الوعظ:
وُصف بالواعظ (١)، بل قال الذهبي: طويل الباع في الوعظ (٢)، وهو واعظ بحق، ﵀. وخير دليل على ذلك هو تأليفه لكتاب في الوعظ أسمه "رَبيع المذكِّرين" كما سيأتي في مؤلفاته، بل إن تفسيره مشحون بعبارات الوعظ والتذكير، وحكايات الزهاد، وقصص العباد.
علم اللغة والأدب:
ولذا فقد وصفه بالأديب جماعة ممن ترجموا له، وذكره المؤلفون ضمن تراجم اللغويين والأدباء، فقد ذكره القفطي في "إنباه الرواه في أخبار النُّحاة" (٣)، وياقوت الحموي في "معجم الأدباء" (٤)، والسيوطي في "بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة" (٥).
ووصفه العلماء بأنه كان عالمًا بوجوه الإعراب والقراءات، ورأسًا في العربية بصيرًا بها كما سيأتي في ثناء العلماء عليه.
ويدرك إمامته في اللغة والأدب من ينظر في تفسيره، ويقف على تلك المباحث اللغوية الرائعة، والكم الهائل من الأبيات الشعرية. بل
стр. 107
إنه ﵀ كان يقرض الشعر، وهو من جنس شعر العلماء يغلب عليه طابع الحكمة، ومن شعره:
وإنِّي لأدعو الله والأمرُ ضيِّقٌ ... عليَّ فَما ينفكُّ أنْ يتفرَّجا
ورُبَّ فتى سُدَّتْ عليه وجوهه ... أصابَ لهُ في دعوةِ الله مخرجا (١)
علم التاريخ:
الناظر لتفسير الثعلبي ﵀ يدرك تمامًا أنه أمام شخصية تاريخية تُعنى بذكر الأحداث، وتستطرد في تفصيلاتها لأدنى مناسبة، وقد لمس هذا الجانب بعض من ترجم له، فقال الزركلي في "الأعلام": له اشتغال بالتاريخ (٢).
ونعته بالأخباري رضا كحالة في كتابه "علوم الدين الإسلامي" (٣).
* المطلب الثاني: ثناء العلماء عليه:
إنَّ من أعظم الدلائل على مكانة الإمام الثعلبي، وعلو شأنه، ورفعة
стр. 108
قدره، ثناء العلماء عليه، ومدحهم له، وتوثيقهم إياه، وإليك بعض عباراتهم في ذلك:
١ - قال عبد الغافر الفارسي في كتابه "السياق لتاريخ نيسابور": الأستاذ المقرئ، المفسِّر، الواعظ، الأديب، الثقة، الحافظ، صاحب التصانيف الجليلة، وهو صحيح النقل، موثوق به. .، كثير الحديث، كثير الشيوخ (١).
٢ - وقال تلميذه أبو الحسن الواحدي: كان حبر العلماء بل بحرهم، ونجم الفضلاء بل بدرهم، وزين الأئمة بل فخرهم، وأوحد الأمة بل صدرهم. . فمن أدركه وصحبه علم أنَّه كان منقطع القرين، ومن لم يدركه فلينظر في مصنفاته ليستدل بها على أنه كان بحرًا لا يُنزَف، وغَمْرًا لا يُسْبَر (٢).
٣ - وقال أبو الحسن القِفْطِي: المقرئ المفسِّر الواعظ الأديب الثقة الحافظ، صاحب التصانيف الجليلة، العالم بوجوه الإعراب والقراءات (٣).
٤ - وقال ابن خِلِّكان: المفسِّر المشهور، كان أوحد زمانه في علم التفسير (٤).
стр. 109
٥ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين (١).
٦ - وقال الذهبي في "السِّير ": الإمام الحافظ العلامة، شيخ التفسير، كان أحد أوعية العلم، وكان صادقًا موثَّقًا، بصيرًا بالعربية، طويل الباع في الوعظ (٢).
٧ - وقال في "العبر ": كان حافظًا واعظًا، رأسًا في التفسير، والعربية، متين الديانة (٣).
٨ - وقال السبكي: كان أوحد زمانه في علم القرآن (٤).
٩ - وقال ابن الجزري: إمام بارعٌ مشهور (٥).
١٠ - وقال الحافظ ابن كثير: كان كثير الحديث، واسع السماع، ولهذا يوجد في كتبه من الغرائب شيء كثير (٦).
стр. 110
المبحث السابع مؤلفاته
لقد خلَّف لنا الإمام الثعلبي تراثًا علميًا عظيمًا، تمثَّل في أكثر من خمس مئة جزء كما ذكر ذلك تلميذه الملازم له الواحدي (١).
وهذِه المصنَّفات ما هي إلا نتاج العلم الغزير الذي يحمله أبو إسحاق الثعلبي، وهي دليل على أنَّ الإمام الثعلبي قرن العلم بالعمل، والقول بالفعل، فألَّف تلك المؤلفات العظيمة، التي نهل منها طلاب العلم، وأفاد الثعلبي بها الأمة.
وليس ذلك بغريب، على رجلٍ اجتهد في الطلب والتحصيل، فوصل الظلام بالضياء، والصباح بالمساء، بعزم أكيد، وجهد جهيد، حتى رحل الناس إليه من أقاصي البلاد فضلًا عن دانيها.
ولكنَّ هذا التراث العظيم، وهذِه المؤلفات الضخمة، حُرمتْ منها الأمة الإسلامية، فلم يصل لنا منها إلا النَّزْر اليسير.
وغاية ما وصلنا إلى معرفته من مؤلفات الثعلبي ما يأتي:
١ - قصص الأنبياء. المُسمَّى "عرائس المجالس ".
وهو مطبوع كاملا، وقد طبع منه أجزاء مفردة لثلاث قصص مطولة ذكرت فيه، هي (قصة شمشون النبي ﵇، قصة يوسف ﵇، قصة موسى ﵇) وقد طبعت هذِه الأجزاء الثلاثة بالقاهرة سنة (١٢٧٩ هـ)
стр. 111
وسنة (١٢٩٩ هـ) كلّ على حِدة.
وللكتاب كاملًا عدة نسخ خطية مذكورة في "الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط" ١/ ٨٢، وذُكر فيه للكتاب أسم آخر وهو "نفائس العرائس ونزهة العيون والمجالس".
وقد ذكر فيه المصنف قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ويذكر قصص من له تعلق بهم، كهلاك النمرود بن كنعان، وقصة مؤمن آل فرعون، ونحو ذلك.
وهو مليء بالقصص الغريبة والإسرائيليات كما هي عادة الكتب المؤلفة في هذا الشأن إلا ما ندر وهذِه القصص يرويها الثعلبي أحيانًا بإسناده، ويذكر أحيانًا أخرى الأقوال معزوَّةً إلى قائليها.
وينقل كثيرًا عن أهل السِّير والأخبار، أمثال محمد بن إسحاق، وغيره. وأحيانًا يعزو على سبيل الإجمال، فيقول: قالت العلماء بأخبار الماضين، وأمور الأمم السابقين.
ويصدِّر المصنف كلَّ قصة يوردها بما جاء فيها من القرآن الكريم، فيذكر الآيات التي نزلت في ذلك النبي، أو غيره، أو في القصة التي يسوقها.
وقَسَّم الثعلبي كتابه هذا إلى أبواب، وفصول، ومجالس.
والذين ترجموا للثعلبي أطبقوا جميعًا على نسبة هذا الكتاب له (١).
ومن له اطلاع ونظر في تفسير الثعلبي، ومعرفة بشيوخه، لا يشك
стр. 112
في نسبة هذا الكتاب إليه.
٢ - نفائس العرائس ويواقيت التيجان في قصص القرآن .
ذكره بروكلمان ونسبه للثعلبي، وذكر له عدة نسخ خطيَّة، وذكر أيضًا أن هذا الكتاب طُبع بالعربية بمصر، وبومباي، وكشمير تحت عنوان "عرائس التيجان" سنة ١٢٩٥ هـ، ١٣٠٦ هـ، وتُرجم إلى اللغة التركيَّة (١).
٣ - قتلى القرآن العظيم الذين سمعوا القرآن وماتوا بسماعه .
وهو مخطوط، وله نسختان في ليدن، وأيا صوفيا (٢).
وله ذكر في آخر "تاريخ جرجان" على أنَّه من مسموعات عبد القادر الرهاوي عن عبد الغني المقدسي، سنة ٥٩٦ هـ (٣).
٤ - الدرَّة الفاخرة في الأمثال السائرة .
ذكره بروكلمان، وذكر له نسخة خطية في راغب باشا بتركيا (١٠٧٩) وقال: لعله لأبي منصور الثعالبي وجاء في هامش كتاب بروكلمان ما نصُّه: لعله لحمزة بن الحسن الأصفهاني (٤).
٥ - الكامل في علوم القرآن .
ذكره الواحدي في مقدمة تفسيره "البسيط" وذكر أنه قرأه على شيخه
стр. 113
الثعلبي (١).
وهو ضمن كتبه المفقودة.
٦ - ربيع المذكِّرين .
نسبه إليه عبد الغافر الفارسي، والسيوطي، والداودي، وغيرهم (٢)، وهو مفقود.
٧ - الكشف والبيان عن تفسير القرآن .
وهو أجلُّ كتب الثعلبي. وهو هذا السِّفر العظيم، الذي بين أيدينا، وستأتي دراسة وافية شاملة عن هذا الكتاب، تعريفًا، وإثباتًا، ومنهجًا في الفصل الثاني من هذِه المقدمة إن شاء الله.
стр. 114
المبحث الثامن وفاته
توفي أبو إسحاق الثعلبي في المحرَّم، من سنة سبع وعشرين وأربع مئة للهجرة (٤٢٧ هـ) بنيسابور.
هذا قول عامَّة الذين ترجموا للإمام الثعلبي رحمه الله تعالى (١) وأولهم عبد الغافر الفارسي في كتابه "السياق لتاريخ نيسابور". إلا أنَّ ابن خلِّكان في "وفيات الأعيان" حكى عن غيره قولًا آخر، هو أنَّ الثعلبي توفي يوم الأربعاء، لسبع بقين من المحرم، سنة سبع وثلاثين وأربع مئة (٤٣٧ هـ) (٢).
وقد حاول الأسنوي في "طبقات الشافعية" توجيه هذا القول الذي نقله ابن خلكان فقال: قلت: الثعالبي أديب، صاحب نظم ونثر وتاريخ، واسمه عبد الملك وكنيته أبو منصور، وسُمي بذلك لأنه كان فراءً يخيط جلود الثعالب، وتوفي سنة سبع وعشرين وأربع مئة، ولمَّا توهَّم ابن خلِّكان أنهما واحد، وتبعًا لمن وقع فيه قبله، جعل هذا قولًا آخر في موته، فافطن لذلك (٣).
وهذا التوجيه من الأسنوي فيه نظر، إذ لم نقف على من قال بأنَّ
стр. 115
الثعالبي أبا منصور توفي سنة (٤٣٧ هـ) حتى يحصل هذا الوهم.
وغاية ما وجدناه من الأقوال في وفاة أبي منصور أنه توفي سنة (٤٢٧ هـ) كما ذكر الأسنوي، وقيل: سنة (٤٢٩ هـ) كما ذكر ابن كثير (١)، وقيل: سنة (٤٣٠ هـ) كما ذكر الذهبي، وابن العماد (٢).
والقول الصحيح في وفاة أبي إسحاق الثعلبي هو سنة (٤٢٧ هـ) لا سيما وهو قول عبد الغافر الفارسي، وهو أدرى برجال نيسابور.
ثم إنَّ ابن خلكان لم يبيِّن قائل ذلك القول. وإنما عزاه على وجه الإجمال. والأقرب أن يكون الرقم قد تصحف من سبع وعشرين إلى سبع وثلاثين. لا سيَّما والعددان قريبان من بعضهما. والله أعلم.
стр. 116
الفصل الثاني التعريف بكتاب "الكشف والبيان "
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: وفيه مطلبان:
المطلب الأول: بيان اسم الكتاب.
المطلب الثاني: إثبات نسبته للثعلبي ﵀.
المبحث الثاني: مصادر المصنف في كتابه، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: مميزات هذِه المصادر.
المطلب الثاني: ذكر هذِه المصادر، وفيه تسعة أقسام:
أولاً: تفسير ابن عباس.
ثانيًا: تفاسير التابعين ومن بعدهم من أئمة التفسير.
ثالثًا: مصادره من تفاسير شيوخه، وعنون لها بـ "مصنفات أهل العصر".
رابعًا: مصادره من كتب الوجوه والنظائر.
خامسًا: مصادره من كتب معاني القرآن.
سادسًا: مصادره من المؤلفات في غريب القرآن.
سابعًا: مصادره من كتب تأويل مُشكل القرآن.
ثامنًا: مصادره من كتب القراءات.
تاسعًا: مصادره من كتب المغازي والسِّير والتاريخ.
стр. 117
المبحث الثالث: منهج المصنف في كتابه، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: منهج المصنف إجمالًا من خلال مقدمته. وفيه:
أولاً: أقسام المصنفين في التفسير.
ثانيًا: سبب تأليف الكتاب.
ثالثًا: وصف الكتاب.
رابعًا: منهجه وعمله في التفسير.
خامسًا: مصادره في كتابه من خلال مقدمته:
سادسًا: أنواع المادة العلمية في "الكشف والبيان":
المطلب الثاني: منهج المصنف في كتابه مفصلًا
ويشتمل على بيان منهجه في الأمور التالية:
أولاً: طرق التفسير التي أنتهجها المصنف:
أ- تفسير القرآن بالقرآن.
ب- تفسير القرآن بالسنة.
جـ- تفسير القرآن بأقوال الصحابة.
د- تفاسير التابعين.
هـ- تفاسير أتباع التابعين ومن بعدهم.
والإسرائيليات وموقف الثعلبي منها.
ز- التفسير الصوفي والإشاري وموقف الثعلبي منه.
ثانيًا: علوم القرآن.
أ- أسماء السور.
стр. 118
ب- عدد آيات السورة، وكلماتها وحروفها.
جـ - المكي والمدني.
د- أسباب النزول.
هـ- الوقف والابتداء.
و- القراءات.
ز- الناسخ والمنسوخ.
حـ - الربط والمناسبة بين الآيات.
ط -آخر ما نزل من القرآن.
ثالثًا: منهجه الحديثي والرواية بالإسناد.
رابعًا: تقرير مسائل العقيدة والرد على الفرق.
خامسًا: الجانب الفقهي.
سادسًا: اللغة العربية، واعتماد الثعلبي عليها.
سابعًا: الجانب التاريخي.
المبحث الرابع: أهمية الكتاب، وقيمته العلمية.
ويشتمل على أربعة مطالب:
المطلب الأول: ثناء العلماء على الكتاب.
المطلب الثاني: مميزات هذا التفسير.
المطلب الثالث: عناية العلماء به واستفادتهم منه.
المطلب الرابع: المآخذ على تفسير "الكشف والبيان" ومناقشتها.
стр. 119
المبحث الأول بيان اسم الكتاب وإثبات نسبته إلى مؤلفه
* المطلب الأول: بيان اسم الكتاب .
تفسير الثعلبي اسمه "الكشف والبيان عن تفسير القرآن" وهذا الاسم للتفسير ثابت ثبوتًا قطعيًّا، لا يتطرَّق إليه أدنى شك أو احتمال. وذلك لأدلة كثيرة، قوية ومتعاضدة منها:
١ - أنَّ الثعلبي بنفسه ﵀ صرَّح في مقدمة تفسيره أنَّه سمى تفسيره بهذا الاسم، إذ قال: وسمَّيته كتاب "الكشف والبيان عن تفسير القرآن".
ولو لم يكن إلا هذا لكفى دليلًا على هذا الاسم. فكيف إذا ضُمَّت إليه الأدلة التالية:
٢ - أنَّ تلميذه الملازم له، وراوي تفسيره أبا الحسن الواحدي قد سمَّاه بهذا الاسم أيضًا، إذ قال في مقدمة تفسيره "البسيط" في معرض ثنائه على شيخه الثعلبي: وله التفسير المُلقَّب "بالكشف والبيان عن تفسير القرآن" (١).
٣ - أنَّ الذين رووا هذا التفسير بالإسناد عن الثعلبي سمَّوه في روايتهم بـ "الكشف والبيان عن تفسير القرآن" ومن هؤلاء:
أ- ابن خير الإشبيلي (ت ٥٧٥ هـ) في فهرست ما رواه عن
стр. 120
شيوخه (١).
ب- عز الدين ابن الأثير (ت ٦٣٠ هـ) في كتابه "أُسد الغابة" (٢).
٤ - أنَّ هذا الاسم هو الموجود على النسخ الخطية للكتاب.
وكذلك في الكتب التي ذكرت مخطوطات التفسير مثل "تاريخ الأدب العربي" لبروكلمان، و"الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط" (٣).
٥ - ذِكْرُه بهذا الاسم في المؤلفات التي اعتنت بجمع أسماء الكتب والعلوم، مثل: "كشف الظنون" (٤)، و"هدية العارفين" (٥)، و"معجم المؤلفين" (٦).
وهكذا أثبتت لنا الدلائل السابقة بما لا يدع مجالًا للشك أنَّ اسم هذا التفسير هو "الكشف والبيان عن تفسير القرآن".
стр. 121
* المطلب الثاني: إثبات نسبة الكتاب إلى الثعلبي ﵀
بعد أن ثبت لدينا أنَّ اسم تفسير الثعلبي هو "الكشف والبيان عن تفسير القرآن" نأتي بعد ذلك إلى إثبات نسبة هذا الكتاب إلى الإمام الثعلبي.
فنقول: إنَّ نسبة هذا الكتاب إلى الثعلبي ثابتة ثبوتًا قويًّا، وذلك من خلال الأدلة القويَّة، والبراهين الساطعة، التي أثبتت أيَّما إثبات أنَّ هذا التفسير هو للثعلبي، حتى غدا ذلك أمرًا واضحًا مشهورًا، لا يقبل المِراء ولا الاختلاف.
ومن الأدلة المثبتة لنسبة "الكشف والبيان" إلى الإمام الثعلبي ما يأتي:
١ - رواية الكتاب بالإسناد المتصل إلى مؤلفه. ومن الذين رووا هذا التفسير:
أ- أبو الحسن الواحدي التلميذ المشهور للإمام الثعلبي وراوية تفسيره.
ففي بداية النسخة المحمودية للكشف والبيان، ذُكر إسناد متصل، يرويه المقرئ أبو عمران موسى بن على بن الحسن الجزري، عن شيخه الإمام الأوحد الحافظ أبي محمد عبد الله بن على التكريتي في شوال سنة إحدى وثمانين وخمس مئة، قال: أخبرنا الشيخ الإمام بقية الشرق أبو الفضل بن أبي الخير الميهني، قال: أخبرنا الإمام أبو الحسن على بن أحمد الواحدي، قال: أخبرنا المصنّف
стр. 122
أبو إسحاق الثعلبي (١).
ب- ورُوي التفسير من طريق آخر عن الواحدي أيضًا إذ رواه ابن خير الإشبيلي في "فهرسة ما رواه عن شيوخه" عن شيخه القاضي عياض بسنده إلى الواحدي عن الثعلبي.
فقد قال الإشبيلي: كتاب "الكشف والبيان عن تفسير القرآن"، تصنيف الأستاذ أبي إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي ﵀.
حدثني به الفقيه القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي ﵀ إجازة فيما كتب به إليَّ، قال: حدثني الشيخ أبو سعيد حيدر بن يحيى بن حيدر بن يحيى الحنبلي الصوفي المجاور بمكة إجازةً فيما كتب به إلى بخط يده من مكة حرسها الله، قال: حدثنا القاضي أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني، قال: حدثنا أبو الحسن على بن أحمد الواحدي، عن أبي إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي مؤلفه (٢).
جـ - وروى هذا التفسير أيضًا الإمام أبو محمد البغوي في كتابه "معالم التنزيل" من طريق تلميذ الثعلبي أبي سعيد الشُّريحي الخوارزمي.
إذ قال في مقدمة تفسيره: وما نقلتُه فيه من التفسير عن عبد الله بن عباس ﵄ حبر هذِه الأمة ومن بعده من التابعين وأئمة السلف فأكثرها مما أخبرني الشيخ أبو سعيد أحمد بن محمد الشّريحي الخوارزمي فيما
стр. 123
قرأته عليه، عن الأستاذ أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي عن شيوخه (١). ثم ذكر الأسانيد في ذلك.
د- ومِمَّن روى هذا التفسير بالإسناد المتصل إلى مؤلفه: الإمام عز الدين ابن الأثير في كتابه "أسد الغابة"، إذ ذكر في مقدمة كتابه الكتب الكبار التي خرَّج منها الأحاديث وغيرها، وذكر في أول هذِه الكتب "تفسير الثعلبي"، ثم ساق روايته لهذا الكتاب من طريق تلميذ الثعلبي أحمد بن خلف الشيرازي فقال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن عثمان بن أبي على بن مهدي الزَّرَزَارِيُّ الشيخ الصالح رحمه الله تعالى قال: أخبرنا الرئيس مسعود بن الحسن بن القاسم الأصبهاني، وأبو عبد الله الحسن بن العباس الرستمي، قالا: أخبرنا أحمد بن خلف الشيرازي، قال: أنبأنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي بجميع كتاب "الكشف والبيان في تفسير القرآن". سمعت عليه من أول الكتاب إلى آخر سورة النساء، وأما من أول سورة المائدة إلى آخر الكتاب، فإنه حصل لي بعضُه سماعًا وبعضه إجازةً، واختلط السماع بالإجازة فأنا أقول فيه: أخبرنا به إجازةً إن لم يكن سماعًا. فإذا قلت: أخبرنا أحمد بإسناده إلى الثعلبي، فهو بهذا الإسناد (٢).
هـ - وروى الكتاب أيضًا الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢)
стр. 124
الإمام المشهور، في كتابه "المعجم المفهرس" الذي ذكر فيه مروياته إلى الكتب المشهورة، والأجزاء المنثورة.
وقد روى تفسير الثعلبي عن طريق تلميذه: أبي سعيد الفَرُّخْراذي.
قال ابن حجر ﵀ "كتاب الكشف والبيان في تفسير القرآن" لأبي إسحاق الثعلبي. أخبرنا الكمال أحمد بن على بن عبد الحق مشافهةً، عن الحافظ أبي الحجاج المزي، وأبي محمد القاسم بن محمد البرزالي في آخرين، قالوا: أنبأنا أبو الحسن على بن أحمد ابن عبد الواحد بن البخاري، إجازةً إن لم يكن سماعًا، عن منصور ابن عبد المنعم، وعبد الله بن عمر الصفَّار، والمؤيَّد بن محمد الطوسي، قالوا: أنبأنا أبو محمد العباس بن محمد بن أبي منصور العَصَّاري الطُّوسي، المعروف بعبَّاسة، أنبأنا أبو سعيد محمد بن سعيد بن محمد بن فَرُّخْراذ الفَرُّخْراذي، أنبأنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري الثعلبي به (١).
و- ومن الذين رووا هذا التفسير أيضًا تلميذ المصنف أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد القطَّان (ت ٤٧٨ هـ). كما نقل ذلك السبكي في "طبقات الشافعية" إذ قال عند ترجمته: وقد روى تفسير الثعلبي عن المصنِّف (٢).
٢ - ومن الأدلة على ثبوت نسبة هذا التفسير للثعلبي تعاقب العلماء
стр. 125
على الإفادة منه، إما بالنقل منه، أو اختصاره، أو نحو ذلك مما سيأتي تفصيله عند الكلام على أهمية الكتاب في المبحث الرابع.
٣ - ومن الأدلة أيضًا الشهرة الواسعة لنسبة هذا التفسير للثعلبي. فلا تكاد تجد للثعلبي ذكرًا في كتب التراجم إلا مقرونًا بتفسيره.
فها هو على سبيل المثال عبد الغافر الفارسي يقول عن الثعلبي: صاحب التصانيف الجليلة، من التفسير الحاوي أنواع الفرائد، من المعاني والإشارات، وكلمات أرباب الحقائق، ووجوه الإعراب والقراءات، ثم كتاب العرائس والقصص، مما لا يحتاج إلى ذكره لشهرته (١).
ويقول ياقوت الحموي عنه أيضًا: المفسِّر، صاحب الكتاب المشهور بأيدي الناس، المعروف بـ "تفسير الثعلبي" (٢).
ويقول السيوطي: صاحب التفسير المشهور (٣).
ويقول تلميذه الواحدي: وله التفسير المُلقَّب بـ "الكشف والبيان عن تفسير القرآن" (٤).
ويقول القفطي: وله التفسير المشهور (٥).
стр. 126
ويقول ابن خلِّكان: وصنَّف التفسير الكبير، الذي فاق غيره من التفاسير (١).
ويقول الذهبي: له كتاب التفسير الكبير (٢).
ويقول الأسنوي: صاحب التفسير المعروف (٣).
ويقول السبكي: صاحب التفسير (٤).
وهكذا اقترن ذكر الثعلبي بذكر تفسيره، فدل ذلك على أنَّ نسبته إليه مشهورة شهرة كبيرة.
٤ - ويضاف إلى ما سبق من الأدلة على إثبات نسبة هذا التفسير للثعلبي النسخ الخطيَّة الكثيرة لهذا الكتاب، المصدَّرة باسم الكتاب "الكشف والبيان عن تفسير القرآن"، واسم مؤلفه: أبي إسحاق أحمد ابن محمد الثعلبي (٥).
وهكذا فإن ما سبق من الدلائل والبراهين تدل دلالةً قاطعة على ثبوت نسبة "الكشف والبيان" إلى أبي إسحاق الثعلبي ﵀.
стр. 127
المبحث الثاني مصادر المصنف في كتابه "الكشف والبيان "
معرفة مصادر المصنف في كتابه لها أهمية كبيرة وفائدة عظيمة، وتعتبر أساسًا لكشف منهج المفسِّر، ومعرفة ما بذله من جهد في أخذه من تلك المصادر، وطريقته في ذلك ومعرفة ما أضافه على ما أخذه.
يقول الشيخ محمد أبو زهرة ﵀: إنَّ المناهج في التفسير تختلف باختلاف ما يستعين به المفسِّر من مصادر التفسير (١).
كما أنَّ معرفة المصادر تُبين القيمة العلمية للكتاب، والمكانة العلمية للمؤلف، فكلما تنوعت المصادر وكثرت، دلَّ ذلك على سعة علم المؤلف، وعلى أهمية الكتاب، وكثرة فنونه ومعارفه.
والثعلبي قد أبَان عن مصادره في "الكشف والبيان"، إذ ذكر هذِه المصادر، وذكر أسانيده إلى كل مصدر منها، في مقدمة كتابه.
وتميزت مصادره بميزات نذكرها في المطلب الآتي، ثم نذكر هذِه المصادر في المطلب الثاني إن شاء الله.
стр. 128
* المطلب الأول: مميِّزات هذِه المصادر:
تمتاز مصادر الثعلبي في "الكشف والبيان" بالمميزات الآتية:
١ - الإسناد: إذ روى الثعلبي هذِه المصادر بإسناده إلى أصحابها مما أكسب هذِه المصادر أهميةً وتوثيقًا.
وهذا يدلِّل على أن الثعلبي كان راويةً للأسانيد، وأنَّ كتابه من أهم كتب الرواية والإسناد.
وقد بلغ عدد الأسانيد التي روى بها هذِه المصادر: مئة وخمسة أسانيد (١٠٥).
٢ - الأصَالة: فمصادر الثعلبي أصيلة، فهو يروي التفسير عن أئمة التفسير أنفسهم، من الصحابة والتابعين وتابعيهم، بإسناده ولم ينقل عن الكتب التي نقلت عن هؤلاء. ولذلك كان مصدرًا لكثير من كتب التفاسير بعده.
٣ - الكثْرة: وتظهر كثرة مصادر "الكشف والبيان" لمن يقرأ كلام الثعلبي في مقدمته، إذ يقول: فاستخرتُ الله تعالى في تصنيف كتاب شامل مهذَّب، كامل مخلَّص مفهوم منظوم، مستخرج من زهاء مئة كتاب مجموعات مسموعات، سوى ما التقطته من التعليقات، والأجزاء المتفرقات، وتلقفته من أفواه المشايخ الثقات، وهم قريب من ثلاث مئة شيخ.
٤ - التنوع: إذ تنوعت مصادر الثعلبي، فشملت جملةً من العلوم والمعارف، ولم تقتصر على نوع واحد، مما أكسب الكتاب أهميةً
стр. 129
عظمى، وجعله موسوعةً في علوم شتى.
وقد كان هذا التنوع في مصادر الثعلبي حسب ما ذكره في مقدمته على النحو الآتي:
أ- تفسير ابن عباس.
ب- تفاسير التابعين ومن بعدهم من أئمة التفسير.
جـ - تفاسير شيوخه والمعاصرين له.
د- كتب في الوجوه والنظائر.
هـ- كتب في معاني القرآن.
و- كتب في غريب القرآن.
ز- كتب في مشكل القرآن.
ح - كتب في القراءات.
ط- كتب في السيرة والتاريخ والمغازي.
٥ - الشموليَّة: تبيَّن لنا من خلال تنوع مصادر الكتاب، اشتمالها على كل ما يتعلق بالتفسير، وعلوم القرآن، وغيره. فقد شملت هذِه المصادر جانبي التفسير بالمأثور، وبالرأي، من خلال مرويات التفسير عن ابن عباس، والتابعين ومن بعدهم من أئمة التفسير. ومن خلال كتب معاني القرآن، وغريبه، ووجوهه ونظائره، ومشكله وقراءاته.
وسنقوم إن شاء الله في الصفحات الآتية بدارسة هذِه المراجع على النحو الآتي:
стр. 130
أ- توثيق الكتاب ونسبته إلى مؤلفه.
ب- دراسة إسناد الثعلبي بالترجمة لرجاله رجلًا رجلًا، مع ذكر مصادر الترجمة.
جـ - الحكم على الإسناد. مع ذكر أقوال العلماء في ذلك.
* المطلب الثاني: ذكر هذِه المصادر
ونذكرها هاهنا باختصار، وستأتي إن شاء الله مدروسة محققة في مقدمة المؤلف.
أولاً: تفسير ابن عباس:
وقد أخرجه من خمس طرق عن ابن عباس:
١ - طريق على بن أبي طلحة، عن ابن عباس.
٢ - طريق عطية العوفي، عن ابن عباس.
٣ - طريق عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس.
وله عن عطاء طريقان:
أ- طريق ابن جريج.
ب- طريق الضحاك.
٤ - طريق عكرمة، عن ابن عباس.
٥ - طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس.
وله عن الكلبي ثلاث طرق:
أ- طريق محمد بن فضيل.
ب- طريق السدي الصغير.
стр. 131
وله عن السدّي الصغير طريقان:
طريق يوسف بن بلال السعدي.
طريق صالح بن محمد الترمذي.
جـ - طريق حبَّان بن على العنزي.
ثانيًا: تفاسير التابعين ومن بعدهم من أئمة التفسير:
١ - تفسير مجاهد.
ورواه المصنف من ثلاث طرق عن مجاهد:
أ- طريق بن أبي نجيح.
وله عن ابن أبي نجيح طريقان:
١ - طريق مسلم بن خالد الزنجي.
٢ - طريق ورقاء.
ب- طريق ابن جريج.
جـ - طريق ليث بن أبي سُليم.
٢ - تفسير الضحَّاك.
ورواه المصنف عنه من أربع طرق:
أ- طريق جويبر.
ب- طريق على بن الحكم.
جـ - طريق عبيد بن سليمان الباهلي.
د- طريق أبي روق.
٣ - تفسير عطاء بن أبي رباح.
стр. 132
٤ - تفسير عطاء بن أبي مسلم الخراساني.
٥ - تفسير عطاء بن دينار.
٦ - تفسير الحسن البصري.
٧ - تفسير قتادة.
ورواه الثعلبي عنه من ثلاث طرق:
أ- طريق سعيد بن أبي عروبة.
ويرويه عنه من طريق خارجة بن مصعب.
ب- طريق شيبان النحوي.
جـ - طريق معمر بن راشد.
٨ - تفسير أبي العالية، والربيع بن أنس.
٩ - تفسير أبي جعفر الرازي.
١٠ - تفسير محمد بن كعب القرظي.
١١ - تفسير مقاتل بن حيَّان.
١٢ - تفسير مقاتل بن سليمان.
وقد رواه الثعلبي من ثلاث طرق عن مقاتل.
أ- طريق الهُذيل بن حبيب.
ب- طريق إسحاق بن إبراهيم التّغلبي.
جـ - طريق أبي عصمة نوح بن أبي مريم.
١٣ - تفسير السدّي (الكبير).
١٤ - تفسير الحسين بن واقد.
стр. 133
١٥ - تفسير ابن جريج.
١٦ - تفسير سفيان الثوري.
١٧ - تفسير سفيان بن عيينة.
١٨ - تفسير وكيع بن الجرَّاح.
١٩ - تفسير شبل بن عبَّاد المكي.
٢٠ - تفسير ورقاء بن عمرو.
٢١ - تفسير زيد بن أسلم.
يرويه عنه ابنه عبد الرحمن بن زيد.
٢٢ - تفسير روح بن عُبادة.
٢٣ - تفسير محمد بن يوسف الفريابي.
٢٤ - تفسير قبيصة بن عقبة.
٢٥ - تفسير أبي حذيفة النَّهدي.
٢٦ - تفسير سعيد بن منصور.
٢٧ - تفسير عبد الله بن وهب القرشي.
٢٨ - تفسير عبد بن حُميد.
٢٩ - تفسير محمد بن أيوب الرازي.
٣٠ - تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم.
٣١ - تفسير عبد الله بن سعيد الأشج.
٣٢ - تفسير أبي حمزة الثمالي.
٣٣ - تفسير المسيّب بن شريك.
стр. 134
ثالثًا: مصادره من تفاسير شيوخه، وعنون لها بـ "مصنفات أهل العصر" وهي:
١ - تفسير شيخه: عبد الله بن حامد الأصبهاني.
٢ - تفسير شيخه: أبي بكر بن عبدوس.
٣ - تفسير شيخه: أبي عمرو الفُرَاتي.
٤ - تفسير شيخه: أبي بكر بن فورك.
٥ - تفسير جبريل ﵇.
٦ - تفسير النبي ﷺ .
٧ - تفسير الصحابة ﵁.
والتفاسير الثلاثة من تصنيف شيخه محمد بن القاسم الفارسي الفقيه.
٨ - كتاب الواضح: لأبي محمد عبد الله بن المبارك الدِّينوري.
٩ - حقائق التفسير: لشيخه أبي عبد الرحمن السُّلَمي.
رابعًا: مصادره من كتب الوجوه والنظائر:
١ - كتاب الوجوه: لابن عباس.
٢ - كتاب الوجوه والنظائر: لمقاتل بن سليمان.
٣ - كتاب النظائر: لعلي بن الحسين بن واقد.
خامسًا: مصادره من كتب معاني القرآن:
١ - معاني القرآن: للفرَّاء.
٢ - معاني القرآن: للكسائي.
стр. 135
٣ - معاني القرآن: لأبي عبيد.
٤ - معاني القرآن وإعرابه: للزَّجَّاج.
ويرويه المصنف من طريقين.
٥ - كتاب النظم: لأبي على الجرجاني.
سادسًا: مصادره من المؤلفات في غريب القرآن:
١ - مجاز القرآن: لأبي عبيدة.
٢ - غريب القرآن: للأخفش.
٣ - غريب القرآن: للنَّضر بن شُميل.
٤ - غريب القرآن: للمؤرج السدوسي.
٥ - تفسير غريب القرآن: لابن قتيبة.
ويرويه المصنف عنه من طريقين.
سابعًا: مصادره من كتب تأويل مُشكل القرآن:
١ - مُشكل القرآن: لقُطْرب.
٢ - تأويل مشكل القرآن: لابن قتيبة.
ويرويه المصنف عنه من طريقين.
ثامنًا: مصادره من كتب القراءات:
١ - قراءة الفضل بن عباس الأنصاري.
٢ - قراءة خلف بن هشام البزَّار.
٣ - قراءة أبي عبيد القاسم بن سلاَّم.
ويرويه المصنف من أربع طرق عن على بن عبد العزيز المكي راوية
стр. 136
أبي عبيد عن أبي عبيد.
٤ - قراءة أبي حاتم سهل بن محمد السجستاني.
٥ - قراءة أبي معاذ النَّحوي.
٦ - قراءة هارون بن حاتم المقرئ.
٧ - قراءة محمد بن يحيى القطيعي.
٨ - كتاب السَّبْعة: لأبي بكر بن مجاهد.
ويرويه عنه المصنف من ثلاث طرق.
٩ - كتاب السَّبعة: لأبي بكر النَّقاش.
١٠ - كتاب الأنوار: لابن مقسم العطَّار.
١١ - كتابة الغاية: لابن مهران.
تاسعًا: مصادره من كتب المغازي والسِّير والتاريخ:
١ - كتاب المبتدأ: لوهب بن منبِّه.
٢ - كتاب المغازي: لابن إسحاق.
ويرويه عنه الثعلبي من ثلاث طرق.
стр. 137
المبحث الثالث منهج المصنف في كتابه
* المطلب الأول: منهج المصنف إجمالاً من خلال مقدمته:
من العوامل المهمة التي تساعد الباحث على معرفة الخطوط العريضة لمنهج المصنف في كتابه هي "مقدمة الكتاب" خاصةً إذا أبان المصنف فيها عن طريقته في كتابه، وخطته في ذلك، وسبب تأليفه لكتابه، ومصادره فيه. ثم يبدأ الباحث بعد ذلك بتفصيل هذا المنهج، من خلال البحث والتتبع والاستقراء، والموازنة بين ما ذكره في المقدمة، وما قام به فعلًا في كتابه.
والثعلبي ﵀ قدَّم لكتابه بمقدمة مهمة، ذكر فيها المعالم الرئيسة لكتابه على النحو الآتي:
صدَّر المصنف مقدمته بحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله ثم ذكر أهمية تدبر القرآن الكريم، وتفهم معانيه.
ثم ذكر نشأته وجدَّه واجتهاده في طلب العلم عمومًا، وعلم التفسير على وجه الخصوص.
أولاً: أقسام المصنفين في التفسير:
ثم قسم الثعلبي المفسرين على ست فرق، هم:
أ- أهل البدع والأهواء .
مثل مفسِّري المعتزلة، كالبلخي، والجبائي، والأصفهاني،
стр. 138
والرمَّاني.
وذكر أنَّنا مأمورون بمجانبة هؤلاء وترك مخاطبتهم.
والثعلبي قد ردَّ في كتابه على المعتزلة ودحض أقوالهم في مواطن كثيرة، كما سيأتي عند الكلام عن معتقده، ومنهجه في تقرير العقيدة، والرد على المخالفين.
ب- فرقة ألفوا فأحسنوا غير أنهم خلطوا أباطيل المبتدعين، بأقوال السلف الصالحين .
كأبي بكر القفَّال، وأبي حامد المقرئ.
وقد اعتذر المصنف لهؤلاء بعذرين:
١ - أنَّ صنيعهم هذا ليس تعمدًا مقصودًا، بل هو غفلة وغِرَّة.
٢ - أنهم كانوا فقهاء، ولم يكونوا من العلماء المتخصصين في التفسير.
جـ - فرقة أقتصروا على الرواية والنقل، دون الدراية والنقد . مثل إسحاق بن راهويه، وأبي إسحاق الأنماطي.
وقد قال المصنف في هؤلاء: بياع الدواء محتاج إلى الأطباء.
أي أن هؤلاء حملوا هذِه المرويات وأدوها كما سمعوها، وهذا صنيع عظيم منهم، وإن كانوا قد لا يحيطون بما يتعلق بها من دراية ونقد.
ولكنَّ المصنف ﵀ قد اعتمد على هذِه المرويات التي نقلها هؤلاء وغيرهم اعتمادًا كبيرًا، ولا عجب إذا قلت إن أبرز صفة في هذا
стр. 139
التفسير هي مروياته المسندة. إلا أنه لم يقتصر عليها، بل ضم إليها جانب الدراية والرأي.
ثم ذكر المصنف فرقةً من المفسرين بعكس هؤلاء. وهي:
د- فرقة حذفوا الإسناد:
وينتقد الثعلبي هؤلاء بشدة، فيذكر أنهم بسبب تركهم الإسناد، ونقلهم من الصحف والدفاتر، وقع في تفاسيرهم الغث والسمين، والواهي والمتين. ولما كانوا كذلك ذكر أنه صان كتابه عن ذكرهم. مبيِّنًا قيمة الإسناد، وأنه لولاه لقال من شاء ما شاء.
ولا غرو أن ينتقد الثعلبي صنيع هؤلاء، وهو الذي جعل عمدة تفسيره على الإسناد (١).
هـ - فرقة حازوا قصب السبق في جودة التصنيف والحِذْق .
وهذا ثناء من الثعلبي على هؤلاء إلا أنه يرى أنهم قد أطالوا كتبهم بكثرة الأسانيد والروايات. فاتسعت كتبهم كثيرًا حتى حال هذا الاتساع والطول دون الاستفادة منها.
ومثل لها المصنف بتفسير ابن جرير الطبري، وتفسير شيخه عبد الله ابن حامد.
و- فرقة جوَّدوا التفسير، دون الأحكام، وبيان الحلال والحرام، وذكر المشكلات وحلها، والرد على أهل الزيغ والشبهات .
مثل تفاسير كثير من التابعين ومن بعدهم من أئمة التفسير، مثل
стр. 140
مجاهد، ومقاتل، والسدي، والكلبي.
وهؤلاء أثنى الثعلبي عليهم من حيث تفسير الآية، ومعانيها، واعتمد على أقوال هؤلاء اعتمادًا كبيرًا، وكتابه "الكشف والبيان" يعد من أوسع التفاسير إن لم يكن أوسعها في نقل أقوال المفسرين من المتقدمين.
لكنَّ أبا إسحاق يرى أن هذا المنهج لا يكفي في تفسير الآية. بل لا بد من جانب الدراية.
ثم ختم الثعلبي هذِه الأقسام بعبارة تدل على أدبه ﵀ مع العلماء، وإن انتقد مصنفاتهم، فقال: ولكل من أهل الحق منهم فيه غرض محمود، وسعي مشكور.
أي أنَّ هؤلاء العلماء وإن كان أبو إسحاق يخالفهم في جوانب من مناهجهم في مؤلفاتهم، إلا أنَّ هذا لا يعني إهدار جهدهم وما بذلوا وقاموا به في مؤلفاتهم. فسعيهم مشكور. لا سيما قصدهم ومرادهم من مؤلفاتهم محمود، وهو خدمه كتاب الله، وبيان معانيه.
* فائدة:
ذكر المصنف في تقسيمه السابق للمفسرين، عدة تفاسير، وأشار إلى مناهج مؤلفيها في التفسير. فاستفدنا من كلام المصنف في ذلك فائدتين نفيستين:
أولاهما: توثيق هذِه التفاسير. لا سيِّما أكثرها مفقود.
وثانيهما: ذكر مناهج مؤلفيها فيها.
стр. 141
ومن هذِه التفاسير:
١ - تفسير إسحاق بن راهويه.
٢ - تفسير أبي إسحاق الأنماطي.
٣ - تفسير عبد الله بن حامد الأصبهاني شيخ المؤلف.
٤ - تفسير أبي بكر القفَّال.
٥ - تفسير أبي حامد المقرئ.
٦ - تفاسير المعتزلة: البلخي، والجبائي، والأصفهاني، والرماني.
ويتَّضح لنا من التقسيم السابق أنَّ الثعلبي ﵀.
انتقد تفاسير المبتدعة، والفرق الضالة، كالمعتزلة، كما انتقد التفاسير التي اقتصرت على الرواية والنقل، دون الاعتماد على جانب الدراية، والتفسير بالرأي.
وهو ينتقد من هم بعكس هؤلاء، ممن حذف في تفسيره الإسناد، واعتمد على جانب الدراية والرأي، أو النقل بلا إسناد.
وينتقد الثعلبي كذلك الذين أطالوا تفاسيرهم إطالة شديدة بالروايات والأسانيد، وذكر الأقوال.
كما أنه ينتقد المفسرين الذين أَخْلَوْ تفاسيرهم من المسائل الفقهية والأحكام في الحلال والحرام، ولم يذكروا المسائل التي تتعلق بعلوم القرآن، كمشكل القرآن، وغيره.
ونخلُص مما سبق إلى أن مواصفات التفسير المثالي في رأي الثعلبي هو ما تميز بالصفات الآتية:
стр. 142
١ - خلوُّه من أقاويل المبتدعين والضالين.
٢ - الجمع بين الرواية والدراية، أو المأثور والمعقول في التفسير.
٣ - الاعتماد على الإسناد في التفسير، وعدم حذفه.
٤ - عدم التطويل الشديد في نقل المرويات والأقوال.
٥ - ذكر الأحكام الشرعية، والمسائل الفقهية المتعلقة بالآية.
٦ - الاهتمام بعلوم القرآن في أثناء التفسير، مثل الآيات التي ادُّعي أنها مشكلة، وتأويل هذا المشكل.
٧ - الرد على أهل الزيغ والشبهات.
ولكنَّ الثعلبي لم يجد كتابًا في التفسير تجتمع فيه هذِه الصفات والمميزات. وهذا ما دعاه إلى تأليف كتاب في التفسير ينتظم تلك المزايا والسمات.
ثانيًا: سبب تأليف الكتاب:
بعد أن ذكر الثعلبي أقسام المصنفين في التفسير، تكلَّم عن تأليفه لهذا التفسير، ويمكن إيجاز الأسباب التي دفعته إلى تأليف هذا الكتاب من خلال كلامه في مقدمة تفسيره، في أربعة أمور:
١ - أنه لم يعثر على كتاب جامع مهذَّب في التفسير. ولعله يريد كتابًا يجمع المزايا التي استخلصناها من تقسيمه السابق للمفسرين.
٢ - رغبة الناس عن علم التفسير، وقصور هممهم في البحث عنه، مع نفرتهم عن الاستفادة من الكتب المطولة في هذا الشأن.
٣ - سؤال عدد من العلماء وطلاب العلم الثعلبي أن يصنف كتابًا في
стр. 143
هذا العلم.
٤ - التقرب إلى الله تعالى بهذا المصنف، أداءً لبعض واجب شكره، فإن شكر العلم نشره، وزكاته إنفاقه.
ثالثًا: وصف الكتاب:
ثمَّ وصف الثعلبي كتابه بقوله: كتاب شامل مُهذَّب، كامل مخلَّص، مفهوم منظوم نسقته بأبلغ ما قدرتُ عليه من الإيجاز والترتيب، ولفَّقته بغاية التنقيب والتقريب. فهو كتاب يشمل كل ما يتعلق بتفسير الآية، مع محاولة التهذيب وترك الإطالة المُملة، ويتميز باستيفاء المعلومة بأسلوب جامع مانع.
وهو مفهوم العبارة سَلِسُها، في نظم بديع، وترتيب رائع، مع الإيجاز غير المخل، وترتيب المعلومات المتعلقة بتفسير الآية، والتنقيب عن المعلومة وذكرها بأسلوب قريب من الفهم.
رابعًا: منهجه وعمله في التفسير:
ثمَّ ذكر أن عمله في هذا التفسير يقوم على عدة أمور، ينبغي لكل مؤلف كتاب في فن قد سبق إليه ألا يخلو كتابه منها.
وهذِه الخصال توضح لنا منهج المصنف في تفسيره على سبيل الإجمال، وهي:
- استنباط شيء كان مغفلًا.
- أو جمعه إن كان مفرَّقًا.
- أو شرحه إن كان غامضًا.
стр. 144
- أو حسن نظم وتأليف.
- أو إسقاط حشو وتطويل.
هكذا نصَّ في مقدمته.
وهذا يعني أن منهجه يقوم على:
١ - استنباط الفوائد والأحكام من الآية.
٢ - جمع ما كان متفرِّقًا من أقوال المفسرين، وغيرها.
٣ - شرح ما كان غامضًا من ألفاظ الآيات.
٤ - حسن النظم في الأسلوب والتأليف.
٥ - خلوه من الحشو والتطويل الذي لا داعي له.
وهذا يتوافق مع وصفه لكتابه، بأنه كان يجمع بين الشمول والتكامل في المعلومة، والتهذيب والاختصار، وبين التطويل غير الممل والاختصار غير المخل.
خامسًا: مصادره في كتابه من خلال مقدمته:
ثمَّ ذكر المصنف مصادره إجمالًا: إذ ذكر أنه استخرج كتابه هذا من:
- مئة كتاب مجموعات مسموعات.
- إضافةً إلى ما التقطه من التعليقات، والأجزاء المتفرقات.
- وتلقَّفه من أفواه المشايخ الثقات، وهم قريب من ثلاث مئة شيخ. ثم ذكر فيما بعد مصادره بالتفصيل، مروية بإسناده. وذكرها في المقدمة لئلا يحتاج إلى تكرار الأسانيد في ثنايا كتابه.
стр. 145
سادسًا: أنواع المادة العلمية في "الكشف والبيان ":
ثم ذكر الثعلبي ﵀ أنه خرَّج تفسيره على أربعة عشر نحوًا:
١ - البسائط والمقدمات.
٢ - العدد والتنزيلات.
٣ - القصص والنزولات.
٤ - الوجوه والقراءات.
٥ - العلل والاحتجاجات.
٦ - العربية واللغات.
٧ - الإعراب والموازنات.
٨ - التفسير والتأويلات.
٩ - المعاني والجهات.
١٠ - الغوامض والمشكلات.
١١ - الأحكام والفقهيات.
١٢ - الحِكم والإشارات.
١٣ - الفضائل والكرامات.
١٤ - الأخبار والمتعلقات.
ثم ذكر أنَّ هذِه الموضوعات المعنونة، أدرجها في أثناء تفسيره، وضمَّنها كتابه، دون أن يُعنون لكل موضوع بعنوانه، بل يوردها في المكان المناسب لها.
وسيأتي منهجه في هذِه العلوم عند تفصيل منهج المصنف في كتابه