← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 11831–11870 · переход к 11836.

стр. 11831

فرجع القهقرى ينكفئ على عقبيه حتى خرَّ على قفاه مغشيًا عليه، فقيل له: ما شأنك؟ ! فقال: رأيت الرجل، فلما دنوت منه) (١) حال بيني وبينه كهيئة (٢) الفحل يخطر بذنبه لو دنوت منه لأكلني، فأنزل تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨)﴾ (٣) مغلوبون. وأصل الإقماح غض البصر ورفع الرأس، يقال: بعير مقمح إذا رفع رأسه وغض بصره، وبعير قامح إذا روي من الماء فانقمح (٤)، قال الشاعر يذكر سفينة كان فيها: ونحن على جوانبها قعود ... نغض الطرف كالإبل القماح (٥) وقال أبو عبيد: وهو على طريق المثل، ولم يكن هناك غل إنما أراد منعناهم عن الإيمان، وعما أرادوا بموانع، فجعل الأغلال مثلًا لذلك. وفي الخبر أن أبا ذؤيب كان يهوى امرأة في الجاهلية، فلما أسلم

стр. 11832

أتته المرأة واسمها أم مالك فراودته عن نفسه فأبى، وأنشأ يقول: وليس (١) كعهد الدار يا أم مالك ... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل وعاد الفتى كالكهل ليس بقابل ... سوى العدل شيئاً فاستراح العواذل (٢) أراد مُنعنا بموانع الإِسلام عن (٣) تعاطي الزنا والفسق. وقال عكرمة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ يعني: ظلمات وضلالات كانوا فيها. ٩ - ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ فأعميناهم. قراءة العامة الغين بالعين (٤). [٢٣٨٠] وأخبرني الحسين بن محمَّد الثقفي (٥)، أخبرنا البغوي (٦)

стр. 11833

ببغداد، أخبرنا أحمد بن محمَّد بن أبي شيبة البغدادي (١)، أخبرنا أبو القاسم عثمان بن صالح الخياط (٢)، أخبرنا عثمان بن عمر (٣)، أخبرنا شعبة (٤) عن علي بن بذيمة (٥) قال: سمعت عكرمة (٦) يقرأ: (فأعشيناهم) ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (٧) يعني بالعين غير معجمة. ١٠ - ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾. [٢٣٨١] ابن فنجويه الدينوري (٨) بقرآتي عليه، أخبرنا عبيد الله بن

стр. 11834

محمَّد بن شنبة (١)، أخبرنا عمير بن مرداس (٢)، أخبرنا سلمة بن شبيب (٣)، أخبرنا الحسن بن الوليد (٤)، أخبرنا حيان بن زهير العدوي (٥)، عن أبيه (٦)، عن عمر بن عبد العزيز (٧). [٢٣٨٢] وأخبرني ابن فنجويه (٨)، (أخبرنا ابن شنبة (٩)، أخبرنا

стр. 11835

الفريابي (١)) (٢)، أخبرنا (عبيد الله) (٣) بن معاذ، أخبرني أبي (٤)، أخبرني محمَّد بن عمرو الليثي (٥) أن الزهري (٦) حدثه قال: دعا عمر ابن عبد العزيز (٧) غيلان القدري (٨)، فقال: يا غيلان، بلغني أنك تتكلم في القدر. فقال: يا أمير المؤمنين، إنهم يكذبون عليّ. قال: يا غيلان، اقرأ أول يس فقرأ: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ فقال غيلان: يا أمير المؤمنين، والله كأني (٩) لم أقرأها قط قبل اليوم، أشهدك يا أمير المؤمنين أني تائب مما كنت أقول في القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: اللهم إن كان صادقًا فتب عليه وثبته، وإن كان كاذبًا فسلط عليه من لا يرحمه، واجعله آية للمؤمنين. قال: فأخذه

стр. 11836

هشام (١) فقطع يديه ورجليه (٢). [٢٣٨٣] أخبرني ابن فنجويه (٣)، أخبرنا ابن شنبة (٤)، أخبرنا الفريابي (٥)، أخبرنا عبيد الله بن معاذ (٦)، أخبرني أبي (٧)، عن بعض أصحابه قال: حدَّثّ محمَّد بن عمرو (٨) بهذا الحديث ابن عون (٩) فقال ابن عون (١٠): أنا رأيته مصلوبًا على باب دمشق (١١).

стр. 11837

١١ - ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ إنما ينتفع بإنذارك؛ لأنه كان ينذر الكل. ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ القرآن (١) فعمل به. ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ﴾ أخبره ﴿بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾. ١٢ - ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ عند البعث. ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ من الأعمال (٢). ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ ما اسْتُن به بعدهم، نظيره قوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ (٣)، وقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ (٤). وقال المغيرة بن شعبة، والضحاك: نزلت في بني عُذْرة، وكانت منازلهم بعيدة من المسجد فشقَّ عليهم حضور الصلوات فأنزل الله

стр. 11838

تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ يعني: خطاهم إلى المسجد (١). [٢٣٨٤] أخبرنا (الحسين بن محمَّد) (٢) بن فنجويه (٣)، قال: (٤) أخبرنا (عبيد الله بن محمَّد) (٥) بن شنبة (٦)، أخبرنا جعفر بن محمَّد الفريابي (٧)، أخبرنا حبان بن موسى (٨)، أخبرنا عبد الله بن المبارك (٩)، عن سعيد الجريري (١٠)، عن أبي نضرة (١١)، عن جابر بن عبد الله قال: أردنا النقلة إلى المسجد -والبقاع حول المسجد خالية- فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتانا في ديارنا فقال: "يا بني سلمة بلغني أنكم تريدون النقلة إلى المسجد! "، فقالوا: يا رسول الله بَعُد علينا

стр. 11839

المسجد، والبقاع حول المسجد خالية، فقال: "يا بني سلمة دياركم، فإنما تكتب آثاركم" قال: فما وددنا (أن نحضر) (١) المسجد لما قال رسول الله ﷺ الذي قال (٢). [٢٣٨٥] أخبرنا أبو علي الروذباري (٣)، أخبرنا أبو بكر محمَّد بن مهرويه الرازي (٤)، أخبرنا أبو حاتم الرازي (٥)، أخبرنا قرة بن حبيب (٦)،

стр. 11840

أخبرنا عتبة بن عبد الله (١)، (عن ثابت) (٢) عن أنس في قوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ قال: الخطا يوم الجمعة (٣). ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ﴾ يعني: علمناه وعددناه وبَيّناه ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللوح المحفوظ.

стр. 11841

١٣ - قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ وهي أنطاكية (١).

стр. 11842

﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ يعني: رسل عيسى ﵇ (١). قالت العلماء بأخبار الأنبياء: بعث عيسى ﵇ رسولين من الحواريين إلى مدينة أنطاكية، فلما قربا من المدينة رأيا (٢) شيخاً يرعى غنيمات له -وهو حبيب صاحب يس- فسلما عليه فقال الشيخ لهما: من أنتما؟ ، قالا: رسولاً عيسى يدعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن، قال: أمعكما آية؟ ، قالا: نعم: نحن نشفي المريض، ونبرئ الأكمه والأبرص (٣) بإذن الله، فقال الشيخ: إن لي ابنا مريضًا صاحب فراش منذ سنين،

стр. 11843

قالا: فانطلق بنا إلى منزلك لنتطلع (١) حاله. فأتى بهما إلى منزله فمسحا ابنه فقام في الوقت بإذن الله صحيحًا، ففشا (٢) الخبر في المدينة، وشفى الله على يديهما كثيراً من المرضى، وكان لهم ملك يقال سلاحن، قال وهب: اسمه انطيخس، وكان من ملوك الروم يعبد الأصنام، قالوا: فانتهى (٣) الخبر إليه فدعاهما فقال لهما: من أنتما؟ ، قالا: رسولاً عيسى، قال: وما آيتكما؟ ، قالا: نبرئ الأكمه والأبرص ونشفي المرضى بإذن الله، قال: وفيما جئتما؟ ، قالا: جئناك ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر، فقال الملك: ولنا إله سوى آلهتنا؟ ! ، قالا: نعم، مَنْ أوجدك وآلهتك، قال: قوما حتى انظر في أمركما، فتتبعهما الناس فأخذوهما وضربوهما في السوق (٤). وقال وهب بن منبه: بحث عيسى هذين الرسولين إلى إنطاكية فأتياها فلم يصلا إلى ملكها، وطالت مدة مقامهما فخرج الملك ذات يوم فكبَّرا وذكرا الله، فغضب الملك وأمر بهما فأخذا وحبسا وجلد كل واحد منهما مائة جلدة، قالوا: فلما كُذِّب الرسولان وضُربا بعث عيسى رأسَ الحواريين شمعون الصفا على أثرهما

стр. 11844

لينصرهما، فدخل شمعون البلدة متنكرًا، فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به، فرفعوا خبره إلى الملك فدعاه فرضي عشرته وأنس به وأكرمه، ثم قال له ذات يوم: أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك، فهل كلمتهما وسمعت قولهما؟ ، فقال الملك: حال الغضب بيني وبين ذلك. قال: فإن رأى الملك دعاهما حتى نتطلع ما عندهما، فدعاهما الملك، فقال لهما شمعون: من أرسلكما إلى هاهنا (١)؟ ، قالا: الله الذي خلق كل شيء، وليس له شريك، قال لهما شمعون: فَصِفَاه وأوْجِزَا فقالا: إنه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، قال شمعون: وما آيتكما؟ ، قالا له: ما تتمناه، فأمر الملك حتى جاؤوا بغلام مطموس العينين، موضع عينيه كالجبهة، فما زالا يدعوان ربهما حتى انشق موضع البصر، فأخذا بندقتين من الطين فوضعا في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما، فتعجب الملك، فقال شمعون للملك: إن رأيت (٢) سألت إلهك حتى يصنع صنيعًا مثل هذا فيكون لك الشرف ولإلهك، فقال له الملك: ليس لي عنك سرُّ (٣)، إن إلهنا الذي نعبده لا يبصر ولا يسمع، ولا ينفع ولا يضر، وكان شمعون إذا دخل الملك على الصنم يدخل بدخوله،

стр. 11845

ويصلي كثيراً ويتضرع حتى ظنوا أنه على ملتهم، فقال الملك للرسولين: إنْ قَدَرَ إلهكما الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وبكما! ، قالا: إلهنا قادر على كل شيء، فقال الملك: إن هاهنا ميتا مات منذ سبعة أيام ابن لدهقان (١)، وأنا أخّرته فلم أدفنه حتى يرجع أبوه، وكان غائبًا، فجاءوا بالميت وقد تغير وأروح، فجعلا يدعوان ربهما علانية، وجعل شمعون يدعو ربه سرًّا فقام الميت فقال لهم: إني قد من منذ سبعة أيام ووُجِدتُ مشركًا فأُدخلت في سبعة (٢) أودية من النار، وأنا أحذركم ما أنتم فيه، فآمنوا بالله، ثم قال: فتحت أبواب السماء فنظرت فرأيت شابًّا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة، قال الملك: ومَنْ الثلاثة؟ ، قال: شمعون وهذان، وأشار إلى صاحبيه، فتعجب الملك فلما علم شمعون أن قوله قد أثَّر في الملك أخبره بالحال ودعاه، فآمن قوم وكان الملك فيمن آمن، وكفر آخرون. وقال ابن إسحاق، عن كعب، ووهب: بل كفر الملك، وأجمع هو وقومه على قتل الرسل، فبلغ ذلك حبيبًا وهو على باب المدينة الأقصى، فجاء يسعى إليهم يذكرهم ويدعوهم إلى طاعة المرسلين (٣)، فذلك قوله تعالى:

стр. 11846

١٤ ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)﴾. واختلفوا في اسمهما: فقال ابن إسحاق: قاروص وماروص. وقال وهب: يحيي وبولس. مقاتل: تومان وماروص. ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا﴾ أي: فَقَوَّيّنا (١) برسول ﴿بِثَالِثٍ﴾. وقرأ طلحة بن مصرف، وعاصم غير حفص (فعَزَزْنا) مخففاً، أي: فغلبناهم، من قولهم: من عزيز. برسول ثالث وهو شمعون. وقال مقاتل: شمعان. وقال كعب: الرسولان صادق وصدوق، والثالث شلوم (٢)، وإنما أضاف الإرسال إليه؛ لأن عيسى إنما بعثهم لأمره ، وكانوا من جملة الرسل ﴿فَقَالُوا﴾ جميعًا لأهل أنطاكية: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾. ١٥ - ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥)﴾ ما أنتم إلا كاذبون. ١٦ - ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ تشاءمنا بكم. قال مقاتل: حُبس عنهم المطر فقالوا: هذا بشؤمكم.

стр. 11847

١٨ - ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ قال قتادة: بالحجارة (١). وقال الآخرون: لنقتلنكم (٢). ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ١٩ - ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ﴾ شئومكم ﴿مَعَكُمْ﴾ بكفركم. قال ابن عباس والضحاك: حظكم من الخير والشر. وقال قتادة: أعمالكم (٣). وقال الحسن والأعرج: طيركم. ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ وعظتم. وقرأ أبو جعفر بالتخفيف يعني: حيث ذكرتم وجوابه محذوف مجازه: (ما إن) (٤) ذكرتم قلتم هذا القول (٥)؟ .

стр. 11848

﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ مشركون، مجاوزون الحد. ٢٠ - ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ وهو حبيب بن مُرّي (١). وقال ابن عباس، ومقاتل: حبيب بن إسرائيل النجار (٢). قال وهب: وكان رجلًا سقيمًا قد أسرع فيه الجذام، وكان منزله عند أقصى باب من أبواب المدينة، وكان مؤمنًا ذا صدقة، يجمع كسبه إذا أمسى فيقسمه نصفين، فيطعم نصفًا عياله ويتصدق بنصف، فلما بلغه أن قومه قصدوا قتل الرسل (٣) جاءهم فـ ﴿قَالَ﴾ لهم: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾. ٢١ - ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ (٤). قال قتادة: لما انتهى حبيب إلى الرسل قال لهم: تسألون على هذا

стр. 11849

من أجر (١)؟ ، قالوا: لا، فقال ذلك. قال: وكان حبيب في غار يعبد ربه، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وما هو عليه من التوحيد وعبادة الله (٢)، فقيل له: وأنت مخالف لديننا ومتابع دين هؤلاء الرسل ومؤمن بإلههم؟ ، فقال: ٢٢ - ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي﴾ إن فعلت ذلك ﴿إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ٢٥ - ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾ فلما قال لهم ذلك وثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلوه ولم يكن أحد يدفع عنه. وقال عبد الله بن مسعود: وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه (٣) من دبره (٤).

стр. 11850

وقال السدي: كانوا يرمونه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهد قومى، فعلقوه بسور من سور المدينة حتى قطعوه وقتلوه (١). وقال الحسن: خرقوا خرقًا في حلقه فعلقوه من سور المدينة، وقبره في سوق أنطاكية، فأوجب الله له الجنة؛ فذلك قوله تعالى: ٢٦ - ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ فلما أفضى إلى جنة الله وكرامته ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ٢٧ - ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾. [٢٣٨٦] أخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن عبد الله بن علي بن حمشاذ المزكي الفقيه (٢) بقراءتي عليه في شعبان سنة أربعمائة فأقر به، وأخبرنا أبو ظهير عبد الله بن فارس بن محمد بن علي بن عبد الله بن يحيى بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب (٣) في شهر ربيع الأول سنة ست وأربعين وثلاثمائة، أخبرنا إبراهيم بن الفضل بن مالك (٤)، أخبرنا الحسن بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٥)، [قال: أخبرنا عمرو بن

стр. 11851

جميع (١)، عن محمد بن أبي ليلى (٢)، عن أخيه عيسى (٣)، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٤)] (٥) عن أبيه (٦) قال: قال رسول الله ﷺ : "سُبّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب، وصاحب يس، ومؤمن آل فرعون" (٧).

стр. 11852

فهم الصديقون: حبيب النجار مؤمن آل يس، وخربيل مؤمن آل فرعون، وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم. قالوا: فلما قتل حبيب غضب الله له وعجل لهم النقمة، فأمر جبريل فصاح بهم صيحة ماتوا عن آخرهم، فذلك قوله : ٢٨ - ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾. وفي مصحف عبد الله: (إلَّا زُقْية واحدة) وهي الصيحة أيضًا، وأصلها من الزُّقاء. وقرأ أبو جعفر (صيحةٌ) بالرفع، جعل الكون بمعنى الوقوع (١).

стр. 11853

﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ ميتون هالكون (١). ٣٠ - ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ قال عكرمة: يعني: على أنفسهم (٢). وفيه قولان: أحدهما: أن الله يقول: يا حسرة وكآبة عليهم حين لم يؤمنوا. والآخر: أنه من قول الهالكين. قال أبو العالية: لما عاينوا العذاب قالوا: يا حسرة على العباد، يعني: على الرسل الثلاثة حين لم يؤمنوا بهم (٣) فتمنوا الإيمان حيث لم ينفعهم. وقرأ عكرمة (يا حسرة على العباد) بجزم الهاء. ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. وكان خبر الرسل الثلاثة في أيام ملوك الطوائف. ٣١ - قوله : ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ ألم يُخبروا، يعني: أهل مكة. ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ والقرن أهل كل عصر، سموا بذلك لاقترانهم في الوجود.

стр. 11854

﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. ٣٢ - ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا﴾ بالتشديد ابن عامر، والأعمش، وعاصم، وحمزة. الباقون بالتخفيف. فمن شدد جعل (إن) بمعنى الجحد، و (لما) بمعنى إلاّ، تقديره: وما كان إلَّا (١). ﴿جَمِيعٌ﴾ كقولهم: سألتك لمّا فعلت، أي: إلَّا فعلت. ومن خفف جعل (إن) للتحقيق وخففه، و (ما) صلة مجازه: وكل، أي: لجميع. ﴿لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. ٣٣ - ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ بالمطر. ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾.

стр. 11855

٣٤ - ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ (١). قرأ الأعمش (ثُمْره) بضم الثاء وسكون الميم. وقرأ طلحة ويحيى وحمزة والكسائي بضم الثاء والميم. وقرأ الآخرون بفتحهما. ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ قراءة العامة بالهاء. وقرأ عيسى بن عمر، وأهل الكوفة (عملت) بلا هاء ويجوز في (ما) ثلاثة أوجه: الجحد بمعنى: ولم تعمله أيديهم، أي: وجدوها معمولة، ولا صنع لهم فيها، وهذا معنى قول الضحاك، ومقاتل. ومعنى المصدر، أي: ومن عمل أيديهم. ومعنى (الذي) أي: ومما عملت أيديهم من الحرث والزرع والغرس، وهو معنى قول ابن عباس. ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ نعمه. ٣٦ - ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ﴾ الأشكال والأصناف ﴿كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾. ٣٧ - ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ نَنزع ونُخرج منه النهار. وقال الكلبي: نذهب به ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ داخلون في الظلام. ٣٨ - ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ يعني إلى مستقر لها.

стр. 11856

قال ابن عباس: لا تبلغ مستقرها حتى ترجع إلى منازلها. وقال قتادة: إلى وقت واحد لها لا تعدوه. وقيل (١): إلى انتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا. وقيل: إلى أبعد منازلها في الغروب. [٢٣٨٧] وأخبرني ابن فنجويه (٢)، أخبرنا عمر بن الخطاب (٣)، وأحمد بن جعفر (٤) قالا: أخبرنا إبراهيم بن سهلويه (٥)، أخبرنا محمد بن بكار العيشي (٦)، أخبرنا إسماعيل بن علية (٧)، عن يونس بن عبيد (٨)، عن إبراهيم التيمي (٩)، عن أبيه (١٠)، عن أبي ذر (١١)، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال:

стр. 11857

"مستقرها تحت العرش" (١). [٢٣٨٨] وأخبرنا ابن فنجويه (٢)، أخبرنا ابن حبش (٣)، حدثني أبو

стр. 11858

الطيب أحمد بن (عبيد الله) (١) بن يحيى الدارمي، أخبرنا أبو عبد الله بن أحمد (٢) بن محمد السمرقندي بدمياط (٣)، أخبرنا أبو عبيد القاسم بن سلام (٤)، أخبرنا مروان بن معاوية (٥)، عن محمد بن أبي حسان (٦)، عن عمرو بن دينار (٧)، عن ابن عباس أنه قرأ: (والشمس تجري لا مستقر لها) (٨). وهي قراءة ابن مسعود أيضًا، أي: لا قرار لها فهي جارية أبدًا ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. ٣٩ - ﴿وَالْقَمَرَ﴾ بالرفع نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأيوب، ويعقوب، غير رُويس، واختاره (أبو حاتم قال: لأنك شغلت الفعل عنه فرفعته للابتداء.

стр. 11859

وقرأ الباقون بالنصب (١) واختاره) (٢) أبو عبيد قال: للفعل المتقدم قبله والمتأخر بعده فأما المتقدم فقوله ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ , وأما المتأخر فقوله ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾ أي: قدرنا له ﴿مَنَازِلَ﴾. وهي ثمانية وعشرون منزلا، ينزل القمر كل ليلة بمنزل منها وأسماؤها: الشرطين (٣)، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، والزبانيان، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرع الدلو المقدم، وفرع الدلو المؤخر، وبطن الحوت.

стр. 11860

فإذا صار إلى آخر منازله ﴿عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ وهو العذق (١) الذي فيه الشماريخ، فإذا قَدُمَ وعَتُقَ يبس وتقوس واصفر فشبه القمر في دقته وصفرته به (٢)، ويقال له أيضًا: الإهان. ٤٠ - ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ بل هما يسيران دائبين، ولكلٍّ حد لا يعدوه ولا يقصر دونه، فإذا جاء سلطان هذا ذهب ذلك، وإذا جاء سلطان ذلك ذهب هذا (٣) فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ فإذا اجتمعا وأدرك كل واحد صاحبه قامت القيامة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ (٤) ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ يجرون (٥). ٤١ - ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ المملوء (٦) الموقر (٧) وهو سفينة نوح (٨)، الآباء في السفينة،

стр. 11861

والأبناء في الأصلاب، والحمل: منع الشيء أن يذهب إلى جهة السفل. ٤٢ - ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾ أي: من مثل سفينة نوح. ﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾ (١) وهي السفن كلها (٢). [٢٣٨٩] أخبرنا عبيد الله بن محمد بن محمد بن مهدي (٣)، أخبرنا أبو العباس الأصم (٤)، أخبرنا أحمد بن حازم (٥)، أخبرنا عبيد الله بن موسى (٦)، عن سفيان (٧)، عن السدي (٨)، عن أبي مالك (٩) في قوله ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ قال: السفن الصغار (١٠).

стр. 11862

قال ابن عباس: الإبل سفن البر (١). ٤٣ - ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ مغيث لهم (٢). ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ ينجون من الغرق. ٤٤ - ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾ يعني: انقضاء آجالهم (٣). ٤٥ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ من أمر الآخرة فاعملوا لها. ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ (٤) من أمر الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ ما يأتي من الذنوب، ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ ما مضى من الذنوب.

стр. 11863

الحسن: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ ما مضى من أجلكم، ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ ما بقي منه. قتادة: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ يعني: وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأمم، ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ أمر الساعة (١). مقاتل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ عذاب الأمم الخالية، ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ عذاب الآخرة. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ والجواب محذوف تقديره: إذا قيل لهم أعرضوا، دليله ما بعده: ٤٦ - ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾. ٤٧ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ﴾ أنرزق (٢). ﴿مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ يتوهمون أن الله سبحانه لما كان قادرًا على إطعامه وليس يشاء إطعامه فنحن أحق بذلك. نزلت في مشركي مكة حين قال لهم فقراء أصحاب رسول الله ﷺ : أعطونا ما زعمتم من أموالكم أنها لله، وذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ (٣) فحرموهم وقالوا: لو شاء الله لأطعمكم، ولا نعطيكم شيئًا حتى ترجعوا إلى ديننا.

стр. 11864

﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ في اتباعكم محمدًا ومخالفتكم ديننا، عن مقاتل بن حيان. وقال غيره: هو من قول أصحاب (١) رسول الله ﷺ ، وقيل: هو من قول الله تعالى لهم (٢). ٤٨ - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾ أنَّا نُبعث. ٤٩ - قال الله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ ما (٣) ينتظرون. ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ وهي نفخة إسرافيل (٤). ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ أي: يختصمون، ويخاصم بعضهم بعضًا. واختلفت القراءة فيه: فقرأ ابن كثير، وورش، وأبو عبيد، وأبو حاتم بفتح الخاء وتشديد الصاد، ومثله روى هشام عن أهل الشام لمّا أدغموا نقلوا حركة التاء (٥) إلى الخاء. وقرأ أبو جعفر، وأيوب، ونافع غير ورش ساكنة مشددة الصاد. وقرأ أبو عمرو بالإخفاء. وقرأ حمزة ساكنة الخاء وتشديد (٦) الصاد (٧).

стр. 11865

٥٠ - ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾ فلا يقدرون على (١) أن يوصي بعضهم بعضًا. ٥١ - ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ وهي النفخة الآخرة (٢) نفخة البعث (٣)، وبين النفختين أربعون سنة. ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ القبور (٤)، واحدها جدث. ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ يخرجون (٥)، ومنه قيل للولد: نسل؛ لأنه يخرج من بطن أمه، والنسلان والعسلان الإسراع في السير. ٥٢ - ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ أي: من (٦) منامنا (٧). قال أبي بن كعب، وابن عباس، وقتادة: إنما يقولون هذا؛ لأن الله رفع عنهم العذاب فيما بين النفختين فيرقدون (٨). وقال أهل المعاني: إن الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها صار

стр. 11866

ما عُذبوا في القبور في جنبها كالنوم، فقالوا: من بعثنا من مرقدنا؟ ! . ثم قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ (أقروا حين لم ينفعهم الإقرار. وقال مجاهد: يقول الكفار: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾، ويقول المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ (١)) (٢). ٥٣ - ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾. ٥٤ - ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ محل (ما) نصب من وجهين: أحدهما: مفعول ما لم يسم فاعله. والثاني: بنزع حرف الصفة، أي: بما. ٥٥ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وشيبة بجزم الغين، واختاره أبو حاتم. وقرأ الآخرون بضم الغين، واختاره أبو عبيد وهما لغتان مثل السحْت والسحت ونحوهما (٣).

стр. 11867

واختلف المفسرون في معنى الشغل: [٢٣٩٠] فأخبرنا محمد بن حمدون (١)، أخبرنا مكي بن عبدان (٢)، أخبرنا أبو الأزهر (٣)، أخبرنا أسباط بن محمد (٤)، عن أبيه (٥)، عن عكرمة (٦)، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ قال: افتضاض الأبكار (٧). [٢٣٩١] وأخبرني ابن فنجويه (٨)، أخبرنا عبد الله بن يوسف (٩)،

стр. 11868

أخبرنا أحمد بن الوليد الشطوي (١)، أخبرنا محمد بن موسى (٢)، أخبرنا يعلي بن عبد الرحمن (٣)، أخبرنا شريك (٤)، عن عاصم الأحول (٥) عن أبي المتوكل الناجي (٦)، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أهل الجنة كلما جامعوا نساءهم عادوا أبكارًا" (٧).

стр. 11869

وقال الكلبي، والثمالي، والمسيب: يعني في شغل عن أهل النار وعمّا هم فيه، لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم (١). وقال وكيع بن الجراح: يعني: في السماع. سئل يحيى بن معاذ: أي الأصوات أحسن؟ ، قال: مزامير أنس في مقاصير قدس، بألحان تحميد، في رياض تمجيد، في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وقال ابن كيسان: في زيارة بعضهم بعضًا. وقيل: في ضيافة الله. وقيل: شغلهم بعشرة أشياء: ملك لا عزل معه، وشباب لا هرم معه، وصحة لا سقم معه، وعز لا ذل معه، وراحة لا شدة معه، ونعمة لا محنة معه، وبقاء لا فناء معه، وحياة لا موت معه، ورضا لا سخط معه، وأنس لا وحشة معه. وقيل: شغلهم بسبعة أنواع من الثواب بسبعة أعضاء، فأما ثواب الرجل فقوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾ (٢)، وثواب اليد قوله

стр. 11870

تعالى: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾ (١)، وثواب الفرج قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ (٢)، وثواب البطن قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ (٣) الآية، وثواب اللسان قوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤)، وثواب الأذن قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ (٥)، ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ (٦)، وثواب العين قوله: ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ (٧). قال طاوس: (لما علم) (٨) أهل الجنة عمن شُغلوا ما هنأهم ما اشتغلوا به. وسئل بعض الحكماء (٩) عن قوله ﵇: "أكثر أهل الجنة البله" (١٠) قال: لأنهم في شغل بالنعيم عن المنعم، ثم قال: من
следующие страницы →