أشاوركم فيه ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ قاضيةً (٤) وفاصلةً ﴿أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ تحضروني. قالوا مجيبين لها: ٣٣ - ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾

стр. 10721

في القتال (١) ﴿وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ عند الحرب ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ أيتها الملكة ﴿فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ تجدينا لأمرك مطيعين. قالت بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب: ٣٤ - ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ عَنوةً (٢) وغلبة ﴿أَفْسَدُوهَا﴾ خربوها ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ أي: أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر، وتناهى الخبر عنها (٣)، فصدّق الله تعالى قولها فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. [٢٠٩١] أنشدني الأستاذ أبو القاسم الحبيبي (٤) قال: أنشدني أبي (٥) ﵀: إن الملوك بلاء حيث ما حلوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظِلُّ ماذا تؤمل من قومٍ إذا غَضِبُوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملوا؟ ! وإن مدحتهم خالوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلُّ

стр. 10722

فاستغن بالله عن أبوابهم أبدًا ... إن الوقوف على أبوابهم ذُلّ (١) ٣٥ - ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ وذلك أنّ بلقيس كانت امرأة لبيبة (٢) أريبة (٣) قد سيست وساست (٤) فقالت للملأ من قومها: إني مرسلة إلى سليمان وقومه بهدية (٥) أصانِعُه بذلك عن ملكي، وأختبره بها (٦): أملك هو أم نبي فإن يكن مَلِكًا قبل الهدية وانصرف، وإن (لم يكن ملكًا) (٧) لم يقبل الهدية ولم يرضه منا إلا أن نتبعه على دينه فأهدت إليه وُصَفَاء (٨) ووصائف (٩).

стр. 10723

قال ابن عباس: ألبستهم لباسًا واحدًا حتى لا يعرف ذكر من أُنثى (١). وقال مجاهد: أُلبس الغلمان لباس الجواري وأُلبس الجواري لبسة الغلمان (٢). واختلفوا في عددهم: فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة (٣) وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية (٤). وقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري (٥).

стр. 10724

وقال وهب (١) وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية (٢). [٢٠٩٢] وأخبرني ابن فنجويه (٣)، نا أبو علي بن حبش المقرئ (٤) (٥)، نا ابن زنجويه (٦)، نا سلمة (٧)، نا عبد الرزاق (٨)، نا معمر (٩)، عن ثابت البناني (١٠) في قوله : ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ قال: أهدتْ لهُ صفائح الذهب، في أوعية الديباج وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب فلما بلغ ذلك سليمان ﵇، أمر الجنَّ فموهوا له الآجر بالذهب، ثم أمر به (١١) فأُلْقِي في الطريق، فلما جاءُوا رأَوْهُ مُلْقى (في الطريق في كلِّ مكانٍ قالوا: قد (١٢) جئنا نحملُ شيئًا نراهُ هاهنا مُلْقىً) (١٣) ما يُلتفت إليه فصغر ذلك في

стр. 10725

أعينهم ما جاءوا به (١). وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس إلى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان الأقبية (٢) والمناطق (٣)، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في أساعدهم (٤) أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقًا (٥) من ذهب، وفي آذانهم أقراطًا وشنوفًا (٦)، مرصعات بأنواع الجوهر وحُملتْ

стр. 10726

الجواري على خمسمائة رَمَكَة والغلمان على خمسمائة بِرْذَوْن (١) على كل فرس لجام من ذهب مرصعٌ بأنواع الجواهر وغواشِيهَا من الديباج الملونة وبعثت فيه (٢) خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة (٣) من فضة وتاجًا مكللَّا (٤) بالدُّر والياقوت المرتفع وأرسلت إليه أيضًا المسك والعنبر (٥) وعود الألنجوج (٦) وعمدت إلى حُقَّة (٧) فجعلت فيها درة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة مُعْوَجّة الثقب، ودعت رجلًا من أشراف قومها (٨) يقال له المنذر بن عمرو (٩) وضمت إليه رجالًا من قومها أصحابَ رأيٍ وعقل، وكتبت معه كتابًا بنسخة الهدية

стр. 10727

وقالت: إن كنتَ نبيًا فميز بين الوصفاء والوصايف، وأخبر بما في الحقة قبل أن تفتحها، واثقب الدرة ثقبًا مستويًا، وأدخل خيط الخرزة (١)، وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام فيه (٢) تأنيث وتخنيث يُشبه كلام النساء، وأمرت الجواري (٣) أن يكلمنه بكلامٍ فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثم قالت للرسول: انظر إلى الرجل إذا دخلت عليه فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنه ملك ولا يهولَّنكَ منظره فأنا أعز منه، وإن رأيت الرجل بشًا لطيفًا فاعلم أنه نبي مرسل فتفهم قوله وردَّ الجواب. فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعًا إلى سليمان ﵇ فأخبره الخبر كلَّه فأمر سليمان ﵇ الجن أن يضربوا لَبِنَاتِ الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسع (٤) فراسخ ميدانًا واحدًا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطًا شرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال ﵇: أيُّ الدوابِّ أحسنُ مما رأيتم في البرِّ والبحرِ؟ قالوا: يا نبي الله إنا رأينا دوابّ في بحر كذا وكذا منَمّرةً مُنقطةً مختلفة ألوانها لها أجنحةٌ وأعراف ونواصي قال: على بها الساعة فأتوا بها فقال: شدّوها على يمين الميدان وعن يساره وعلى لبنات الذهب

стр. 10728

والفضة وألقوا لها (١) علوفاتها. ثم قال ﵇ للجن: عليّ بأولادكم فاجتمع خلق كثير فأقامهم عن يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان ﵇ في مجلس على سريره ووضع له أربعة آلاف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفُّوا (٢) صفوفًا فراسخ (وأمر الإنس فاصطفوا فراسخ) (٣) عن يمينه ويساره. فلما دنا القومُ من الميدان (ونظروا إلى مُلك سليمان ﵇ ورأوا الدوابَّ التي لم ترَ أعينُهم تروثُ على لبنات الذهب والفضة) (٤) تقاصرت إليهم أنفسُهم ورمَوا بما معهم من الهدايا. وفي بعض الروايات أن سليمان ﵇ لما أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعًا على قدر موضع اللبنات التي معهم فلما رأوا (٥) الرسل موضع اللبنات خاليًا وكل الأرض مفروشةٌ خافوا أن يتهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان.

стр. 10729

قالوا: ثم جاءوا فلما رأوا (١) الشياطين نظروا إلى منظر عجيب ففزعوا، فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم فكانوا يمرون على كلِّ (٢) كردوس كردوس (٣) من الجن والإنس والطير والسباع (٤) والوحش حتى وقفوا بين يديْ سليمان، فنظر إليهم سليمان صلوات الله عليه نظرًا حسنًا بوجه طلْق، قال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاؤوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه ثم قال: أين الحقة؟ فأتى بها فحركها فجاءه جبريل- عليهما (٥) السلام- فأخبره بما في الحقة ثم قال: إن فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة (٦) مثقوبة معوجة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدرة وأدخل الخيط في الخرزة، فقال سليمان ﵇: من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس

стр. 10730

فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الجن فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا: نرسل إلى الأَرَضَة (١) فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها ودخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال لها سليمان ﵇: حاجتك؟ فقالت تُصيِّر رزقي في الشجرة، قال: لك ذلك، ثم قال: من لهذِه، درة (٢) يُسْلِكُها الخيط؟ فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان ﵇: حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه، قال: لك ذلك، ثم ميز ﵇ بين الغلمان والجواري بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكان الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على الأخرى (٣) ثم تضرب به على (٤) الوجه، والغلامُ كان يأخذ (٥) الماء من الآنية يضربُ به وجهه، وكانت الجارية تصبُّ (على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء) (٦) صبًا، وكان الغلام يُحْدِرُ على يده حدرًا، فميز

стр. 10731

بينهن (١) بذلك ثم ردَّ سليمان ﵇ الهدية (٢). (وقال: ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ فذلك قوله. ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾) (٣). ٣٦ - (قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾) (٤) اختلفت القراءة فيه فقرأ حمزة ويعقوب: (أَتُمِدُّونِّي) (٥) بنون واحدة

стр. 10732

مشددة (١)، غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف (٢)، البا قون: بإثباته (٣).

стр. 10733

﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ لأنكم أهل مفاخرة (١) الدنيا والمكاثرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من (٢) حاجتي؛ لأن الله (٣) أعطاني فيها ما لم يعط أحدًا، ومع ذلك أكرمني بالدين والنبوة والحكمة، ثم قال للمنذر بن عمرو (٤) أمير الوفد ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ بالهدية. (فذلك قوله تعالى: ٣٧ - ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ﴾ (٥) لا طاقة (٦) ﴿لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾ أي: (٧) من أرضها وملكها ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ذليلون إن لم يأتوني مسلمين. قال وهب وغيره من أهل (٨) الكتاب: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان ﵇ قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به (٩) من طاقة، وما نصنعُ بمكاثرته شيئًا، فبعثت إلى سليمان ﵇ إني قادمةُ عليك بملوك قومي حتى انظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم

стр. 10734

أمرت بعرشها فجُعل في آخر سبعة أبيات بعضُها في بعض في آخر قصر من سبعة قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب، ووكلت به حُرّاسًا يحفظونه، ثم قالت لمن خلَّفَتْ على سلطانها: احتفظ بما قِبَلَك (١) وسرير ملكي فلا يخلص إليه أحد ولا يرينَّهُ حتى آتيك، ثم (٢) أمرت مناديًا فنادى في أهل مملكتها يُؤْذِنونهم بالرحيل، وشخصت إلى سليمان ﵇ في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي (٣) كل قيلٍ ألوفٌ كثيرة (٤). قال ابن عباس: وكان سليمان ﵇ رجلًا مهيبًا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه فخرج يومًا فجلسَ على سريرِ ملكه فرأى رهجًا (٥) قريبًا منه (٦) فقال ما هذِه؟ قالوا: بلقيسُ يا رسول الله. قال: وقد نزلت منا بهذا المكان (٧)؟

стр. 10735

قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدْر فرسخٍ، فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾. فذلك قوله تعالى: ٣٨ - ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾ أي: مؤمنين (١)، وقال ابن عباس: طائعين (٢)، واختلف أهلُ العلمِ في السبب الذي لأجله أمر سليمانُ ﵇ بإحضار العرش فقال أكثرهم: لأن سليمان ﵇ عَلِمَ أنَّها إنْ أسلمت حَرُمَ عليهِ مالُها فأرادَ أن يأخذَ سريرها قبل أن يَحْرُمَ عليه أخذه بإسلامها. وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لما وصفه الهدهد فأحب أن يراه (٣).

стр. 10736

وقال (١) ابن زيد: أراد ﵇ أن يختبَر عقلها فيأمر بتنكيره وتغييره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل: ليريها قدرةَ الله تعالى وعظيم سلطانه في معجزة يأتي بها في عرشها (٢). ٣٩ - قوله قوله تعالى: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ وهو المارد والقوي، وفيه لغتان (٣): عفريت وعفريه فمن قال: عفريت، جمعه عفاريت ومن قال: عفريه، جمعه عفاريَّ (٤). قال وهب: اسمه كوذي (٥)، وقال شعيب الجبائي: كان اسم

стр. 10737

العفريت ذكوان (١). وقال: ابن عباس العفريت: الداهية (٢)، وقال الضحاك: وهو الخبيث (٣)، وقال (٤) الربيع: الغليظ (٥). الفراء: القوي الشديد (٦). وقال (٧) الكسائي: المنكر (٨)، وأنشد:

стр. 10738

وقال شيطان لهم عفريتُ ... ما لكم ملكٌ ولا تبييِتُ (١) وقرأ أبو رجاء العطاردي: (قال عِفْريَةٌ) (٢). [٢٠٩٣] وأخبرني ابن فنجويه (٣)، أنا البغوي (٤)، نا عبد الله (بن محمد) (٥) بن جعفر بن شاذان البغدادي (٦)، نا محمد بن الحسن (٧) بن

стр. 10739

سهل (١)، نا عبد الرحمن البحتري (٢)، نا عمرو بن عثمان (٣)، نا أبي (٤)، عن عبيد (٥) الله بن عبد العزيز القرشي (٦)، عن محمد بن جبير بن مطعم (٧)، عن أبي بكر الصديق ﵁: أنه كان يقرأ: (قال عِفْرَيةٌ من الجنِّ) والعفرية (٨) البكرُ بين البكرين لم يلد أبواهُ قبلَهُ شيئًا ولم يلد هو شيئًا (٩) (١٠).

стр. 10740

﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ أي: مجلسك الذي تقضي فيه (١). قال ابن عباس: وكان له ﵇ كل غداة مجلس يقضي فيه إلى منزع (٢) النهار (٣). ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ﴾ على حمله ﴿أَمِينٌ﴾ على ما فيه من الجواهر (٤)، فقال سليمان ﵇: أريد أسرع من هذا، فقال: ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ فذلك قوله تعالى:

стр. 10741

وقال آخرون: يده: قدرته، وقوته (١)، كقوله ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ (٢). وقيل: هو ملكه، كما يقال لمملوك الرجل: هو ملك يمينه، قال الله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (٣) أي: أنه يملك ذاك وعلى هذين القولين يكون لفظه تثنية، ومعناه واحد، كقوله : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ (٤) أراد به جنة واحدة (٥)، قال الفراء: وأنشدني بعضهم (٦):

стр. 10742

به تعالى أجاب وإذا سئل به أعطى (١). [٢٠٩٤] (أخبرني ابن فنجويه (٢)، قال نا مخلد بن جعفر الباقرحي (٣)، قال نا الحسن بن علويه (٤)، قال نا إسماعيل بن عيسى (٥)، قال نا إسحاق بن بشر (٦)، قال نا جويبر (٧) ومقاتل (٨)، عن الضحاك (٩)، عن ابن عباس ﵁، قال: إن آصف قال لسليمان ﵇ حين صلى ودعا الله تعالى: مُدَّ عينيك حتى ينتهي طرفك، قال: فمد سليمان ﵇ عينيه فنظر نحو اليمين ودعا آصف فبعث الله

стр. 10743

تعالى الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون (١) الأرض خدًّا حتى أنخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان ﵇ فذلك قوله: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (٢) (٣)، واختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش فروت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف يا حي يا قيوم" (٤). وروى عثمان بن مطر، عن الزهري، قال: دعاء الذي عنده علمٌ من الكتابِ: يا إلهَنا وإلهَ كلِّ شيءٍ إلهًا واحدًا لا إله إلا أنت ائتني بعرشها، قال: فمُثِّل له بين يديه (٥)، وقال مجاهد: يا ذا الجلال

стр. 10744

والإكرام (١). [٢٠٩٥] وأخبرني ابن فنجويه (٢)، نا طلحة بن محمد بن جعفر (٣)، وعبيد الله (٤) بن أحمد بن يعقوب (٥)، قالا: نا أبو بكر بن مجاهد (٦)، أنا إسماعيل (٧)، عن عبد الله بن إسماعيل (٨)، عن ابن زيد (٩)، قال: الذي عنده علم من الكتاب رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؟ وهل يُعبد الله أم لا يُعبد؟ فوجد سليمان ﵇ فدعا باسم من أسماء الله تعالى فإذا هو بالعرش حُمل فأتي به سليمان ﵇ من قبل أنْ يرتد إليه طرفه (١٠).

стр. 10745

[٢٠٩٦] وبه عن ابن مجاهد (١)، قال: حدثني البُرْتيُّ (٢) وابن حرب (٣)، نا أبو حذيفة (٤)، نا شبل (٥)، قال: زعم ابن أبي بزة (٦): أن اسم الذي عنده علم من الكتاب أسطوم (٧). وقال بعضهم: كان (٨) رجلًا من حمير يقال له: صبة (٩).

стр. 10746

وقال قتادة: اسمه بليخا (١). وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان (٢) ﵇، أمَّا إنَّ الناسَ يرونَ أنَّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنما كان رجل عالم (٣) من بني إسرائيل آتاه الله تعالى علمًا وفقهًا قال: أنا آتيكَ به قبل أن يرتدَّ إليكَ طرفك، قال سليمان ﵇: هات قال: أنتَ النبيُّ ابن النبيِّ فليس أحد عند الله تعالى أوجه منكَ ولا أقدر على حاجتِهِ فإنْ

стр. 10747

دعوتَ الله تعالى وطلبت إليه كانَ عندك، (قال: صدقت) (١) ففعل ذلك فجيء بالعرلش في الوقت. وقوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (٢) اختلفوا في معناه: فقال سعيد بن جبير: يعني قبل (٣) أن يرجع إليك أقصى من ترى (٤)، وهو أن يصل إليك مَنْ كان منك على مدِّ بصرِك، قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مدِّ البصرِ (٥). وقال (٦) وهب: تمدَّ عينيك فلا ينتهي طرفك إلى مداه حتى أمثله بين يديك (٧).

стр. 10748

وقال (١) مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئًا (٢). وعنه أيضًا قال: يعني (٣) مُدَّ بصركَ كما بينك وبين الحيرة وهو يومئذ في كندة (٤). وعن قتادة أيضًا: هو أن يبعث (٥) رسولًا إلى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به (٦). ﴿فَلَمَّا رَآهُ﴾ يعني: رأى سليمان ﵇ العرش ﴿مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ محمولًا إليه من مأرب إلى الشام (٧) في قدرِ ارتداد الطرف ﴿قَالَ هَذَا

стр. 10749

مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ﴾ نعمته ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ ها فلا أشكرها، ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب شكره تمام النعمة ودوامها؛ لأن الشكر قيدُ النعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة. ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عن شكره ﴿كَرِيمٌ﴾ (أي: غني عن شُكرٍ، كريمُ) (١) الإفضال على من يَكْفر نِعَمُه. ٤١ - قوله تعالى: ﴿قَالَ نَكِّرُوا﴾ غيروا (٢) ﴿لَهَا عَرْشَهَا﴾ فزيدوا فيه وانقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه (٣) ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾ إلى عرشها فتعرفه ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا

стр. 10750

يَهْتَدُونَ﴾ أي: ) (١) من الجاهلين الذين لا يهتدون إليهم (٢)، وإنما حَمَلَ سليمان ﵇ على ذلك -كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل الكتاب- أنّ الشياطين خافت أن يتزوجها (٣) سليمان ﵇ فتُفشي إليه أسرار الجن ولا ينفكون من تسخير سليمان ﵇ وذريته من بعده فأرادوا أن يُزَهِّدُوهُ فيها فأساءوا الثناء عليها، وقالوا: إنَّ في عقلها أشياء، وإن رِجْلَها كحافر الحمار، فأراد سليمان ﵇ أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر إلى قدميها ببناء الصرح. ٤٢ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ﴾ بلقيس ﴿قِيلَ﴾ لها ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ شبهته به وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تُقِرَّ بذلك ولم تُنْكِر فعلم سليمان ﵇ كمال عقلها (٤). قال الحسين بن الفضل: شبهوا عليها فشبهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم ولو قال (٥) لها: هذا عرشك لقالت: نعم (٦).
следующие страницы →