← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 11271–11310 · переход к 11276.

стр. 11271

الآخر ورجل له بالمشرق) (١)، والخلق بين رجليه، ورأسه وجسده كما بين السماء والأرض، وجُعلت له الدنيا مثل راحة اليد، صاحبها يأخذ منها ما أحب في غير مشقة ولا عناء، أي: مثل اللبنة بين يديه، فهو يقبض أنفس الخلق في مشارق الأرض ومغاربها، وله أعوان من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب (٢). [٢٢٣٤] وأخبرني الحسين بن محمَّد بن الحسين (٣)، عن (٤) عبد الله ابن يوسف بن أَحْمد بن مالك (٥)، عن (٦) الخطاب بن أَحْمد بن عيسى (٧)، قال: أخبرني أبو نافع أَحْمد بن كثير (٨)، عن (٩) كثير بن هشام (١٠)،

стр. 11272

عن (١) جعفر بن برقان (٢) (٣)، عن (٤) يزيد بن الأصم (٥)، عن ابن عباس، قال: إن خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب (٦). [٢٢٣٥] وأخبرنا الحسين بن محمَّد (٧)، عن (٨) عبد الله بن يوسف (٩)، عن (١٠) عبد الرَّحِيم بن محمَّد (١١)، عن (١٢) سلمة بن شبيب (١٣)، عن (١٤) الوليد بن سلمة الدِّمشقيّ (١٥)، عن (١٦) ثور بن

стр. 11273

يزيد (١)، عن خالد بن معدان (٢)، عن معاذ بن جبل (٣)، قال: إن لملك الموت حربةً تبلغ ما بين المشرق والمغرب، وهو يتصفح وجوه النَّاس، فما من أهل بيت إلَّا وملك الموت يتفحصهم في كل يوم مرتين، فإذا رأى إنسانًا قد انقضى أجله ضرب رأسه بتلك الحربة وقال: الآن يزار بك عسكر الأموات (٤). [٢٢٣٦] وأخبرنا (٥) الحسين بن محمَّد (٦)، قال: أخبرني (٧) أبو بكر بن مالك القطيعي (٨)، عن (٩) عبد الله بن أَحْمد بن حنبل (١٠)،

стр. 11274

عن (١) أبي (٢)، عن (٣) (عبد الله) (٤) بن نمير (٥)، عن (٦) الأَعمش (٧)، عن خيثمة (٨)، وعن شهر بن حوشب (٩)، قال: دخل ملك الموت ﵇ على سليمان، فجعل ينظر إِلَى رجل من جلسائه يديم إليه النظر، فلما خرج قال الرَّجل: من هذا؟ قال: هذا ملك الموت، قال: لقد (١٠) رأيته ينظر إليّ كأنه يريدني، قال: فما تريد؟ قال: أريد أن تحملني على الريح فتلقيني بالهند. فدعا بالريح فحملته عليها فألقته بالهند، ثم أتى ملك الموت سليمان ﵇ فقال: إنك كنت تديم النظر إِلى رجل من جلسائي. قال: كنت أعجب منه إني أمرت أن قبض روحه بالهند وهو عندك (١١).

стр. 11275

فإن قيل: ما الجمع بين قوله: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ (١) ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (٢) ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ (٣)، وقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (٤) و ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ (٥). قيل: تُوفِّي الملائكة: القبض والنزع، وتوفي ملك الموت: الدعاء والأمر، يدعو الأرواح فتجيبه ثم يأمر أعوانه بقبضها، وتوفي الله سبحانه: خلق الموت فيه (٦) والله أعلم، ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.

стр. 11276

١٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ أي (١): مطأطئو (٢) رؤوسهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ حياءً منه للذي سلف من معاصيهم في الدنيا يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ ما كنا به مكذبين ﴿وَسَمِعْنَا﴾ منك تصديق ما أتتنا به رسلك ﴿فَارْجِعْنَا﴾ فأرددنا إِلَى الدنيا ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ وجواب لو مضمر مجازه: لرأيت العجب (٣). ١٣ - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ رشدها وتوفيقها للإيمان ﴿وَلَكِنْ حَقَّ﴾ وجب وسبق ﴿الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وهو قوله لإبليس (٤): ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾ (٥) ثم يقال لأهل النَّار.

стр. 11277

١٤ - ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: تركتم الإيمان به ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ تركناكم في النَّار ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. [٢٢٣٧] أخبرنا الحسين بن محمَّد بن فنجويه (١)، عن أَحْمد بن الحسن بن ماجه القزويني (٢)، عن (٣) الحسن بن أَيُّوب القزويني (٤)، عن (٥) عبد الله بن أبي زياد (٦) القطواني (٧) (٨)، عن سيار (٩)، عن حماد الصفار (١٠)، عن حجاج الأسود (١١)، عن خالد (١٢)، عن مولى له، عن كعب (١٣) قال: إذا كان يوم القيامة يقوم الملائكة فيشفعون، ثم يقوم (الأنبياء فيشفعون، ثم يقوم) (١٤) الشُّهداء

стр. 11278

فيشفعون، ثم يقوم المؤمنون فيشفعون حتَّى إذا انصرمت الشفاعة كلها فلم يبق أحدٌ خرجت الرحمة فتقول: يَا رب أنا الرحمة فشفعني. فيقول: قد شفعتك. فتقول: يَا رب فيمن؟ فيقول؛ فيمن ذكرني في مقام واحد (١) وخافني فيه أو رجاني أو دعاني دعوة واحدة خافني (٢) أو رجاني فأخرجيه. قال: فيخرجون فلا يبقى في النَّار أحد يعبأ الله به شيئًا ثم يعظم أهلها بها، ثم يؤمر بالباب فتقبض عليهم فلا يدخل فيها روح أبدًا ولا يخرج منها غمّ أبدًا ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ (٣). ١٥ - ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الإيمان به والسجود له. ١٦ - ﴿تَتَجَافَى﴾ (٤)

стр. 11279

أي: ترتفع وتتنحى، وهو تتفاعل من الجفاء: النبو والتباعد (١)، تقول العرب: جاف ظهرك على الجدار، وجفت عين فلان عن الغمض إذا لم تنم ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. [٢٢٣٨] أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمَّد بن الحسين (٢)، قال: أخبرني (٣) أبو عمرو عثمان بن أَحْمد بن سمعان الرزاز (٤) (٥)، عن (٦) عبد الله بن قحطبة بن مرزوق (٧)، عن (٨) محمَّد بن موسى الحرشي (٩)،

стр. 11280

عن الحارث بن وجيه الراسبي (١)، قال: سمعت مالك بن دينار (٢) يقول: سأَلتُ أنس بن مالك عن قول الله تعالى ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. فقال أنس: كان أناس من أصحاب رسول الله ﷺ يصلون من صلاة المغرب إِلَى صلاة العشاء الآخرة، فأنزل الله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (٣). [٢٢٣٩] أخبرني الحسين بن محمَّد (٤)، قال: حدثنا، موسى بن محمَّد (٥)، قال: حدثنا الحسن بن علويه (٦)، قال: حدثنا إسماعيل

стр. 11281

ابن عيسى (١)، عن المسيّب (٢)، عن سعيد بن أبي عروبة (٣)، عن قتادة (٤)، عن أنس بن مالك، قال: نزلت فينا معاشر الْأَنصار ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ الآية، كنا نصلي المغرب فلا نرجع إِلَى رحالنا حتَّى نصلي العشاء مع النَّبِيّ ﷺ وآله (٥). [٢٢٤٠] وأخبرنا الحسين بن محمَّد (٦)، عن (٧) عبد الله بن إبراهيم (٨)، بن (٩) علي بن عبد الله (١٠)، نا عبد الله بن محمَّد بن وهب (١١)، نا محمَّد بن حميد (١٢)، نا يحيى بن الضُّرَيس (١٣)، نا

стр. 11282

النضر بن حميد (١)، عن سعد (٢)، عن الشعبي (٣)، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من عقّب ما بين المغرب والعشاء بُني له في الجنة قصران مسيرة مائة عام، وفيهما من الشجر ما لو نزلها أهل المشرق وأهل المغرب لأوسعتهم (٤) فاكهة، وهي صلاة الأوابين وغفلة الغافلين، وإن من الدعاء المستجاب الذي لا يرد الدعاء ما بين المغرب والعشاء" (٥).

стр. 11283

وقال عطاء: يعني يصلون صلاة العَتمَة (١) لا ينامون عنها (٢)، يدل عليها: [٢٢٤١] ما أنبأني عبد الله بن حامد بن محمَّد (٣) (٤)، أنا (عبد الصمد بن الحسن بن عليّ بن مكرم (٥)، نا السري بن سهل (٦)، نا عبد الله بن رشيد (٧)، نا) (٨) أبو عبيدة مجاعة بن الزُّبير (٩)، عن

стр. 11284

أَبَان (١) قال: جاءت امرأة (٢) إِلَى أنس بن مالك فقالت: إنِّي أنام قبل العشاء، فقال: لا تنامي فإن هذِه الآية نزلت في الذين لا ينامون قبل العشاء الآخرة (٣) ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (٤). وقال أبو العالية والحسن ومجاهد وابن زيد: هو التهجد وقيام الليل (٥)، ودليل هذا التأويل:

стр. 11285

[٢٢٤٢] ما أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه (١)، نا أبو بكر بن مالك القطيعي (٢)، نا عبد الله بن أَحْمد بن حنبل (٣)، نا أبي (٤)، نا زيد بن الحباب (٥)، نا حماد بن سلمة (٦)، عن عاصم (٧)، عن شهر بن حوشب (٨)، عن معاذ (٩)، عن النَّبِيّ ﷺ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قال: "قيام العبدِ في الليل" (١٠).

стр. 11286

[٢٢٤٣] وأخبرنا (١) عبد الله بن حامد الأَصْبهانِيّ (٢)، أنا محمَّد ابن عبد الله بن عبد الواحد الهمداني (٣)، نا إسحاق بن إبراهيم الدبري (٤)، أنا عبد الرزاق (٥)، عن معمر (٦)، عن عاصم بن أبي النجود (٧)، عن أبي وائل (٨)، عن معاذ، قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفرنا (٩) فأصبحت (١٠) قريبًا منه ونحن نسير فقلت له (١١): يَا

стр. 11287

نبي الله ألا تخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النَّار، قال: "يَا معاذ لقد سألت عن شيء (١) عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت"، ثم قال (٢): "ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ غضب الرب وصلاة الرَّجل في جوف الليل" ثم قرأ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتَّى بلغ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (ثم قال: "ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه، الجهاد") (٣) ثم قال: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ "، فقلت: بلى يَا رسول الله، فأخذ بلسانه فقال: "اكفف عليك هذا"، فقلت: يَا رسول الله وإنّا لمؤاخذون بما نتكلم؟ فقال: "ثكلتك أمك يَا معاذ وهل يكب النَّاس في النَّار على وجوههم -أو على مناخرهم- إلَّا حصائد ألسنتهم" (٤).

стр. 11288

وقال الضحاك: هو أن يصلي الرَّجل العشاء والغداة في جماعة (١). [٢٢٤٤] أخبرني الحسين بن محمَّد فنجويه (٢)، نا أَحْمد بن الحسين بن ماجه (٣)، نا أبو عوانة الكُوفيّ (٤) بالري، نا منجاب بن الحارث (٥)، أنا علي بن مسهر (٦)، عن عبد الرحمن بن إسحاق (٧)، عن شهر بن حوشب (٨)، عن أسماء بنت يزيد (٩)، قالت: سمعت

стр. 11289

رسول الله ﷺ يقول: "إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء منادٍ فنادئ بصوت يسمع الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم. ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت (١) تتجافى جنوبهم عن المضاجع. فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء. فيقومون وهم قليل، فيسرحون جميعًا إِلى الجنة ثم يحاسب سائر النَّاس" (٢). ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. ١٧ - ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (٣)

стр. 11290

أي: خبِّئ لهم، هذِه قراءة العامة، وقرأ حمزة ويعقوب: (أُخْفِيْ) (١) مُرْسَلة بالياء أي: أنا أخفي، وحجتها قراءة عبد الله: (نُخْفِي) بالنون (٢). وقرأ محمَّد بن كعب: (أَخْفَى) (٣) بالألف يعني: أَخْفَى الله ﴿مِنْ

стр. 11291

قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ قراءة العامة على التوحيد (١) (٢). [٢٢٤٥] أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان (٣)، نا مكّيّ بن عبدان (٤)، نا عبد الله بن هاشم (٥)، نا أبو معاوية (٦)، عن الأَعمش (٧)، (عن أبي صالح (٨)، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين

стр. 11292

رأت ولا) (١) ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"، قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "ومن بَلْهَ (٢) ما قد أطلعتكم عليه اقرءوا إن شئتم ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ (٣). قال (٤): وكان أبو هريرة يقرأ هكذا: (قُرَّاتِ أَعْيُن) (٥)، وقال ابن مسعود: إن في التوراة مكتوبًا: لقد أعدَّ الله للذين تتجافى جنوبهم عن

стр. 11293

المضاجع ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولا يخطر على قلب بشر، وما لا يعلمه ملك مقرب، وإنه لفي القرآن: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (١) الآية. ١٨ - قوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾ الآية نزلت في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان لأمه، وذلك أنَّه كان بينهما تنازع وكلام في شيء، فقال الوليد لعلي: اسكت فإنَّه صبي، وأنا والله أبسط منك لسانًا وأحدّ منك سنانًا وأشجع جنانًا وأملأُ منك حشوًا في الكتيبة. فقال له علي: اسكت! فإنك فاسق (٢) فأنزل الله : ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾ (٣)، ولم يقل يستويان؛ لأنه لم يرد بالمؤمن مؤمنًا واحدًا وبالفاسق فاسقًا واحدًا، وإنما أراد جميع

стр. 11294

الفساق وجميع المُؤْمنين، قال الفراء: إن الاثنين إذا لم يكونا مصمودين (١) لهما ذهب بهما مذهب الجمع (٢). ثم ذكر حال الفرقتين ومآلهما فقال عز من قائل: ١٩ - ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢٠ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾. ٢١ - ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)﴾. قال أُبي بن كعب وأبو العالية والضَّحَاك والحسن وإبراهيم: العذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وبلاؤها مما يبتلي الله به العباد حتَّى يتوبوا. وهذِه رواية الوالبي عن ابن عباس (٣)، عكرمة

стр. 11295

عنه: الحدود (١)، عبد الله بن مسعود والحسن بن عليّ وعبد الله بن الحارث: القتل بالسيف يوم بدر (٢). مقاتل: الجوع سبع سنين بمكة حتَّى أكلوا الجيف والعظام والكلاب (٣).

стр. 11296

مجاهد: عذاب القبر (١)، قالوا: والعذاب الأكبر يوم القيامة (٢) ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عن كفرهم. ٢٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ المشركين ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ قال زيد (٣) بن رفيع: عنى بالمجرمين ها هنا أصحاب القدر (٤) ثم قرأ: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾ إلى قوله:

стр. 11297

﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (١). [٢٢٤٦] وأخبرنا الحسين بن محمَّد الحديبي (٢) (٣)، نا أَحْمد بن محمَّد بن إسحاق السني (٤)، قال: أخبرني جماهير بن محمَّد الدِّمشقيّ (٥)، نا هشام بن عمار (٦)، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش (٧)، عن عبد العزيز بن عبيد الله (٨)،

стр. 11298

عن عبادة بن نُسي (١)، عن جنادة (٢) بن أبي أمية (٣)، عن معاذ بن جبل: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ثلاثٌ من فعلهن فقد أجرم: من عقد (٤) لواءً في غير حق، أو عقَّ والديه، أو مشى مع ظالم لينصره فقد أجرم يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (٥).

стр. 11299

٢٣ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ ليلة المعراج عن ابن عباس (١)، وقال السدي: من تلقيه كتاب الله تعالى بالرضا والقبول (٢). قال أهل المعاني: لم يرد باللقاء الرؤية وإنما أراد مباشرة الحال وتبليغه رسالة الله وقبوله كتاب الله تعالى (٣)، وقيل: من لقاء الله الخطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره (٤). ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ يعني: الكتاب (٥)، وقال قتادة: موسى (٦) ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.

стр. 11300

٢٤ - ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾ قادة في الخير يقتدى بهم ﴿يَهْدُونَ﴾ يدعون ﴿بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ قرأ حمزة والكسائي (لِمَا) بكسر اللام وتخفيف الميم (١)، أي: لصبرهم، واختاره أبو عبيد اعتبارًا بقراءة عبد الله (بِمَا صَبروا) (٢) وقرأ الباقون (٣): بفتح اللام وتشديد الميم، أي: حين صبروا.

стр. 11301

﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. ٢٥ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ (١) (يقضي بينهم (٢) ويُسمي أهل اليمن القاضي الفيصل) (٣) ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. ٢٦ - ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦)﴾ آيات الله وعظاته فيتعظون بها. ٢٧ - قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ أي: اليابسة المغبرة الغليظة التي لا نبات فيها، وأصله من قولهم: ناقة جراز إذا كانت تأكل كل شيء تجده، ورجل جروز، إذا كان أكولًا (٤)، قال الراجز: خب جروز وإذا جاع بكى ويأكل التمر ولا يلقي النوى (٥)

стр. 11302

وسيف جراز أي: قاطع، وجرزت الجراد الزرع إذا استأصلته، فكأن الجرز هي الأرض التي لا يبقى على ظهرها شيء إلا أفسدته وفيه أربع لغات: جُرز وجَرُز وجَرْزَ وجَرَز. قال ابن عباس: هي أرض باليمن (١)، قال مجاهد: هي أَبْيَن (٢) ﴿فَنُخْرِجُ﴾ فننبت ﴿بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾. ٢٨ - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. قال بعضهم: أراد بيوم الفتح يوم القيامة الذي فيه الثواب والعقاب والحكم بين العباد (٣).

стр. 11303

قال قتادة: قال أصحاب النبي ﷺ : "إن لنا يومًا ننعم فيه ونستريح ويحكم بيننا وبينكم"، فقال الكفار استهزاءً: ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ أي: القضاء والحكم (١) (وقال الكلبي: يعني فتح مكة، وقال السدي: يعني يوم بدر؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون لهم إن الله ناصرنا ومُظهرنا عليهم) (٢). ٢٩ - ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ يوم القيامة ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ ومن تأول النصر قال: لا ينفعهم إيمانهم إذا جاءهم العذاب وقتلوا (٣). ٣٠ - ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾

стр. 11304

قراءة العامة (مُنْتَظِرُونَ) بكسر الظاء (١)، وقرأ محمَّد بن السميفع بفتح الظاء (٢) قال الفراء: لا يصح هذا إلَّا بإضمار مجازه إنهم منتظرون ربهم (٣)، قال: أبو حاتم: الصحيح كسر الظاء (٤) نظيره ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾ [الدخان: ٥٩] (٥).

стр. 11305

٣٣ - سُورَة الأحزاب

стр. 11306

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ سورة الأحزاب (١) مدنية، وهي خمسة آلاف وسبعمائة وستة وتسعون حرفًا، وألف ومائتان وثمانون كلمة، وثلاث وسبعون آية. [٢٢٤٧] أخبرنا الأستاذ الإِمام أبو إسحاق الثعلبي ﵀ قال: أخبرنا محمَّد بن القاسم بن أَحْمد (٢) بقراءتي عليه، قال: أخبرنا عبد الله ابن أَحْمد بن جعفر (٣)، قال: أخبرنا أبو عمرو الحيري (٤)، وعمرو بن عبد الله البَصْرِيّ (٥)، قالا (٦): أخبرنا محمَّد بن عبد الوهَّاب العبدي (٧) قال: أخبرنا أَحْمد بن عبد الله بن يونس (٨) قال: أخبرنا سلام بن سليم (٩) قال: أخبرنا هارون بن كثير (١٠)، عن زيد بن أسلم (١١)، عن

стр. 11307

أَبيه (١)، عن أبي أُمامة (٢)، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة الأحزاب وعلمها أهله وما ملكت يمينه أعطي الأمان من عذاب القبر" (٣).

стр. 11308

١ - قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيًّاتَّقِ اللهَ﴾ نزلت في أبي سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي الأعور عمرو بن سفيان السلمي، وذلك أنَّهم قدموا المدينة (١) فنزلوا على عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين بعد قتال أحد (٢)، وقد أعطاهم النَّبِيّ ﷺ الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن سعد بن

стр. 11309

أبي سرح، وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي ﷺ وعنده عمر بن الخَطَّاب ﵁: ارفض (١) ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة (٢) وقل إن لها شفاعة ومنعة لمن عبدها وندعك وربك. فشق على النَّبِيّ ﷺ قولهم. فقال عمر بن الخَطَّاب ﵁: ائذن لنا يَا رسول الله في قتلهم. فقال ﵇: إنِّي قد أعطيتهم الأمان. فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه. فأمر النَّبِيّ ﷺ عمر أن يخرجهم من المدينة، وأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ من أهل مكة يعني: أَبا سفيان، وأبا الأعور، وعكرمة، والمنافقين عبد الله بن أبي،

стр. 11310

وعبد الله بن سعد، وطعمة (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. ٢ - ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢)﴾ الياء أبو عمرو، وغيره بالتاء (٢). ٣ - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. [٢٢٤٨] وأخبرنا ابن فنجويه (٣) قال: أخبرنا موسى بن عليّ (٤) قال: أخبرنا الحسن بن علويه (٥) قال: أخبرنا إسماعيل بن عيسى (٦) قال: أخبرنا المسيّب (٧)، عن شيخ من أهل الشَّام قال: قدم على رسول الله ﷺ ناس من ثقيف، فطلبوا إليه أن يمتعهم باللات والعزى سنة، وقالوا: لتعلم قريش منزلتنا منك، فهمَّ النَّبِيّ ﷺ بذلك (٨)، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ الآيات.
следующие страницы →