٢٥ - ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
من قريش وغطفان (١) ﴿بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ ظفرًا ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بالملائكة والريح. ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾.
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ يعني: عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله ﷺ وأهل الإيمان وهم بنو قريظة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما أصبح من الليلة التي انصرف الأحزاب راجعين إلى بلادهم انصرف ﵇ والمسلمون عن الخندق راجعين إلى المدينة، ووضعوا السلاح، فلما كان الظهر أتى جبريل ﵇ معتجرًا (٢) بعمامة من إستبرق على بغلة عليها رحالة (٣) عليها قطيفة من ديباج، ورسول الله
стр. 11377
- ﷺ عند زينب بنت جحش وهي تغسل رأسه، وقد غسلت شقه، فقال: قد وضعتَ السلاح يا رسول الله؟ ، قال: نعم، قال جبريل: عفا الله عنك، ما وَضَعَت الملائكة السلاح منذ أربعين ليلة، وما رجعت الآن إلا من طلب القومِ إن الله يأمرك يا محمد بالسير إلى بني قريظة، وأنا عامد إلى بني قريظة، فاعمد إليهم فإني قد قطعت آثارهم، وفتحت أبوابهم وتركتهم في زلزال وبلبال (١).
قال: فأمر النبي ﷺ مناديًا فأذن أن من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلين العصر إلا في قريظة، وقدّم رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب ﵇ برايته إليه، وابتدرها الناس فسار علي بن أبي طالب ﵁ حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله ﷺ منهم، فرجع حتى لقي رسول الله ﷺ في الطريق، فقال: يا رسول الله، ما عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث (٢). قال: "لِمَ؟ ! أظنك سمعت لي منهم أذى" قال: نعم يا رسول الله. قال: "لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئًا".
فلما دنا رسول الله ﷺ من حصونهم قال: "يا إخوان القردة هل أخزاكم الله، وأنزل بكم نقمته؟ "، قالوا: يا رسول الله، يا أبا
стр. 11378
القاسم ما كنت جهولًا (١). ومرَّ رسول الله ﷺ بالصورين قبل أن يصل إلى بني قريظة فقال: "هل مرَّ بكم أحد؟ ".
فقالوا: يا رسول الله قد مرَّ بنا دحية بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء عليها رحالة، وعليها قطيفة ديباج، فقال رسول الله ﷺ : "ذلك جبريل بُعث إلى بني قريظة يزلزل به حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم".
فلما أتى النبي ﷺ بني قريظة نزل على بئر من آبارهم في ناحية من أموالهم يقال لها بئر أنا، فتلاحق به الناس فأتاه رجال من بعد العشاء الآخرة ولم يصلوا العصر لقول رسول الله ﷺ : "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة" (٢)، فصلوا العصر بها، فأتاه رجال بعد العشاء الآخرة فما عابهم الله بذلك في كتابه، ولا عنفهم به رسول
стр. 11379
الله ﷺ (١)، قال: وحاصرهم رسول الله ﷺ خمسًا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب.
وقد كان حيي بن أخطب دخل علي بني قريظة في حصنهم حين
стр. 11380
رجعت عنهم قريش وغطفان، وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده، فلما أيقنوا بأن رسول الله ﷺ غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال كعب بن أسد لهم: يا معشر يهود إنه قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالًا ثلاثًا اتخذوا أيها شئتم، قالوا: وما هن؟ ، قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه، فوالله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل، وأنه الذي كنتم تجدونه في كتابكم (١)، فتأمنوا على دياركم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم، قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدًا، ولا نستبدل به غيره. قال: فإذا أبيتم هذِه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالًا مصلتين السيوف،
стр. 11381
ولم نترك وراءنا ثقلًا يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا شيئًا نخشى عليه، وإن تظهر فلعمري لنتخذن النساء والأبناء. قالوا: نقتل هؤلاء المساكين فما خير في العيش بعدهم. قال: فإن أبيتم على هذِه فإن الليلة ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها، فانزلوا لعلنا أن نصيب من محمَّد وأصحابه غرة. قالوا: نخرم سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا، أما قد علمت ما أصابهم من المسخ ما لم يخف عليك؟ قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازمًا؟ !
قال: ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله ﷺ أن ابعث إلينا بأبي لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف -وكانوا حلفاء الأوس- نستشيره في أمرنا. فأرسله رسول الله ﷺ ، فلما رأوه قام إليه الرجال، ونهش (١) إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فَرقَّ لهم، وقالوا له: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ ، قال: نعم. وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح (٢)، قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي حتى عرفت
стр. 11382
أني قد خنت الله ورسوله (١). ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله ﷺ حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح مكاني حتى يتوب الله على مما صنعت، وعاهد الله لا يطأ بني قريظة أبدًا، ولا يرائي الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدًا. قال: فلما بلغ رسول الله ﷺ خبره وأبطأ عليه قال: "أما لو جاءني لاستغفرت له، فأما إذا فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه" (٢).
ثم إن الله أنزل توبة أبي لبابة (٣) على رسول الله ﷺ وهو في بيت أم سلمة، قالت أم سلمة: فسمعت رسول الله ﷺ من السَّحَر يضحك، فقلت: مما ضحكت يا رسول الله، أضحك الله سنك؟ ! ، قال: "تيب على أبي لبابة". فقلت: ألا أبشره (٤) بذلك يا رسول الله؟ ،
стр. 11383
قال: "بلى، إن شئت"، قال: فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب -فقالت: يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك. قال: فثار الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا والله حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقني بيده. فلما مرّ عليه خارجًا إلى الصبح أطلقه (١).
قال: ثم إن ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، وهم نفر من بني أسد ليسوا من بني قريظة ولا النضير، نسبهم فوق ذلك هم بنو عم القوم أسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها قريظة على حكم رسول الله ﷺ وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدي القرظي، فمر بحرس رسول الله ﷺ وعليها محمد بن مسلمة الأنصاري تلك الليلة، فلما رآه قال: من هذا؟ ، قال: عمرو بن سعدي -وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله ﷺ ، قال: لا أغدر بمحمد أبدًا فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمني إقالة عثرات الكرام. ثمَّ خلَى سبيله، فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة تلك الليلة، ثم ذهب فلا يدرى أين ذهب من أرض الله إلى يومنا هذا، فذكر لرسول الله ﷺ شأنه، فقال: "ذلك رجل نجاه الله بوفائه"، وبعض الناس يزعم أنه كان
стр. 11384
أوثق برمة فيمن أوثق من بني قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فأصبحت رمته ملقاة لا يدرى أين ذهب، فقال رسول الله ﷺ فيه تلك المقالة والله أعلم.
فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فتواثبت الأوس فقالوا: يا رسول الله، إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي الخزرج بالأمس ما قد علمت. وقد كان رسول الله ﷺ قبل بني قريظة، حاصر بني القينقاع (١)، وكانوا حلفاء الخزرج فنزلوا على حكمه، فسأله إياهم عبد الله بن أبي سلول فوهبهم له (٢)، فلما كلمته الأوس قال رسول الله ﷺ : "ألا ترضون يا معاشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم (٣)؟ "، قالوا: بلى، قال: "فذاك إلى سعد
стр. 11385
ابن معاذ" (١).
وكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله ﷺ في خيمة امرأة من المسلمين يقال لها: رفيدة (٢) في مسجده (٣)، وكانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، وكان رسول الله ﷺ قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق: اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب (٤)، فلما حكَّمه رسول الله ﷺ في بني قريظة أتاه قومه فاحتملوه على حمار
стр. 11386
قد وطئوا له بوسادة من أدم، وكان رجلًا جسيمًا، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله ﷺ وهم يقولون: يا أبا عمرو أحسن في مواليك، فإن رسول الله ﷺ إنما ولاّك ذلك لتحسن فيهم. فلما أكثروا عليه قال: قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني الأشهل، فنعى لهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد بن معاذ عن كلمته التي سمع منه.
فلما انتهى سعد لرسول الله ﷺ قال: "قوموا إلى سيدكم فأنزلوه" (١)، فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله ﷺ قد ولاك مواليك لتحكم فيهم. فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيها ما حكمت؟ ، قالوا: نعم. قال: وعلى من ها هنا؟ -في الناحية التي فيها رسول الله ﷺ - وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالًا له، فقال رسول الله ﷺ : "نعم" (٢)، قال سعد: فإني أحكم
стр. 11387
فيهم أن يُقَّتَّل الرجال، وتُقَّسَّم الأموال، ويسبى الذراري والنساء، فقال رسول الله ﷺ لسعد: "لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة" (١).
ثمَّ استنزلوا فحبسهم رسول الله ﷺ في دار بنت الحارث امرأة من بني النجار، ثم خرج رسول الله ﷺ إلى سوق المدينة -التي هي سوقها اليوم- فخندق بها خندقاً، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك
стр. 11388
الخنادق، يخرج بهم إليه أرسالًا وفيهم عدو الله حيي بن أخطب، وكعب بن أسد رأس القوم وهم ستمائة أو سبعمائة، والمكثرين لهم يقولون كانوا من الثمانمائة إلى التسعمائة، وقد قالوا لكعب بن أسد وهو يذهب بهم إلى رسول الله ﷺ أرسالًا: يا كعب ما ترى يصنع بنا؟ فقال كعب: أفي كل موضع لا تعقلون! ! ألا ترون أن الداعي لا ينزع، وأن من يذهب به منكم لا يرجع هو والله القتل. فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله ﷺ .
وأتي بحيي بن أخطب عدو الله عليه حلة فقاحية، قد شققها عليه من كل ناحية كموضع الأنملة لئلا يسلبها، مجموعة يداه إلى عنقه في حبل، فلما نظر إلى رسول الله ﷺ قال: أما والله ما لمت نفسي في عدواتك، ولكنه من يخذل الله يخذل، ثم أقبل على الناس ثم قال: أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب الله وقدره، وملحمة كتبت علي بني إسرائيل. ثم جلس فضربت عنقه، فقال جبل بن جوّال الثعلبي:
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ... ولكنه من يخذل الله يخذل
فجاهد حتى أبلغ النفس عذرها ... وقلقل يبغي العز كل مقلقل (١)
وروى عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: لم يقتل من نساء
стр. 11389
قريظة إلا امرأة واحدة، قالت: والله إنها لعندي تتحدث معي وتضحك ظهرًا، ورسول الله ﷺ يقتل رجالها بالسيوف، وهتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ ، قالت: أنا والله، قالت: قلت ويلك ما لك؟ ، قالت: أقتل. قلت: ولمَ؟ ، قالت: حدث أحدثته. قال: فانطلق بها فضربت عنقها، فكانت عائشة تقول: ما أنسى عجبي منها طيب نفس وكثرة ضحك، وقد عرفت أنها تُقتل (١).
قال الواقدي: واسم تلك المرأة نباتة امرأة الحكم القرظي (٢)، وكانت قتلت خلاد بن سويد رمت عليه رحا، فدعا رسول الله ﷺ بها فضرب عنقها لخلاد بن سويد (٣).
стр. 11390
قال: وكان على والزبير يضربان أعناق بني قريظة، ورسول الله ﷺ جالس هناك.
وروى محمد بن إسحاق، عن الزهري، أن الزبير بن باطا القرظي، -وكان يكنى أبا عبد الرحمن-كان قد مر على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية يوم بعاث أخذه فجزَّ ناصيته ثم خلى سبيله، فجاء يوم قريظة وهو شيخ كبير فقال: يا أبا عبد الرحمن، هل تعرفني؟ ، قال: وهل يجهل مثلي مثلك؟ قال: إني قد أردت أن أجزيك بيدك عندي، فقال: إن الكريم يجزي الكريم. قال: ثمَّ أتى ثابت رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، قد كانت للزبير عندي يد، وله عليّ منة، قد أحببت أن أجزيه بها، فهب لي دمه، فقال رسول الله ﷺ : "هو لك" فأتاه فقال له: إن رسول الله ﷺ قد وهب لي دمك، قال: شيخ كبير لا أهل له، ولا ولد فما يصنع بالحياة، فأتى ثابت رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أهله وولده؟ قال: "هم لك" فأتاه قال له: إن رسول الله ﷺ قد أعطاني امرأتك وولدك، فهم لك. قال: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم على ذلك؟ ، فأتى ثابت رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ماله، قال: "هو لك". فأتاه فقال: إن رسول الله ﷺ قد أعطاني مالك، فهو
стр. 11391
لك، قال: أي ثابت، ما فعل الذي كأن وجهه مرآة صينية، يتراءى فيها عذارى الحي؛ كعب بن أسد؟ ، قال: قتل. قال: فما فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب؟ قال: قتل. قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا كررنا عزال بن شموئيل؟ قال: قتل. قال: فما فعل المجلسان يعني: بني كعب بن قريظة، وبني عمرو بن قريظة؟ ، قال: ذهبوا وقتلوا. قال: فإني أسألك بيدي عندك إلا ما ألحقتني بالقوم، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير فيها فما أنا بصابر فترة دلو نضح حتى ألقى الأحبة (١). وقدمه ثابت فضرب عنقه، فلما بلغ أبي بكر الصديق ﵁ قوله: ألقى الأحبة، قال: يلقاهم والله في نار جهنم خالدًا فيها مخلدًا أبدًا (٢)، فقال ثابت بن قيس في ذلك:
وفت ذمتي أني كريم وإنني ... صبور إذا ما القوم حادوا عن الصبر
وكان زبير أعظم الناس منة ... عليّ، فلما شد كوعاه بالأسر
أتيت رسول الله كيما أفكه ... وكان رسول الله بحرًا لنا يجري
стр. 11392
قالوا (١): وكان رسول الله ﷺ قد أمر بقتل مَنْ أنْبَت (٢)، فسألته سلمى بنت قيس أم المنذر أخت سليط بن قيس -وكانت إحدى خالات رسول الله ﷺ وكانت قد صلت معه القبلتين، وبايعته بيعة النساء- رفاعة بن سموأل القرظي وكان رجل قد بلغ فلاذ بها وكان يعرفها قبل ذلك، فقالت: يا نبي الله بأبي أنت وأمي هب لي رفاعة ابن سموأل فإنه قد زعم أنه سيصلي ويأكل لحم الجمل، فوهبه لها فاستحيته.
قالوا: ثم إن رسول الله ﷺ قسم أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأعلم في ذلك سهمان الخيل، وسهمان الرجال، وأخرج منها الخمس، فكان للفارس ثلاثة أسهم، للفارس سهم وللفرس سهمان، وللراجل ممن ليس له فرس سهم، وكانت الخيل يوم بني قريظة ستة وثلاثين فرساً (٣)، وكان أول فيء وقع فيه
стр. 11393
السهمان وأخرج منه الخمس فعلى سنتها وما مضى من رسول الله ﷺ فيها وقعت المقاسم، ومضت السنة في المغازي ثم بعث رسول الله ﷺ سعد بن زيد الأنصاري أخا بني عبد الأشهل بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع له بهم خيلًا وسلاحاً (١).
وكان رسول الله ﷺ قد اصطفى لنفسه من سباياهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة (٢)، إحدى نساء بني عمرو بن قريظة، فكانت عند رسول الله ﷺ حتى توفي عنها وهي في ملكه، وقد كان رسول الله ﷺ يحرص عليها أن يتزوجها وضرب عليها الحجاب، فقالت: يا
стр. 11394
رسول الله ﷺ ، بل تتركني في ملكك فهو أخف عليّ وعليك. فتركها، وقد كانت حين سباها كرهت الإسلام وأبت إلا اليهودية، فعزلها رسول الله ﷺ ووجد في نفسه بذلك من أمرها، فبينما هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه، فقال: "إن هذا لثعلبة بن سعيد يبشرني بإسلام ريحانة"، فجاءه قال: يا رسول الله، قد أسلمت ريحانة. فسره ذلك (١).
فلما انقضى شأن بني قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ، وذلك أنه دعا بعد أن حكم في بني قريظة ما حكم فقال: اللهم إنك قد علمت أنه لم يكن قوم أحب إليّ مِنْ أن أجاهدهم من قوم كذَّبوا رسلك، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش على رسولك شيئًا فأبقني لها، وإن كنت قد قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك (٢)، فانفجر كلمه (٣)، فرجعه
стр. 11395
رسول الله ﷺ إلى خيمته التي ضرب عليه في المسجد.
قالت عائشة: فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر، وإني في حجرتي، قالت: وكانوا كما قال الله : ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (١).
قال علقمة: أي أُمّه، كيف كان يصنع رسول الله ﷺ ؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد (٢)، ولكنه كان إذا اشتد وجده إذا وجد، وإنما
стр. 11396
هو آخذ بلحيته (١).
قال محمد بن إسحاق: لم يقتل من المسلمين يوم الخندق إلا ستة نفر (٢)، وقيل: من المشركين ثلاثة نفر، وقيل: يوم قريظة من المسلمين
стр. 11397
خلاد بن سويد بن ثعلبة، طرحت عليه رحى فشدخته فقط (١).
فلما انصرف رسول الله ﷺ من الخندق وقريظة قال: "الآن نغزوهم -يعني: قريشًا- ولا يغزوننا" (٢)، فكان كذلك حتى فتح الله على رسوله مكة.
стр. 11398
وكان فتح بني قريظة في آخر ذي القعدة سنة خمس من الهجرة، فذلك قوله :
٢٦ - ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾
أي: حصونهم (١) ومعاقلهم، واحدتها صيصة، ومنه قيل لقرن البقر: صيصة، ولشوكة الديك والحاكة صيصة، قال الشاعر:
كوقع الصياصي في النسيج الممدد (٢)
﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ وهم الرجال ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ وهم النساء والذراري (٣).
٢٧ - ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ بعد.
قال يزيد بن رومان وابن زيد ومقاتل: يعني خيبر (٤).
قتادة: كنا نحدث أنها مكة.
стр. 11399
الحسن: فارس والروم (١).
عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ (٢).
٢٨ - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ (٣)(٤)
متعة الطلاق ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.
стр. 11400
٢٩ - ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾
فأطعتنهما ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قال المفسرون: كان أزواج النبي ﷺ سألنه أشياء من عرض الدنيا وآذينه بزيادة النفقة والغيرة، فهجرهن رسول الله ﷺ وآلى أن لا يقربهن شهرًا، ولم يخرج إلى أصحابه صلوات، فقالوا: ما شأنه؟ ، قال عمر ﵁: إن شئتم لأعلمن لكم ما شأنه، فأتى النبي ﷺ فجعل يتكلم ويرفع صوته حتى أذن له، قال: فجعلت أقول في نفسي أي شيء أكلم به رسول الله ﷺ لعله ينبسط، فقلت: يا رسول الله لو رأيت فلانة وسألتني النفقة فصككتها صكة (١)، فقال: ذاك أجلسني عنكم (٢).
فأتى عمر حفصة فقال: لا تسألي رسول الله ﷺ شيئًا، فما كانت لك من حاجة فإليَّ ثم تتبع نساء النبي ﷺ فجعل يكلمهن، فقال لعائشة: أيغرك أنك امرأة حسناء وأن زوجك يحبك، لتنتهن أو لينزلن فيكن القرآن، قال: فقالت له أم سلمة: يا ابن الخطاب أو ما
стр. 11401
بقي لك إلا أن تدخل بين رسول الله ﷺ وبين نسائه، مَن تسأل المرأة إلا زوجها؟ ، فأنزل الله هذِه الآيات.
وكانت تحت رسول الله ﷺ يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش:
عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية، وصفية بنت حيي الخيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، فلما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله ﷺ بعائشة (١) -وكانت أحبهن إليه- فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فرئي الفرح في وجه رسول الله ﷺ ، وتتابعنها على ذلك (٢). قال قتادة: فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك فقصره عليهن، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية.
[٢٢٦٠] أخبرنا عبد الله بن حامد (٣)، قال: أخبرنا محمد بن الحسين (٤)، قال: أخبرنا أحمد بن يوسف (٥)، قال: أخبرنا
стр. 11402
عبد الرزاق (١) قال: أخبرنا معمر (٢) قال: حدثني الزهري (٣)، عن عروة (٤)، عن عائشة (٥) قالت: لما مضت تسع وعشرون ليلة دخل على رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا، فإنك قد دخلت على تسع وعشرين أعدهن، فقال: "إن الشهر تسع وعشرين"، ثم قال: "يا عائشة إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتَّى تستأمري أبويك" (٦)، قالت: ثم قرأ على هذِه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ الآية حتَّى بلغ: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قالت عائشة: قد علم والله أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه، قالت: في هذا أستأمر أبوي؟ ! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة (٧).
стр. 11403
وقال معمر: حدثني أيوب أن عائشة قالت: لا تخبر أزواجك أني اخترتك، فقال النبي ﷺ : "إنما بعثني الله مبلغًا ولم يبعثني متعنتًا" (١).
[٢٢٦١] وأخبرني محمد بن عبد الله بن حمدون (٢)، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن (٣)، قال: أخبرنا محمد بن يحيى (٤)، قال: أخبرنا عثمان بن عمر (٥) قال: أخبرنا يونس (٦)، عن الزهري (٧)، عن أبي سلمة (٨): أن عائشة ﵂ قالت: لما أمر رسول الله ﷺ تخيير أزواجه بدأ بي فقال: "إني مخبرك خبرًا، ولا عليك ألا تعجلي حتَّى تستأمري أبويك"، ثم قال: "إن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ حتَّى بلغ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ " فقلت: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار
стр. 11404
الآخرة، قالت: ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت (١).
٣٠ - ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ﴾
قرأ الجحدري بالتاء، غيره بالياء. ﴿بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ بمعصية ظاهرة (٢) ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾ في الآخرة ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ (٣).
стр. 11405
وقرأ ابن عامر، وابن كثير: (نضعِّف) بالنون، وكسر العين مشددًا من غير ألف (العذاب) نصبًا.
وقرأ أبو عمرو، ويعقوب: (يضعَّف) بالياء، وفتح العين بالتشديد رفعًا.
قال: (١) أبو عمرو: وإنما قرأت (٢) هذِه وحدها بالتشديد لقوله: ضعفين.
وقرأ الباقون: (يضاعف) بالألف ورفع الباء من (العذاب)، وهما لغتان مثل باعد وبعد.
وقال أبو عمرو، وأبو عبيد: ضعفت الشيء إذا جعلته مثليه، وضاعفته جعلته ثلاثة أمثاله (٣).
стр. 11406
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾
٣١ - ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ﴾
قال قتادة: كل قنوت في القرآن فهو طاعة (١).
وقراءة العامة: (يقنت) بالياء، إلا ما روي عن ابن عامر، ويعقوب أنهما قرآ: (تقنت) بالتاء. وقرأ يحيى، والأعمش، وحمزة، والكسائي، وخلف: (وتعمل)، (نؤتها) (٢)، غيرهم بالتاء.
قال الفراء: إنما قال: (تأت وتقنت) لأن (مَن) أداة تقوم مقام الاسم، يعبَّر به عن الواحد والاثنين والجميع، والمؤنث والمذكر (٣)، قال الله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ (٤)، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (٥).
стр. 11407
قال: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾، وقال الفرزدق في الاثنين:
تعال فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان (١)
﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ أي: مثلي ثواب غيرهن من النساء ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ يعني: الجنّة (٢).
[٢٢٦٢] أخبرني الشيخ أبو عبد الله بن فنجويه (٣)، قال: أخبرنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك (٤)، قال: أخبرنا محمد بن
стр. 11408
عمران بن هارون (١)، قال: أخبرنا أحمد بن منيع (٢)، قال: أخبرنا يزيد (٣) قال: أخبرنا حماد بن سلمة (٤)، عن ثابت (٥)، عن أبي رافع (٦) قال: كان عمر يقرأ في صلاة الغداة سورة يوسف والأحزاب، فإذا بلغ ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ رفع بها صوته، فقيل له، فقال: اذكرهن العهد (٧).
واختلف العلماء في حكم التخيير:
فقال عمر، وابن مسعود: إذا خير الرجل امرأته فاختارت زوجها فلا شيء (٨)، وإن اختارت نفسها فواحدة، وهي أحق بها، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه.
стр. 11409
وقال زيد بن ثابت: إن اختارت زوجها فواحدة، وإن اختارت نفسها فثلاث.
وإلى هذا ذهب مالك.
وقال الشافعي: إن نوى الطلاق في التخيير كان طلاقًا وإلا فلا.
واحتج من لم يجعل التخيير بنفسه طلاقًا عليه فاخترناه فلم يعده طلاقًا (١).
стр. 11410
٣٢ - ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنّ﴾ (١) الله فأطعتنه (٢).
قال الفراء: لم يقل كواحدة لأن (الأحد) عام يصلح للواحد والاثنين والجميع، والمذكر والمؤنث، قال الله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (٣)، وقال: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (٤) ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ﴾ تلن ﴿بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (٥) فجور وضعف إيمان.
﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ صحيحًا جميلًا.
٣٣ - ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (٦).
стр. 11411
قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم بفتح القاف. غيرهم بالكسرة.
فمن فتح القاف فمعناه: واقررن، أي: الزمن بيوتكن، من قولك: قررت في المكان، أقر قرارًا، وقررت أقر، لغتان، فحذفت الراء الأولى التي هي عين الفعل، ونقلت حركتها إلى القاف فانفتحت كقولهم في: ظللت وظلت، قال الله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (١) و ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ (٢)، والأصل فظللت، فحذفت إحدى اللامين.
قراءة ابن أبي عبلة: (واقررن) بفتح الراء على الأصل في لغة من يقول: قررت أقر قرارا.
стр. 11412
قال أبو عبيد: وكان أشياخنا من أهل العربية ينكرون هذِه القراءة، وهي جائزة عندنا مثل قوله: (فظلتم)، ومن كسر القاف فهو أمر من القرار، كقولك من الوعد: عدن، ومن الوصل: صلن، أي: كن أهل وقار، أي: هدوء وسكون وتؤدة، من قولهم: وقر فلان يقر وقورا، إذا سكن واطمأن (١).
[٢٢٦٣] أخبرني أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري (٢)، قال: أخبرنا أبو بكر بن مالك القطيعي (٣)، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل (٤)، قال: حدثني أبي (٥) قال: أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي (٦)، عن سفيان (٧)، عن الأعمش (٨)، عن أبي الضحى (٩) قال: حدثني من يسمع من عائشة ﵂ تقرأ: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ تبكي حتَّى تبل خمارها (١٠).
[٢٢٦٤] أخبرنا عبد الله بن حامد (١)، قال: أخبرنا محمد بن خالد (٢)، قال: أخبرنا داود بن سليمان (٣)، قال: أخبرنا عبد الله بن حميد (٤)، قال: أخبرنا يزيد بن هارون (٥)، قال: أخبرنا هشام (٦)، عن محمد (٧) قال: نبئت أنَّه قيل لسودة زوج النبي ﷺ : ما لك لا تحجين ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك؟ قالت: قد حججت واعتمرت، وأمرني الله تعالى أن أقر في بيتي، فوالله لا أخرج من بيتي حتَّى أموت. قال: فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتَّى أخرجت بجنازتها (٨).
﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ (٩) قال مجاهد، وقتادة: التبرج: التبختر والتكبر
стр. 11415
والتغنج (١).
وقيل: هو إظهار الزينة، وإبراز المحاسن للرجال (٢).
﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ اختلفوا فيها:
فقال الشعبي: هي ما بين عيسى ومحمد ﵉.
أبو العالية: هي من داود وسليمان ﵉ (٣)، وكانت المرأة تلبس قميصا من الدر غير مخيط الجانبين فيرى خلقها فيه.
الكلبي: الجاهلية الأولى هي الزمان الَّذي ولد فيه إبراهيم، وكانت المرأة من أهل ذلك الزمان تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه ثم تمشي وسط الطريق ليس عليها شيء غيره، وتعرض نفسها على الرجال، وكان ذلك في زمن نمرود الجبار، والناس حينئذ كلهم كفار.