← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 11586–11625 · переход к 11591.

стр. 11586

الكشف والبيان عن تفسير القرآن تأليف أبي إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبي المتوفى سنة ٤٢٧ هـ أشرف على إخراجه د/ صلاح باعثمان - د/ حسن الغزالي - أ. د/ زيد مهارش - أ. د/ أمين باشه [المجلد الثاني والعشرون] [سورة سبأ إلى آخر سورة ص] تحقيق د/خالد بن محمد الوذيناني د/ ساعد بن سعيد الصاعدي

стр. 11587

السيرة الذاتية للمحقق د/ خالد بن محمَّد الوزيناني محاضر بالكلية التقنية بمكة المكرمة- قسم الدراسات العامة حصل على درجة الماجستير عام ١٤٢٩ ص في تخصص التفسير وعلوم القرآن من جامعة أم القرى. * * * السيرة الذاتية للمحقق د/ سَاعِد بْن سَعيد الصَّاعدي أستاذ مساعد بجامعة الباحة - كلية العلوم والآداب ببلجرشي - قسم الدراسات الإسلامية. حصل على درجة الدكتوراه في تخصص علوم الحديث من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - كلية الحديث، وعنوان رسالة الدكتوراه (تحقيق جزء من سنن الدارقطني). * * *

стр. 11588

الْكَشْفُ وَالْبَيَانُ عَن تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ [٢٢]

стр. 11589

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة رَقم الْإِيدَاع بدَارِ الْكتب ١٥٢٤٧/ ٢٠١٣ الطَّبعَةُ الأولى ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م دَار التَّفْسِير جدة - المملكة الْعَرَبيَّة السَعوديَّة شَارِع مَحْمُود نصيف - حَيّ الأندلس ص. ب: ١٢٢٤٩٧ - جدة: ٢١٣٣٢ تلفاكس: ٦٦٨٨٨٢٣ - ٠١٢

стр. 11590

٣٤ - سُورَة سبأ

стр. 11591

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ على الله توكلت وبه اعتصمت سورة سبأ (١) مكية (٢)، وحروفها ألف وخمسمائة واثنا عشر حرفا، وكلماتها ثمانمائة وثلاثة وثمانون كلمة، وأربع وخمسون آيات. [٢٣١٧] (أخبرني ابن المقري قال: حدثنا ابن مطر قال: حدثنا إبراهيم بن شريك قال: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا سلام ابن سليم، قال حدثنا هارون بن كثير، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "منْ قرأ سورة سبأ لم يبق نبي ولا رسول إلا كان له يوم القيامة رفيقًا ومصافحًا") (٣).

стр. 11592

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ١ - قوله (١) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وهو الوصف (٢) بالجميل على جهة التعظيم. ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ (٣) كما هو له (٤) في الدنيا؛ لأن النعم في الدارين كلها منه. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٥). ٢ - ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ (٦). ويغيب فيها من الماء والموات والحيوانات والنبات (٧) ﴿وَمَا يَنْزِلُ

стр. 11593

مِنَ السَّمَاءِ﴾ من الأمطار ﴿وَمَا يَعْرُجُ﴾ يصعد ﴿فِيهَا﴾ من الملائكة وأعمال العباد ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾. ٣ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (١) الساعة. ثم عاد ﷻ إلى تمجيده والثناء على نفسه فقال عز من قائل:

стр. 11594

﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ (١).

стр. 11595

اختلف القراء فيها: فقرأ يحيى، والأعمش، وحمزة، والكسائي:

стр. 11596

(علامِ الغيب) بكسر (١) الميم على وزن فعّال، وهي قراءة عبد الله وأصحابه. قال الفرّاء: وكذلك رأيتها في مصحف عبد الله: (علام). وقرأ أهل مكة والبصرة (٢)، وعاصم ﴿عالمِ﴾ بجرِّ الميم على مثال فاعلِ، ردًّا على قوله: ﴿وربي﴾ وهو (٣) اختيار أبي عبيد فيه، وفي أمثاله يؤثر النعوت على الابتداء.

стр. 11597

وقرأ الآخرون: (عالمُ) رفعا على الاستئناف إذ حَالَ بينهما كلام (١). ﴿لَا يَعْزُبُ﴾ يغيب (٢) ويبعد (٣) ﴿عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ وزن نملة، وهذا (٤) مثل لأنه سبحانه لا يخفى عليه ما هو دون الذرة ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. ٤ - ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ (٥).

стр. 11598

٥ - ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ عملوا في إبطال أدلتنا والتكذيب بكتابنا ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ (١) يحسبون أنهم يفوتوننا، وقال ابن زيد: جاهدين، وقرأ: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ الآية (٢). ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ (٣) قرأ ابن كثير، ويعقوب، وعاصم برواية حفص، والمفضَّل ﴿أَلِيمٌ﴾ بالرفع على نعت الـ (عذاب)، وغيرهم بالخفض على نعت الـ (رجز). قال قتادة: الرجز أسوأ العذاب. ومثله في الجاثية (٤). ٦ - قوله تعالى: ﴿وَيَرَى﴾ يعني: وليرى ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾

стр. 11599

يعني: مؤمنو أهل الكتاب؛ عبد الله بن سلام وأصحابه (١). وقال قتادة: هم أصحاب محمد ﷺ (٢). ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني: القرآن (٣) ﴿هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي﴾ يعني: القرآن (٤). ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ وهو الإسلام (٥). ٧ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ منكرين للبعث متعجبين منه: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ﴾ (٦) يخبركم يعنون: محمدًا ﵇.

стр. 11600

﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾ (١) قطعتم وفُرقتم ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ وصرتم رفاتا وتراباً. ﴿إِنَّكُمْ﴾ بكسر الألف (٢) على الابتداء. والحكاية مجازة يقول لكم: ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ٨ - ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ﴾ (٣) (٤)

стр. 11601

ألف الاستفهام دخلت على ألف الوصل لذلك نصب (١) ﴿كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ جنون. قال الله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ (٢). ٩ - ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ فيعلموا أنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم، لا يخرجون من أقطارها، وأنا القادر عليهم لا يعجزونني (٣). ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ (٤) قطعة من

стр. 11602

السماء (١). قراءة العامة بالنون في ثلاثتها (٢). وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي كلها بالياء، وهو اختيار أبي عبيد، قال (٣): لذكر الله قبله. ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ تائب مقبل على ربه راجع إليه بقلبه (٤). ١٠ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ﴾ (٥) مجازه وقلنا: يا جبال.

стр. 11603

﴿أَوِّبِي﴾ سبحي (١) ﴿مَعَهُ﴾ إذا سبح (٢).

стр. 11604

وقال أبو ميسرة: هو بلسان الحبشة (١). وقال بعضهم: هو التفعيل من الإياب (٢) أي: ارجعي معه بالتسبيح. وهذا معنى (٣) قول قتادة، وأبي عبيد. وقال وهب بن منبه: نوحي معه ﴿وَالطَّيْرَ﴾ يساعده (٤) على ذلك، قال (٥) فكان إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها وعكفت الطير عليه (٦) من فوقه، فصدى الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك (٧).

стр. 11605

ويقال: إن داود ﵇ كان إذا تخلل الجبال فسبح الله سبحانه

стр. 11606

جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح، ثمَّ إنه قال ليلة من الليالي -في نفسه-: لأعبدن الله عبادة لم يعبده أحد مثلها (١)، فصعد الجبل، فلما كان في جوف الليل وهو على الجبل إذ (٢) دخلته وحشة، فأوحى الله إلى الجبال أن آنسي داود، فاصطكت (٣) الجبال بالتسبيح

стр. 11607

والتهليل، فقال داود في نفسه (١): كيف يسمع صوتي مع هذِه الأصوات؟ ! ، فهبط عليه ملك فأخذ بعضده، حتى انتهى به إلى البحر فركله برجله فانفرج له البحر، فانتهى به إلى الأرض فركلها برجله (٢) فانفرجت له الأرض، حتى انتهى به إلى الحوت، فركلها برجله فتنحت عن صخرة، فركل الصخرة برجله فانفلقت فخرج منها دودة تنشز (٣)، فقال له الملك: إن ربك يسمع نشيز هذِه الدودة في هذا الموضع (٤). وقال العتبي: أصله من التأويب في السير وهو أن يسير النهار (٥) كله وينزل ليلا (٦).

стр. 11608

قال ابن مقبل: لحقنا بحي أوَّبوا السير بعدما ... دفعنا بشعاع الشمس والطرف مجنح (١) كأنه أراد ادأبي (٢) النهار كله بالتسبيح معه (٣). وقيل: سيري معه كيف شاء. ﴿وَالطَّيْرَ﴾ قراءة العامة بالنصب. وله وجهان: أحدهما: بالفعل مجازه: وسخرنا له الطير، مثل قولك: أطعمته طعاما وماء، يريد: وسقيته ماء. والوجه الآخر بالنداء كقولك: يا عمرو والصلت أقبلا، نصبت الصلت لأنه إنما يُدعى بيائها فإذا فقدتها كان كالمعدول عن جهته فنصب. وقيل: مع (٤) الطير، فتكون الطير (٥) مأمورة معه بالتأويب.

стр. 11609

وروي عن يعقوب بالرفع ردًّا على الجبال، أي أوبي أنت والطير لقول الشاعر: ألا يا عمرو والضحاك سيرا ... فقد جازوتما عمَّ (١) الطريق (٢) يجوز نصب الضحاك ورفعه (٣).

стр. 11610

﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ فذكر أن الحديد في كان (١) يده كالطين المبلول والعجين والشمع، يصرفه بيده كيف يشاء من غير إدخال نار، ولا ضرب بحديد (٢)، وكان سبب ذلك على ما روي في الأخبار: أن داود ﵇ لما ملك بني إسرائيل كان من عادته أن يخرج للناس متنكراً، فإذا رأى رجلاً لا يعرفه تقدم إليه يسأله عن داود، يقول له: ما تقول في داود واليكم هذا، أي رجل هو؟ فيثنون عليه ويقولون خيراً، فبينا هو في ذلك يوماً من الأيام إذ قيّض الله له ملكاً في صورة آدمي، فلما رآه داود تقدم إليه على عادته فسأله، فقال له الملك: نِعْمَ الرجل هو لولا خصلة فيه. فراع (٣) داود ذلك وقال: ما هي يا عبد الله؟ ، قال: إنه يأكل ويُطعم عياله من بيت المال. قال: فتنبه لذلك، وسأل الله تعالى أن يسبب له سبباً (٤) يستغني به عن بيت المال فيتقوت منه (٥) ويُطعم عياله، فألان الله تعالى له الحديد، فصار في يده مثل الشمع، وعلمه صنعة الدروع، فكان

стр. 11611

يتخذ الدروع -وإنه أول من اتخذها- فيقال (١) إنه كان يبيع كل درع بأربعة آلاف، فيأكل ويطعم عياله منها، ويتصدق منها على الفقراء والمساكين (٢). ويقال: إنما لأن الحديد في يده لما أُعطي من القوة. ١١ - قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ دروعاً (٣) كوامل واسعات. ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي: لا تجعل المسامير دقاقاً فتفلق، ولا غلاظاً فيكسر الحلق، فكان يفعل ذلك، وهو أول من اتخذ الدروع، وكانت قبل ذلك صفائح (٤). والسرد صنعة الدرع، ومنه قيل لصانعه: السرَّاد

стр. 11612

والزرَّاد، والدرع المسرودة. قال أبو ذؤيب: وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تُبَّع (١) وأصله الوصل والنظم، ومنه قيل للخرز: سرد، وللأشْفَى: مِسْرَد وسَرّاد. قال الشمَّاخ: كما تابعت سرد العنان الخوارزُ (٢) وسرد الكلام (٣).

стр. 11613

﴿وَاعْمَلُوا﴾ يعني داود وآله ﴿صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١). ١٢ - قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ قراءة العامة بنصب الحاء، أي: وسخرنا لسليمان الريح. وروى أبو بكر، والمفضل عن عاصم بالرفع على خبر حرف الصفة (٢). ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ قال أهل التفسير: يعني: غدوها إلى انتصاف النهار مسيرة شهر ورواحها من انتصاف النهار إلى الليل (مسيرة شهر) (٣)، فجعل سَيْرتَه في يوم واحد مسيرة شهرين (٤).

стр. 11614

قال وهب: ذكر لي أن منزلاً بناحية دجلة (١) مكتوب فيه كتاب (٢) كتبه بعض صحابة سليمان ﵇، إما من الجن، وإما من الإنس: نحن نزلناه وما بنيناه، ومبنياً وجدناه، غدونا من إصطخر (٣) فَقِلْنا (٤)، ونحن رائحون (٥) منه إن شاء الله فبايتون بالشام (٦). قال الحسن: لما شغلت نبي الله سليمان الخيل حتى فاتته صلاة العصر غضب لله فعقر الخيل، فأبدله الله تعالى مكانها خيراً منها وأسرع؛ الريح تجري بأمره كيف يشاء، غدوها شهر ورواحها

стр. 11615

شهر (١)، فكان يغدو من إيلياء (٢) فيقيل بإصطخر، ثمَّ يروح منها فيكون رواحها ببابل (٣). وقال ابن زيد: كان له ﵇ مركب من خشب، وكان فيه ألف ركن، في كل ركن ألف بيت، تركب معه فيه الجن (٤) والإنس، تحت كل ركن ألف شيطان يرفعون ذلك المركب، فإذا ارتفع أتت الريح الرخاء فسارت به وبهم، يقيل عند قوم بينه وبينهم شهر

стр. 11616

(يمسي عند قوم بينه وبينهم شهر) (١)، فلا يدري القوم إلا وقد أظلهم مع (٢) الجيوش (٣). ويروى أن سليمان ﵇ سار من أرض العراق (٤) غادياً (٥) فقال بمدينة مرو (٦)،

стр. 11617

وصلَّى العصر بمدينة بلخ (١)، يحمله وجنوده الريح، ويظلهم الطير، ثمَّ سار من مدينة بلخ متخللاً بلاد الترك (٢)، ثمَّ جازهم إلى أرض الصين (٣) يغدو على مسيرة شهر، ويروح على مثل ذلك، ثمَّ عطف يمنة عن مطلع الشمس على ساحل البحر حتى أتى أرض القندهار (٤)، وخرج منها إلى مكران (٥) وكرمان (٦)، ثمَّ جازها حتى

стр. 11618

أتى أرض فارس فنزلها أياما، وغدا منها فقال (١) بكسكر (٢) ثمَّ راح إلى الشام وكان مستقره مدينة تدمر، وقد كان أمر الشياطين قبل شخوصه من الشام إلى العراق فبنوها له بالصفاح (٣) والعمد والرخام الأبيض والأصفر، وفي ذلك يقول النابغة: إلا سليمان إذ قال المليك له ... قم في البرية فاحددها عن الفند وَخَيَّسَ (٤) الجن أني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد

стр. 11619

ووجد هذِه الأبيات منقورة في صخرة بأرض كسكر (١) أنشأها بعض أصحاب سليمان ﵇: ونحن لا حول سوى حول ربنا ... نروح إلى الأوطان من أرض كسكر إذا نحن رحنا كان ريث (٢) رواحنا ... مسيرة شهر والغدو لآخر (٣)

стр. 11620

أناس (١) شروا لله طوعاً نفوسهم ... بنصر ابن داود النبي المطهر لهم من معالي الدين فضل ورأفة ... وإن نسبوا يوماً فمن خير معشر متى يركبوا الريح المطيعة أسرعت ... مبادرة عن شهرها لم يقصر يظلهم طير صفوفاً عليهم ... متى رفرفت من فوقهم لم تبتر ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ (٢) وأذبنا له عين النحاس (٣)، أسيلت له ثلاثة أيام (٤) كما يسيل الماء، وكانت بأرض اليمن (٥)، وإنما ينتفع

стр. 11621

الناس اليوم بما أخرج الله لسليمان (١). ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ﴾ (٢) يَمِل ويَعْدِل ﴿مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ الذي أمرناه به من طاعة سليمان ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (٣) في الآخرة عن أكثر المفسرين، وقال بعضهم: في

стр. 11622

الدنيا، وذلك أن الله تعالى وكَّل بهم ملكا بيده سوط من نار، فمن زاغ (١) عن أمر سليمان ضربه ضربة أحرقته. ١٣ - ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ (٢) مساجد ومساكن وقصور، والمحراب (٣) مُقدِّم كل مجلس ومسجد وبيت، قال عدي بن زيد: كدُمى العاج في المحاريب أو كالبيض ... في الروض زهوه مستنير (٤) وكان مما عملوا له من ذلك بيت المقدس، وقصته وصفته على ما

стр. 11623

ذكره أهل البصر بالسير أن الله تعالى بارك في نسل إبراهيم ﵇ حتى جعلهم في الكثرة غاية لا يحصون، فلما كان من داود ﵇ لبث فيهم ثلاثين سنة بأرض فلسطين وهم كل يوم يزدادون كثرة، فأعجب داود بكثرتهم فأمر بعدّهم فكانوا يعدون زمانا (١) من الدهر حتى عجزوا أو أيسوا أن يحيط علمهم بعدد بني إسرائيل، فأوحى الله تعالى إلى داود: أني قد (٢) وعدت أباك إبراهيم يوم أمرته بذبح ولده فصدقني وائتمر (٣) أمري أن أبارك له في ذريته حتى يصيروا (٤) أكثر من عدد (٥) نجوم السماء، وحتى لا يحصيهم العادّون، وإني قد أقسمت أن أبتليهم ببلية يقل منها عددهم، ويذهب عنك إعجابك بكثرتهم، وخيّره بين أن يعذبهم بالجوع والقحط ثلاث سنين، وبين أن يسلط عليهم عدوهم ثلاثة أشهر، وبين أن يرسل عليهم الطاعون ثلاثة أيام، فجمع داود ﵇ بني إسرائيل وأخبرهم بما أوحى الله إليه وخيَّره فيهم (٦) فيه، فقالوا له: أنت أعلم بما هو أيسر لنا، وأنت نبينا فانظر لنا، غير أن الجوع لا صبر لنا عليه، وتسليط العدو أمر فاضح، فإن كان ولابد لنا فالموت، فأمرهم داود ﵇ أن يتجهزوا

стр. 11624

للموت، فاغتسلوا، وتحنطوا، ولبسوا الأكفان، وبرزوا إلى الصعيد بالذراري والأهلين، وأمرهم أن يضجوا إلى الله ويتضرعوا إليه لعلّه أن يرحمهم، -وذلك في صعيد بيت المقدس قبل بناء المسجد-. قال: وارتفع داود ﵇ فوق الصخرة فخرّ ساجدا يبتهل إلى الله تعالى، فأرسل الله فيهم الطاعون فأهلك منهم في يوم وليلة ما (لم يتفرغوا) (١) من دفنهم إلا بعد مدة شهرين، فلما أصبحوا من اليوم الثاني سجد داود (وسجدوا معه) (٢) مع طلوع الشمس، فلم يرفعوا رؤوسهم حتى كشف عنهم الله الطاعون. قال: فلما أن شفَّع الله تعالى داود (٣) في بني إسرائيل في ذلك الزمان (٤) جمع داود بني إسرائيل بعد ثلاث فقال لهم: إن الله سبحانه قد منَّ عليكم ورحمكم فجددوا له شكراً، فقالوا: كيف تأمرنا؟ قال: آمركم أن تتخذوا من هذا الصعيد - الذي رحمكم الله فيه - مسجداً، لا يزال فيه منكم وممن بعدكم ذاكراً. فلما أرادوا أن يتخذوا البناء جاء رجل صالح فقير يختبرهم ليعلم كيف إخلاصهم في توبتهم (٥) فقال لبني إسرائيل: إن لي فيه موضعاً أنا

стр. 11625

محتاج (١) (إليه، ولا يحل لكم أن تحجبوني عنه) (٢). فقالوا له: يا هذا ما أحد في بني إسرائيل إلا وله في هذا الصعيد حق مثل حقك، فلا تكن أبخل الناس ولا تضايقنا فيه. فقال: لا، أنا أعرف حقي وأنتم لا تعرفون. قالوا له: إما أن ترضى وتطيب نفساً، وإلا أخذناه كرهاً. فقال لهم: أو تجدون ذلك في حكم الله تعالى وحكم داود؟ ! قال: فرفعوا خبره إلى داود فقال: أرضوه. فقالوا: بكم نأخذه يا نبي الله منه؟ قال: خذوه بمائة شاة. فقال الرجل: زد. فقال داود (٣): بمائة بقرة. قال: زد. قال: بمائة إبل. قال: زدني فإنما تشتريه لله تعالى. فقال داود: إذ قلت هذا فاحتكم أعطكه. فقال: تشتري مني بحائط مثله زيتوناً ونخلاً وعنباً. قال: نعم. فقال: فتشتريه لله فلا تبخل. قال: سل ما شئت أعطه، وإن شئت أؤاجرك نفسي. قال: أو تفعل ذلك يا نبي الله؟ . قال: نعم إذا شئت. قال: أنت أكرم على الله تعالى من ذلك، ولكنك تبني حوله جداراً مشرفاً ثمَّ تملؤه ذهباً وإن شئت ورقاً. قال داود: هو هين. فالتفت الرجل إلى بني إسرائيل وقال: هذا (٤) هو التائب المخلص، ثمَّ قال لداود: يا نبي الله لأنَّ يغفر الله لي ذنباً أحب إليَّ من كل شيء وهبته إليَّ (٥)، ولكني كنت أجربكم.
следующие страницы →