← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 11341–11380 · переход к 11346.

стр. 11341

بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتَّى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني ألا يبرحوا حتَّى يستأصلوا محمدًا ومن معه، فقال له كعب بن أسد؛ جئتني والله بذل الدهر؛ بجهام هراق ماؤه (١)، يرعد ويبرق وليس فيه شيء، فدعني ومحمدًا وما أنا عليه، فلم أر من محمَّد إلا صدقًا ووفاءً. فلم يزل حيي بن أخطب بكعب يفتله في الذروة والغارب (٢) حتَّى سمح له على أن أعطاه عهدًا من الله وميثاقًا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدًا أن أدخل معك في حصنك حتَّى يصيبني ما أصابك،

стр. 11342

فنقض كعب بن أسد عهده وبرئ مما كان عليه فيما بينه وبين رسول الله ﷺ . فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ الخبر وإلى المسلمين بعث رسول الله ﷺ سعد بن معاذ بن نعمان بن امرؤ القيس -أحد بني الأشهل-وهو يومئذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة بن دليم -أحد بني ساعدة ابن كعب بن الخزرج- وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة أخو الحارث بن الخزرج، وخوّات بن جبير أخو بني عمرو ابن عوف، فقال: "فانطلقوا حتَّى تنظروا أحقّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقًّا فألحنوا لي لحنًا أعرفه، ولا تفتوا أعضاد النَّاس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للنَّاس". فخرجوا حتَّى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، ونالوا من رسول الله ﷺ ، وقالوا: لا عقد بيننا وبين محمَّد ولا عهد. فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه، وكان رجلَا فيه حدَّة، فقال له سعد بن معاذ: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة. ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله ﷺ فسلموا عليه ثم قالوا: عضل والقارة (١)، أي: كغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله

стр. 11343

- ﷺ أصحاب الرجيع (١)، خبيب بن عدي وأصحابه، فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر أبشروا يَا معشر المسلمين". وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم حتَّى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم (٢) النفاق من بعض المنافقين حتَّى قال معتب بن قشير أحد بني عمرو بن عوف: كان محمَّد يعدنا أن نأكل كنوز قيصر وكسرى وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط، ما وعدنا الله ورسوله إلَّا غرورًا (٣). وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة: يَا رسول الله إن بيوتنا عورة من العدو، -وذلك عن ملأ من رجال قومه- فائذن لنا فلنرجع إلى ديارنا فإنَّها خارجة من المدينة.

стр. 11344

فأقام رسول الله ﷺ وقام المشركون عليه بضعًا وعشرين ليلة قريبًا من شهر، ولم يكن بين القوم حرب إلَّا الرمي بالنبل والحصي (١). فلما اشتد البلاء على النَّاس بعث رسول الله ﷺ إلى عيينة بن حصن، وإلى الحارث بن عوف وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث أثمار المدينة، على أن يرجعوا بمن معهما عن رسول الله ﷺ وأصحابه، فجرى بينهم وبينه الصلح حتَّى كتبوا الكتاب، ولم تقع الشهادة، فذكر رسول الله ﷺ لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة واستشارهما فيه، فقالوا: يَا رسول الله، لشيء أمرك الله به لا بد لنا من عمل به، أم أمر تحبه فتضعه، أم شيء تصنعه لنا؟ فقال: "لا، بل لكم، والله ما أصنع ذلك إلَّا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكَالَبُوكم (٢) من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم". فقال له سعد بن معاذ: يَا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن

стр. 11345

يأكلوا منها تمرة إلَّا قرى (١) أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإِسلام، وأعزّنا بك نعطيهم أموالنا؟ ! ، ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلَّا السيف حتَّى يحكم الله بيننا وبينهم. فقال رسول الله ﷺ : "فأنت وذاك". فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا. فأقام رسول الله ﷺ والمسلمون، وعدوهم محاصروهم، ولم يكن بينهم قتال إلَّا أن فوارس من قريش منهم: عمرو بن عبد ود بن أبي قيس أخو بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان، ونوفل بن عبد الله، وضرار بن الخَطَّاب بن مرداس أخو محارب بن فهر قد تلبسوا للقتال، وخرجوا على خيلهم، ومروا عليّ بني كنانة فقالوا: تهيئوا للحرب يا بني كنانة، فستعلمون اليوم من الفرسان. ثم أقبلوا نحو الخندق حتَّى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا: والله إن هذِه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثم تيمموا مكانًا من الخندق ضيقًا فضربوا خيولهم فاقتحموا منه، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع. وخرج علي بن أبي طالب ﵁ في نفر من المسلمين حتَّى أخذ عليهم الثغرة التي اقتحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعدو

стр. 11346

نحوهم، وقد كان عمرو بن عبد ود قاتل يوم بدر حتَّى أثبتته الجراحة فلم يشهد أحدًا، فلما كان يوم الخندق خرج معلمًا (١) ليرى مكانه، فلما وقع هو وخيله قال له علي ﵇ (٢): يَا عمرو إنك كنت تعاهد الله لا يدعوك رجل من قريش إلى خلَّتين إلَّا أخذت منه أحديهما. قال: أَجل. قال: فإنِّي أدعوك إلى الله وإلى الرسول ﷺ وإلى الإِسلام. قال: لا حاجة لي بذلك. قال: فإنِّي أدعوك إلى النزال. قال: ولم يَا ابن أخي؟ ! فوالله ما أحب أن أقتلك. قال علي: ولكني والله أحب أن أقتلك. فحمي

стр. 11347

عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره، وضرب وجهه، ثم أقبل على علي ﵇، فتناولا وتجاولا فقتله عليّ ﵇، وخرجت خيله منهزمة حتَّى اقتحمت من الخندق هاربة. وقُتل مع عمرو رجلان: منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار، أصابه سهم فمات منه بمكة، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي، وكان اقتحم الخندق فتورط فيه فرموه بالحجارة، فقال: يَا معشر العرب قِتلة أحسن من هذِه. فنزل إليه عليّ فقتله، فغلب المسلمون على جسده، فسألوا رسول الله ﷺ أن يبيعهم جسده، فقال رسول الله ﷺ : "لا حاجة لنا في جسده ولا ثمنه، فشأنكم به"، فخلَّى بينهم وبينه (١). قالت عائشة أم المُؤْمنين ﵂: كنا يوم الخندق في حصن بني حارثة، وكان من أحرز (٢) حصون المدينة، وكانت أم سعد بن معاذ معنا في الحصين، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، فمَرَّ سعد

стр. 11348

ابن معاذ وعليه درع مقلصة (١) قد خرجت منها ذراعه كلها، وفي يده حربته وهو يقول: لُبث (٢) قليلا يدرك الهيجا حمل ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل (٣) فقالت أمه: الحق يا بني فقد والله أخرت. قالت عائشة: فقلت لها يَا أم سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي. وخفت عليه حيث أصاب السهم منه، قالت: فرمى سعد يومئذ بسهم فقطع منه الأكحل (٤)، فزعموا أنَّه لن ينقطع من أحد قط إلَّا لم يزل يبض (٥)

стр. 11349

دمًا حتَّى يموت، رماه حبان بن قيس بن العرقة (١) أحد بني عامر بن لؤي، فلما أصابه قال: خذها وأنا ابن العرقة. فقال سعد: عرّق الله وجهك في النَّار، ثم قال سعد: اللهمَّ إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، فإنَّه لا قوم أحب إليّ أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، وإن كنت قد وضعتَ الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة، ولا تمتني حتَّى تَقَر عيني من بني قريظة، وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية (٢). وروى محمَّد بن إسحاق (٣)، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزُّبير (٤)، عن أَبيه عباد (٥) قال: كانت صفية بنت عبد المطَّلب في فارع حصن حسان بن ثابت، قالت: وكان حسان معنا فيه مع النساء والصبيان. قالت صفية: فمرَّ بنا رجل من يهود فجعل يطوف

стр. 11350

بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله ﷺ ، ليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله ﷺ . والمسلمون في نحور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم، إذ أتانا آت، قالت: فقلت: يَا حسان، إن هذا اليهودي كما تراه يطوف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل على عوراتنا من ورائنا يهود، وقد شغل عنا رسول الله ﷺ وأصحابه، فانزل إليه فاقتله. فقال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطَّلب، لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا! . قالت: فلما قال ذلك لي، ولم أر عنده شيئًا احتجزت (١)، ثم أخذت عمودًا، ثم نزلت من الحصين إليه فضربته بالعمود حتَّى قتلته، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصين، فقلت: يَا حسان، أنزل

стр. 11351

إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. قال: ما لي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب (١). قالوا: وأقام رسول الله ﷺ وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم، ثم أتى نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن منقذ بن هلال بن حلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فأمرني بما شئت، فقال له رسول الله ﷺ : "إنما أنت فينا رجل واحد، فخَتِّل (٢) عنا إن استطعت، فإن الحرب خُدعة" (٣).

стр. 11352

فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديمًا (١) في الجاهلية، فقال لهم: يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم. قالوا: صدقت لست عندنا بمُتَّهم. فقال لهم: إن قريشًا وغطفان جاءوا لحرب محمد، وقد ظاهرتموهم عليه، وإن قريشًا وغطفان ليسوا كهيئتكم، البلد بلدكم به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشًا وغطفان أموالهم وبلادهم وأبناؤهم ونساؤهم بعيدة، إن رأوا نهرة (٢) وغنيمة أصابوها، وإن كانوا غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل، والرجل ببلدكم لا طاقة لكم به

стр. 11353

إن خلا بكم، فلا تقاتلوا القوم حتى تأخذوا منهم رهنًا من أشرافهم يكونون بأيدكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدًا حتى تناجزوه. قالوا: أشرت برأي صحيح ونصح. ثمَّ خرج حتى أتى قريشًا فقال لأبي سفيان بن حرب ومَنْ معه من رجال قريش: يا معشر قريش، قد عرفتم ودي إياكم وفراقي محمدًا، وقد بلغني أمر رأيت أنَّ حقًّا عليّ أن أبلغكموه نصحًا لكم، فاكتموا عليّ. قالوا: نفعل. قال: تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أنْ قد ندمنا على ما فعلنا فهل يُرضيك عنا أن نأخذ من القبيلتين من قريش وغطفان رجالًا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على مَنْ بقي منهم، فأرسل إليهم أنْ نعم، فإن بعث إليكم يهود يلتمسون منكم رهنًا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلًا واحدًا. ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان، أنتم أهلي وعشيرتي، وأحب الناس إليّ، ولا أراكم تتهمونني. قالوا: صدقت. قال: فاكتموا عليّ. قالوا: نفعل. ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذرهم ما حذرهم. فلما كان ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان مما صنع الله لرسوله ﷺ أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة ابن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان فقالوا لهم: إنا لسنا بدار =

стр. 11354

مقام، قد هلك الخف والحافر فأعدوا للقتال حتى نناجز (١) محمدًا ونفرغ فيما بيننا وبينه. فأرسلوا إليهم أن اليوم سبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئًا، وقد كان أحدث بعضنا فيه حدثًا فأصابه ما لا يخفى عليكم (٢)، ولسنا مع ذلك بالذي نقاتل معكم حتى تعطونا رهنًا من رجالكم يكونوا بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدًا، فإنا نخشى إن ضرستكم (٣) الحرب، واشتد عليكم القتال أن تسيروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلدنا لا طاقة لنا بذلك من محمد. فلما رجعت إليهم الرسل بالذي قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: تعلمن والله أن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق، فأرسولوا إلى بني قريظة أنّا لا ندفع إليكم رجلًا واحدًا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فأخرجوا فقاتلوا. فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل

стр. 11355

إليهم بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يعاملوا، فإن وجدوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، وخلَّوا بينكم وبين الرجل في بلادكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان: أنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنًا. فأبوا عليهم، وخذل الله بينهم، وبعث عليهم الريح في ليالٍ شاتية شديدة البرد حتى انصرفوا راجعين والحمد لله رب العالمين (١). ﴿وَإِذْ زَاغَتِ﴾ مالت (٢) ﴿الْأَبْصَارُ﴾ وشخصت. ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ (٣) فزالت عن أماكنها حتى بلغت الحلوق من الفزع. ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ فأما المنافقون فظنوا أن محمدًا وأصحابه سيُغلبون ويُستأصلون، وأما المؤمنون فأيقنوا أن ما وعدهم الله حق، وأنه سيظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون. واختلف القراء في قوله: (الظنونا، والرسولا، والسبيلا): فأثبت الألفات فيها وصلًا ووقفًا أهل المدينة، والشام، وأيوب، وعاصم برواية أبي بكر، وأبي عمرو، وبرواية عياش، والكسائي برواية

стр. 11356

قتيبة، قالوا: لأن ألفاتها ثابتة في مصحف عثمان، وسائر مصاحف البلدان، وقرأها أبو عمرو في سائر الروايات، وحمزة، ويعقوب بغير ألف في الحالين على الأصل، وقرأ الآخرون بالألف في الوقف دون الوصل، واحتجوا بأن العرب تفعل ذلك في قوافي أشعارهم ومصاريعها، فتلحق الألف في موضع الفتح عند الوقف، ولا تفعل ذلك في حشو الأبيات، فحسن إثبات الألف في هذِه الحروف لأنها رؤوس الآي تمثيلًا لها بالقوافي (١). ١١ - ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: اختبروا ومُحِّصوا ليعرف المؤمن من المنافق، ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا﴾ وحُركوا تحريكًا شديدًا، وقرأ عاصم الجحدري (زَلزالًا) بفتح الزاي وهما مصدران (٢). ١٢ - ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ معتب بن قشير وأصحابه (٣) ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شك

стр. 11357

وضعف اعتقاد ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. ١٣ - ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ أي من المنافقين، وهم أوس بن قيظي وأصحابه، وقال مقاتل: هم من بني سالم. ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ يعني أهل المدينة. وقال أبو عبيدة: يثرب اسم أرض، ومدينة الرسول ﷺ في ناحية منها. ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ قراءة العامة بفتح الميم، أي: لا مكان لكم تقيمون فيه. وقرأ السلمي بضم الميم، أي: لا إقامة لكم. وهي رواية حفص عن عاصم. ﴿فَارْجِعُوا﴾ إلى منازلكم، أمروهم بالهرب من عسكر رسول الله ﷺ . قال ابن عباس: قالت اليهود لعبد الله بن أبيّ وأصحابه من المنافقين: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيدي أبي سفيان وأصحابه، فارجعوا إلى المدينة. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ في الرجوع إلى منازلهم في المدينة، وهم بنو حارثة بن الحارث. ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أي: خالية ضائعة وهي مما يلي العدو، إنا نخشى عليها العدو والسراق (١).

стр. 11358

وقرأ ابن عباس، وأبو رجاء العطاردي (عوِرة) بكسر الواو، يعني قصيرة الجدران، فيها خلل وفرجة، تقول العرب: دار فلان عوِرة إذا لم تكن حصينة، وقد أعور الفارس إذا بدا فيه خلل الضرب (١)، قال الشاعر: متى تلقهم لا تلق في البيت معورا ... ولا الضيف مفجوعًا ولا الجار مرملا (٢) قال الله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾. ١٤ - ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: لو دخل عليهم هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم المدينة ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ جوانبها ونواحيها، واحدها قطر، وفيها لغة أخرى قتر

стр. 11359

وأقتر وأقتار (١). ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ قراءة أهل الحجاز (٢) بقصر الألف، أي: لجاءوها وفعلوها، ورجعوا عن الإِسلام وكفروا (٣). وقرأ الآخرون بالمد، أي: لأعطوها، وقالوا: إذا كان سؤالًا كان إعطاء. ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا﴾ وما احتبسوا عن الفتنة ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ ولأسرعوا الإجابة إليها طيبة بها أنفسهم هذا قول أكثر المفسرين، وقال الحسن، والفراء: وما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلًا حتى يهلكوا. ١٥ - ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل غزو الخندق ﴿لَا يُوَلُّونَ﴾ عدوهم ﴿الْأَدْبَارَ﴾ قال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة همّوا يوم أحد أن يفشلوا مع بني سلمة فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها، فذكر الله الذي أعطوه من أنفسهم (٤).

стр. 11360

وقال قتادة: هم ناس كانوا قد غابوا عن وقعة بدر، ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة، فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالًا لنقاتلن، فساق الله ذلك إليهم من ناحية المدينة (١). وقال مقاتل، والكلبي: هم سبعون رجلًا بايعوا رسول الله ليلة العقبة، وقالوا: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال النبي ﷺ : "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم وأموالكم"، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا يا رسول الله؟ ، قال: "لكم النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة"، قالوا: فعلنا (٢). فذلك عهدهم. ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾. ١٦ - ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ الذي كُتب عليكم. ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ إلى آجالكم، والدنيا كلها قليل (٣).

стр. 11361

١٧ - ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾ هزيمة ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ نُصرة ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. ١٨ - ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾ المثبطين ﴿مِنْكُمْ﴾ الناس عن رسول الله ﷺ . ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ تعالوا إلينا ودعوا محمدًا فلا تشهدوا معه الحرب فإنا نخاف عليكم الهلاك ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾ الحرب ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ دفعًا وتعزيرًا. قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم: ما محمَّد وأصحابه إلا أُكلة رأس، ولو كانوا لحمًا لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه، دعوا هذا الرجل فإنه هالك (١). وقال مقاتل: نزلت في المنافقين، وذلك أن اليهود أرسلوا إلى المنافقين وقالوا: ماذا الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان ومن معه؟ ، فإنهم إنْ قدروا عليكم هذِه المرّة لم يستبقوا منكم أحدًا، وإنا نشفق عليكم أنتم إخواننا وجيراننا، هلم إلينا، فأقبل عبد الله وأصحابه على المؤمنين يعوقونهم ويخوفونهم بأبي سفيان ومن معه، وقالوا: إنْ قدروا عليكم هذِه المرة لم يستبقوا منكم أحدًا، ما ترجون من محمد؟ ، هو الله ما يرتد بالخير، وما عنده خير، ما هو إلا أن يقتلنا هاهنا، انطلقوا بنا إلى إخواننا

стр. 11362

وأصحابنا -يعني: اليهود. فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيمانًا واحتسابًا. قال ابن زيد: هذا يوم الأحزاب. وانطلق رجل من عند رسول الله ﷺ فوجد أخاه بين يديه شواء ورغيف ونبيذ، فقال له: أنت ها هنا في الشواء والرغيف والنبيذ ورسول الله ﷺ بين الرماح والسيوف؟ ! ، فقال: هلم إلى هذا، فقد تبع بك وبصاحبك والذي يُحلف به لا يستقبلها محمد أبدًا. فقال: كذبت، والذي يحلف به -وكان أخاه من أبيه وأمه- أما والله لأخبرن النبي ﷺ أمرك. فذهب إلى الرسول ﷺ ليخبره فوجده قد نزل جبريل بهذِه الآية (١). ١٩ - ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ بخلًا عليكم بالخير والنفقة في سبيل الله، وعند قسم الغنيمة (٢)، وهي نصب على الحال والقطع من قوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وصفهم الله سبحانه بالجبن والخوف. ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ في رؤوسهم من الخوف والجبن (٣). ﴿كَالَّذِي﴾ أي كدوران عين الذي ﴿يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾. ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ﴾ عضوكم ورموكم.

стр. 11363

﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ ذرية (١)، جمع حديد، ويقال للخطيب الفصيح الذرب اللسان، مسلق ومصلق وسلاق وصلاق، وأصل الصلق الضرب (٢). قال قتادة: يعني بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة، يقولون: أعطونا فإنا قد شهدنا معكم القتال، فلستم بأحق بالغنيمة منا، فأما عند القسمة فأشح قوم وأسوأ مقاسمة، وأما عند العباس فأجبن قوم وأخذله للحق (٣). ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ يعني الغنيمة.

стр. 11364

﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (١). ٢٠ - ﴿يَحْسَبُونَ﴾ يعني: هؤلاء المنافقين ﴿الْأَحْزَابَ﴾ يعني: قريشًا وغطفان (٢) واليهود الذين تحزبوا على عداوة رسول الله ﷺ ومخالفته، أي: اجتمعوا، والأحزاب: الجماعات، واحدها حزب (٣). ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ لم ينصرفوا عن قتالهم وقد انصرفوا جبنًا منهم وفَرَقًا. ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ أي: يرجعوا إليهم كرة ثانية ﴿يَوَدُّوا﴾ من الخوف والجبن ﴿لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ﴾ خارجون إلى البادية ﴿فِي الْأَعْرَابِ﴾ أي: معهم. ﴿يَسْأَلُونَ﴾ قراءة العامة بالتخفيف. وقرأ عاصم الجحدري، ويعقوب في رواية رويس، وزيد مشددة ممدودة بمعنى يتساءلون، أي: يسأل بعضهم بعضًا (٤) ﴿عَنْ

стр. 11365

أَنْبَائِكُمْ﴾، وما آل إليه أمركم. ﴿وَلَوْ كَانُوا﴾ يعني: هؤلاء المنافقين. ﴿فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ رياء من غير خشية، ولو كان ذلك القليل لله لكان كثيرًا. ٢١ - ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قدوة حسنة (١). قرأ عاصم ها هنا وفي سورة الامتحان (٢) (أُسوة) بضم الألف، وقرأها الآخرون بالكسر. وهما لغتان مثل عُدوة وعِدوة، ورُشوة ورِشوة، وكُسوة وكِسوة (٣). وكان يحيى بن وثاب يكسرها هنا، ويضم الأخرى. قال أبو عبيد: ولا نعرف ما فرّق يحيى فرقًا. قال المفسرون: يعني لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة صالحة، أي: تنصروه وتؤازروه، ولا تتخلفوا عنه، ولا ترغبوا

стр. 11366

بأنفسكم عن نفسه، وعما كان هو به (١)، كما فعل هو إذ كسرت رباعيته، وجرح فوق حاجبه، وقُتل عمه حمزة، وأوذي بضروب الأذى، فواساكم مع ذلك بنفسه، فافعلوا أنتم أيضًا كذلك، واستنوا بسنته. ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ في البلاء والرخاء. ثم ذكر المؤمنين وتصديقهم موعود الله تعالى فقال: ٢٢ - ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا﴾ تسليمًا لأمر الله وتصديقًا لوعده: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ووعد الله إياهم قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (٢)، ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ ذلك ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. ٢٣ - ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ فوفوا به ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ أي: فرغ من نذره ووفى بعهده وصبر على الجهاد حتى استشهد، والنحب النذر، والنحب أيضًا الموت، قال ذو الرمَّة: عشية فرَّ الحارثيون بعدما ... قضى نحبه في ملتقى القوم هَوْبَر (٣)

стр. 11367

أي: مات. قال مقاتل: قضى نحبه يعني أجله. وقيل: على الوفاء، يعني: حمزة وأصحابه. وقيل: قضى نحبه، أي: بذل جهده في الوفاء بعهده، من قول العرب: نحب فلان في سيره يومه وليلته أجمع، إذا مده فلم ينزل، قال جرير: بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا ... عشية بسطام جرين على نحب (١) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ الشهادة، ﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾ قولهم وعهدهم ونذرهم ﴿تَبْدِيلًا﴾. [٢٢٥٥] أخبرنا عبد الله بن حامد (٢)، قال: أخبرنا مكي بن

стр. 11368

عبدان (١)، قال: أخبرنا عبد الله بن هاشم (٢)، قال: أخبرنا بهز بن أسد (٣)، قال: أخبرنا سليمان بن المغيرة (٤)، عن ثابت (٥)، عن أنس. [٢٢٥٦] وحدثني (٦) قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني (٧)، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن سليمان (٨)، قال: أخبرنا محمد ابن المعلا (٩)، قال: أخبرنا (عبد) (١٠) الله بن بكر السهمي (١١)، عن حميد (١٢)، عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر -وبه سميت أنس- عن قتال بدر، فشق عليه لما قدم وقال: غبت عن أول مشهد

стр. 11369

شهده رسول الله ﷺ ، والله لئن أشهدني الله قتالاً ليرين الله ما أصنع (١)، فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون، فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به المشركون، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني: المسلمين-، ثم مشى بسيفه فلقيه سعد بن معاذ فقال: أي سعد، والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدناه بين القتلى، وبه بضع وثمانون جراحة من ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وقد مثلوا به فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه (٢)، ونزلت هذِه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآية. قال: فكنا نقول: أنزلت هذِه الآية فيه وفي أصحابه (٣).

стр. 11370

[٢٢٥٧] وأخبرنا عبد الله بن حامد (١)، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان (٢)، قال: أخبرنا جبغويه بن محمد الترمذي (٣)، قال: أخبرنا صالح بن محمَّد (٤)، قال: أخبرنا سليمان بن حرب (٥)، عن حرّم (٦)، عن عروة (٧)، عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ قالت: منهم طلحة بن عبيد الله ثبت مع رسول الله ﷺ يوم

стр. 11371

أحد حتى أصيبت يده، فقال له رسول الله ﷺ : "أوجب طلحة الجنة" (١). [٢٢٥٨] وبإسناده عن صالح (٢) قال: أخبرنا مسلم بن خالد (٣)، عن عبد الله بن أبي نجيح (٤): أن طلحة بن عبيد الله يوم أحد كان محتضنًا النبي ﷺ في الجبل وقد بُهر (٥) النبي ﷺ ، فجاء سهم

стр. 11372

غارب (١) متوجهًا إلى النبي ﷺ فاتقاه طلحة بيده فأصاب خنصره فقال: حس. ثم قال: بسم الله. فقال النبي ﷺ "لو أن بها بدأت لتخطفتك الملائكة حتى تدخلك الجنة" (٢). وروى معاوية بن إسحاق (٣)، عن عائشة بنت طلحة (٤)، عن عائشة أم المؤمنين ﵁ قالت: إني لفي بيتي، ورسول الله ﷺ وأصحابه في الفناء، وبيني وبينهم الستر إذ أقبل طلحة، فقال رسول الله ﷺ : "من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض وقد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة" (٥).

стр. 11373

[٢٢٥٩] وأخبرني أبو عبيد الله الحسين بن محمد بن فنجويه الدينوري (١) ﵀، قال: أخبرنا أبو محمد عبيد الله بن محمَّد ابن سليمان بن بابويه بن فهرويه (٢)، قال: أخبرنا أبو عبد الله أحمد ابن الحسن بن عبد الجبار الصوفي (٣)، قال: أخبرنا محمد بن عبادة الواسطي (٤)، قال:

стр. 11374

أخبرنا مكي بن إبراهيم (١)، عن الصلت بن دينار (٢)، عن ابن ريان (٣)، عن أبي نضرة (٤)، عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله" (٥).

стр. 11375

٢٤ - ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)﴾ (١).

стр. 11376

٢٥ - ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من قريش وغطفان (١) ﴿بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ ظفرًا ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بالملائكة والريح. ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾. ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ يعني: عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله ﷺ وأهل الإيمان وهم بنو قريظة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما أصبح من الليلة التي انصرف الأحزاب راجعين إلى بلادهم انصرف ﵇ والمسلمون عن الخندق راجعين إلى المدينة، ووضعوا السلاح، فلما كان الظهر أتى جبريل ﵇ معتجرًا (٢) بعمامة من إستبرق على بغلة عليها رحالة (٣) عليها قطيفة من ديباج، ورسول الله

стр. 11377

- ﷺ عند زينب بنت جحش وهي تغسل رأسه، وقد غسلت شقه، فقال: قد وضعتَ السلاح يا رسول الله؟ ، قال: نعم، قال جبريل: عفا الله عنك، ما وَضَعَت الملائكة السلاح منذ أربعين ليلة، وما رجعت الآن إلا من طلب القومِ إن الله يأمرك يا محمد بالسير إلى بني قريظة، وأنا عامد إلى بني قريظة، فاعمد إليهم فإني قد قطعت آثارهم، وفتحت أبوابهم وتركتهم في زلزال وبلبال (١). قال: فأمر النبي ﷺ مناديًا فأذن أن من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلين العصر إلا في قريظة، وقدّم رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب ﵇ برايته إليه، وابتدرها الناس فسار علي بن أبي طالب ﵁ حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله ﷺ منهم، فرجع حتى لقي رسول الله ﷺ في الطريق، فقال: يا رسول الله، ما عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث (٢). قال: "لِمَ؟ ! أظنك سمعت لي منهم أذى" قال: نعم يا رسول الله. قال: "لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئًا". فلما دنا رسول الله ﷺ من حصونهم قال: "يا إخوان القردة هل أخزاكم الله، وأنزل بكم نقمته؟ "، قالوا: يا رسول الله، يا أبا

стр. 11378

القاسم ما كنت جهولًا (١). ومرَّ رسول الله ﷺ بالصورين قبل أن يصل إلى بني قريظة فقال: "هل مرَّ بكم أحد؟ ". فقالوا: يا رسول الله قد مرَّ بنا دحية بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء عليها رحالة، وعليها قطيفة ديباج، فقال رسول الله ﷺ : "ذلك جبريل بُعث إلى بني قريظة يزلزل به حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم". فلما أتى النبي ﷺ بني قريظة نزل على بئر من آبارهم في ناحية من أموالهم يقال لها بئر أنا، فتلاحق به الناس فأتاه رجال من بعد العشاء الآخرة ولم يصلوا العصر لقول رسول الله ﷺ : "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة" (٢)، فصلوا العصر بها، فأتاه رجال بعد العشاء الآخرة فما عابهم الله بذلك في كتابه، ولا عنفهم به رسول

стр. 11379

الله ﷺ (١)، قال: وحاصرهم رسول الله ﷺ خمسًا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب. وقد كان حيي بن أخطب دخل علي بني قريظة في حصنهم حين

стр. 11380

رجعت عنهم قريش وغطفان، وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده، فلما أيقنوا بأن رسول الله ﷺ غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال كعب بن أسد لهم: يا معشر يهود إنه قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالًا ثلاثًا اتخذوا أيها شئتم، قالوا: وما هن؟ ، قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه، فوالله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل، وأنه الذي كنتم تجدونه في كتابكم (١)، فتأمنوا على دياركم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم، قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدًا، ولا نستبدل به غيره. قال: فإذا أبيتم هذِه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالًا مصلتين السيوف،
следующие страницы →