← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 11306–11345 · переход к 11311.

стр. 11306

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ سورة الأحزاب (١) مدنية، وهي خمسة آلاف وسبعمائة وستة وتسعون حرفًا، وألف ومائتان وثمانون كلمة، وثلاث وسبعون آية. [٢٢٤٧] أخبرنا الأستاذ الإِمام أبو إسحاق الثعلبي ﵀ قال: أخبرنا محمَّد بن القاسم بن أَحْمد (٢) بقراءتي عليه، قال: أخبرنا عبد الله ابن أَحْمد بن جعفر (٣)، قال: أخبرنا أبو عمرو الحيري (٤)، وعمرو بن عبد الله البَصْرِيّ (٥)، قالا (٦): أخبرنا محمَّد بن عبد الوهَّاب العبدي (٧) قال: أخبرنا أَحْمد بن عبد الله بن يونس (٨) قال: أخبرنا سلام بن سليم (٩) قال: أخبرنا هارون بن كثير (١٠)، عن زيد بن أسلم (١١)، عن

стр. 11307

أَبيه (١)، عن أبي أُمامة (٢)، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة الأحزاب وعلمها أهله وما ملكت يمينه أعطي الأمان من عذاب القبر" (٣).

стр. 11308

١ - قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيًّاتَّقِ اللهَ﴾ نزلت في أبي سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي الأعور عمرو بن سفيان السلمي، وذلك أنَّهم قدموا المدينة (١) فنزلوا على عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين بعد قتال أحد (٢)، وقد أعطاهم النَّبِيّ ﷺ الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن سعد بن

стр. 11309

أبي سرح، وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي ﷺ وعنده عمر بن الخَطَّاب ﵁: ارفض (١) ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة (٢) وقل إن لها شفاعة ومنعة لمن عبدها وندعك وربك. فشق على النَّبِيّ ﷺ قولهم. فقال عمر بن الخَطَّاب ﵁: ائذن لنا يَا رسول الله في قتلهم. فقال ﵇: إنِّي قد أعطيتهم الأمان. فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه. فأمر النَّبِيّ ﷺ عمر أن يخرجهم من المدينة، وأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ من أهل مكة يعني: أَبا سفيان، وأبا الأعور، وعكرمة، والمنافقين عبد الله بن أبي،

стр. 11310

وعبد الله بن سعد، وطعمة (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. ٢ - ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢)﴾ الياء أبو عمرو، وغيره بالتاء (٢). ٣ - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. [٢٢٤٨] وأخبرنا ابن فنجويه (٣) قال: أخبرنا موسى بن عليّ (٤) قال: أخبرنا الحسن بن علويه (٥) قال: أخبرنا إسماعيل بن عيسى (٦) قال: أخبرنا المسيّب (٧)، عن شيخ من أهل الشَّام قال: قدم على رسول الله ﷺ ناس من ثقيف، فطلبوا إليه أن يمتعهم باللات والعزى سنة، وقالوا: لتعلم قريش منزلتنا منك، فهمَّ النَّبِيّ ﷺ بذلك (٨)، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ الآيات.

стр. 11311

٤ - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ نزلت في أبي معمر جميل بن معمر بن حبيب بن عبد الله الفهري (١)، وكان رجلَا لبيبًا حافظًا لما يسمع، فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذِه الأشياء إلَّا وله قلبان (٢)، وكان يقول: إن لي

стр. 11312

قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمَّد. فلما كان يوم بدر، وهُزِم المشركون وفيهم يومئذ أبو معمر تلقاه أبو سفيان بن حرب -وهو معلق إحدى نعليه بيده والأخرى في رجله- فقال له: يَا أَبا معمر، ما حال النَّاس؟ قال: انهزموا قال: فما بالك إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ ! فقال له أبو معمر: ما شعرت إلَّا أنهما في رجلي. فعرفوا يومئذ أنَّه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده. وقال الزُّهْرِيّ ومقاتل: هذا مثل ضربه الله للمظاهر من امرأته، وللمتبني ولد غيره، يقول: فكما لا يكون لرجل قلبان كذلك لا يكون امرأة المظاهر أمه حتَّى تكون له أمَّان، ولا يكون ولد واحد ابن رجلين (١). ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي﴾ قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، وورش (اللاي) بغير مد ولا همز، ممدودة مهموزة: نافع غير ورش،

стр. 11313

وأيوب، ويعقوب، والأعرج وأنشد: من اللاءِ لم يحججن يبغين حسبة ولكن ليقتلن البريء المغفلا (١) وقرأ أهل الكوفة والشَّام بالمد والهمز وإثبات الياء، واختاره أبو عبيد للإشباع. واختلف فيه عن ابن كثير، وكلها لغات معروفة. (تَظَّاهرون) بفتح التاء وتشديد الظاء: شامي. بفتح التاء وتخفيف الظاء: كُوفِيّ غير عاصم، واختاره أبو عبيد.

стр. 11314

بضم التاء، وتخفيف الظاء، وكسر الهاء: عاصم، والحسن. قال أبو عمرو: وهذا منكر؛ لأن المظاهرة من التعاون (١). والآية نزلت في أوس بن الصامت بن قيس بن أصرم أخي عبادة وفي امرأته خولة بنت ثعلبة بن مالك، يقول الله: ما جعل نساءكم اللاتي تقولون: هن علينا كظهور أمهاتنا في الحرام كما تقولون، ولكنها معصية، وفيها كفارة، وأزواجكم لكم حلال (٢)، وسنذكر القصة والحكم في سورة المجادلة إن شاء الله. ﴿وَمَا جَعَلَ ادعيائكم﴾ يعني: من تبنيتموه ﴿ابنائكم﴾ نزلت في زيد ابن حارثة بن شراحيل الكلبي من بني عبد ود (٣)، كان عبدًا لرسول الله ﷺ فأعتقه وتبنّاه قبل الوحي، وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطَّلب في الإِسلام، فجعل الفقير أخًا للغني ليعود عليه، فلما تزوج النَّبِيّ ﷺ زينب بنت جحش الأسدية -وكانت تحت زيد بن حارثة- قالت اليهود والمنافقون: تزوج محمَّد امرأة ابنه، وهو ينهى النَّاس عنها، فأنزل الله تعالى هذِه الآية.

стр. 11315

وقال: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ ولا حقيقة له يعني قولهم: زيد ابن محمد. ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾. ٥ - ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ الذين ولدوهم ﴿هُوَ أَقْسَطُ﴾ أعدل ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾. ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: فهم إخوانكم (١) ﴿فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (٢) إن كانوا محرريكم وليس ببنيكم (٣). [٢٢٤٩] أنبأني عقيل بن محمَّد الجرجاني (٤)، قال: أخبرنا المعافى بن زكريا (٥)، قال: أخبرنا محمَّد بن جرير (٦)، قال: حَدَّثني

стр. 11316

يعقوب بن إبراهيم (١)، قال: أخبرنا ابن عليّة (٢)، عن عيينة بن عبد الرَّحْمَن (٣)، عن أَبيه (٤) قال: قال أبو بكرة (٥): قال الله : ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ فأنا ممن لا يعرف أبوه، وأنا من إخوانكم في الدين. قال (٦): إنِّي لأظنه لو علم أن أباه كان حمارًا لانتمى إليه (٧). ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ قبل النهي فنسبتموه إلى غير أَبيه. وقال قتادة: يعني أن تدعوه لغير أَبيه وهو يرى أنَّه كذلك. ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ فنسبتموه إلى غير أَبيه بعد النهي وأنتم

стр. 11317

تعلمون أنَّه ليس بأبيه. ومحل (ما) في قوله: ﴿مَا تَعَمَّدَتْ﴾ خفض ردًا على (ما) التي في قوله: ﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ مجازه: ولكن فيما تعمدت قلوبكم ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. قال النَّبِيّ ﷺ : "من ادعى إلى غير أَبيه، أو إلى غير أهل نعمته فعليه لعنت الله والملائكة والناس أجمعين" (١). [٢٢٥٠] وأخبرنا محمَّد بن عبد الله بن حمدون (٢) ﵀، قال: أخبرنا [أَحْمد بن] محمَّد بن الحسن (٣)، قال: أخبرنا محمَّد بن يحيى (٤)، قال: أخبرنا أبو صالح (٥)، قال: حَدَّثني الليث بن سعد (٦)، قال: حَدَّثني عبد الرَّحْمَن بن خالد (٧)، عن ابن شهاب (٨)، عن عروة بن

стр. 11318

الزُّبير (١)، وعمرة بنت عبد الرَّحْمَن (٢) عن عائشة (٣) أن أَبا حذيفة بن عتبة ابن ربيعة بن عبد شمس، كان ممن شهد بدرًا مع النَّبِيّ ﷺ ، تبنى سالمًا، وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى (٤) لمرأة من الْأَنصار، فتبناه كما تبنى رسول الله ﷺ زيدًا، وكان مَنْ تبنى رجلًا في الجاهلية دعاه النَّاس إليه، وورث من ميراثه حتَّى نزلت ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ الآية (٥). ٦ - ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى﴾ أحق ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أن يحكم فيهم بما يشاء، ويجوز حكمه عليهم.

стр. 11319

قال ابن عباس وعطاء: يعني إذا دعاهم النَّبِيّ إلى شيء، ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النَّبِيّ أولى بهم من طاعة أنفسهم. وقال مقاتل: يعني طاعة النَّبِيّ أولى من طاعة بعضكم بعضًا. وقال ابن زيد: يقول: النَّبِيّ أولى من أنفسهم كما أَنْتَ أولى بعبدك، فما قضى فيهم من أمر جاز كما كل ما قضيت على عبدك جاز (١). وقيل: إنه ﵇ أولى بهم في إمضاء الأحكام، وإقامة الحدود عليهم لما فيه من مصلحة الخلق، والبعد عن الفساد. وقيل: إنه أولى بهم في العمل على الجهاد، وبذل النفس دونه. وقالت الحكماء: النَّبِيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم لأن أنفسهم تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم، والنبي ﷺ يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم. وقال أبو بكر الوراق: لأن النَّبِيّ ﷺ يدعوهم إلى العقل، وأنفسهم تدعوهم إلى الهوى. وقال بسام بن عبد الله العراقي: لأن أنفسهم تحترس من نار الدنيا، والنبي يحرسهم من نار العقبى (٢).

стр. 11320

وروى سفيان (١)، عن طلحة (٢)، عن عطاء (٣)، عن ابن عباس أنَّه كان يقرأ: (النَّبِيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم) (٤). وروى سفيان (٥)، عن عمرو (٦)، عن بجالة (٧) -أو غيره- قال: مر عمر بن الخَطَّاب ﵁ بغلام وهو يقرأ في مصحف أُبيّ (٨) فذهب إليه فسأله, فقال: إنه كان يلهيني القرآن، ويلهيك

стр. 11321

الصفق (١) بالأسواق (٢). وقال عكرمة: أخبرت أنَّه كان في الحرف الأول (وهو أبوهم). [٢٢٥١] أخبرني الشيخ أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري (٣) ﵀ بقراءتي عليه قال: أخبرنا أبو بكر بن مالك القطيعي (٤) قال: أخبرنا عبد الله بن أَحْمد بن حنبل (٥) قال: حَدَّثني أبي (٦) قال: حَدَّثني أبو عامر (٧)، وسريج (٨) قالا:

стр. 11322

أخبرنا فليح بن سليمان (١)، عن هلال بن عليّ (٢) عن (٣) عبد الرَّحْمَن بن أبي عمرة (٤)، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "ما من مؤمن إلَّا أنا أولى به في الدنيا والآخرة، أقرءوا إن شئتم ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فأيما مؤمن هلك وترك مالَا فليرثه عصبته من كانوا، وإن كان ترك دينًا أو ضياعًا فليأتني فإنِّي أنا مولاه" (٥).

стр. 11323

﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ يعني كأمهاتهم في الحرمة (١)، نظيرها قوله : ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (٢) أي كالسماوات وإنما أراد الله سبحانه بهذا تعظيم حقهن وحرمتهن، وأنه لا يجوز نكاحهن لا في حياة النَّبِيّ ﷺ -إن طلق- ولا بعد وفاته، وهن حرام على كل مؤمن كحرمة أمه، ودليل هذا التأويل أنَّه لا يحرم على الولد رؤية الأم، وقد حرم الله رؤيتهن على الأجنبيين، ولا يرثنهم ولا يرثونهن، فعلم أنهن أمهات المُؤْمنين من جهة الحرمة، ويحرم نكاحهن عليهم. روى سفيان (٣)، عن فراس (٤)، عن الشعبي (٥)، عن مسروق (٦)

стр. 11324

قال: قالت امرأة لعائشة: يَا أمه، فقالت: لست لك بأم، أنا أم رجالكم (١). ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ يعني في الميراث. قال قتادة: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة، وكان لا يرث الأعرابي المسلم من المهاجر شيئًا فأنزل الله تعالى هذِه الآية وخلط المؤمنون بعضهم ببعض، فصارت المواريث بالملك والقرابات (٢). وقال الكلبي: آخى رسول الله ﷺ بين النَّاس، فكان يؤاخي بين الرجلين، فإذا مات أحدهما ورثه الباقي منهما دون عصبته وأهله، فمكثوا بذلك ما شاء الله حتَّى نزلت هذِه الآية: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: الذين آخى رسول الله ﷺ بينهم ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ﴾، فنسخت هذِه الآية الموارثة بالمؤاخاة والهجرة وصارت للأدنى فالأدنى من القرابات.

стр. 11325

وقيل: أراد ثبات الميراث بالإيمان والهجرة (١). ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ يعني: إلَّا أن توصوا لذوي قرابتكم من المشركين فيجوز الوصية لهم، وإن كانوا من غير أهل الإيمان والهجرة، وهذا قول محمَّد بن الحنفية، وقتادة، وعطاء، وعكرمة (٢). قال ابن زيد ومقاتل: يعني: أن توصوا لأوليائكم من المهاجرين (٣). قال مجاهد: أراد بالمعروف النصرة، وحفظ الحرمة بحق الإيمان والهجرة.

стр. 11326

﴿كَانَ ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت لك من أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، وأن المشرك لا يرث المسلم (١) ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ في اللوح المحفوظ ﴿مَسْطُورًا﴾ مكتوبًا. قال القرظي: في التوراة. ٧ - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ على الوفاء بما حملوه أن يبشر بعضهم بعضًا، ويصدق بعضهم بعضًا. ﴿وَمِنْكَ﴾ يَا محمَّد. ﴿وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ وإنما خص هؤلاء الخمسة بالذكر في هذِه الآية لأنهم أصحاب الشرائع والكتب، وألو العزم من الرسل، وأئمة الأمم ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. [٢٢٥٢] أخبرنا الحسين بن محمَّد بن الحسين الثَّقَفيّ (٢)، قال: أخبرنا عبيد الله بن أَحْمد بن يعقوب المقري (٣)، قال: أخبرنا محمَّد ابن محمَّد بن سليمان الباغندي (٤)، قال: أخبرنا هارون بن محمَّد ابن بكار بن بلال (٥)، قال: أخبرنا أبي (٦)، قال: أخبرنا سعيد بن

стр. 11327

يحيى يعني: ابن بشير (١)، عن قتادة (٢)، عن الحسن (٣)، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "كنت أول النبيين في الخلق، وآخرهم في البعث" (٤). قال: قول الله ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ فبدأ به ﷺ قبلهم. ٨ - ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. ٩ - قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. وذلك حين حوصر المسلمون مع رسول الله ﷺ أيام الخندق ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ يعني الأحزاب: قريش، وغطفان، ويهود قريظة، والنضير ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ (٥) وهي الصبا. قال عكرمة: قالت

стр. 11328

الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي ننصر رسول الله ﷺ . فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بالليل. فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا (١). قال رسول الله ﷺ : "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور" (٢).

стр. 11329

﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ وهم الملائكة (١)، ولم تقاتل يومئذ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قال المفسرون: بعث الله عليهم بالليل ريحًا باردة، وبعث الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب (٢) الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور (٣)، وجالت الخيل (٤) بعضها في بعض، وأرسل الله عليهم الرعب وكثر تكبير

стр. 11330

الملائكة في جوانب عسكرهم، حتَّى كان سيد كل حي يقول: يا بني فلان هلم إليّ فإذا اجتمعوا عنده قال: النجاء النجاء (١) أُتيتم لما بعث الله عليهم من الرعب فانهزموا من غير قتال (٢). [٢٢٥٣] أنبأني محمَّد بن القاسم الفارسيّ (٣)، قال: أخبرنا أبو الحسن السليطي (٤)، قال: أخبرنا المؤمل بن الحسن (٥)، قال: أخبرنا الفضل بن محمَّد الشعراني (٦)، قال: أخبرنا عمرو بن عون (٧)، قال: أخبرنا خالد بن عبد الله (٨)، عن أبي سعد سعيد بن

стр. 11331

عبد الرَّحْمَن البقال (١)، عن إبراهيم التَّيْميّ (٢)، عن أَبيه (٣). [٢٢٥٤] وأنبأني عقيل بن محمَّد الاستراباذي (٤)، قال: أخبرنا المعافى بن زكريا البغدادي (٥)، قال: أخبرنا محمَّد بن جرير الطبري (٦)، قال: أخبرنا محمَّد بن حميد الرَّازيّ (٧)، قال: أخبرنا سلمة (٨)، قال: حَدَّثَنَا محمَّد بن إسحاق (٩)، عن يزيد بن زياد (١٠)، عن محمَّد بن كعب القرظي (١١) قالا: قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يَا عبد الله أرأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه؟ ، قال: نعم يَا ابن أخي. قال: فكيف كنتم تصنعون؟

стр. 11332

قال: والله لقد كنا نجهد (١). قال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا, ولخدمناه، وفعلنا وفعلنا. فقال حذيفة: يَا ابن أخي، والله لقد رأيتني ليلة الأحزاب مع رسول الله ﷺ بالخندق في ليلة باردة لم أجد قبلها ولا بعدها بردًا أشد منه، فصلى رسول الله ﷺ هَوِيًّا (٢) من الليل، ثم التفت إلينا فقال: "من يقوم فيذهب إلى هؤلاء القوم فيأتينا بخبرهم (٣) أدخله الله الجنة" فما قام منا رجل، ثم صلى رسول الله ﷺ هَوِيًّا من الليل، ثم التفت إلينا، فقال مثله، فأسكت القوم وما قام منا رجل، ثم صلى رسول الله ﷺ هَويًّا من الليل، ثم التفت إلينا فقال: "من رجل يقوم فينظر لنا ما

стр. 11333

فعل القوم على أن يكون رفيقي في الجنة"، فما قام رجل من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله ﷺ فقال: "يَا حذيفة" -ولم يكن لي بد حين دعاني- فقلت: لبيك يَا رسول الله فقمت حتَّى أتيته وإن جنبتي ليضطربان، فمسح رأسي ووجهي ثم قال: "أثبت على هؤلاء القوم حتَّى تأتيني بخبرهم، ولا تحدثن شيئًا حتَّى ترجع إليّ". ثم قال: "اللهمَّ أحفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته" فأخذت سهمي، وشددت على أسلابي (١)، ثم انطلقت أمشي نحوهم كأني أمشي في حمّام (٢)، فذهبت فدخلت في القوم وقد

стр. 11334

أرسل الله عليهم ريحًا، وقد قطعت أطنابهم، وقلعت أبنيتهم، وذهبت بخيولهم، ولم تدع لهم شيئًا إلَّا أهلكته، وأبو سفيان قاعد يصطلي (١)، فأخذت سهمًا فوضعته في كبد قوسي، فذكرت قول النَّبِيّ ﷺ : "لا تحدثن حدثًا حتَّى ترجع" (٢)، فرددت سهمي في كنانتي، فلما رأى أبو سفيان ما تفعل الريح وجنود الله بهم، لا تقر لهم قدرًا ولا نارًا ولا بناء، قام فقال: يَا معشر قريش ليأخذ كل رجل منكم يد جليسه، فلينظر من هو، فأخذت بيد جليسي فقلت: مَنْ أَنْتَ؟ قال: سبحان الله، أما تعرفني؟ ! أنا فلان ابن فلان -كان رجلَا من هوازن (٣) -، فقال أبو سفيان: يَا معشر قريش إنكم والله ما

стр. 11335

أصبحتم بدار مقام، ولقد هلك الكراع والخف (١)، وأخلفتنا قريظة وبلغنا عنهم ما نكرة، ولقينا من هذِه الريح ما ترون فارتحلوا إنِّي مرتحل. ثم قام إلى جملة وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إلَّا وهو قائم، وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فانشمروا (٢) راجعين إلى بلادهم، وهزم الله الأحزاب، وهو قول الله ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾. قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ وكأني أمشي في حمام، فأخبرته الخبر، فضحك ﵇ حتَّى بدت أنيابه في سواد الليل، قال: وذهب عني الدفء، فأدناني النَّبِيّ ﷺ فأنامني عند رجليه، وألقى عليَّ طرف ثوبه، وألزق صدري ببطن قدمه (٣).

стр. 11336

﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ ١٠ - ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني من فوق الوادي من قبل المشرق عليهم مالك بن عوف النصري، وعيينة ابن حصن الفزاري في أَلْف من غطفان، ومعهم طليحة بن خويلد الأسدي في بني أسد، وحُيَيّ بن أخطب في يهود قريظة. ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ يعني من بطن الوادي من قبل المغرب، وهو أبو سفيان بن حرب في قريش ومن تبعه، وأبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي من قبل الخندق. فكان الذي جر (١) غزوة الخندق -فيما قيل- أجلى رسول الله ﷺ

стр. 11337

بني النضير عن ديارهم، قال محمَّد بن إسحاق (١): حَدَّثني يزيد بن رومان (٢) مولى آل الزُّبير، عن عروة بن الزُّبير (٣)، ومن لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك (٤)، وعن الزُّهْرِيّ (٥)، وعن عاصم بن عمر بن قتادة (٦)، وعن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم (٧)، وعن محمَّد بن كعب القرظي وعن غيرهم من علمائنا دخل حديث بعضهم في بعض، قالوا: كان من حديث الخندق أن نفراً من اليهود منهم: سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، وكنانة بن الرَّبيع بن أبي الحقيق، وهوذة ابن قيس، وأبو عمار الوائلي في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزَّبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ خرجوا حتَّى قَدِموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ وقالوا: إنَّا سنكون معكم عليه حتَّى نستأصله، فقال لهم قريش: يَا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول (٨) والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن

стр. 11338

ومحمَّد، فديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منهم، قال: هم الذين أنزل الله فيهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ (١). فلما قالوا ذلك لقريش سرَّهم ما قالوا ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ فأجمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتَّى جاءوا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، وأخبروهم أنَّهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشًا قد تابعوهم على ذلك وأجمعوا فيه فأجابوهم. فخرجت قريش، وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان، وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بني فزارة (٢)، والحرب ابن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة، ومسعر بن رخلية بن نويرة بن طريف بن شحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع ابن ريث بن غطفان في مَنْ تابعه من قومه من أشجع، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ ، وبما أجمعوا له من الأمر ضَرَبَ الخندق على

стр. 11339

المدينة، وكان الذي أشار على رسول الله ﷺ بالخندق سلمان الفارسيّ، وكان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله ﷺ ، وهو يومئذ حر، فقال: يَا رسول الله، إنَّا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا. فعمل فيه رسول الله ﷺ حتَّى أحكموه، وقد ذكرنا حديث سلمان في صفة حفر الخندق في سورة آل عمران. قالوا: فلما فرغ رسول الله ﷺ من الخندق أقبلت قريش حتَّى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومَنْ تابعهم من بني كنانة، أهل تهامة وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد حتَّى نزلوا بذنب نُقمى إلى جانب أُحُد (١)، وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون حتَّى جعلوا ظهورهم إلى سلع (٢) في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره،

стр. 11340

والخندق بينه وبين القوم فأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام. وخرج عدو الله حُييّ بن أخطب النضيري حتَّى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله ﷺ على قومه وعاهدهم على ذلك، فلما سمع كعب بحيي بن أخطب غَلَّق دونه حصنه، فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له، فناداه حيي: يَا كعب، افتح لي. فقال: ويحك يَا حيي إنك امرؤ مشئوم، إنِّي قد عاهدت محمدًا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلَّا وفاءً وصدقًا. قال: ويحك افتح لي أكلمك. قال: ما أنا بفاعل. قال: والله إن غلقت دوني إلَّا على جشيشتك (١) أن آكل معك منها , فأحفظ (٢) الرَّجل ففتح له فقال: ويحك يَا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طامّ (٣)، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتَّى أنزلتهم

стр. 11341

بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتَّى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني ألا يبرحوا حتَّى يستأصلوا محمدًا ومن معه، فقال له كعب بن أسد؛ جئتني والله بذل الدهر؛ بجهام هراق ماؤه (١)، يرعد ويبرق وليس فيه شيء، فدعني ومحمدًا وما أنا عليه، فلم أر من محمَّد إلا صدقًا ووفاءً. فلم يزل حيي بن أخطب بكعب يفتله في الذروة والغارب (٢) حتَّى سمح له على أن أعطاه عهدًا من الله وميثاقًا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدًا أن أدخل معك في حصنك حتَّى يصيبني ما أصابك،

стр. 11342

فنقض كعب بن أسد عهده وبرئ مما كان عليه فيما بينه وبين رسول الله ﷺ . فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ الخبر وإلى المسلمين بعث رسول الله ﷺ سعد بن معاذ بن نعمان بن امرؤ القيس -أحد بني الأشهل-وهو يومئذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة بن دليم -أحد بني ساعدة ابن كعب بن الخزرج- وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة أخو الحارث بن الخزرج، وخوّات بن جبير أخو بني عمرو ابن عوف، فقال: "فانطلقوا حتَّى تنظروا أحقّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقًّا فألحنوا لي لحنًا أعرفه، ولا تفتوا أعضاد النَّاس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للنَّاس". فخرجوا حتَّى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، ونالوا من رسول الله ﷺ ، وقالوا: لا عقد بيننا وبين محمَّد ولا عهد. فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه، وكان رجلَا فيه حدَّة، فقال له سعد بن معاذ: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة. ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله ﷺ فسلموا عليه ثم قالوا: عضل والقارة (١)، أي: كغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله

стр. 11343

- ﷺ أصحاب الرجيع (١)، خبيب بن عدي وأصحابه، فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر أبشروا يَا معشر المسلمين". وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم حتَّى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم (٢) النفاق من بعض المنافقين حتَّى قال معتب بن قشير أحد بني عمرو بن عوف: كان محمَّد يعدنا أن نأكل كنوز قيصر وكسرى وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط، ما وعدنا الله ورسوله إلَّا غرورًا (٣). وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة: يَا رسول الله إن بيوتنا عورة من العدو، -وذلك عن ملأ من رجال قومه- فائذن لنا فلنرجع إلى ديارنا فإنَّها خارجة من المدينة.

стр. 11344

فأقام رسول الله ﷺ وقام المشركون عليه بضعًا وعشرين ليلة قريبًا من شهر، ولم يكن بين القوم حرب إلَّا الرمي بالنبل والحصي (١). فلما اشتد البلاء على النَّاس بعث رسول الله ﷺ إلى عيينة بن حصن، وإلى الحارث بن عوف وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث أثمار المدينة، على أن يرجعوا بمن معهما عن رسول الله ﷺ وأصحابه، فجرى بينهم وبينه الصلح حتَّى كتبوا الكتاب، ولم تقع الشهادة، فذكر رسول الله ﷺ لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة واستشارهما فيه، فقالوا: يَا رسول الله، لشيء أمرك الله به لا بد لنا من عمل به، أم أمر تحبه فتضعه، أم شيء تصنعه لنا؟ فقال: "لا، بل لكم، والله ما أصنع ذلك إلَّا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكَالَبُوكم (٢) من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم". فقال له سعد بن معاذ: يَا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن

стр. 11345

يأكلوا منها تمرة إلَّا قرى (١) أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإِسلام، وأعزّنا بك نعطيهم أموالنا؟ ! ، ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلَّا السيف حتَّى يحكم الله بيننا وبينهم. فقال رسول الله ﷺ : "فأنت وذاك". فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا. فأقام رسول الله ﷺ والمسلمون، وعدوهم محاصروهم، ولم يكن بينهم قتال إلَّا أن فوارس من قريش منهم: عمرو بن عبد ود بن أبي قيس أخو بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان، ونوفل بن عبد الله، وضرار بن الخَطَّاب بن مرداس أخو محارب بن فهر قد تلبسوا للقتال، وخرجوا على خيلهم، ومروا عليّ بني كنانة فقالوا: تهيئوا للحرب يا بني كنانة، فستعلمون اليوم من الفرسان. ثم أقبلوا نحو الخندق حتَّى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا: والله إن هذِه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثم تيمموا مكانًا من الخندق ضيقًا فضربوا خيولهم فاقتحموا منه، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع. وخرج علي بن أبي طالب ﵁ في نفر من المسلمين حتَّى أخذ عليهم الثغرة التي اقتحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعدو
следующие страницы →