стр. 1121
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 18686
تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير
الثعلبي
Полный текст (16 476 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1122
стр. 1123
стр. 1124
стр. 1125
٢٦ - قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾
الآية نزلت في اليهود، وذلك أنّ الله لمّا ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت (١) فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ (٢) وقال : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ (٣) الآية ضحكَت (٤) اليهودُ وقالوا: ما هذا الكلام، وما (٥) أراد الله بذكر هذه الأشياء الخسيسة في كتابه، وما يشبه (هذا كلام الله) (٦)؟ ! فأنزل الله تعالى (٧) ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
стр. 1126
يَسْتَحْيِي﴾ (١)
стр. 1127
стр. 1128
ويصف للحق شبهًا.
стр. 1129
стр. 1130
(وقال أبو عبيدة) (١): يعني: فما دونها (٢).
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بمحمد والقرآن ﴿فَيَعْلَمُونَ﴾ (أي: يوقنون) (٣) ﴿أَنَّهُ﴾ يعني: أن هذا المثل هو ﴿الْحَقُّ﴾ الصدق الصحيح ﴿مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بمحمدٍ والقرآن ﴿فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ أي: بهذا المثل. فلما حَذف الألف واللام نصَبَ على الحال والقطع والتّمام كقوله : ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ (٤) فأجابهم الله تعالى فقال (٥): أراد الله (٦) بهذا المثل أن ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ من الكافرين؛ وذلك أنهم يُنكرونه ويُكذبونه ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ من المؤمنين يعرفونه (ويصدقون به) (٧)، ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ الكافرين، وأصل الفسق: الخروج، قال الله ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (٨) أي: خرج، تقول العرب: فسقت الرُّطَبَة
стр. 1131
عن القِشر (١) إذا (٢) خرجت (٣).
ثم وصفهم الله فقال:
٢٧ - ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ﴾
أي: يتركون ويخالفون، وأصل النَّقضِ: الكسر (٤) ﴿عَهْدَ اللَّهِ﴾ أي: أمره الذي عهد إليهم يوم الميثاق بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (٥) وما عهد إليهم في التوراة أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ويُبينوا أمره (٦) ونعته وصفته (٧) ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ أي: توكيده وتشديده، وهو مِفعال من الوثيقة ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ يعني: الأرحام، وقيل: هو الإيمان بجميع الرُسل والكُتب وهو نوعٌ من الصّلة؛ لأنهم قالوا: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ (٨)، فقطعوا، وقال المؤمنون: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (٩)
стр. 1132
فوصلوا (١)، ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعاصي، وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ والقرآن.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي: المغبونون بالعقوبة وفَوْت المثوبة.
ثم قال لمشركي مكة على وجه التعجب (٢):
٢٨ - ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ﴾:
واو حال (٣). ﴿أَمْوَاتًا﴾: نُطفًا في أصلاب آبائكم، (وكل ما فارق الجسد من شعر أو نطفة فهو ميتة) (٤).
﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾: في الأرحام والدنيا. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾: عند انقضاء آجالكم. ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾: للبعث.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تُردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم (٥).
وقرأ يعقوب: (تَرْجِعون) وبابه بفتح الأول وكسر الجيم، جعل
стр. 1133
الفعل لهم (١).
٢٩ - قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾
أي: لأجلكم ﴿مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي: قصدَ وعَمَدَ إلى خلْق السماء (٢)، ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أي: خلق سبع سموات مُستويات بلا فُطور ولا شطور ولا عَمَدٍ تحتها, ولا علاقة فوقها، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: عالم.
стр. 1134
٣٠ - وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾
بمعنى (١): وقد قال ربك، وقيل: معناه (٢): واذكر إذ قال ربك، وكلُّ ما ورد في القرآن (من هذا النحو) (٣)، فهذا (٤) سبيله.
و(إذ) و (إذا) حرفا توقيت، إلا أن (إذ) للماضي و (إذا) للمستقبل، وقد يوضع أحدهما موضع الآخر.
قال المبرد: إذا جاء (إذ) مع المستقبل كان معناه ماضيًا، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٥) ﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾ (٦) يريد: وإذ مكر (٧)، وإذ قلت (٨). وإذا جاء (إذا) مع الماضي كان معناه
стр. 1135
مستقبلًا، كقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ﴾ (١) و ﴿الصَّاخَّةُ﴾ (٢) ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (٣) أي: يجيء (٤).
قال الشاعر:
ثم جزاه الله ربّي إذْ جزى. . . جناتِ عدنٍ في العَلالي العُلا (٥)
أي: يجزيه.
وقوله: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾ أي: الذين كانوا في الأرض. والملائكة: الرسل، واحدها: مَلَكٌ، وأصلها، مألِكٌ (٦)، وجمعها مآلك، وهي من المألُكةِ والمألكة والأُلوكِ، وكلها من (٧) الرسالة، يقال: أَلِكْني إلى فلان، أي: كن رسولي إليه، فقلب، فقيل: ملأك. قال الشاعر:
فَلَسْت لإنْسيٍّ ولكن لملأكٍ. . . تَنزَّلَ من جوِّ السّماءِ يصُوبُ
стр. 1136
ثم حُذف الهمز (١) طلبًا للخفة؛ لكثرة استعماله، فقيل: ملَك (٢). قال النضر بن شُميل في المَلك: إن العرب لا تشتق (٣) (فعْلة) ولا تصرّفه، وهو مما فات عليه (٤).
وقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ﴾ (أي: خالق) (٥) ﴿فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي: بدلًا منكُم، ورافعكم إليّ (٦)، سمّاه (٧) خليفةً؛ لأنه يخلف المذاهب، أي: يجيء بعده، والخليفة أيضًا (٨) من يتولّى إمضاء الأمر (عن الآمِر) (٩).
وقرأ أبو البرهسم (١٠):
стр. 1137
(خليقة) بالقاف (١).
قال المفسرون: وذلك أن الله تعالى خلق السماء والأرض وخلق الملائكة والجنّ، فأسكن الملائكة السماء، وأسكن الجنّ الأرض فغبروا دهرًا طويلًا في الأرض، ثم ظهر فيهم الحسد والبغي فاقتتلوا وأفسدوا، فبعث الله إليهم (٢) جُندًا من الملائكة يقال لهم: الجن، رأسهم (٣) عدوّ الله إبليس، وهم خزان الجنان، اشتق لهم اسم من (الجنة)، فهبطوا إلى الأرض فطردوا الجن عن وجهها، ثم ألحقوهم بشعاب (٤) الجبال وجزائر البحور (٥) وسكنوا الأرض، وخفف الله عنهم العبادة فأحبوا البقاء في الأرض لذلك، فأعطى الله تعالى إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنان، فكان يعبد الله تارةً في الأرض وتارةً في السماء وتارة في الجنة، فلما رأى ذلك دَخَله الكبر والعجب، فقال في نفسه: ما أعطاني الله هذا الملك إلا أني أكرم الملائكة عليه (٦)،
стр. 1138
وأعظمهم منزلةً لديه، فلمّا أظهر (١) الكبر جاء العزل، فقال الله له ولجنده: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فلما قال لهم ذلك كرهوا العزل (٢)؛ لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادةً، ولأن العزل شديد، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ بالمعاصي ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ أي: ويصبّ الدّماء بغير حق (٣).
فإن قيل: كيف علمُوا ذلك وهو غيب؟ فالجواب عنه ما قال السُّدي: لما قال الله (ذلك لهم) (٤) قالوا: وما يكون من ذلك
стр. 1139
الخليفة؟ قال: تكون له ذرية يفسدون (في الأرض) (١) ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا: قالوا عند ذلك: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (٢) ومعناه: (فقالوا) فحذف فاء النسق يقول الشاعر:
لمَّا رأيتُ نَبَطًا أنْصارا
شَمَّرْتُ عن رُكْبَتِيَ الإزَارَا
كُنْتُ لهم من النَّصَارى جَارُا (٣)
أي: فكنت لهم. وقال أكثر المفسرين: أرادوا كما فعل بنو الجان قاسوا بالشاهد على الغائب (٤).
وقال (أهل المعاني) (٥): فيه إضمارٌ واختصار معناه: أتجعل فيها
стр. 1140
من يفسد فيها ويسفك (١) الدماء، أم تجعل فيها من لا يفسد فيها (٢) ولا يسفك الدماء (٣)؟ كقوله : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ (٤) يعني: كمن هو غير قانت، وهو اختيار الحسين بن الفضل (٥).
قوله : ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ قال الحسن: نقول: سبحان الله وبحمده، وهي صلاة الخلق وتسبيحهم، وعليها يُرزقون (٦) يدل عليه الحديث المروي عن أبي ذر أنه سأل رسول الله ﷺ : أي الكلام أفضل؟ فقال: "ما اصطفاه الله للملائكة (٧): سبحان الله وبحمده" (٨).
стр. 1141
وقيل: معناه: ونحن نصلي لك بأمرك (١).
والتسبيح يكون (٢) بمعنى التنزيه، ويكون بمعنى الصلاة، ومنه قيل للصلاة: سبحةٌ (٣).
وقيل معناه: نصلي ونقرأ (٤) فاتحة (٥) الكتاب ونقدس لك وننزهك (٦).
واللام صلة، وقيل: هو (٧) لام الأجل، أي: ونُطهر لأجلك قلوبنا من الشرك بك، وأبداننا عن (٨) معصيتك (٩). وقال بعض العلماء: في
стр. 1142
الآية تقديم وتأخير، مجازها: ونحن نسبح ونقدس لك بحمدك؛ لأنه إذا حُملت الآية على التأويل الأول ضاهى قول الملائكة التزكية والإدلال بالعمل، وإذا حملت على هذا التأويل ضاهى قولهم التحدث (١) بنعمة الله وإضافة المنة إلى الله، فكأنهم قالوا: إنَّا (٢) وإن سبّحنا وقدّسنا وأطعنا وعبدنا، فذلك كله بحمدك لا بأنفسنا (٣).
قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من استخلافي في الأرض، ووجه المصلحة فيه، فلا تعترضوا علي في حكمي، وتدبيري (٤).
وقيل: إني أعلم أن (٥) في ذرية من أستخلفه (٦) في الأرض أنبياء وأولياء وعلماء وصلحاء.
وقيل: إني أعلم أنهم يذنبون وأني أغفر لهم (٧).
стр. 1143
وقال بعض العلماء: إن الله تعالى أخرج آدم من الجنَّة قبل أن أدخله فيها بقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ثم كان خروجه من الجنّة بذنبه.
ودلَّ علي أنَّه كان بقضاء الله وقدره، ما (١):
[٢٥٣] أخبرنا (عبد الله بن حامد (٢) قال: أنا حامد بن محمد (٣) حدثنا محمد بن صالح (٤) قال: نا) (٥) عبد الله بن عبد العزيز (٦)
стр. 1144
стр. 1145
الحسن (١) قال: نا محمد بن يحيى (٢) قال: نا (يعقوب بن إبراهيم بن سعد) (٣) قال: نا أبي عن ابن شهاب (٤) عن حميد (٥) عن أبي هريرة (٦) قال: قال رسول الله ﷺ : "احتج آدم وموسى ﵉ فقال له موسى: أنت آدم الَّذي أخرجتك خطيئتك (٧) من الجنَّة، فقال له آدم: أنت موسى الَّذي اصطفاك الله بكلامه وبرسالته (٨) ثم (٩) تلومني علي أمرٍ قُدر علي قبل أن أخلق. قال: فحج آدم موسى" (١٠).
стр. 1146
стр. 1147
стр. 1148
قومي شهد عمر بن الخطاب (١) ﵁ أنَّه (٢) سأل طلحة والزبير وكعبًا (٣) وسلمان (٤): ما الخليفة من الملِك؟ فقال طلحة والزبير: ما ندري. فقال سلمان: الخليفة الَّذي يعدل في الرعية، ويقسم بينهم بالسوية، ويشفق عليهم شفقة الرجل علي أهله (والوالد على ولده) (٥) ويقضي بكتاب الله ، فقال كعب: ما كنت أحسب أن في المجلس أحدًا يعرف الخليفة من الملك غيري، ولكن الله ملأ سلمان علمًا وحكمًا وعدلًا (٦).
стр. 1149
стр. 1150
стр. 1151
على المنبر-: (يا أيها) (١) الناس إنَّ الخلافة ليست بجمع (٢) المال ولا تفريقه (٣)، ولكن الخلافة العمل بالحق، والحكم بالعدل، وأخذ الناس بأمر الله (٤).
٣١ - قوله : ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾
وذلك أن الله لما قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالوا فيما بينهم: ليخلق (٥) ربنا ما شاء فلن يخلق خلقًا أفضل ولا أكرم عليه منا، وإن كان خيرًا منا فنحن أعلم منه، لأنا خُلقنا قبله، ورأينا ما لم يره، فلما أعجبوا بعلمهم وعِبادتهم فضّل الله آدم عليهم بالعلم، فعلَّمه الأسماء كلها، وهذا معنى (٦) قول ابن عباس
стр. 1152
стр. 1153
ثم علم آدم أسماءها، وقال له: يا آدم هذا فرس، هذا (١) حمار، هذا (٢) بغل، حتَّى أتى علي آخرها، ثم عرض تلك الشخوص المسميات الموجودات على الملائكة، فلذلك قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ ولم يقل: عرضها، رده إلى (٣) الشخوص والمسميات؛ لأن الأعراض لا تعرض (٤).
[٢٥٧] أخبرنا عبد الله بن حامد (٥) قال: أنا أحمد بن محمد بن يوسف (٦) قال: نا يعقوب (٧) قال: نا يعقوب (٨) الكبير (٩) قال: نا أبو النعمان (١٠) قال:
стр. 1154
стр. 1155
وقال جويبر (١)، عن الضحاك (٢)، عن ابن عباس (٣) قال (٤): علم الله آدم أسماء الخلق والقرى والمدن والأجبل السبع، وأسماء الطير والشجر، وأسماء ما كان (وما يكون) (٥) وكل نسمةٍ الله بارئها إلى يوم القيامة، وعرض تلك الأسماء على الملائكة، فقال: ﴿أَنْبِئُونِي﴾ أي (٦): أخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أن (٧) الخليفة الَّذي أجعله في الأرض (٨) يفسد فيها ويسفِكُ الدماء. أراد الله تعالى بذلك: كيف تدعون علم ما لم يكن بعد وأنتم لا تعلمون علم ما ترون وما تعاينون (٩)؟ !
стр. 1156
قال الحسن وقتادة: إن كنتم صادقين أني لا أخلق خلقًا إلا كنتم أعلم وأفضل وأعلم (١) منه (٢). فقالت الملائكة -إقرارًا بالعجز واعتذارًا-: (سبحانك.
فذلك قوله تعالى:
٣٢ - ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾
أي): (٣) تنزيها لك عن الاعتراض عليك في حكمك وتدبيرك (٤). وهو نصب على المصدر، أي: نسبح سبحانًا في قول الخليل. وقال الكسائي: خارج عن (٥) الوصف. وقيل: على النداء المضاف (٦)، أي: يا سبحانك (٧).
стр. 1157
﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ أي: العليم بخلقك (١) (والحكيم في أمرك) (٢)، وللحكيم (٣) معنيان.
أحدهما المحكِم للفعل كقوله (٤): عذاب أليم، وضرب وجيع، و (قال الشاعر) (٥):
أمن ريحانة الداعي السميعُ
أي: المؤلم والموجع والمسمع، فعيل بمعنى مفعِل، وعلى هذا التأويل هو صفة فعل. والآخر بمعنى العالم، وحينئذ يكون صفة ذات.
وأصل الحكمة -في كلام العرب-: المنع، يقال: أحكمت اليتيم عن الفساد وحكمْته أي: (٦) منعته، قال جرير:
أبَني حَنيفَةَ أحكِمُوا سُفَهاءَكُمْ. . . إنِّي أخَاف عَلَيكُمُ أنْ أغضَبَا (٧)
стр. 1158
ويقال (١) للحديدة المعترضة في فم الدابة: حكمة اللجام؛ لأنها تمنع الدابة من الاعوجاج، والحكمة تمنع من الباطل، وما لا يحلّ ويجمل (٢) والمحكم للأمر يمنعه من الخلل (٣).
وفي هذِه الآية دليل على جواز تكليف ما لا يُطاق حيث أمر الله تعالى الملائكة بإنباء ما لم يعلموا وهو عالم بعجزهم عنه (٤)، فلما ظهر عجزهم:
٣٣ - قال الله تعالى: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾
(أخبرهم بأسمائهم) (٥) فسمى كل شيء باسمه، وألحق كل شيء بجنسه ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ﴾ أي: أخبرهم ﴿بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ يا
стр. 1159
ملائكتي ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وما كان فيهما (وما يكون) (١) ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ من الخضوع والطاعة لآدم ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ تخفون في أنفسكم من العداوة له. وقيل: ما تبدون من الإقرار بالعجز والاعتذار، وما كنتم تكتمون من الكراهة في استخلاف آدم (٢). وقال ابن عباس: هو أن إبليس مرّ على جسد آدم ﵇ وهو ملقى بين مكّة والطائف لا روح فيه، فقال: لأمرٍ مَّا (خلق الله هذا) (٣)، ثم دخل في (٤) فيه وخرج من دبره، وقال: إنَّه خلق لا يتماسك؛ لأنه أجوف، ثم قال للملائكة الذين معه: أرأيتم إن فُضل هذا عليكم وأمرتم بطاعته ماذا تصنعون؟ قالوا: نطيع أمر ربنا. فقال (٥) إبليس في نفسه: والله لئن سُلطت عليه لأهلكنه ولئن سلِّط علي لأعصينه. فقال الله : ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ -يعني: الملائكة- من الطاعة ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ -يعني: إبليس- من المعصية (٦).
стр. 1160