الناس اليوم بما أخرج الله لسليمان (١).
﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ﴾ (٢) يَمِل ويَعْدِل ﴿مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ الذي أمرناه به من طاعة سليمان ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (٣) في الآخرة عن أكثر المفسرين، وقال بعضهم: في
стр. 11622
الدنيا، وذلك أن الله تعالى وكَّل بهم ملكا بيده سوط من نار، فمن زاغ (١) عن أمر سليمان ضربه ضربة أحرقته.
١٣ - ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ (٢)
مساجد ومساكن وقصور، والمحراب (٣) مُقدِّم كل مجلس ومسجد وبيت، قال عدي بن زيد:
كدُمى العاج في المحاريب أو كالبيض ... في الروض زهوه مستنير (٤)
وكان مما عملوا له من ذلك بيت المقدس، وقصته وصفته على ما
стр. 11623
ذكره أهل البصر بالسير أن الله تعالى بارك في نسل إبراهيم ﵇ حتى جعلهم في الكثرة غاية لا يحصون، فلما كان من داود ﵇ لبث فيهم ثلاثين سنة بأرض فلسطين وهم كل يوم يزدادون كثرة، فأعجب داود بكثرتهم فأمر بعدّهم فكانوا يعدون زمانا (١) من الدهر حتى عجزوا أو أيسوا أن يحيط علمهم بعدد بني إسرائيل، فأوحى الله تعالى إلى داود: أني قد (٢) وعدت أباك إبراهيم يوم أمرته بذبح ولده فصدقني وائتمر (٣) أمري أن أبارك له في ذريته حتى يصيروا (٤) أكثر من عدد (٥) نجوم السماء، وحتى لا يحصيهم العادّون، وإني قد أقسمت أن أبتليهم ببلية يقل منها عددهم، ويذهب عنك إعجابك بكثرتهم، وخيّره بين أن يعذبهم بالجوع والقحط ثلاث سنين، وبين أن يسلط عليهم عدوهم ثلاثة أشهر، وبين أن يرسل عليهم الطاعون ثلاثة أيام، فجمع داود ﵇ بني إسرائيل وأخبرهم بما أوحى الله إليه وخيَّره فيهم (٦) فيه، فقالوا له: أنت أعلم بما هو أيسر لنا، وأنت نبينا فانظر لنا، غير أن الجوع لا صبر لنا عليه، وتسليط العدو أمر فاضح، فإن كان ولابد لنا فالموت، فأمرهم داود ﵇ أن يتجهزوا
стр. 11624
للموت، فاغتسلوا، وتحنطوا، ولبسوا الأكفان، وبرزوا إلى الصعيد بالذراري والأهلين، وأمرهم أن يضجوا إلى الله ويتضرعوا إليه لعلّه أن يرحمهم، -وذلك في صعيد بيت المقدس قبل بناء المسجد-.
قال: وارتفع داود ﵇ فوق الصخرة فخرّ ساجدا يبتهل إلى الله تعالى، فأرسل الله فيهم الطاعون فأهلك منهم في يوم وليلة ما (لم يتفرغوا) (١) من دفنهم إلا بعد مدة شهرين، فلما أصبحوا من اليوم الثاني سجد داود (وسجدوا معه) (٢) مع طلوع الشمس، فلم يرفعوا رؤوسهم حتى كشف عنهم الله الطاعون.
قال: فلما أن شفَّع الله تعالى داود (٣) في بني إسرائيل في ذلك الزمان (٤) جمع داود بني إسرائيل بعد ثلاث فقال لهم: إن الله سبحانه قد منَّ عليكم ورحمكم فجددوا له شكراً، فقالوا: كيف تأمرنا؟ قال: آمركم أن تتخذوا من هذا الصعيد - الذي رحمكم الله فيه - مسجداً، لا يزال فيه منكم وممن بعدكم ذاكراً.
فلما أرادوا أن يتخذوا البناء جاء رجل صالح فقير يختبرهم ليعلم كيف إخلاصهم في توبتهم (٥) فقال لبني إسرائيل: إن لي فيه موضعاً أنا
стр. 11625
محتاج (١) (إليه، ولا يحل لكم أن تحجبوني عنه) (٢). فقالوا له: يا هذا ما أحد في بني إسرائيل إلا وله في هذا الصعيد حق مثل حقك، فلا تكن أبخل الناس ولا تضايقنا فيه. فقال: لا، أنا أعرف حقي وأنتم لا تعرفون. قالوا له: إما أن ترضى وتطيب نفساً، وإلا أخذناه كرهاً. فقال لهم: أو تجدون ذلك في حكم الله تعالى وحكم داود؟ !
قال: فرفعوا خبره إلى داود فقال: أرضوه. فقالوا: بكم نأخذه يا نبي الله منه؟ قال: خذوه بمائة شاة. فقال الرجل: زد. فقال داود (٣): بمائة بقرة. قال: زد. قال: بمائة إبل. قال: زدني فإنما تشتريه لله تعالى. فقال داود: إذ قلت هذا فاحتكم أعطكه. فقال: تشتري مني بحائط مثله زيتوناً ونخلاً وعنباً. قال: نعم. فقال: فتشتريه لله فلا تبخل. قال: سل ما شئت أعطه، وإن شئت أؤاجرك نفسي. قال: أو تفعل ذلك يا نبي الله؟ . قال: نعم إذا شئت. قال: أنت أكرم على الله تعالى من ذلك، ولكنك تبني حوله جداراً مشرفاً ثمَّ تملؤه ذهباً وإن شئت ورقاً. قال داود: هو هين. فالتفت الرجل إلى بني إسرائيل وقال: هذا (٤) هو التائب المخلص، ثمَّ قال لداود: يا نبي الله لأنَّ يغفر الله لي ذنباً أحب إليَّ من كل شيء وهبته إليَّ (٥)، ولكني كنت أجربكم.
стр. 11626
فأخذوا في بناء بيت المقدس، فكان داود ﵇ ينقل لهم الحجارة على عاتقه، وكذلك خيار بني إسرائيل حتى رفعوه قامة، فأوحى الله تعالى إلى داود ﵇ أن هذا بيت مُقَدَّس، وإنك رجل يسفك الدماء (١)، فلست ببانيه إذ لم أقض ذلك على يدك، ولكن ابن لك أملكه بعدك اسمه (٢) سليمان، أسلمه من سفك الدماء، أقضي إتمامه على يديه، ويكون صيته وذكره لك باقياً (٣).
فصلوا فيه زماناً، وداود يومئذ ابن سبع وعشرين ومائة، فلما صار من أبناء أربعين ومائة توفاه الله، واستخلف سليمان فأحب إتمام بناء بيت المقدس، فجمع الجن والشياطين وقسم عليهم الأعمال، يخص كل طائفة منهم بعمل يستصلحها (٤) له، فأرسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام والمها الأبيض الصافي من معادنه، وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفاح، وجعلها اثني عشر ربضاً، وأنزل كل ربض منها سبطا من الأسباط، وكانوا اثني عشر سبطاً، فلما فرغ من بناء المدينة ابتدأ في بناء المسجد، فوجه الشياطين فرقاً فرقاً يستخرجون الذهب (واليواقيت) (٥) من معادنها، والدّر الصافي
стр. 11627
من البحر، وفرقاً يقلعون الجواهر والحجارة من أماكنها، وفرقاً يأتون بالمسك والعنبر وسائر الطيب من أماكنها، فأتى من ذلك بشيء لا يحصيه إلا الله تعالى.
ثمَّ أحضر الصناعين وأمرهم (١) بنحت تلك الحجارة المرتفعة وتصييرها ألواحاً، وإصلاح تلك الجواهر وثقب اليواقيت واللآلئ، فكانوا يعالجونها فتصوت صوتاً شديداً لصلابتها (٢)، فكره سليمان تلك الأصوات، فدعا الجن وقال لهم: هل عندكم حيلة في نحت تلك (٣) الجواهر من غير تصويت؟ فقالوا له: يا نبي الله ليس في الجن أكثر تجارباً ولا أكثر علماً من صخر العفريت، فأرسل إليه من يأتيك به. فطبع سليمان بخاتمه طابعاً، وكان يطبع للشياطين بالنحاس ولسائر الجن بالحديد، وكان إذا طبع أحدها بخاتمه لمع ذلك كالبرق الخاطف فكان لا يراه أحد -جني ولا شيطان إلا انقاد له بإذن الله عزَّت قدرته.
قال: فأرسل الطابع مع (٤) عشرة من الجن فأتوه وهو في بعض جزائر البحور، فأروه الطابع فلما نظر إليه كاد يصعق (٥) خوفاً، فأقبل مسرعاً مع الرسل حتى دخل على سليمان، (فسأل سليمان
стр. 11628
رسوله) (١) عما أحدث العفريت في طريقه، فقالوا: يا رسول الله إنه كان يضحك في الأحايين من الناس، فقال له سليمان: ما رضيت بتمردك عليَّ في ترك المجيء إليَّ طائعاً حتى صرت تسخر بالناس؟ ، فقال: يا نبي (٢) الله إني لم أسخر منهم، غير أن ضحكي كان تعجباً مما كنت أسمع وأرى في طريقي. فقال سليمان: وما ذلك؟ قال: اعلم أني مررت برجل على شط نهر ومعه بغلة يريد سقيها، وجرَّة يريد أن يستسقي (٣) فيها، فسقى البغلة وملأ الجرَّة، ثمَّ أراد أن يقضي حاجته فشد بغلته بأذن الجرَّة، فنفرت البغلة وجرَّت الجرَّة فكسرتها، فضحكت من حمق الرجل حيث توهم أن الجرة تحبس البغلة.
ومررت برجل وهو جالس عند إسكاف (٤) يستعمله في إصلاح خفّ له، فسمعته يشترط أن يصلحه بحيث يبقى معه أربع سنين،
стр. 11629
ونسي نزول الموت به قبله، فضحكت من غفلته وجهله.
ومررت بعجوز تتكهن وتخبر الناس بما لا يعلمون من أمر السماء، وقد كنت عهدت رجلاً دفن في موضع فراشها ذهباً كثيراً في الدهور الخالية، فرأيتها تموت جوعاً وتحت فراشها ذهب كثير لا تعلم بمكانه ثمَّ تخبر الناس عن أمر السماء فضحكت منها.
ومررت برجل في بعض مدن وقد كان به داء فيما قبل فأكل البصل فبرأ من دائه، فصار يتطبب للناس فكان لا يأتيه أحد يسأله عن علة إلا أمره بالبصل، وإنه لأضر شيء حتى أن ضره (١) ليصل إلى الدماغ، فضحكت منه.
ومررت ببعض الأسواق فرأيت الثوم وهو أفضل الأدوية كلها يكال كيلاً، ورأيت الفلفل وهو أحد السموم القاتلة يوزن وزناً، فضحكت من ذلك.
ومررت بناس قد جلسوا يبتهلون إلى الله ويسألونه الرحمة والمغفرة فملَّ منهم قوم فقاموا، وجاء آخرون فجلسوا، فرأيت الرحمة قد نزلت عليهم فأخطأت الذين كانوا من أهل المجلس فقاموا، وغشيت الذين جاءوا فجلسوا فضحكت تعجباً للقضاء والقدر (٢).
стр. 11630
قالوا: فقال له سليمان: هل عرفت في كثرة تجاربك وجولاتك في
стр. 11631
البر والبحر شيئاً ينحت به هذِه الجواهر فتلين ويسهل نحتها وثقبها فلا تصوت؟ فقال: نعم يا نبي الله، أعرف حجراً أبيض (١) كاللبن يقال له السمامور (٢)، غير أني لا أعرف معدنه الذي هو فيه، وليس في الطير بشيء (٣) هو أحيل ولا أهدى من العقاب، فمُرْ بعقاب أن يجعل فراخه في صندوق حجر معه ليلة ثمَّ يسرح ذلك العقاب ويترك فراخه في الصندوق، فإنَّه سيأتي بذلك الحجر فيضرب به ظهر الصندوق حتى يثقبه ليصل إلى فراخه.
стр. 11632
قال: فأمر سليمان ﵇ بعقاب مع فراخه فصُيّر في صندوق من حجر يوماً وليلة، ثمَّ سرح العقاب دون الفراخ، فمر العقاب وجاء بذلك الحجر بعد يوم وليلة فثقب به الصندوق حتى وصل إلى فراخه، فوجه سليمان مع العقاب نفراً من الجن حتى أتوه به منه قدر ما علم أن فيه كفاية، واستعمل ذلك في أدوات الصناعين فسهل عليهم نحتها من غير تصويت، وهو الحجر الذي يستعمل في نقش الخواتيم وثقب الجواهر إلى اليوم، وهو حجر ثمين عزيز.
قال: فبنى نبي الله سليمان ﵇ المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر، وعمده بأساطين المها الصافي، وسقفه بألواح الجواهر الثمينة، وفصص سقوفه وحيطانه باللآلئ واليواقيت وسائر الجواهر، وبسط أرضه بألواح الفيروزج، فلم يكن في الأرض (١) يومئذ بيت أبهى ولا أنور (٢) من ذلك المسجد، كان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر، فلما فرغ منه جمع إليه أحبار بني إسرائيل فأعلمهم أنَّه بناه لله، وأن كل شيء فيه خالص لله تعالى، واتخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه عيداً.
قالوا: ومن أعاجيب ما اتخذ سليمان ﵇ ببيت المقدس أنَّه بنى بيتاً، وطين حائطه بالخضرة وصقله، فكان إذا دخله الورع البار استبان
стр. 11633
خياله في هذا (١) الحائط أبيض، وإذا دخله الفاجر استبان فيه خياله أسود، فارتدع عند ذلك كثير من الناس عن الفجور والخيانة.
ونصب في زاوية من زوايا المسجد عصا أبنوس، فكان من مسها من أولاد الأنبياء لم يضره مسها، ومن مسها من غيرهم احترقت يده (٢).
وروى الأوزاعي (٣)، عن ربيعة بن زيد (٤)، عن عبد الله بن الديلمي (٥)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص (٦) قال: قال رسول الله
стр. 11634
- ﷺ : "لما فرغ سليمان من بناء (١) بيت المقدس سأل ربه ثلاثاً فأعطاه اثنين (٢)، وأنا أرجو أن يكون قد أعطاه الثالثة، سأله حكماً يصادف حكمه، فأعطاه إياه، وسأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه، وسأله أن لا يأتي هذا البيت أحد (٣) يصلي فيه ركعتين إلا خرج من ذنوبه (٤) كهيئته يوم ولدته أمه، وأنا أرجو أن يكون قد أعطاه ذلك" (٥).
قالوا: فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان حتى غزاه بختنصر (٦) فخرَّب المدينة وهدمها، ونقض المسجد وأخذ ما كان في سقوفه وحيطانه من الذهب والفضة والدر والياقوت وسائر
стр. 11635
الجواهر فحمله معه (١) إلى دار مملكته من أرض العراق.
قال سعيد بن المسيب: لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس تعلقت أبوابه فعالجها سليمان فلم تنفتح حتى قال في دعائه: بصلوات أبي داود (٢) إلَّا فتحت الأبواب، ففتحت، ففرغ له سليمان ﵇ عشرة آلاف من قرّاء بني إسرائيل؛ خمسة آلاف بالليل، وخمسة آلاف بالنهار، فلا تأتي ساعة من ليل ولا نهار إلا والله يُعبد فيها (٣).
﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ أي: صور (٤)، وكانوا يعملون له التماثيل من نحاس
стр. 11636
وصفر وشبه وزجاج ورخام في المساجد تماثيل الملائكة والنبيين
стр. 11637
والصالحين؛ لكي إذا رآهم الناس (١) مُصَوَّرِين عبدوا عبادتهم.
стр. 11638
﴿وَجِفَانٍ﴾ قصاع، واحدها (١) جفنة ﴿كَالْجَوَابِ﴾ كالحياض (٢) التي يُجبى فيها الماء، أي: يجمع (٣)، واحدتها جابية. قال الأعشى ميمون بن قيس:
تروح على آل المحلق جفنة ... كجابية الشيخ العراقي تفهق (٤)
[٢٣١٨] أخبرنا أبو بكر الحمشاذي (٥)، قال: حدثنا أبو بكر
стр. 11639
القطيعي (١)، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن مسلم (٢)، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم (٣)، قال: حدثنا سهل السراج (٤)، قال: سمعت الحسن (٥) يقول: وجفان كالجواب مثل حياض الإبل (٦).
ويقال: إنه كان يجمع على جفنة واحدة ألف رجل يأكلون بين يديه.
﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ ثابتات لا يحولن ولا يحركن من أماكنهن لعظمهن، ولا ينزلن ولا يعطلن، وكانت باليمن، ومنه قيل للجبال رواسي.
стр. 11640
﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ﴾ أي: وقلنا: اعملوا آل داود ﴿شُكْرًا﴾ (١) مجازه اعملوا بطاعة الله يا آل داود شكراً على نعمه، و ﴿شُكْرًا﴾ في محل المصدر. ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٢) أرسل حمزة الياء، وفتحها
стр. 11641
الباقون. قال القرظي: الشكر تقوى الله والعمل بطاعته (١).
[٢٣١٩] وحدثونا عن محمَّد بن يعقوب (٢) قال: حدثنا الخضر بن أبان (٣) قال: حدثنا سيّار (٤) قال: حدثنا جعفر بن سليمان (٥) قال: سمعت ثابتاً (٦) يقول: كان داود النبي ﷺ قد جزأ ساعات الليل
стр. 11642
والنهار على أهله، فلم يكن يأتي ساعة من ساعات الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي فعمَّهم الله تعالى في هذِه الآية ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (١) الآية.
١٤ - ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ الآية ..
قال المفسرون: كان سليمان ﵇ يتحرد (٢) في بيت المقدس السنة
стр. 11643
والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر، يدخل فيه طعامه (وشرابه فأدخله في المدة التي مات) (١) فيها، وكان بدو ذلك أنَّه لم يكن يوم يصبح فيه إلا ينبت (٢) في بيت المقدس شجرة فيسألها ما اسمك؟ ، فتقول الشجرة: اسمي كذا، فيقول لها: لأي شيء أنت؟ ، فتقول: لكذا وكذا، فيأمر بها فتقطع، فإن كانت نبتت لغرس غرسها، وإن كانت لدواء كتب، فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخرُّوبة. قال: ولأي شيء نبت؟ ، قالت: لخراب هذا المسجد. فقال سليمان: ما كان الله ليخرِّبه وأنا حي، أنت الذي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس. فنزعها وغرسها في حائط له، ثمَّ قال: اللهم عَمِّ على الجن موتي حتى يعلم الإنسان أن الجن لا يعلمون الغيب.
стр. 11644
وكانت الجن تخبر الإنسان أنهم يعلمون من الغيب أشياء، وأنهم يعلمون ما في غد، ثمَّ دخل المحراب فقام يصلي متكئاً على عصاه (١) فمات.
فقال ابن زيد: قال سليمان لملك الموت ﵉: إذا أُمرت بي فأعلمني. قال: فأتاه فقال: يا سليمان قد أُمرت بك، وقد بقيت لك سويعة. فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب، فقام يصلي واتكأ على عصاه فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو متكئ على عصاه (٢).
وفي رواية أخرى: أن سليمان ﵇ قال ذات يوم لأصحابه: قد آتاني الله من الملك ما ترون، وما مر عليَّ يوم في ملكي بحيث صفا لي من الكدر، وقد أحببت أن يكون لي يوم واحد يصفى إلى الليل ولا أغتم فيه، وليكن ذلك اليوم غداً. فلما كان من الغد دخل قصراً له، وأمر بإغلاق أبوابه، ومنع الناس من الدخول عليه ورفع الأخبار إليه؛ لئلا يسمع ذلك اليوم شيئاً يسوؤه، ثمَّ أخذ عصاه بيده وصعد فوق قصره واتكأ على عصاه ينظر في ممالكه، إذ نظر إلى شاب حسن الوجه عليه ثياب بيض (قد خرج من جانب قصره) (٣) فقال:
стр. 11645
السلام عليك يا سليمان.
فقال سليمان. وعليك السلام، كيف دخلت هذا القصر وقد منعت من دخوله؟ أما منعك البواب والحجاب؟ ! أما هبتني حيث دخلت قصري بغير إذني؟
فقال: أنا الذي لا يحجبني حاجب، ولا يدفعني بواب، ولا أهاب الملوك، ولا أقبل الرشى، وما كنت لأدخل هذا القصر بغير إذن، قال سليمان: فمن أذن لك في دخوله؟ قال: ربه.
فارتعد سليمان وعلم أنَّه ملك الموت، فقال له: أنت ملك الموت؟ قال: نعم. قال: فبم (١) جئت؟
قال: جئت لأقبض روحك. قال: يا ملك الموت هذا يوم أردت أن يصفو لي، ولا أسمع فيه ما يغمني. فقال: يا سليمان إنك أردت يوماً يصفو لك فيه عيشك حتى لا تغتم فيه، وذلك اليوم لم يُخلق في أيام الدنيا، فارض بقضاء ربك فإنَّه لا مرد له.
قال: فامض لما أمرت به، فقبض ملك الموت روحه وهو متكئ على عصاه.
قالوا: وكانت الشياطين تجتمع (٢) حول محرابه ومصلاه أينما كان، وكان للمحراب كوى من (٣) بين يديه وخلفه، فكان الشيطان
стр. 11646
الذي يريد أن يخلع (١) يقول: ألست جليدا (٢) لئن (٣) دخلت فخرجت من ذلك الجانب، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك فمر، ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان في المحراب إلا احترق، فمرّ ولم يسمع صوت سليمان، ثمَّ رجع فلم يسمع، فوقع في البيت فلم يحترق، ونظر إلى سليمان قد سقط ميتاً، فخرج فأخبر الناس أن سليمان مات (٤) ففتحوا عنه فأخرجوه، ووجدوا منسأته -وهي العصا بلسان الحبشة- قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا مذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يوماً وليلة، ثمَّ حسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات من سنة (٥).
стр. 11647
وكانت الجن يعملون بين يديه وينظرون إليه، ويحسبون أنَّه حي، ولا ينكرون احتباسه عن الخروج إلى الناس لطول صلاته قبل ذلك -وهي قراءة ابن مسعود- فمكثوا يدانون له من بعد موته حولاً كاملاً، فأيقن الناس أن الجن كانوا يكذبونهم، وأنهم لو علموا الغيب لعلموا بموت سليمان، ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له.
ثمَّ إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين، قال: فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت، قال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب فهو ما يأتيها به الشياطين شكراً لها (١)، فذلك قوله تعالى ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ وهي الأرضة، ويقال لها القارح أيضاً، وهي دويبة تأكل العيدان.
стр. 11648
﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ أي: عصاه.
وأصلها من نسأت الغنم، أي: زجرتها وسقتها، قال طرفة:
وعيس كألواح الأران نسأتها ... على لاحب كأنه ظهر برجد (١)
أي: سقتها. همزها أكثر القراء، وترك همزها أبو عمرو وأهل المدينة، وهما لغتان، قال الشاعر في الهمز:
ضربنا بمنسأة وجهه ... فصار بذلك مهينا ذليلا
وقال الآخرون (٢) في ترك الهمز:
إذا دببت على المنساة من كبر ... تباعد عنك اللهو والغزل (٣)
стр. 11649
﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ يعني: سقط على الأرض ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ (١) و (أن) في محل الرفع، لأنَّ معنى الكلام: فلما خرَّ تبين وانكشف أن لو كان الجن، أي: ظهر أمرهم. وهي (٢) في قراءة ابن مسعود وابن عباس: (تبينت الإنس والجن أن لو (كان الجن) (٣) يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب
стр. 11650
المهين).
وقيل: (أن) في موضع نصب، أي: علمت وأيقنت الجن أن لو كانوا يعلمون. قال أهل التاريخ: كان عمر سليمان ثلاثًا (١) وخمسين سنة (٢)، ومدة ملكه منها أربعون سنة، وملك (٣) يوم ملك وهو ابن ثلاثة عشر سنة (٤)، وابتدأ في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من ملكه والله أعلم.
١٥ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾
روى أبو سبرة النخعي، عن فروة بن مسيك الغطيفي قال: قال رجل: يا رسول الله أخبرني عن سبأ ما كان، رجلًا كان أو امرأة، أو أرضًا أو جبلًا أو واديًا؟ ، فقال ﵇: "ليست بأرض ولا بامرأة (٥)، ولكنه كان رجلًا من العرب، وله عشرة من الولد، فتيامن منهم ستة، وتشاءم أربعة (٦)، فأما الذين تيامنوا فكندة،
стр. 11651
والأشعريون، والأزد، ومذحج، وأنمار، وحمير. فقال رجل: وما أنمار؟ ، قال: الذين منهم خثعم وبجيلة، وأما الذين تشاءموا فعاملة، وجذام، ولخم، وغسان (١) " (٢).
стр. 11652
والإجراء، وترك الإجراء فيه سائغ، وقد قرئ بهما جميعًا، فالإجراء على أنَّه اسم رجل معروف، وترك الإجراء على أنها اسم قبيلة نحو: هذِه تميم، واختاره أبو عبيد؛ لقوله: ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ (١).
واختلف القراء فيه: فقرأ حمزة، والنخعي (﴿مَسْكَنِهِمْ﴾ بفتح الكاف على الواحد) (٢).
وقرأ يحيى بن وثاب، والأعمش، والكسائي، وخلف بكسر الكاف على الواحد والباقون ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ (٣) جمع.
стр. 11653
﴿آيَةٌ﴾ دلالة على وحدانيتنا وقدرتنا.
ثم فسرها (١) فقال: ﴿جَنَّتَانِ﴾ أي: هي جنتان بستانان ﴿عَنْ يَمِينٍ﴾ من أتاهما وشماله.
﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ (٢) على ما أنعم عليكم، وإلى هذِه (٣) إتمام الكلام.
ثم ابتدأ فقال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ أي: وبلدتكم (٤) بلدة طيبة ليست بسبخة.
قال ابن زيد: لم يكن يرى في بلدتهم بعوضة قط، ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، وإن كان الركب ليأتون وفي ثيابهم القمل والدواب فما هو إلَّا أن ينظروا إِلَى بيوتهم فتموت الدواب، وإن كان الإنسان ليدخل الجنتين فيمسك القفة على رأسه فيخرج حين يخرج وقد امتلأت تلك القفة من أنواع الفاكهة ولم يتناول منها شيئا بيده (٥)، فذلك قوله تعالى ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ الهواء ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ الخطأ كثير (٦)
стр. 11654
العطاء (١).
﴿فَأَعْرَضُوا﴾ (٢) قال وهب: بعث الله إِلَى سبأ ثلاثة عشر نبيًّا فدعوهم إِلَى الله تعالى وذكروهم (٣) نعمه عليهم، وأنذروهم عقابه، فكذبوهم وقالوا: ما نعرف لله علينا نعمة، فقولوا لربكم الذي تزعمون فليحبس هذِه النعمة عنا إن استطاع، فذلك قوله :
стр. 11655
١٦ - ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ (١).
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ والعرم: السَّكر والمسناة (٢) التي تحبس الماء، واحدتها عرمة (٣)، وأصلها من العرامة وهي الشدة والقوة.
стр. 11656
وقال ابن عباس، ووهب وغيرهما: كان هذا السد يسقي جنتيهم، وكان فيما ذكر بنته بلقيس، وذلك أنها لما ملكت جعل قومها يقتتلون على ماء واديهم، فجعلت تنهاهم فلا يطيعونها، فتركت ملكها وانطلقت إِلَى قصر لها فنزلته، فلما كثر الشر بينهم وندموا أتوها فأرادوها على أن ترجع إِلَى ملكها فأبت، فقالوا: لترجعنّ (١) أو لنقتلنك، فقالت: إنكم لا تطيعونني (٢)، وليست بكم (٣) عقول (٤)، قالوا: فإنّا نطيعك، فإنّا لم نجد فينا خيرًا بعدك، فجاءت
стр. 11657
فأمرت بواديهم فسُد بالعرم وهو المسناة بلغة حمير، فسدّت ما بين الجبلين بالصخر والقار، وجعلت له أبوابًا ثلاثة بعضها فوق بعض، وبنت من دونه بِرْكة ضخمة، فجعلت فيها (١) اثني عشر مخرجًا على عدة أنهارهم، فلما جاء المطر اجتمع إليه ماء الشجر وأودية اليمن، فاحتبس السيل من وراء السد فأمرت بالباب الأعلى ففتح، فجرى ماؤه في البركة، وأمرت بالبعر فألقي فيها فجعل بعض البعر يخرج أسرع من بعض، فلم يزل يُضيّق تلك الأنهار ويرسل البعر في الماء حتَّى خرجت جميعًا معًا، فكانت تقسمه بينهم على ذلك حتَّى كان من شأنها وشأن سليمان ما كان (٢)، وبقوا على ذلك بعدها، فكانوا يسقون من الباب الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث الأسفل، فلا
стр. 11658
ينفذ الماء حتَّى يثوب (١) الماء من السنة المقبلة، فلما طغوا وكفروا (٢) سلط الله عليهم جرذًا يسمى الخلد (٣) فثقبه من أسفله فغرق الماء جنانهم، وخرَّب أرضهم.
قال وهب: وكانوا فيما يزعمون يجدون في عملهم (٤) وكهانتهم أنَّه يخرب (٥) سدهم ذلك فأرة فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلَّا ربطوا عندها هرة، فلما جاء زمانه وما أراد الله تعالى بهم من التفريق أقبلت -فيما يذكرون- فأرة حمراء إِلَى هرة من تلك الهرر، فساورتها حتَّى استأخرت عنها الهرة فدخلت في الفرجة التي كانت عندها (٦) فتغلغلت في السد فنقبت وحفرت حتَّى وهنته السيل وهم لا يدرون ذلك، فلما جاء السيل وجد خللا فدخل فيه حتَّى قلع (٧) السد وفاض على أموالهم فغرقها ودفن بيوتهم الرمل وفُرقوا ومُزقوا (٨) حتَّى صاروا مثلًا عند العرب، فقالوا: تفرقوا أيدي سبأ
стр. 11659
وأيادي سبأ، فذلك قوله ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾.
وقيل: العرم هو المطر الشديد من العرامة وهي التمرد والعصيان.
﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ (١) قراءة العامة بالتنوين، وقرأ أبو عمرو، ويعقوب بالإضافة، وهما متقاربتان كقول العرب في بستان فلان أعنابُ كرم (٢)، وأعنابٌ كرم، فيضيف أحيانًا الأعناب إِلَى الكرم لأنها منه، وينون أحيانًا الأعناب ثم يترجم بالكرم عنها، إذ كانت الأعناب ثمرة (٣) للكرم.
والأُكُل: الثمر (٤).
стр. 11660
والخمط: الأراك في قول أكثر المفسرين (١).
وقيل: هو (٢) كل شجرة ذات شوك، وقيل: شجرة العضاة (٣).
وقيل: هو كل نبت قد أخذ طعمًا من المرارة حتَّى لا يمكن أكله.
﴿وَأَثْلٍ﴾ وهي (٤) الطرفاء (٥)، عن ابن عباس (٦). وقيل: هو شجر بالطرفاء إلَّا أنَّه أعظم منه.
وقال الحسن: الأثل: الخشب. قتادة: ضرب (٧) من الخشب.