← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ومن هذِه التفاسير: ١ - تفسير إسحاق بن راهويه. ٢ - تفسير أبي إسحاق الأنماطي. ٣ - تفسير عبد الله بن حامد الأصبهاني شيخ المؤلف. ٤ - تفسير أبي بكر القفَّال. ٥ - تفسير أبي حامد المقرئ. ٦ - تفاسير المعتزلة: البلخي، والجبائي، والأصفهاني، والرماني. ويتَّضح لنا من التقسيم السابق أنَّ الثعلبي ﵀. انتقد تفاسير المبتدعة، والفرق الضالة، كالمعتزلة، كما انتقد التفاسير التي اقتصرت على الرواية والنقل، دون الاعتماد على جانب الدراية، والتفسير بالرأي. وهو ينتقد من هم بعكس هؤلاء، ممن حذف في تفسيره الإسناد، واعتمد على جانب الدراية والرأي، أو النقل بلا إسناد. وينتقد الثعلبي كذلك الذين أطالوا تفاسيرهم إطالة شديدة بالروايات والأسانيد، وذكر الأقوال. كما أنه ينتقد المفسرين الذين أَخْلَوْ تفاسيرهم من المسائل الفقهية والأحكام في الحلال والحرام، ولم يذكروا المسائل التي تتعلق بعلوم القرآن، كمشكل القرآن، وغيره. ونخلُص مما سبق إلى أن مواصفات التفسير المثالي في رأي الثعلبي هو ما تميز بالصفات الآتية:

стр. 142

١ - خلوُّه من أقاويل المبتدعين والضالين. ٢ - الجمع بين الرواية والدراية، أو المأثور والمعقول في التفسير. ٣ - الاعتماد على الإسناد في التفسير، وعدم حذفه. ٤ - عدم التطويل الشديد في نقل المرويات والأقوال. ٥ - ذكر الأحكام الشرعية، والمسائل الفقهية المتعلقة بالآية. ٦ - الاهتمام بعلوم القرآن في أثناء التفسير، مثل الآيات التي ادُّعي أنها مشكلة، وتأويل هذا المشكل. ٧ - الرد على أهل الزيغ والشبهات. ولكنَّ الثعلبي لم يجد كتابًا في التفسير تجتمع فيه هذِه الصفات والمميزات. وهذا ما دعاه إلى تأليف كتاب في التفسير ينتظم تلك المزايا والسمات. ثانيًا: سبب تأليف الكتاب: بعد أن ذكر الثعلبي أقسام المصنفين في التفسير، تكلَّم عن تأليفه لهذا التفسير، ويمكن إيجاز الأسباب التي دفعته إلى تأليف هذا الكتاب من خلال كلامه في مقدمة تفسيره، في أربعة أمور: ١ - أنه لم يعثر على كتاب جامع مهذَّب في التفسير. ولعله يريد كتابًا يجمع المزايا التي استخلصناها من تقسيمه السابق للمفسرين. ٢ - رغبة الناس عن علم التفسير، وقصور هممهم في البحث عنه، مع نفرتهم عن الاستفادة من الكتب المطولة في هذا الشأن. ٣ - سؤال عدد من العلماء وطلاب العلم الثعلبي أن يصنف كتابًا في

стр. 143

هذا العلم. ٤ - التقرب إلى الله تعالى بهذا المصنف، أداءً لبعض واجب شكره، فإن شكر العلم نشره، وزكاته إنفاقه. ثالثًا: وصف الكتاب: ثمَّ وصف الثعلبي كتابه بقوله: كتاب شامل مُهذَّب، كامل مخلَّص، مفهوم منظوم نسقته بأبلغ ما قدرتُ عليه من الإيجاز والترتيب، ولفَّقته بغاية التنقيب والتقريب. فهو كتاب يشمل كل ما يتعلق بتفسير الآية، مع محاولة التهذيب وترك الإطالة المُملة، ويتميز باستيفاء المعلومة بأسلوب جامع مانع. وهو مفهوم العبارة سَلِسُها، في نظم بديع، وترتيب رائع، مع الإيجاز غير المخل، وترتيب المعلومات المتعلقة بتفسير الآية، والتنقيب عن المعلومة وذكرها بأسلوب قريب من الفهم. رابعًا: منهجه وعمله في التفسير: ثمَّ ذكر أن عمله في هذا التفسير يقوم على عدة أمور، ينبغي لكل مؤلف كتاب في فن قد سبق إليه ألا يخلو كتابه منها. وهذِه الخصال توضح لنا منهج المصنف في تفسيره على سبيل الإجمال، وهي: - استنباط شيء كان مغفلًا. - أو جمعه إن كان مفرَّقًا. - أو شرحه إن كان غامضًا.

стр. 144

- أو حسن نظم وتأليف. - أو إسقاط حشو وتطويل. هكذا نصَّ في مقدمته. وهذا يعني أن منهجه يقوم على: ١ - استنباط الفوائد والأحكام من الآية. ٢ - جمع ما كان متفرِّقًا من أقوال المفسرين، وغيرها. ٣ - شرح ما كان غامضًا من ألفاظ الآيات. ٤ - حسن النظم في الأسلوب والتأليف. ٥ - خلوه من الحشو والتطويل الذي لا داعي له. وهذا يتوافق مع وصفه لكتابه، بأنه كان يجمع بين الشمول والتكامل في المعلومة، والتهذيب والاختصار، وبين التطويل غير الممل والاختصار غير المخل. خامسًا: مصادره في كتابه من خلال مقدمته: ثمَّ ذكر المصنف مصادره إجمالًا: إذ ذكر أنه استخرج كتابه هذا من: - مئة كتاب مجموعات مسموعات. - إضافةً إلى ما التقطه من التعليقات، والأجزاء المتفرقات. - وتلقَّفه من أفواه المشايخ الثقات، وهم قريب من ثلاث مئة شيخ. ثم ذكر فيما بعد مصادره بالتفصيل، مروية بإسناده. وذكرها في المقدمة لئلا يحتاج إلى تكرار الأسانيد في ثنايا كتابه.

стр. 145

سادسًا: أنواع المادة العلمية في "الكشف والبيان ": ثم ذكر الثعلبي ﵀ أنه خرَّج تفسيره على أربعة عشر نحوًا: ١ - البسائط والمقدمات. ٢ - العدد والتنزيلات. ٣ - القصص والنزولات. ٤ - الوجوه والقراءات. ٥ - العلل والاحتجاجات. ٦ - العربية واللغات. ٧ - الإعراب والموازنات. ٨ - التفسير والتأويلات. ٩ - المعاني والجهات. ١٠ - الغوامض والمشكلات. ١١ - الأحكام والفقهيات. ١٢ - الحِكم والإشارات. ١٣ - الفضائل والكرامات. ١٤ - الأخبار والمتعلقات. ثم ذكر أنَّ هذِه الموضوعات المعنونة، أدرجها في أثناء تفسيره، وضمَّنها كتابه، دون أن يُعنون لكل موضوع بعنوانه، بل يوردها في المكان المناسب لها. وسيأتي منهجه في هذِه العلوم عند تفصيل منهج المصنف في كتابه

стр. 146

في المبحث الثالث إن شاء الله. - وبعد أن ذكر المصنف مصادره بالتفصيل؛ عقد ثلاثة أبواب ختم بها مقدمته، وهي: أ- باب في فضل القرآن وأهله وتلاوته. ب- باب في فضل علم القرآن والترغيب فيه. وروى بسنده عددًا من الأحاديث والآثار في ذلك. جـ - باب في معنى التفسير والتأويل والفرق بينهما. وذكر أقوال العلماء في ذلك. وروى هذِه الأقوال بسنده أيضًا.

стр. 147

* المطلب الثاني: منهج المصنف في كتابه مفصلًا ويشتمل على بيان منهجه في الأمور الآتية: أولاً: طرق التفسير التي انتهجها المصنف: أ- تفسير القرآن بالقرآن. ب- تفسير القرآن بالسنة. جـ - تفسير القرآن بأقوال الصحابة. د- تفاسير التابعين. هـ - تفاسير أتباع التابعين ومن بعدهم. والإسرائيليات وموقف الثعلبي منها. ز- التفسير الصوفي والإشاري وموقف الثعلبي منه. ثانيًا: علوم القرآن. أ- أسماء السور. ب- عدد آيات السورة، وكلماتها وحروفها. جـ - المكي والمدني. د- أسباب النزول. هـ - الوقف والابتداء. والقراءات. ز- الناسخ والمنسوخ. حـ - الربط والمناسبة بين الآيات. ط-آخر ما نزل من القرآن.

стр. 148

ثالثًا: الرواية بالإسناد. رابعًا: تقرير مسائل العقيدة والرد على الفرق. خامسًا: الجانب الفقهي. سادسًا: اللغة العربية، واعتماد الثعلبي عليها. سابعًا: الجانب التاريخي.

стр. 149

أ- تفسير القرآن بالقرآن أهمية تفسير القرآن بالقرآن: إنَّ أحسن طرق التفسير وأصحَّها أن يُفسَّر القرآن بالقرآن، إذ لا أحد أعلم بكلام الله من الله الذي أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيءٍ عددًا، وهو سبحانه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١) وقال سبحانه: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢). فما أُجمل من القرآن في موضع فُصِّل في موضع آخر، وما اختصر في موضع بُسط في موضع آخر. وهذِه الطريقة في التفسير كان ينتهجها رسول الله ﷺ ، حيث كان يفسِّر بعض آيات القرآن ببعضها. ومن ذلك تفسيره مفاتح الغيب في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ (٣) وغيرها كثير.

стр. 150

ولذلك ذكر العلماء ﵏ أنَّ أفضل طرق التفسير وأصحها: تفسير القرآن بالقرآن. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فإنْ قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب أنَّ أصح الطرق في ذلك: أن يُفسَّر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنَّه قد فُسِّر في موضع آخر، وما أختصر في مكان بسط في موضع آخر (١). عناية الثعلبي بتفسير القرآن بالقرآن ومنهجه في ذلك: إنَّ الناظر في تفسير "الكشف والبيان" للثعلبي يدرك لأول وهلة الاهتمام الشديد، والعناية الفائقة من الثعلبي بتفسير القرآن بالقرآن، في مواضع كثيرة من تفسيره. ولا غرابة في ذلك، فالثعلبي ﵀ قد ركَّز في تفسيره على جانب المأثور، حتى حوى هذا التفسير رصيدًا هائلًا من مأثور التفسير، ويأتي تفسير القرآن بالقرآن في مقدمة التفسير بالمأثور. ومن أوجه تفسير القرآن بالقرآن في "الكشف والبيان ": ١ - تفسير ما أُجمل في موضع بما بُيِّن في موضع آخر: مثال ذلك: عند قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]. قال: يعني طريق الذين مننتَ عليهم بالتوفيق والرعاية والتوحيد والهداية، وهم الأنبياء والمؤمنون الذين ذكرهم الله تعالى

стр. 151

في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾. ٢ - تفسير الآية وتوضيح معناها بذكر نظائرها في القرآن: وهذا كثير إذ يسوق الثعلبي عند تفسيره للآية الآيات الأخرى المشابهة لها، والمتحدة معها في المعنى. فيقول مثلًا كقوله كذا، أو يقول: دليلها ونظيرها، ونحو ذلك. ومن الأمثلة عليه: - عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]. ذكر الآيات التي تماثلها من حيث ذكر الجزاء والشرط، فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ﴾ يا معشر الكفار، لفظ جزاء وشرط، ومعناه إذا، لأن الله تعالى علم أنَّهم شاكون، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ وقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾. - عند قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠]. ذكر المصنف قولين في تفسير الآية، ثم بيَّن معنى الحجة وذكر الآيات التي ذُكرتْ فيها الحجة أيضًا فقال: ومعنى الحجة في هذين القولين الخصومة والجدل والدعوى الباطلة. كقوله تعالى: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ أي: لا خصومة. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ و ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ﴾ و ﴿تُحَاجُّونَ﴾ و ﴿حَاجَجْتُمْ﴾ كلها بمعنى المخاصمة والمجادلة.

стр. 152

- عند قوله ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] قال: فأفطر؛ فعدة؛ كقوله ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾. - عند قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] قال: واللغو، واللغا من الكلام ما لا خير فيه، ولا معنى له، قال الله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾، وقال ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾. - عند قول تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال: (ويبسط) أي يوسع الرزق على من يشاء، نظيرها قوله ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ﴾. - قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١]: وقيل: تفسيره في سورة النحل ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾. - وقوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢]: وقال عبد العزيز بن يحيى: قدم صدق؛ بيانه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾. وقال أبو حاتم: منزل صدق؛ نظيره ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾. - عند قول الحق تعالى: ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ [يونس: ٢١]: وقال مقاتل بن حيان: لا يقولون هذا رزق الله بل يقولون سقينا بنوء كذا، وهو قوله : ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾. - ما أورده عند قوله تعالى: ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ [التوبة: ٣٨] إذ قال: وأصله: (تثاقلتم)، فأدغمت التاء في الثاء وأحدثت لها ألف

стр. 153

ليتوصل إلى الكلام بها، وليمكن الابتداء بها، كقوله ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا﴾ [الأعراف: ٣٨] ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا﴾ [النمل: ٤٧]، ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: ٢٤]. ٣ - الاستدلال بالقرآن في بيان معنى الآية وألفاظها: مثاله: عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]. بيَّن المصنف معنى (عَدْل) هنا، واستدل على هذا البيان بالقرآن، فقال: فداء، كما كانوا يأخذون في الدنيا، وسُمِّي الفداء عدلًا لأنه يعادل المفدى ويماثله، قال الله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. - عند قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] نقل قولًا في تعريف السحر، واستدل له بالقرآن، فقال: قال بعضهم: السحر: العلم والحذق بالشيء، قال الله : ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ أي: العالم. - عند قوله ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، قال: وأصل البعل: السيد، والحاكم، قال الله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ﴾. - عند قوله تعالى ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] قال: وأصل الضلال: هلاك الشيء، وذهابه؛ تقول العرب: ضل الماء في اللبن، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾. - عند قوله تعالى في سورة المدثر: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ﴾ [المدثر: ٣٧] قال ﵀: في الخير والطاعة ﴿أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٧] عنها بالشر والمعصية. نظيره ودليله قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ [الحجر: ٢٤] يعني في الخير ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤] عنه.

стр. 154

- وفي سورة القيامة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥]، قال ﵀: يعني أنه يشهد عليه الشاهد، ولو اعتذر وجادل عن نفسه، نظيره قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢]. - في سورة النبأ عند تفسير قوله تعالى: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ٢] قال ﵀: قال مجاهد هو القرآن، دليله قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: ٦٧]. - وفي سورة الإنسان عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] قال ﵀: أي بينا له سبيل الحق والباطل، والهدى والضلالة، وعرفناه طريق الخير والشر وهو كقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ [البلد: ١٠]. ٤ - الاستدلال بالقرآن على معنى الحديث: يذكر المصنف أحيانًا عقب إيراده للحديث: الآيات الموافقة لمعنى الحديث، والمؤيدة له على غرار ذكر الآية مع نظائرها. وهذا من توسُّعهِ ﵀ في الاستدلال بالقرآن في تفسيره. ومن الأمثلة على ذلك: عند قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]. أورد حديث النبي ﷺ -الذي فيه أنَّ رجلًا سأله عن الذين يقاتلونه؟ فقال النبي ﷺ : "المغضوب عليهم" وأشار إلى اليهود. فقال المسائل: ومن هؤلاء الطائفة الأخرى؟ قال: "الضالون" وأشار إلى

стр. 155

النصارى. قال المصنف بعد ذلك: وتصديق هذا الحديث حكم الله بالغضب على اليهود في قوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ الآية. وحكمه على النصارى بالضلال في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. ٥ - الاستدلال بالقرآن في بيان معنى ألفاظ الآية: مثال ذلك: - عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]. بيَّن أصل الفسق، واستدل على ذلك بالقرآن. فقال: وأصل الفسق: الخروج، قال الله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي: خرج. - عند قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢)﴾ [الطارق: ١٢]: أي تتصدع عن النبات، والأشجار، والثمار، والأنهار. نظيره قوله : ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس: ٢٦: ٣١]. - عند قوله تعالى: ﴿عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] أورد ﵀ عدة أقوال للسلف ثم قال: قال الأخفش: هي كقولك: فلان عبرة، وحجة، دليل هذا التأويل قوله : ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]. - وعند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ [القيامة: ١٥]، أورد

стр. 156

رحمه الله عدة أقوال للمفسرين، ثم قال: ومعنى الإلقاء: القول، نظيره قوله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [النحل: ٨٧]، ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ٨٦]. - في سورة النبأ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ [النبأ: ١٤]. رجح هنا أن (من) بمعنى (الباء) كقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ﴾ [القدر: ٤ - ٥]. ٦ - الاستدلال لأقوال المفسرين بالقرآن الكريم: لا يكتفي المصنف بإيراد أقوال المفسرين في معنى الآية، بل إنه كثيرًا ما يذكر بجانب كل قول ما يدل على قوله من آيات القرآن الكريم. ومن الأمثلة على ذلك: - عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥] ذكر عدة أقوال للمفسرين في قوله: ﴿وَاسِعٌ﴾ واستدل لكل قول بالقرآن، فقال: قال الكلبي: يعني واسع المغفرة لا يتعاظم مغفرته ذنب. دليله: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾. وقال أبو عبيدة: الواسع الغني: يقال: يعطي من سعة، أي: من غنى. قال الله ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾. وقال الفراء: الواسع الجواد الذي يسع عطاؤه كلَّ شيء. دليله: قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. - عند قوله تعالى ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] استعرض اختلاف المفسرين في (الفسوق)، فقال: وقال الضحاك: هو التنابز بالألقاب، دليله قوله ﴿وَلَا

стр. 157

تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾، وقال ابن زيد: هو الذبح للأصنام. . .، دليله قوله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. - عند قوله تعالى ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. قال: قال الواقدي: معناه في حيث أمركم الله، وهو الفرج. نظيره في سورة الملائكة والأحقاف ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾. - عند قوله تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩)﴾ [المدثر: ٢٩] نقل في معنى (لواحة): مغيرة للجلود، ومحرقة للجلد، ثم قال: وقال الحسن، وابن كيسان: يعني تلوح لهم جهنم حتى يروها عيانا. نظيره قوله : ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)﴾ [الشعراء: ٩١]. - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾ [القيامة: ٨]: قال ﵀: قال ابن كيسان: ويحتمل أن يكون بمعنى غاب، كقوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١]. - وعند تفسير قوله تعالى ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)﴾ [القيامة: ١٢] قال ﵀: وقال يمان: المصير، والمرجع، وهو قول ابن مسعود ﵁. نظيره: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾ [العلق: ٨]، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، وقوله: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣]. ٧ - الاستدلال على بعض أوجه التأويل بقراءات بعض الصحابة والتابعين: - قوله عند تفسير قوله جل وعلا: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾

стр. 158

[التوبة: ١٠]: وقال أبو مجلز ومجاهد في سائر الروايات: الإل هو الله . . .، ثم قال: والدليل على هذا التأويل قراءة عكرمة: لا يرقبوا في مؤمن أيلًا. بالياء يعني الله . - عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: ١٩]: والوجه الآخر: أن تجعل السقاية والعمارة بمعنى الساقي والعامر، تقديره: أجعلتم ساقي الحاج وعامر المسجد الحرام. كقوله ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]؛ أي للمتقين. يدل على هذا التأويل قراءة عبد الله بن الزبير وأبي وجزة السعدي: (أجعلتم سُقاة الحاج وعَمَرة المسجد الحرام) على جمع الساقي والعامر. ٨ - الاستدلال بالقرآن لبعض القراءات: - عند قوله ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، قال: قرأ الحسن، وقتادة، وابن أبي إسحاق، وأبو عمرو (قل العفوُ) رفعًا، واختاره محمد بن عيسى على معنى الذين ينفقون هو العفو. دليله قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾. - عند قوله ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، ذكر أن القراء اختلفوا في قوله (قدره) فقرأ بعضهم بفتح الدال، وآخرون بجزمها، ثم قال: وهما لغتان قد نطق بهما القرآن، فتصديق الفتح قوله ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾، وتصديق الجزم ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. ٩ - الاستدلال بالقرآن على المسائل النحوية والبلاغية: أ- عند قوله تعالى ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤]، قال: يعني ولم

стр. 159

يأتكم، و (ما) صلة، كقوله تعالى ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. ب- عند قوله تعالى ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، قال: ودخول (أن) وحذفها لغتان صحيحتان، فصيحتان، فأما إثبات (أن)، فقوله تعالى ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾. وأما حذفها؛ فقوله تعالى ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. ١٠ - الاستدلال بالقرآن لإثبات صحة آرائه: - عند قوله تعالى ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، قال: والصحيح أن المعدودات أيام التشريق، وعليه أكثر العلماء، ويدل عليه قوله ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. - عند قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] قال: وقال بعضهم: هو فرض على الكفاية. . .، وهو القول الصحيح، الذي عليه الجمهور. . .، يدل على صحة هذا القول قول الله ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. ب- تفسير القرآن بالسنَّة تعد السنة النبوية بيانًا وإيضاحًا للقرآن الكريم، إضافةً إلى استقلالها ببيان بعض الأحكام والتشريع. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).

стр. 160

وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ (١). وقال تعالى ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ (٢). إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن السنة مبيِّنة للقرآن وموضحةٌ له. ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإنْ أعياكَ ذلك -أي: تفسير القرآن بالقرآن- فعليك بالسنة، فإنَّها شارحة للقرآن، وموضِّحة له، بل قد قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن (٣). عناية الثعلبي بتفسير القرآن بالسنَّة: يصنَّف تفسير "الكشف والبيان" على أنه من كتب التفسير بالمأثور، وما ذلك إلا لأمور من أهمها: احتواؤه على عدد هائل من أحاديث التفسير، فقد اعتمد الثعلبي في تفسيره اعتمادًا كبيرًا على الحديث الشريف. فأخذ يفسِّر به الآية، بل يتعدى ذلك إلى رواية الأحاديث وإيرادها عند أدنى مناسبة تتعلق بالآية كما سيأتي في منهجه، حتى أصبح هذا الكتاب بحق موسوعة في أحاديث التفسير، وأصبحت

стр. 161

هذِه الأحاديث من أعظم المزايا التي يمتاز بها عن غيره من التفاسير. وما ذلك إلا لإدراك الثعلبي عِظم مكانة السنة النبوية بالنسبة للقرآن، وأنها المصدر الثاني من مصادر التفسير. وقد نهج الثعلبي في ذلك المنهج الآتي: ١ - تفسير القرآن بالسنة: مثاله: عند قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]. روى المصنف حديثين في بيان المراد بالمغضوب عليهم، والضالين. حيث روى بإسناده إلى النبي أنه قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قال: اليهود. ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: النصارى. ثم روى حديثًا بنحوه أيضًا عن عبد الله بن شقيق. - عند قوله تعالى ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٢] قال: أي تركناكم فلم نستأصلكم، من قوله ﵊: "أحفوا الشوارب واعفوا اللحى". - عند قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٥]. فسَّر نقص الثمرات بموت الأولاد، لأنَّ ولد الرجل ثمرة قلبه. واستدل على ذلك بحديثٍ رواه بسنده إلى النبي ﷺ أنه قال: "إذا مات ولد العبد، قال الله تعالى للملائكة: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: أقبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم" الحديث.

стр. 162

- عند قوله تعالى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. قال: أي مطيعين؛ قاله الشعبي ودليل هذا التأويل ما روى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "كل قنوت في القرآن فهو الطاعة". - عند قوله تعالى ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، قال: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾ تسروها ﴿وَتُؤْتُوهَا﴾ تعطوها الفقراء في السر؛ فهو خير لكم، وأفضل؛ كل مقبول؛ إذا كانت النية صادقة، ولكن صدقة السر أفضل، وفي الحديث: "صدقة السر تطفئ غضب الرب كما يطفئ الماء النار، وتدفع سبعين بابًا من البلاء". - عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ [مريم: ٣٩]: استدل بحديث ذبح الموت يوم القيامة على هيئة كبش أملح. - عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]: استدل على أن معنى الورود هو الدخول، بقوله ﷺ : "ما من مسلم يموت له ثلاثة إلا لم يلج النار إلا تحلة القسم"، ثم قرأ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ [مريم: ٧١]. ومثل هذا كثير في "الكشف والبيان". ٢ - رواية الحديث من عدة طرق، واستعمال صيغة تحويل الأسانيد (ح) في ذلك: ومن الأمثلة على ذلك قوله: أخبرنا ابن حمدويه، قال: أخبرنا ابن أيوب. ح. قال: نا أبو حامد وابن حبيب قالا: أخبرنا الكارزي. ح.

стр. 163

وأخبرنا أبو حفص عمر قال: أنا الرَّفاء، قالوا: أنا على بن عبد العزيز قال: نا أبو عبيد قال: نا يحيى بن سعيد الأموي قال: نا عبد الملك بن جُريج عن عبد الله بن أبي مليكة عن أم سلمة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يُقطِّع قراءته: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. ورواية الثعلبي للحديث من ثلاث طرق يدل على سعة روايته. ٣ - يروي الحديث غالبًا بسنده الخاص عن شيخه إلى النبي ﷺ -: وهذِه ميزة امتاز بها هذا التفسير، إذ للإسناد قيمة ومكانة لدى هذِه الأمة. ولذلك لام الثعلبي في مقدمته الذين صنَّفوا في التفسير ولم يذكروا الأسانيد، فقال في معرض حديثه عن أقسام المفسرين وفرقهم: وفرقةٌ حذفوا الإسناد الذي هو الركن والعماد، فنقلوا من الصحف والدفاتر، وجرَوا على هوَس الخواطر، وذكروا الغثَّ والسمين، والواهي والمتين، وليسوا في عدد العلماء، فصنتُ الكتاب عن ذكرهم، والقراءة والعلم سنة يأخذها الأصاغر عن الأكابر، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. وهذا أمر ظاهر في هذا التفسير ظهورًا واضحًا أيَّما وضوح. ولا شك أن الرواية بالإسناد لا يُؤتاها إلا من لازم الشيوخ، وحفظ الأسانيد والمرويات. ٤ - وأحيانًا يذكر الأحاديث غير مُسندة، ويقتصر على ذكر الصحابي فقط، وأحيانًا يذكر المتن فحسب:

стр. 164

ومن الأمثلة على ذلك: - قوله في تفصيل مسألة القراءة خلف الإمام وأدلتها قال: وكذلك الجواب عن احتجاجهم بخبر عمران بن حصين قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر أو العصر. . الحديث. - عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤] قال في أثناء تفسيره للشيطان: وفي الحديث: إذا مرَّ الرجل بين يدي أحدكم وهو يصلي فليدفعه، فإن أبي فليقاتلْه فإنَّه شيطان. ورُوي عن النبي ﷺ : أنَّه نظر إلى رجلٍ يتبع حمامًا طائرًا فقال: "شيطان يتبع شيطانًا". - عند قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، قال: روى هشيم عن أبان عن أنس. . . ثم ذكر حديثًا مرفوعًا. - عند قوله ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، قال: ونظير هذِه الآية من الأخبار ما روى أبو هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله، عندي دينار. - عند قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] قال: وقال آخرون المراد بهذِه الآية الدلالة على أن الرضاع ما كان في الحولين. . . وفي الحديث: "لا رضاع بعد الحولين، وإنما يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم. . . ". - عند قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩]: قال: والورق الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة، والدليل عليه: (أن عرفجة بن أسعد-﵁، أصيبت أنفه يوم الكُلاب

стр. 165

فاتخذ أنفًا من وَرِقٍ فأنتن عليه، فأمره النبي ﷺ أن يتخذ أنفًا من ذهب). أورده بلا سند. - عند قوله تعالى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]: استدل بحديث: "سرادق النار أربعة جدر كثف كل واحدة مسيرة أربعين سنة"، أورده أيضًا بلا سند. - عند قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]: استدل بقوله ﷺ لما قال لعلي وفاطمة ﵁ وقد طرقهما ليلًا: "ألا تصلون"، فقال على ﵁: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله تعالى، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله ﷺ . فسمعته وهو يضرب فخذه يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ " [الكهف: ٥٤]، وقد رواه بإسناده. - عند قوله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨]: استدل بقوله ﷺ للمغيرة بن شعبة عندما سأله أهل نجران مستشكلين كونها أخت هارون لتباعد السنين بينهما، فقال له النبي ﷺ : "ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين من قبلهم". أورده بلا إسناد. وهذا الصنيع من الثعلبي إما لأنه لم يتسنَّ له رواية هذِه الأحاديث بإسنادها، وإما لأنه أراد الاختصار، لا سيما أن بعضها يذكره في معرض الاستشهاد أحيانًا على بعض ألفاظ الآية. ٥ - قد يورد أحاديث بلا إسناد، ويسنده في مواضع أخرى من كتابه: ومن الأمثلة على ذلك:

стр. 166

- عند قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] أورد قوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه". ثم أورد الحديث نفسه مسندًا عند قوله تعالى: ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. - عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١] أورد حديث أبي موسى الأشعري قال: غضب رسول الله- ﷺ على الأشعريين، فأتيته، فقلت: يا رسول الله، غضبت على الأشعريين؟ ! قال: "يقول أحدهم: قد طلقتك، قد راجعتك. . " وقد رواه مسندًا في تفسير سورة الطلاق. - عند قوله تعالى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] أورد حديث عن الرسول ﷺ أنه قال: "لا تطلقوا نساءكم إلا عن ريبة؛ فإن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات". وروى هذا الحديث مسندًا في تفسير سورة الطلاق. - عند قوله تعالى: ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْل﴾ [الكهف: ٢٩]: استدل بحديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾، قال: "كعكر الزيت فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه فيه"، وقد أورده بإسناده. ٦ - يكرِّر أحيانًا بعض الأحاديث في عدة مواضع بحسب المناسبة من عدة طرق: فيذكره في موضع من طريق، ويذكره في موضع آخر من طريق آخر،

стр. 167

وهكذا. وقد يترتب على هذا اختلاف في بعض ألفاظ الحديث من طريق إلى آخر. مثال ذلك: حديث عبادة بن الصامت في قراءة الفاتحة خلف الإمام في الصلاة. حيث روى الثعلبي هذا الحديث من ثلاث طرق، ذكرها في ثلاثة مواضع متفرقة. الأول: من طريق عبد الرحمن بن بشر، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت مرفوعًا: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن". والثاني: من طريق الشافعي، عن سفيان، به. والثالث: من طريق محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود ابن الربيع عن عبادة بن الصامت قال: صلي بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف رسول الله ﷺ من صلاته أقبل علينا بوجهه فقال: "إني لأراكم تقرأون خلفي". قلنا: أجل يا رسول الله هذا. قال: "فلا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". ٧ - يذكر أحيانًا بعض الأحاديث معلَّقة (١)، فيحذف أول السند، ثم يذكر بقيته: مثال ذلك: قوله: وقد روى يحيى بن سعيد، عن محمد بن

стр. 168

إبراهيم، عن أبي حازم، عن البياضي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا قام أحدكم يصلي. . . " الحديث. بينما الحديث موصول في "موطأ مالك" عن مالك، عن يحيى بن سعيد. ٨ - قد يذكر متن الحديث أولاً، ثم يعقبه بالسند خلافًا للأصل في ذلك، وهذا قليلٌ جدًا (١). ٩ - نقده وتوجيهه لبعض الأحاديث: الغالب في صنيع الثعلبي هو روايته للأحاديث بسنده، دون بيان صحتها أو ضعفها. كما هو صنيع العلماء المتقدمين، ومنهم المفسرون كابن جرير وابن أبي حاتم، بناء على القاعدة (من أسندك فقد أحالك) (٢). إلا أننا نرى الثعلبي أحيانًا ينقُد بعض الأحاديث، ويوجهها. وخير مثال على ذلك: ما فعله في مسألة: (قراءة الفاتحة في الصلاة بالنسبة للمأموم) حيث انتصر للقول بوجوب قراءتها على المأموم في الصلاة، وذكر الأدلة على ذلك، ثم ذكر قول المخالفين القائلين بأنه ليس على المأموم قراءة الفاتحة، سواء كانت الصلاة سريةً، أم جهريَّة. فذكر أدلتهم دليلًا، دليلًا، ونقد بعضها، وأجاب ووجَّه البعض الآخر.

стр. 169

حيث ذكر من أدلتهم حديث عبد الله بن شداد، عن جابر مرفوعًا: "من صلى خلف إمام كانت قراءة الإمام له قراءة". وأعل الثعلبي هذا الحديث بعلتين: الأولى: الإرسال. والثانية: ضعف إسناده، لأنَّ فيه راويين لا يُدرى مَن هما. ثم ذكر -من أدلتهم- حديث جابر الجعفي عن أبي الزبير عن جابر ابن عبد الله ﵁-مرفوعًا: "من كان له إمام فقراءته له قراءة". وأعلَّه بأمرين: الأول: بجابر الجعفي. حيث ذكر أقوال العلماء في تضعيفه، ثم قال: ولا خلاف بين أهل النقل في سقوط الاحتجاج بحديثه. الثاني: أنَّه قد رُوي عن جابر ما يخالف هذِه الأخبار، ثم روى ذلك، قال: ومحالٌ أن يروي جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أن قراءة الإمام قراءة للمأموم ثم يقرأ خلف الإمام ويأمر به مخالفةً للنبي ﷺ . ثم ذكر بقية أدلتهم واحدًا تلو الآخر، ناقدًا وموجهًا. ومن الأمثلة الأخرى على تعليله لكثير من الأحاديث التي ذكرها: - عند قوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا﴾ [البقرة: ١٧٧] أورد قول ابن مسعود في فضل النفقة: أن تؤتيه وأنت. .، ثم قال: ورفعه بعضهم. - عند قوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] أسند عن ابن عباس أثرًا في معنى الآية. ثم قال: ورفعه بعضهم،

стр. 170

وساق الحديث المرفوع بسنده أيضًا. - عند قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] أورد حديثًا مسندًا من طريق هُشيم بن بشير عن ابن شبرمة. ثم نقل عن النسائي أنه قال: هذا حديث مشهور إلا أن هشيم بن بشير كان يدلس، وليس في حديثه ذكر السماع عن ابن شبرمة. - أورد حديثًا مرفوعًا من رواية أبي الأحوص سلام بن سليم عن سماك بن حرب. ثم نقل عن أبي عبد الرحمن النسائي أنه قال: هذا حديث منكر؛ غلط فيه أبو الأحوص؛ لا يعلم أن أحدًا تابعه عليه من أصحاب سماك. ونقل عن الإمام أحمد -وهو تتمة كلام النسائي- أنه قال: كان أبو الأحوص يخطئ في هذا الحديث؛ خالفه شريك في إسناده ولفظه. وقد أبان لنا هذا النقد وذلك التوجيه عن حقيقتين في الإمام الثعلبي: الأول: فقه الإمام الثعلبي. الثانية: ملكته في نقد الأحاديث. ١٠ - تعديل وتجريح الرواة: وقد نقل عن الإمام النسائي أحكامًا في الرواة، ومن الأمثلة على ذلك: - قال: وسماك -ابن حرب- ليس بقوي، وكان يقبل التلقين. - قال: عبد الملك بن نافع ليس بالمشهور، ولا يحتج بحديثه.

стр. 171

- قال: ويحيى بن يمان لا يحتج بحديثه؛ لكثرة خطئه، وسوء حفظه. وهذا الجانب يدل على فهم من الثعلبي لعلوم الحديث ومصطلحه، ودراية بأحوال الرجال، وإلمام بطبقات الرواة وتواريخهم. وقد كانت "سنن النسائي" من مصادره التي اعتمد عليها، وهو كتاب حافل، يحوي أقوالًا كثيرة في أحوال الرجال، وفي بيان بعض العلل الخفية في الإسناد والمتن. ١١ - عدم الاقتصار على الأحاديث الصحيحة، بل قد أكثر من ذكر الأحاديث الواردة في الترغيب والترهيب: فالثعلبي كان يروي بإسناده الحديث الصحيح والحسن والضعيف والواهي والموضوع. شأنه في ذلك شأن معظم المفسِّرين، إلا أنَّه يتميَّز عن أكثرهم بأنه يروي بالسند، ومن أسندك فقد أحالك، وهذا الأمر يخفِّف عنه التَّبِعة في روايته للأحاديث الموضوعة، إلا أنه مع ذلك لا يسلم من اللوم على صنيعه هذا. ومثال ما رواه في ذلك: عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] أورد قصة الحبشي بطولها مع ضعف إسنادها. ١٢ - الاستدلال بالحديث على المعنى اللغوي: مثال ذلك: - عند قوله تعالى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] قال في بيان معنى الصبر: وأصل الصبر هو الحبس، ومنه الحديث عن النبي ﷺ في

стр. 172

رجل أمسك رجلًا وقتله آخر، فقال: "اقتلوا القاتل واحبسوا الصابر". - عند قوله تعالى ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، قال: وأصل العفو في اللغة: الزيادة، والكثرة. . .، وقال النبي ﷺ : "أعفوا اللحى". - عند قوله تعالى ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، قال: وإنما قال (بين أحد)، ولم يقل بين آحاد، لأن الأحد يكون للواحد، والجميع. . .، وقال النبي ﷺ : "ما أحلت الغنائم لأحد سود الرؤوس غيركم". - عند تفسيره لقول الله تعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ﴾ [آل عمران: ٢٢]: قال: أي: ذهبت وبطلت، وأصله من الحبط، وهو أن ترعى الماشية نبتا رديئا فينتفخ لذلك بطونها، وربما ماتت منه، ثم جعل كل شيء يهلك حبطا، ومنه قول النبي ﷺ : "وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا، أو يُلمّ". - عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]: قال: والحواريّ في كلام العرب خاصة: الرجل الذي يستعين به فيما ينوبه يدل عليه، ثم ساق بسنده عن عائشة ﵄ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لكل نبيّ حواريّ، وحواريّ الزبير". ١٣ - الاستدلال بالحديث لبعض أقوال المفسرين: مثال ذلك: عند قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢]. حيث ذكر قولًا في سبب تسمية يعقوب بهذا الاسم، ودلَّل على هذا القول بحديث رواه بإسناده. فقال: وقيل: سمِّي يعقوب لكثرة

стр. 173

عقبه. ثم روى بإسناده إلى النبي ﷺ أنَّه قال: "بُعثت على إثر ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف من بني إسرائيل". - عند قوله تعالى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، قال: قال ابن عباس في رواية أبي رجاء: داعين في صلاتكم. دليله أن النبي ﷺ قنت على رعل وذكوان. - عند قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، قال: قال ابن مسعود ومجاهد: من حلالات، دليله. . . وقال النبي ﷺ : "إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا. . . ". - عند قوله تعالى ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٣] قال: وقال الحسن: تنظر إلى الخالق، وحُق لها أن تَنْضُر، وهي تنظر إلى الخالق. ثم ساق أحاديث منها حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يتجلّى لنا ربنا حتى ننظر إلى وجهه، فيخرّون له سجدًا، فيقول: ارفعوا رؤوسكم فليس هذا بيوم عبادة". - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان: ٨]: قال ﵀: قال أبو حمزة الثمالي: الأسير: المرأة، ودليل هذا التأويل قول النبي ﷺ : "استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عندكم عوان". - عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ آل عمران: ١٠٣]: قال: وقال قتادة، والسدي، والضحاك: هو القرآن،

стр. 174

يدل عليه. ثم ساق بسنده عن عليّ بن أبي طالب ﵁-قال: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنها ستكون فتنة"، فقلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله: فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم. . . "، الحديث. ١٤ - الاستدلال بالحديث لإثبات بعض القراءات وتقويتها: - عند قوله تعالى ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١]، قال: وقرأ أبو جعفر (فنِعْمَّا) بكسر النون، وجزم العين، ومثله في سورة النساء، واختاره أبو عبيد، وذكر أنها لغة النبي ﷺ حين قال لعمرو بن العاص: نعما بالمال الصالح للرجل الصالح. - عند قوله تعالى ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، قال: قرأ الحسن: و (يحسب)، وبابه بفتح السين. الباقون بالكسر. واختاره أبو عبيد، وأبو حاتم، قيل إنها لغة النبي ﷺ . ثم ساق بسنده حديثًا، وفيه قال النبي ﷺ "لا تَحْسِبَنَّ أنا إنما ذبحناها من أجلكم". ولم يقل: لا تَحْسَبَنَّ. وعلى أي حال فاستدلال الثعلبي بالأحاديث واسع جدًا، فهو يستدل بالحديث أيضًا على فضائل السور، والعقائد، والأحكام، وفي الزهد والوعظ، وغير ذلك مما هو مثبوت في ثنايا كتابه، وقد مرَّ بعضه مفصَّلا وسيأتي البعض الآخر. فالأصل عند الثعلبي أن يستدل بالسنة كلما أمكنه ذلك ووجد إليه

стр. 175

سبيلًا. ولذا كثر استدلاله بالحديث، وتعددت مجالاته وموضوعاته. ١٥ - قد يورد الحديث أحيانًا؛ لمعرفة اسم النازل فيه الآية، وتعيين المبهم فيها: ومن الأمثلة على ذلك: - عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]: ساق بسنده عن عبد الله بن مسعود: من حلف يمينًا يستحق به مالًا وهو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان، أنزل الله تعالى تصديق ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]. فقال الأشعث بن قيس: فيّ نزلت، كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ فقال: "شاهداك أو يمينه. . . " الحديث. - وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٤]: قال: نزلت في أثني عشر رجلًا ارتدوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة ولحقوا بمكة كفارًا، منهم الحارث بن سويد الأنصاري أخو الجُلاس بن سويد فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ﴾ [آل عمران: ٨٥]، ثم قال عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ. .﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٩]: وذلك أن الحارث بن سويد لما لحق بالكفار ندم وأرسل إلى قومه أن سلوا رسول الله ﷺ : هل لي من توبة؟ ففعلوا ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية، فحملها إليه رجل

стр. 176

من قومه، وقرأها عليه، فقال الحارث: إنك والله ما علمت لصدوق، وإن رسول الله ﷺ لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة. فرجع الحارث إلى المدينة، فأسلم وحسن إسلامه. ١٦ - يورد الحديث للتدليل على عرض الأحكام الفقهية المستنبطة عند تفسيره لآيات الأحكام ومن الأمثلة على ذلك: عند تفسيره لقول الله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]: قال: اعلم أن شروط وجوب الحج تسعة: البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، لقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يتنبه"، ولقوله ﷺ : "أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى". وقال في نفس الباب: وأما النفقة: فإن كان ذا أهل وعيال يجب عليه نفقتهم فلا يلزمه الحج، حتى يكون واجدًا نفقتهم مدة غيبته لذهابه ورجوعه، لأن هذا الإنفاق فرض على الفور، والحج فرض على التراخي، فكان تقديم الإنفاق على العيال أولى وأهم، وقد قال النبي ﷺ : "كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت". ١٧ - يورد الحديث للتدليل على ما أداه إليه نظره فيما اتفق العلماء على جوازه، وهو: استنباط واستخراج الحكم والإشارات وما شاكل ذلك من كل ما لا يمتنع استنباطه من القرآن واستخراجه منه لمن كان أهلاً

стр. 177

لذلك: ومن الأمثلة على ذلك: - عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]: قال: أخبرنا الحسن بن أحمد بن محمد المخلديّ. .، ثم ساق بسنده عن أبي أمامة الحارثي: أن رسول الله ﷺ قال: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة" فقال رجل: وإن كان يسيرًا؟ ، قال: "وإن كان قضيبًا من أراك". - وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]: قال: وفي الحديث: "ما من جرعة أحمد عاقبة من جرعة غيظ مكظوم"، وساق بسنده عن معاذ بن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من كظم غيظًا وهو يقدر على أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء". جـ - تفسير القرآن بأقوال الصحابة يعتبر تفسير الصحابة هو المصدر الثالث من مصادر تفسير القرآن، بعد القرآن والسنة، ذلك لأنَّ الصحابة رضوان الله عليهم شاهدوا التنزيل، وأخذوا القرآن غضًا طريًّا من في رسول الله ﷺ ، ولذلك كانوا هم أعلم الناس بعد رسول الله ﷺ بألفاظ القرآن ومعانيه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا لم تجد التفسير في القرآن، ولا في السنة، رجعت في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما

стр. 178

شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح (١). وتفسير "الكشف والبيان" يُعدُّ من أبرز التفاسير بالمأثور، قد حوى عددًا وافرًا من مأثور أقوال الصحابة في تفسير القرآن الكريم، حتى أصبح ذلك معلمًا واضحًا فيه، يدركه لأول وهلة كل من طالع هذا التفسير، ونظر فيه. ولم يقتصر اعتماد الثعلبي على أقوال الصحابة في جانب أو جانبين، بل كان اعتماده عليها في نواحٍ عديدة ومجالات شتى. إذ كان يعتمد أقوال الصحابة في توضيح وتفسير معنى الآية، وفي القراءات، وفي الأحكام، وفي القصص، وغير ذلك، وفْق منهج سار عليه الثعلبي، وتحددت معالمه في الأمور الآتية: ١ - يروي الثعلبي أحيانًا أقوال الصحابة بإسناده، وأحيانًا يذكر قول الصحابي بإسناد معلَّق، وأحيانًا يذكرها من دون إسناد . ٢ - ذكر قراءات الصحابة: ويروي الثعلبي هذِه القراءات أحيانًا بالإسناد، وأحيانًا يذكرها دون إسناد. مثال ذلك: - عند ذكر القراءات في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤]، نسب قراءة (ملِك) من دون ألف إلى خمسة من الصحابة. - عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]،

стр. 179

استشهد بقراءة أبيّ (وأكْفلها زكريا) بالألف لكونها تعين على التأويل، أي ضمّها الله زكريا، أي ضمّها إليه. (زكريا) فيه لغتان: (زكريا) مقصور، وهي قراءة ابن مسعود. وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿تَأْمَنْهُ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وفي حرف ابن مسعود ﵁: (مالك لا تيْمنا). - عند قول الله تعالى: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ قال: وقرأ الحسن (ولا أدرأتكم به)، وهي لغة بني عقيل. . .، إلى أن قال: وقرأ ابن عباس ﵄ (ولا أنذرتكم به) من الإنذار، وهو دليل قراءة الحسن. - وقال في قول الله تعالى: ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ هكذا قراءة العامة، وتصديقها قراءة عبد الله بن مسعود ﵄ (وتزينت). - ومثله قوله عند قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ قال: قراءة العامة (السحرُ) على الخبر بغير مدّ. . .، ودليل قراءة العامة قراءة ابن مسعود ﵄ (ما جئتم به سحر). ٣ - الاستدلال بأقوال الصحابة في تفسير الآية وبيان معناها: ومن الأمثلة عليه: - روى الثعلبي بسنده عن ابن عباس: في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾. قال: فاتحة الكتاب. - ويروي بسنده عن ابن مسعود: في قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. قال: يحلُّون حلاله، ويحرِّمون حرامه، ويقرؤونه كما أنزل، ولا يحرِّفونه عن مواضعه.

стр. 180

عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ [آل عمران: ٤٩]؛ ذكر الاختلاف في معنى (الأكمه) إلى أن قال: وقال ابن عباس: هو الذي ولد أعمى ولم يبصر ضوءًا قط، وقول ابن عباس هو الراجح. وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]: ذكر الاختلاف في معنى (ربانيين) إلى أن قال: فقال عليّ وابن عبّاس: كونوا فقهاء علماء. وقد جمع عليّ ﵁ هذِه الأقاويل فقال: هو الذي يرب علمه بعمله. وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١]؛ ذكر الاختلاف في المعنى بهذِه الآية إلى أن قال: وقال بعضهم: إنما أخذ الميثاق على النبيّين وأممهم، فاكتفى بذكر الأنبياء عن ذكر الأمم، لأن في أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على الأتباع، وهذا معنى قول ابن عباس ﵁، وهو أولى بالصواب. وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]: ذكر أوجه التأويل في المعنى بهذِه الآية، فقال: قال ابن عباس ﵁: تمسكوا بدين الله وساق بسنده عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: الجماعة. وذكر عن ابن مسعود أنه قال: أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وما تكرهون في الطاعة والجماعة خير مما تحبّون في الفرقة. وساق بسنده عن على بن أبي طالب ﵁ مرفوعًا أنه: كتب الله. وروى بسنده عن ابن مسعود ﵁-
следующие страницы →