← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

قال الحسن وقتادة: إن كنتم صادقين أني لا أخلق خلقًا إلا كنتم أعلم وأفضل وأعلم (١) منه (٢). فقالت الملائكة -إقرارًا بالعجز واعتذارًا-: (سبحانك. فذلك قوله تعالى: ٣٢ - ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ أي): (٣) تنزيها لك عن الاعتراض عليك في حكمك وتدبيرك (٤). وهو نصب على المصدر، أي: نسبح سبحانًا في قول الخليل. وقال الكسائي: خارج عن (٥) الوصف. وقيل: على النداء المضاف (٦)، أي: يا سبحانك (٧).

стр. 1157

﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ أي: العليم بخلقك (١) (والحكيم في أمرك) (٢)، وللحكيم (٣) معنيان. أحدهما المحكِم للفعل كقوله (٤): عذاب أليم، وضرب وجيع، و (قال الشاعر) (٥): أمن ريحانة الداعي السميعُ أي: المؤلم والموجع والمسمع، فعيل بمعنى مفعِل، وعلى هذا التأويل هو صفة فعل. والآخر بمعنى العالم، وحينئذ يكون صفة ذات. وأصل الحكمة -في كلام العرب-: المنع، يقال: أحكمت اليتيم عن الفساد وحكمْته أي: (٦) منعته، قال جرير: أبَني حَنيفَةَ أحكِمُوا سُفَهاءَكُمْ. . . إنِّي أخَاف عَلَيكُمُ أنْ أغضَبَا (٧)

стр. 1158

ويقال (١) للحديدة المعترضة في فم الدابة: حكمة اللجام؛ لأنها تمنع الدابة من الاعوجاج، والحكمة تمنع من الباطل، وما لا يحلّ ويجمل (٢) والمحكم للأمر يمنعه من الخلل (٣). وفي هذِه الآية دليل على جواز تكليف ما لا يُطاق حيث أمر الله تعالى الملائكة بإنباء ما لم يعلموا وهو عالم بعجزهم عنه (٤)، فلما ظهر عجزهم: ٣٣ - قال الله تعالى: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ (أخبرهم بأسمائهم) (٥) فسمى كل شيء باسمه، وألحق كل شيء بجنسه ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ﴾ أي: أخبرهم ﴿بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ يا

стр. 1159

ملائكتي ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وما كان فيهما (وما يكون) (١) ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ من الخضوع والطاعة لآدم ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ تخفون في أنفسكم من العداوة له. وقيل: ما تبدون من الإقرار بالعجز والاعتذار، وما كنتم تكتمون من الكراهة في استخلاف آدم (٢). وقال ابن عباس: هو أن إبليس مرّ على جسد آدم ﵇ وهو ملقى بين مكّة والطائف لا روح فيه، فقال: لأمرٍ مَّا (خلق الله هذا) (٣)، ثم دخل في (٤) فيه وخرج من دبره، وقال: إنَّه خلق لا يتماسك؛ لأنه أجوف، ثم قال للملائكة الذين معه: أرأيتم إن فُضل هذا عليكم وأمرتم بطاعته ماذا تصنعون؟ قالوا: نطيع أمر ربنا. فقال (٥) إبليس في نفسه: والله لئن سُلطت عليه لأهلكنه ولئن سلِّط علي لأعصينه. فقال الله : ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ -يعني: الملائكة- من الطاعة ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ -يعني: إبليس- من المعصية (٦).

стр. 1160

وقال الحسن وقتادة: ﴿مَا تُبْدُونَ﴾ يعني: قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يعني: قولهم: لن يخلق الله خلقًا (أفضل ولا أكرم عليه منا) (١). القول (٢) في حد الاسم وأقسامه: قال أصحابنا: الاسم كل لفظة دلت علي معنى ما، (وشيء ما) (٣)

стр. 1161

وهو مشتق من السمة وهي: العلامة التي يُعرف بها الشيء، وأقسامه ثمانية: منها اسم علم مثل (١): زيد وعمرو وفاطمة وعائشة، ودار (٢) وفرس، ونحوها. ومنها اسم لازم (٣) كقولك: رجلٌ وامرأةٌ وشمسٌ وقمرٌ وحجرٌ ومدرٌ ونحوها، سُمي لازمًا لأنه لا ينقلب ولا يُفارق، فلا يُقال للشمس: قمرٌ، ولا للقمر: حجرٌ. ومنها اسم مفارق مثل: صغير وكبير، وطفل وكهل، وقليل وكثير، وقيل له: مفارق؛ لأنه كان ولم يكن له هذا الاسم، ويزول عنه (٤) بزوال المعنى المسمى به. ومنها اسم مشتق مثل: كاتب وخيّاط وصائغ وصباغ (٥)، فالاسم مشتق من فعل. ومنها اسم مضاف مثل: غلام جعفر، وثوب عمرو، ودار زيد. ومنها اسم مشبه كقولك: فلان أسد وحمار وشُعلة نار. ومنها اسم منسوب يثبت بنفسه (٦) ويُثبِت غيرَه كقولك: أب وأم

стр. 1162

وأخت وأخٌ، وابنٌ وابنةٌ وزوج وزوجة (١)، فإذا قلت: أب، فقد أثبته وأثبتَّ له الولد (٢)، (وإذا قلت له (٣): أخ فقد أثبتَّه (٤) وأثبت له الأخ أو الأخت ونحوهما) (٥). ومنها اسم الجنس، وهو اسم واحد يدل على أشياء كثيرة كقولك: حيوان، وناس، ونحوهما (٦). ٣٤ - قوله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾: (واذكر إذ قلنا) (٧) ﴿لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾: وهو (٨) سجود (٩) تعظيم وتحية، لا سجود صلاة وعبادة، نظيره: قوله في قصة (١٠) يوسف- ﵇: ﴿وَخَرُّوْا لَهُ سُجَّدًا﴾ (١١)، وكان ذلك

стр. 1163

تحية الناس وتعظيم بعضهم بعضًا، ولم يكن وضع الوجه على الأرض، إنما كان الانحناء والتكفير (١) والتقبيل (والإيماء ووضع اليد على الصدر) (٢) فلما جاء الإسلام أبطل ذلك بالسلام (٣). وفي الحديث: أن معاذ بن جبل رجع من اليمن فسجد لرسول الله ﷺ فتغير وجه رسول الله ﷺ وقال: "ما هذا؟ " فقال: رأيت اليهود يسجدون لأحبارهم، والنصارى يسجدون لقسيسيهم. فقال رسول الله ﷺ : "مه (٤) يا معاذ، كذب (٥) اليهود والنصارى، إنما السجود لله " (٦).

стр. 1164

وقال بعضهم: (كان سجودًا على الحقيقة) (١) جعل آدم قبلة لهم، والسجود لله (٢) كما جعلت الكعبة قبلة لصلاة المؤمنين، والصلاة لله (٣). وقال ابن مسعود: أمرهم الله بأن (٤) يأتموا بآدم فسجدت الملائكة وآدم لله رب العالمين (٥). وقال أبي بن كعب: معناه: أقِروا لآدم بأنه (٦) خير وأكرم عليَّ (٧) منكم، فأقَرُّوا بذلك (٨). والسجود على قول عبد الله وأبي بمعنى: الخضوع والطاعة والتذلل، كقول الشاعر:

стр. 1165

تَرى الأُكمَ (١) فيهِ سُجَّدًا للحَوافِرِ (٢) و(آدم) علي وزن (أَفْعَل) فلذلك لم يصرفه (٣). [٢٥٨] أخبرني أبو (الحسن محمد بن) (٤) القاسم بن أحمد الفقيه (٥) قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يزيد المعدِّل (٦)، قال: حدثنا الحسن بن سفيان (٧) قال: نا أبو بكر بن أبي شيبة (٨) قال: نا عبيد الله (٩)،

стр. 1166

عن إسرائيل (١)، عن السدي (٢)، عمن حدثه، عن ابن عباس (٣) قال: إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض (٤). ومنهم من قال: سمي بذلك لأنه خلق من التراب، والتراب بلسان العبرانية: آدام (٥). ومنهم من قال: سمي بذلك لأدمته، لأنه كان آدم اللون (٦).

стр. 1167

وكنيته: أبو محمد، وأبو البشر. [٢٥٩] أخبرني محمد بن القاسم الفارسي (١) قال: نا عبد الله بن أحمد الشيباني (٢) قال: نا (٣) أبو عمرو الحيري (٤) قال: أنا (٥) أحمد بن

стр. 1168

يحيى الصوفي (١) قال: نا عبد ربه بن علقمة (٢) قال: نا عمر بن حفص (٣)، عن سعيد بن أبي عروبه (٤)، عن قتادة (٥) قال: ليس (٦) في الجنَّة أحدٌ يكنى إلا آدم يكنى أبا محمد (٧).

стр. 1169

(وقراءة العامة للملائكة) (١) بخفض التاء. وقرأ أبو جعفر (٢) بضمها تشبيهًا لتاء (٣) التأنيث بألف الوصل في قوله: ﴿اسْجُدُواْ﴾ لأن ألف الوصل تذهب في الوصل، لأنها زائدة غير أصلية، وكذلك تاء التأنيث زائدة غير أصلية ولا ثابتة، فضمها علي جوار ألف (٤) ﴿اسْجُدُواْ﴾، وقيل: كُره ضمة (٥) الجيم بعد كسرة التاء؛ لأن العرب تكره الضمة بعد الكسرة، لثقلها، وهي قراءة ضعيفة جدًّا، وأكثر النحاة علي تغليطه فيها (٦). ﴿فَسَجَدُوا﴾ يعني: الملائكة ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ وكان اسمه عزازيل (٧)

стр. 1170

فلما عصى غُيرت صورته وغيِّر اسمه فقيل (١): إبليس؛ لأنه أبلس من رحمة الله، كما يقال: يا خبيث يا فاسق. وهو منصوب على الاستثناء، ولا يُصرف لاجتماع العجمة والمعرفة فيه (٢). ﴿أَبَى﴾ امتنع فلم يسجد، ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ أي: تكبَّر وتعظم عن السجود لآدم ﴿وَكَانَ﴾ أي: صار، ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ (٣). قال أكثر المفسرين: معناه (٤): وكان في (علم الله) (٥) السابق من الكافرين الذين وجبت لهم (٦) الشقاوة (٧).

стр. 1171

[٢٦٠] أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان (١) قال: أنا مكي بن عبدان (٢) قال: نا عبد الله بن هاشم (٣) قال: نا أبو معاوية (٤) عن الأعمش (٥) عن أبي صالح (٦) عن أبي هريرة (٧) قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويله (٨) أمر ابن آدم بالسجود، فسجد فله الجنّة، وأُمِرتُ بالسجود فأبيت فلي النار" (٩).

стр. 1172

[٢٦١] أخبرنا (أبو محمد الحسن بن علي السِّجْزي الخطيب) (١) قال: أنا أحمد بن سعيد الخطيب (٢) إجازة قال: نا إبراهيم بن يحيى (٣) قال: نا علي (٤) قال: نا جرير (٥) عن الأعمش (٦)، عن زياد ابن الحصين (٧)، عن أبي العالية (٨) قال: لما ركب نوح ﵇ السفينة إذا هو بإبليس على كوثلها (٩) فقال له: ويحك قد غرق الناس من أجلك! قال: فما تأمرني؟ قال: تُب. قال: سل ربك: هل لي من توبة؟ فقال: إن توبته أن يسجد لقبر آدم، فقال: تركته حيًّا وأسجد له ميتًا (١٠).

стр. 1173

٣٥ - قوله : ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾: وذلك أن آدم ﵇ كان في الجنّة وحشيًّا لم يكن له من يُجالسه (١) ويؤانِسه، فنام نومة فخلق الله زوجته حواء ﵍ من قصيراه، من شقه الأيسر، من غير أن أحس آدم بذلك، ولا وجد له ألمًا، ولو ألم من ذلك لما عطف رجل على امرأةٍ، فلما هبّ آدم من نومه إذا (٢) هو بحواء جالسة عند رأسه كأحسن ما خلق الله، فقال لها: من أنت؟ قالت: زوجتك (٣) خلقني الله لك تسكن (٤) إليّ وأسكن إليك، فقالت الملائكة عند ذلك امتحانًا لعلم آدم ﵇: يا آدم ما هذِه؟ قال: امرأة، قالوا: وما اسمها؟ قال: حواء، قالوا: ولم سُميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من حيّ. قالوا: أتحبها يا آدم؟ قال: نعم. قالوا لحوّاء: أتحبينه يا حوّاء؟ قالت: لا، وفي قلبها أضعاف ما في قلبه من حُبّه (٥). قالوا: فلو صدقت امرأةٌ في حُبّها لزوجها لصدقت حوّاء (٦).

стр. 1174

مسألة: قالت القدرية (١): إنَّ الجنَّة التي أسكنها الله آدم وحوّاء (٢) لم تكن جنة الخلد، وإنما كان بُستانًا من بساتين الدنيا، واحتجوا بأن الجنَّة لا يكون فيها ابتلاءٌ (٣) ولا تكليف (٤). والجواب: أنا قد أجمعنا على أن أهل الجنَّة مأمورون فيها بالمعرفة ومكلفون بذلك. وجوابٌ آخر: وهو أن الله تعالى قادر على الجمع بين الأضداد، فأرى آدم المحنة في الجنَّة، وأرى إبراهيم النعمة في النار؛ لئلا يأمن العبد ربّه، ولا يقنط من رحمته؛ وليعلم أن له أن يفعل ما يشاء. واحتجوا -أيضًا- (٥) أن (٦) من (٧) دخل الجنَّة يستحيل عليه الخروج

стр. 1175

منها، قال الله : ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (١). فالجواب عنه: أنَّه من دخلها للثواب لا يخرج منها أبدًا، وآدم لم يدخلها للثواب، ألا ترى أن رضوان وخزان الجنان يدخلونها ثم يخرجون منها، وإبليس -أيضًا- كان خازن الجنّة فأخرج منها (٢). قوله تعالى: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾ أي: واسعًا كثيرًا ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ أي: كيف شئتما ومتى شئتما وأين شئتما حَيْثُ شِئْتُمَا ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ قال بعض العلماء: وقع النهي علي (٣) جنس من الشجر (٤). وقال آخرون: وقع (٥) النهي علي شجرةٍ مخصوصة. (واختلفوا فيها) (٦): فقال علي بن أبي طالب ﵁: هي شجرة الكافور (٧).

стр. 1176

وقال قتادة: هي شجرة العلم وفيها من كل شيء (١). وقال محمد بن كعب ومقاتل وابن عباس: هي السنبلة (٢). وقيل: هي الحُبلة (٣). ﴿فَتَكُونَا﴾ فتصيرا ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ من الضارين لأنفسكما بالمعصية، وأصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه.

стр. 1177

٣٦ - ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ يعني: استزلّ آدم وحواء فأخرجهما ونحَّاهُما. وقرأ حمزة (فأزالهما الشيطان) (١) يعني (٢): إبليس، وهو (فيعال) (٣) من (شطن) أي: بعُد، ونوى شطون، سُمي بذلك لتمرده وبُعده من (٤) الخير وعن رحمة الله ﴿عَنْهَا﴾ أي: عن الجنَّة، وقيل: عن الطاعة ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ يعني (٥): من النعيم، وذلك أن إبليس (٦) أراد أن يدخل الجنَّة ليوسوس آدم وحواء فمنعه (٧) الخزنة، فأتى الحية، وكانت من أحسن الدوابّ، لها أربعُ قوائم كقوائم البعير، وكانت من خُزّان الجنَّة، وكانت لإبليس صديقًا، فسألها أن تُدخله الجنَّة (٨) في

стр. 1178

فقمها (١)، فأدخلته في فقمها (٢) ومرّت به على الخزنة وهم لا يعلمون، فأدخلته الجنَّة، وكان آدم لما دخل الجنَّة ورأى ما فيها من النعيم والكرامة فقال: لو أن خُلدًا (٣)، فاغتنم الشيطان ذلك منه فأتاه من قِبل الخُلد، فلمَّا دخل الجنَّة وقف (٤) بين يدي آدم وحوّاء وهما لا يَعلمَان أنّه إبليس، فناح عليهما نياحةً (٥) أحزنتهما وبكى، (وهو أول من ناح) (٦)، فقالا له: ما يُبكيك، قال: أبكي عليكما (٧) تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة والكرامة، فوقع ذلك في أنفسهما، فاغتمّا، ومضى (٨) إبليس (٩)، ثم أتاهما (١٠) بعد ذلك وقال: ﴿يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ (١١)، فأبى أن

стр. 1179

يقبل منه (١)، فقاسمهما بالله إنه لهما (٢) لمن الناصحين، فاغترَا وما كانا يَظنَّان أنَّ أحدًا يحلف بالله كاذبًا، فبادرت حوّاء إلى أكل الشجرة، ثم ناولت آدم حتَّى أكلها (٣).

стр. 1180

وروى (محمد بن إسحاق) (١) عن يزيد بن عبد الله بن قسيط (٢) قال: سمعت سعيد بن المسيب (٣) يحلف بالله -ما يستثني-: ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ولكن حواء سقته الخمر حتَّى إذا (٤) سكر

стр. 1181

قادته إليها فأكل فلمَّا أكلا تهافتت عنهما ثيابهما وبدت سوآتهما وأخرجا من الجنَّة (١). فذلك قوله : ﴿وَقُلْنَاْ﴾ يعني: لآدم وحوّاء وإبليس والحية (٢) ﴿اهْبِطُوا﴾ أي: أنزلوا إلى الأرض ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فهبط آدم بسرنديب (٣) من أرض الهند على جبل يقال له: نوذ، وقيل: واسم (٤)، وحواء بجدة، وإبليس بالأُبلة، وقيل: بميسان (٥)، والحية

стр. 1182

بأصبهان (١)، ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ ي: موضع قرار وثبوت ﴿وَمَتَاعٌ﴾ بُلْغة ومستمتع ﴿إِلَى حِينٍ﴾ إلى وقت انقضاء آجالِكُم، ومنْتهى أعماركم (٢). [٢٦٢] سمعت الحسن بن محمد بن الحسن (٣) يقول: سمعت أبي يقول (٤): سمعت جدي (٥) يقول: سمعت علي بن الحسن بن أبي عيسى (٦) يقول:

стр. 1183

سمعت إبراهيم بن الأشعث (١) يقول: سمعت إبراهيم بن أدهم (٢)

стр. 1184

يقول: أورثتنا تلك الأكلة حزنًا طويلًا (١). ٣٧ - قوله ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ﴾ أي: فتلقّن وحفظ حين لُقّن وتفَهّم حين أُلْهم، وقراءة العامة ﴿آدَمُ﴾ برفع الميم ﴿مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ بكسر (٢) التاء، وقرأ ابن كثير بنصب الميم، ورفع التاء، بمعنى (جاءت الكلمات آدم من ربه، وكانت سبب قبول توبته) (٣) (٤). واختلفوا في تلك الكلمات: فقال ابن عباس: هو أن آدم ﵇ قال: يا ربّ ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: ألم تنفخ فيَّ من روحك؟ قال: بلى. قال: ألم تسبق لي رحمتُك غضبَك؟ قال: بلى. قال: ألم تسكنِّي جنتك؟ قال: بلى. قال: فلم أخرجتني منها (٥)؟ قال: بشؤم معصيتك. قال: يا رب أرأيت

стр. 1185

إن تبتُ وأصلحتُ أراجعي أنت إلى الجنّة؟ قال: بلى. قال (١): فهو (٢) الكلمات (٣). وقال عبيد بن عمير: هو أنَّ آدم ﵇ قال: يا رب أرأيت ما أتيتُ أشيءٌ ابتدعته من تلقاء نفسي، أم شيء قدرته عليّ قبل أن تخلقني؟ قال: لا، بل شيء قدرته عليك قبل أن أخلقك. قال: يا رب فكما قدّرته عليّ فاغفر لي (٤). [٢٦٣] أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون (٥) (بقراءتي عليه) (٦)

стр. 1186

قال: أنا أحمد بن محمد بن الحسن (١) قال: نا محمد بن يحيى (٢)، وعبد الرحمن بن بشر (٣)، وأحمد بن يوسف (٤) قالوا: نا عبد الرزاق (٥) قال: أنا معمر (٦)، عن همام بن منبّه (٧) قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة (٨) عن محمد رسول الله ﷺ قال: "تحاجَّ آدمُ وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الَّذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنَّة إلى الأرض؟ فقال له آدم: أنت موسى (الَّذي اصطفاك) (٩) الله على الناس برسالته (١٠)؟ قال: نعم. قال: أتلومني على أمر كان (١١) قد كُتب عليّ أن أفعله من قبل أن أُخلق؟ " قال: "فحج آدمُ موسى" (١٢). وقال محمد بن كعب القرظي: هو قوله: لا إله إلا أنت سبحانك

стр. 1187

وبحمدك عملتُ سوءًا وظلمت نفسي، فتب علي إنك أنت التواب الرحيم، (لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ربِّ (١) عملت سوءًا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم) (٢)، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ربِّ عملت سوءًا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين (٣). [٢٦٤] وأخبرني محمد بن القاسم (٤) قال: نا محمد بن يزيد (٥) قال: نا الحسن بن سفيان (٦) قال: نا أبو بكر بن أبي شيبة (٧) قال:

стр. 1188

أنا محمد بن الحسن الأسدي (١) قال: نا شريك (٢)، عن خصيف (٣)،

стр. 1189

عن عكرمة (١) عن ابن عباس (٢) في قوله : ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ قال: قوله: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣)

стр. 1190

وكذلك قاله (١) مجاهد (٢) والحسن (٣). وقال بعضهم: هي أن آدم ﵇ انظر إلى العرش فرأى علي ساقه مكتوبًا لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ فقال: يا رب أسألك (٤)

стр. 1191

بحق محمد أن تغفر لي، (فغفر له) (١)، ودليل هذا التأويل ما: [٢٦٤] أخبرنا أبو نصر النعمان بن محمد بن النعمان (٢) بقراءتي عليه قال: نا أبو العباس محمد بن أحمد بن علي الإمام (٣) قال: نا أبو بكر محمد بن الفضل (٤) إملاء قال: نا أبو الفضل الباهلي (٥) قال: نا لاهن بن جعفر التميمي (٦)، قال: نا أبو عاصم النبيل (٧) عن

стр. 1192

ابن جريج (١) عن عطاء (٢) عن ابن عباس (٣) عن علي بن أبي طالب (٤) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لما عرج بي رأيت على ساق العرش مكتوبًا لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق وعمر الفاروق" (٥).

стр. 1193

وقيل: هن (١) ثلاثة أشياء: الحياء والدعاء والبكاء (٢). [٢٦٦] أخبرني محمد بن القاسم (٣) قال: نا عبد الرحمن بن محمد ابن محبوب قال: نا أبو يحيى البزاز قال: نا يعقوب بن إسحاق الشيباني (٤) قال: نا خلف بن يحيى القاضي (٥) قال: حدثني المسيب

стр. 1194

ابن شريك (١)، عن أبي بكر الهذلي (٢)، عن شهر بن حوشب (٣) قال: بلغني أن آدم ﵇ (لما أهبط إلى الأرض مكث ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه حياءً من الله (٤). وقال ابن عباس: بكى آدم وحواء) (٥) على ما فاتهما من نعيم الجنة

стр. 1195

مائتي سنة، ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يومًا، ولم يقرب آدم حوّاء مائة (١) سنة (٢). ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ أي: فتجاوز عنه ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ يعني (٣): يقبل توبة عباده، رحيم بخلقه. ٣٨ - ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ يعني: آدم وحواء وإبليس والحية، ثم قال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (يا ذرية آدم) (٤) ﴿مِنِّي هُدًى﴾ أي: كتاب ورسول ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ (فيما يستقبلهم يوم القيامة) (٥) ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خلَّفوا وراءهم (٦). ٣٩ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: جحدوا ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ يعني: القرآن ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لا يخرجون منها ولا يموتون فيها.
следующие страницы →