جاءك في منامك فأمرك بذبح بُنَيّك هذا، فعرفه إبراهيم ﵇ فقال: إليك عنّي يا عدو الله فوالله لأمضين لأمر ربّي فرجع عدوّ الله إبليس بغيظه لم يُصب من إبراهيم ﵇ وآله شيئًا مما أراد قد امتنعوا منه بعون الله تعالى (١).
وروى أبو الطفيل عن ابن عباس ﵄ أن إبراهيم ﵇ لما أُمِرَ بذبح ابنه عرض له الشيطان بهذا المشعر فسابقه فسبقه إبراهيم ﵇ ثم ذهب إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات ثم ذهب ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات (حتى ذهب ثم أدركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات) (٢) حتى ذهب ثم مضى إبراهيم لأمر الله (٣).
стр. 11972
وقال أمية بن أبي الصلت الثقفي في ذلك:
ولإبراهيم الموفي بالنذر ... احتسابًا وحامل الأجدال
بكره لم يكن ليصبر عنه ... لو تراه في معشرٍ أقتال
يا بني إني نذرتك لله شَحِيطًا ... فاصبر فدى لك حال
واشدد الصفد لا أَحِيد عن السكين ... حيْد الأسير ذِي الأغلال
وله مديةٌ تخايل في اللحم ... هُذام حَينه كالهلال
بينما يَخْلعُ السرابيل عنه ... فكّه ربّه بكبش حلال
فخذ ذا وارسل ابنك إنني ... للذي قد فعلتما غير قال
ربما تجزع النفوس من الأمر ... له فرجة كحلّ العقال (١)
стр. 11973
فهذِه قصة الذبيح كما قال الله .
قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾. قال ابن عباس ﵄: يعني المشي مع أبيه إلى الجبل (١). وقال الحسن ومقاتل بن حيان: يعني العمل الذي تقوم به الحجة (٢). وقال الضحاك: يعني الحركة (٣). وقال ابن زيد: يعني العبادة (٤) ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ﴾ رأيت في المنام أن أذبحك لنذر عليّ فيك أمرت بذلك، وذلك أن إبراهيم ﵇ رأى ليلة التروية كأن قائلًا يقول له: إن الله تعالى أمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روى في نفسه أي: فكَّر من الصباح إلى الرواح أمِن الله هذا الحلم أم من الشيطان فمن ثم سمي يوم التروية.
فلما أمسى رأى في المنام ثانيًا ما رآه من ذبح الولد فلما أصبح عرف أن ذلك الحلم من الله فمن ثم سمي يوم عرفة (٥) وقال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم ﵇ ثلاث ليال متتابعات (٦) وقال عطاء
стр. 11974
ومقاتل: أمر إبراهيم ﵇ أن يذبح ابنه ببيت المقدس فلما تيقن ذلك أخبر به ابنه (١) فقال ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ قرأت العامة بفتح التاء (٢). وقرأ حمزة والكسائي (تُرى) بضم التاء وكسر الراء (٣) أي: ماذا تشير، وإنما جاز أن يُعلِم ابنه في المضي لأمر الله لأنه أحبّ أن يَعْلَم صبره على أمر الله وعزيمته على طاعته ﴿قَالَ﴾ له ابنه ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.
١٠٣ - قوله ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ (أي: انقادا أو خضعا لأمر الله ورضيا به.
وقرأ ابن مسعود ﵁ (فلما سلَّما) (٤) أي فوّضا (٥).
وقرأ ابن عباس ﵄ (استسلما) (٦).
стр. 11975
قال قتادة: أسلم هذا ابنه وهذا نفسه (١).
﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي: صرعه وأضجعه وكبّه على وجهه للذبح.
١٠٤ - ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ﴾
قال أهل المعاني: الواو مقحمة صلة، مجازه: ناديناه كقوله تعالى: ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ (٢) يعني: أوحينا، وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ (٣)(٤).
وقال امرؤ القيس:
فلما أجَزْنَا سَاحة الحي وانتحى ... بنا بَطْنُ خَبْتٍ ذي قِفَافٍ عَقَنْقَلِ (٥)
وقال الشاعر:
حتى إذا قَمِلتْ بُطُونُكم ... ورأيتم أبناءكم شَبّوا
стр. 11976
وقلبتم ظهْر المِجَنّ لنا ... إن اللئيم العاجز الخِبُّ (١)
أراد: قلبتم.
١٠٥ - ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾.
١٠٦ - ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)﴾
الاختبار المظهر فيما يوجب النعمة أو النقمة ولذلك قيل للنعمة بلاء وللمحنة بلاء لأنها سُميت باسم سببها المودِّي إليها كما قيل لأسباب الموت: هذا الموت بعينه.
١٠٧ - ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ والذِّبْحُ: المهيّأ لأن يُذبح والذَّبح بالفتح المصدر (٢).
وقد اختلفوا في هذا الذِّبح وسبب تسميته عظيمًا:
[٢٤٢٥] فأخبرنا أبو الحسن القهندزي (٣)، قال: نا أبو العباس الأصم (٤)، قال: نا إبراهيم بن مرزوق البصري (٥)، قال: نا أبو
стр. 11977
عامر العَقَدي (١)، عن سفيان (٢)، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيم (٣)، عن سعيد بن جبير (٤)، عن ابن عباس ﵄ قال: الكبش الذي ذبحه إبراهيم ﵇ هو الذي قرَّبه ابن آدم (٥).
وقال سعيد بن جبير: حُقّ له أن يكون عظيمًا وقد رعى في الجنة أربعين خريفًا (٦).
وقال مجاهد: سمّاه عظيمًا لأنه متقبل (٧).
стр. 11978
وقال الحسين بن الفضل (١): لأنه كان من عند الله (٢).
وقال أبو بكر الوراق (٣): لأنه لم يكن عن نسْلٍ وإنما كان بالتكوين (٤).
وقيل: لأنه فداء عبد عظيم (٥).
وقال أهل المعاني: قيل له عظيم: لأنه يصغر مقدار غيره من الكباش بالإضافة إليه.
وأكثر المفسرين على أنه كان كبشًا من الغنم أَعْين (أقْرن) أمْلَح (٦).
وروى عمرو بن عُبَيد عن الحسن ﵀ أنه كان يقول: ما فُدِيَ إسماعيل ﵇ إلا بتيس من الأرْوى أهبط عليه من ثبير (٧) وهي رواية
стр. 11979
أبي صالح عن ابن عباس ﵄ قال: كان وعْلًا (١).
١٠٨ - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾
[٢٤٢٦] أخبرني ابن فنجويه (٢)، قال: نا طلحة (٣) وعبيد الله (٤)، قالا: نا ابن مجاهد (٥)، قال: نا أحمد بن حرب (٦)، قال: نا سُنيد (٧)، قال: نا وكيع (٨)، عن سفيان (٩)، عن داود (١٠)، عن عكرمة (١١)، عن ابن عباس ﵄ ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ قال: بشرى نبوة بُشّر به مرتين حين وُلد وحين نُبّئ (١٢).
стр. 11980
١١٣ - ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ﴾ أي على إبراهيم ﵇ في أولاده.
﴿وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ حين أخرج أنبياء بني إسرائيل من صلبه.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ مؤمن ﴿وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ كافر ظاهر الكفر.
١١٤ - قوله : ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا﴾ أنعمنا ﴿عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ بالنبوة.
١١٥ - ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ بني إسرائيل ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾
يعني الغَرق (١) حيث أغرقنا آل فرعون وقومه.
١١٦ - ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ يعني: موسى وهارون ﵉ وقومهما ﴿فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ على القبط.
١١٧ - ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧)﴾ المستنير هو التوراة.
١١٨ - ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾
١٢٣ - ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾
[٢٤٢٧] أخبرنا أبو محمد بن أبي القاسم بن المؤمل (٢) رحمه الله تعالى قال: نا أبو العباس الأصمّ (٣)، قال:
стр. 11981
نا بكار بن قتيبة (١)، نا أبو داود الطيالسي (٢)، قال: نا قيس (٣)، عن أبي إسحاق (٤)، عن عبيدة بن ربيعة (٥)، عن ابن مسعود ﵁ قال: إلياس هو إدريس ﵇ وإسرائيل هو يعقوب ﵇ (٦).
وإلى هذا ذهب عكرمة وقال: هو في مصحف عبد الله ﵁: (وإن
стр. 11982
إدريس لمن المرسلين) وتفرد عبد الله وعكرمة بهذا القول (١).
وقال الآخرون: هو نبي من أنبياء بني إسرائيل (٢).
قال ابن عباس ﵄: وهو ابن عم اليسع (٣).
وقالوا: هو إلياس بن ياسين بن العيزار بن هارون بن عمران (٤).
وقال ابن إسحاق: هو إلياس بن نُسيّ بن فنحاس بن العيزار بن هارون بن عمران (٥).
وقال أيضًا محمد بن إسحاق بن يسار والعلماء من أصحاب الأخبار: لما قبض الله حزقيل النبيّ ﵇ عَظُمت الأحداث في بني إسرائيل، وظهر فيهم الفساد والشرك، ونسوا عهد الله إليهم، ونَصَبوا الأوثان وعبدوها من دون الله، فبعث الله إليهم إلياس ﵇ نبيًّا، وإنما كانت الأنبياء ﵈ من بني إسرائيل بعد موسى ﵇ يُبعثون إليهم بتجديد ما نسوا من التوراة، وبنو
стр. 11983
إسرائيل يومئذ متفرقون في أرض الشام وفيهم ملوك كثيرة، وكان سبب ذلك أن يوشع بن نون ﵇ لما فتح أرض الشام بعد موسى ﵇ وملكها بوَّأها بني إسرائيل وقسمها بينهم فأحَلَّ سِبْطًا منهم ببَعْلَبَك (١) ونواحيها، هم سبط إلياس الذي كان منهم إلياسُ ﵇، فبعث الله إليهم نبيًّا وعليهم يومئذ مَلِكٌ يقال له: أجب، قد أضلّ قومه وأجبرهم على عبادة الأصنام، وكان يعبد هو وقومه صنمًا يقال له: بَعل، وكان طوله عشرين ذراعًا وكانت له أربعة وجوه، قال فجعل إلياس ﵇ يدعوهم إلى الله تعالى وهم في ذلك لا يسمعون منه شيئًا إلا ما كان من أمر الملك الذي كان ببعلبك، فإنه صدّقه وآمن به فكان إلياس ﵇ يقوّمُ أمره ويسدَّدُهُ ويرشده.
وكان لأجبّ الملك هذا امرأة يقال لها لزيئيل، وكان يستخلفها على رعيّته إذا غاب عنهم في غزاة أو غيرها فكانت تبرز للناس كما يبرز زوجها وتركب كما يركب وتجلس في مجلس القضاء فتقضي بين الناس وكانت قتّالة للأنبياء ﵈، قال: وكان لها كاتب رجلٌ مؤمن حكيم يكتم إيمانه، وكان كاتبها قد خلّص من يدها ثلاثمائة نبيّ كانت تريد قتل كل واحد منهم إذا بُعث سوى الذي قتلتهم ممَّن كثر عددهم وكانت في نفسها غير محصنة، ولم يكن على وجه الأرض أفحش منها وهي مع ذلك قد تزوجت سبعة ملوك من ملوك بني إسرائيل قتلت كلهم بالاغتيال وكانت معمرة حتى يقال
стр. 11984
إنها ولدت سبعين ولدًا.
قال: وكان لأجبّ هذا جار من بني إسرائيل رجل صالح يقال له: مزدكي، وكانت له جُنَيْنةٌ يعيش منها ويُقبل على عمارتها ومَرَمّتها، وكانت الجنينة إلى جانب قصر الملك وامرأته، وكانا يُشرفان على تلك الجنينة يتنزهان فيها ويأكلان ويشربان ويقيلان فيها، وكان أجبّ الملك في ذلك يُحسن جوار صاحبها مَزدكي ويُحسن إليه وامرأته لزيئيل تحسده على ذلك لأجل تلك الجنينة وتحتال في أن تغتصبها إياه لما تسمعُ الناس يكثرون ذكر الجنينة ويتعجبون من حسنها ويقولون: ما أحرى أن تكون هذِه الجنينة لأهل هذا القصر، ويتعجبون من الملك وامرأته كيف لم يغصباها صاحبها فلم تزل امرأة الملك تحتال على العبد الصالح مزدكي في أن تقتله وتأخذ جنينته والملك ينهاها عن ذلك ولا تجد عليه سبيلًا، ثم إنه اتفق خروج الملك إلى سفر بعيد وطالت غيبته فاغتنمت امرأته لزيئيل ذلك للحيلة على مزدكي وهو غافل عما تريد به مقبل على عبادة ربه وإصلاح معيشته، فجمعت لزيئيل جمعًا من الناس وأمرَتْهم أن يشهدوا على مزدكي أنه سبّ زوجها، فأجابوها إلى ملتمسها من الشهادة عليه.
وكان من حكمهم في ذلك الزمان على من سب الملك القتل إذا قامت عليه البينة بذلك فأحضرت مزدكي وقالت له: بلغني أنك شتمت الملك وعبته، فأنكر مزدكي ذلك، فقالت المرأة: إن عليك شهودًا وأحضرت الشهود فشهدوا بحضرة الناس عليه بالزور، فأمرت بقتل
стр. 11985
مزدكي فقُتل وأخذت جنينته غصبًا، فغضب الله عليهم للعبد الصالح فلما قدم الملك من سفره أخبرته الخبر، فقال لها: ما أصبت ولا وُفِّقتِ ولا أرانا نفلح بعده أبدًا وإن كنا عن جنينته لأغنياء قد كنّا نتنزه فيها، قد جاورنا وتحرّم بنا منذ طويل زمانِ فأحسنَّا جواره وكففنا عنه الأذى لوجوب حقه علينا فختمت أمره بأسوأ الجوار، وما حملكِ على اجترائك عليه إلّا سفهك وسوء رأيك وقلة تفكيركِ في العواقب. فقالت: إنما غضبتُ لك وحكمتُ بحكمك، فقال لها: أو ما كان يسعك حلمك ويحدوك عظيم خطرك على العفو عن رجل واحد فتحفظين له جواره، قالت: قد كان ما كان.
فبعث الله إلياس ﵇ إلى أجب الملك وقومه وأمره أن يخبرهم أن الله تعالى قد غضب لوليّه حين قتلوه بين أظْهُرِهم ظلمًا، وآلى على نفسه أنهما إن لم يتوبا عن صنيعهما ولم يرّدا الجنينة على ورثة مزدكي أن يهلكهما، يعني: أجب وامرأته في جوف الجنينة آيس ما يكونان بسفك دميهما ثم يدعهما جيفتين ملقاتين فيهما تتعرى عظامهما عن لحومهما ولا يتمتعان بها إلا قليلًا.
قال: فجاء إلياس ﵇ وأخبره بما أوحى الله إليه في أمره وأمر امرأته والجنينة، فلما سمع الملِكُ ذلك اشتد غضبه عليه ثم قال له: يا إلياس، والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلًا، والله ما أرى فلانًا وفلانًا يُسَمِّى ملوكًا منهم قد عبدوا الأوثان على مثل ما نحن عليه يأكلون ويشربون ويتمتعون مُملَّكِين ما ينقص من دنياهم أمرهم الذي تزعم
стр. 11986
أنه باطل، وما نرى لهم علينا من فضل.
قال: وهمَّ الملك بتعذيب إلياس ﵇ وقَتْلِه، فلما سمع إلياس ﵇ بذلك وأحسّ بالشر رفضه وخرج عنه فلحق بِشَواهِقِ الجبال وعاد الملك إلى عبادة بعلٍ، وارتقى إلياس ﵇ أصعب جبل وأشْمَخَه فدخل مغارةً فيه، فيقال إنه بقي فيه سبع سنين شريدًا طريدًا جائعًا يأوي إلى الشعاف والكهوف يأكل من نبات الأرض وثمار الشجر، وهُمْ في طلبه قد وضعوا عليه العيون يتوكَّفون (١) أخباره ويجتهدون في أخذه والله يستُر، ويدفع عنه فلما تمَّ سبع سنين أذن الله تعالى في إظهاره عليهم وشفا غيظه منهم، فأمرض الله ابنا لأجبّ وكان أحبّ ولده إليه وأعزّهم عليه وأشبههم به فأُدْنِفَ (٢) حتى يئس منه فدعا صنمه بعلًا وكانوا قد فُتِنوا ببعْل وعظّموه حتى جعلوا له أربعمائة سادن فوكلوهم به وجعلوهم أنبياءه (٣) فكان الشيطان يدخل في جوف الصنم فيتكلم بأنواع الكلام والأربعمائة يصغون بآذانهم إلى ما يقول الشيطان ويوسوس إليهم الشيطان بشريعةٍ من الضلال فيثبتونها للناس فيعملون بها ويسمونهم الأنبياء، فلما اشتد مرض ابن الملِك طلب إليهم الملك أن يشفعوا
стр. 11987
إلى بعل ويطلبوا لابنه من قِبَله الشفاء والعافية فدعوه فلم يجيبهم ومنع الله بقدرته الشيطان من صنمهم فلم يمكنه الولوج في جوفه وهم مجتهدون في التضرع إليه ولا يزداد في ذلك إلا خمودًا، فلما طال عليهم ذلك قالوا لأجبّ: إن في ناحية الشام آلهة أخرى وهي في العظم مثل إلهك فابعث إليها أنبياءك فيشفعوا لك إليها فلعلها أن تشفع لك إلى إلهك فإنه غضبان عليك ولولا غضبه عليك لقد أجابك وشفى لك ابنك قال أجبّ ومن أجل ماذا غضِب عليّ وأنا أطيعه، أطلب رضاه مذ كنتُ، لم أُسخِطهُ ساعة قط. قالوا: من أجل أنك لم تقتل إلياس وفرطت فيه حتى نجا سليمًا وهو كافر بإلهك يعبد غيره، فذلك الذي أغضبه عليك، قال أجبّ: وكيف لي بأن أَقتُل إلياس يومي هذا وأنا مشغول عن طلبه بوجع ابني وليس لإلياس مطلب ولا يُعرف له موضع فنقصده، ولو عُوفي ابني لفرغت لطلبه ولم يكن لي هَم ولا شغل غيره حتى آخذه فأقتله فأريح إلهي منه وأرضيه، قال: ثم إنه بعث أنبياءه الأربعمائة ليتشفّعوا إلى الربوب التي بالشام ويسألوها أن يشفع إلى صنم الملك ليشفي ابنه فانطلقوا حتى إذا كانوا بحيال الجبل الذي فيه إلياس ﵇ أوحى الله إلى إلياس ﵇ أن اهبط من الجبل وتُعَارِضهم وتستوقفهم وتكلمهم، وقال له: لا تخف فإني سأصرف عنك شرهم، وألقِي الرعب في قلوبهم، فنزل إلياس ﵇ من الجبل فلما لقيهم استوقفهم، فلما وقفوا قال لهم: إن الله أرسلني إليكم وإلى من
стр. 11988
وراءكم فاسمعوا أيُّها القوم رسالة ربكم لتبلّغوا صاحبكم فارجعوا إليه وقولوا: إن الله يقول: ألست تعلم يا أجبَّ أني أنا الله لا إله إلا أنا إله بني إسرائيل الذي خلقهم ورزقهم وأحياهم وأماتهم. أفجهلك وقلة علمك حملك على أن تشرك بي فتطلب الشفاء لابنك من غيري ممن لا يملكون لأنفسهم شيئًا إلّا ما شئتُ. إني حلفت باسمي لأغيظنّك في ابنك ولأُميتنَّه في فوره هذا حتى يُعلم أن أحدًا لا يملك له شيئًا دوني. فلما قال لهم ذلك رجعوا وقد مُلئوا منه رعبًا، فلما صاروا إلى الملِك قالوا له ذلك وأخبروه بأن إلياس انحط عليهم وهو رجل نحيف طوال قد قَشِفَ (١) وقحل (٢) وتمعط (٣) شعره وتقشر جلده، عليه جبة من شعر وعباءة قد خللها على صدره بخلال، فاستوقفنا فلما صار معنا قُذفت له في قلوبنا الهيبة والرعب وانقطعت ألسنتنا ونحن في هذا العدد الكبير وهو واحد فلم نقدر على أن نكلمه ونراجعه ونملأ أعيننا منه حتى رجعنا إليك وقصوا عليه كلام إلياس ﵇ فقال أجب: لا ننتفع بالحياة ما كان إلياس حيًّا. ما الذي منعكم أن تبطشوا به حين لقيتموه وتوثقوه وتأتوني به وأنتم تعلمون أنه طلبي وعدوّي. قالوا: قد أخبرناك ما الذي منعنا منه ومن
стр. 11989
كلامه والبطش به. قال أجب: ما يطاق إذا إلياس إلا بالمكر والخديعة، فقيّض له خمسين رجلًا من قومه من ذوي القوة والبأس وعهد إليهم عهده وأمرهم بالاحتيال والاغتيال به وأن يطمّعوه في أنهم قد آمنوا به هم ومن وراءهم ليستنيم (١) إليهم ويغتر بهم فيمكنهم من نفسه فيأتون به مَلِكَهُم، فانطلقوا حتى ارتقوا ذلك الجبل الذي فيه إلياس ﵇ ثم تفرّقوا فيه وهم ينادونه بأعلى أصواتهم ويقولون: يا نبيّ الله أبرز لنا وامنن علينا بنفسك فإنا قد آمنّا بك وصدقناك وملِكنا أجب وجميع قومنا، وأنت آمِن على نفسك وجميع بني إسرائيل يقرؤون عليك السلام ويقولون: قد بلغتنا رسالتك وعرفنا ما قلت وآمنَا بك وأجبناك إلى ما دعوتنا، فهلُمّ إلينا فأنت نبيُّنا ورسول ربّنا، فأقم بين أظهرنا واحكم فينا فإنا ننقاد لما أمرتنا وننتهي عما نهيتنا، وليس يسعك أن تتخلف عنا مع إيماننا وطاعتنا فتداركنا وارجع إلينا. وكل ذلك كان منهم مُماكرةً وخديعة، فلما سمع إلياس ﵇ مقالتهم وقعت بقلبه وطمع في إيمانهم وخاف الله وأشفق من سخطه إن هو لم يظهر لهم ولم يجبهم بعد ما سمع منهم، فلما أجمع على أن يبرز لهم رجع إلى نفسه فقال: لو أني دعوتُ الله وسألتُه أن يعلمني ما في أنفسهم ويطلعني على حقيقة أمرهم، وذلك أن الله وفقه وألهمه التوقف والدعاء والتحرز فقال: اللهم إن كانوا صادقين
стр. 11990
فيما يقولون فأذن لي في البروز إليهم وإن كانوا كاذبين فاكفنيهم وارْمِهم بنارٍ تحرقهم، فما استتم قوله حتى حُصِبوا بالنار من فوقهم فاحترقوا أجمعين، قال: وبلغ أجب وقومه الخبر فلم يرتدع من همه بالسوء، واحتال ثانيًا وأمر الناس وقيض له فئة أخرى مثل عدد أولئك أقوى منهم وأمكن من الحيلة والرأي، فأقبلوا حتى توغّلوا تلك الجبال متفرقين وجعلوا ينادون يا نبي الله إنا نعوذ بالله وبك (١) من غضب الله وسطواته إنا لسنا كالذين أتوك قبلنا إن أولئك فرقة نافقوا وخالفتنا فصاروا إليك ليكيدوا بك من غير رأينا ولا علم منا وذلك أنهم حسدونا وحسدوك وخرجوا إليك سرًّا ولو علمنا بهم لقتلناهم ولكفيناك مؤنتهم، والآن فقد كفاك ربك أمرهم وأهلكهم بسوء نياتهم وانتقم لنا ولك منهم.
فلما سمع إلياس ﵇ مقالتهم دَعا الله بدعوته الأولى فأمطر عليهم النار فأحرقوا عن آخرهم، وفي كل ذلك ابن الملك في البلاء الشديد من وجعه كما وعده الله على لسان نبيّه إلياس ﵇ يقضى عليه فيموت ولا يخفّف عنه من عذابه، فلما سمع الملك بهلاك أصحابه ثانيًا ازداد غضبًا إلى غضبه، وأراد أن يخرج في طلب إلياس ﵇ بنفسه إلا أنه شَغله عن ذلك مرض ابنه فلم يمكنه فوجَّه نحو إلياس يه السلام الكاتب المؤمن الذي هو كاتب امرأته رجاء أن يأنس إلياس ﵇ فينزل معه وأظهر للكاتب أنه لا يريد
стр. 11991
بإلياس سوءًا وإنما أظهر له ذلك لما اطلع عليه من إيمانه وأن الملك مع اطلاعه على إيمانه كان مُغْضِيًا عنه لما هو عليه من الكفاية والأمانة والحكمة وسداد الرأي والبصر بالأمور، قال: فلما وجّهه نحوه أرسل معه فئةً من أصحابه وأوعز إلى الفئة دون الكاتب أن يوثقوا إلياس ويأتونه به إن أراد التخلف عنهم، وإن جاء مع الكاتب واثقًا به آنسًا بمكانه لم يوحشوه ولم يُروِّعوه، ثم أظهر للكاتب الإنابة وقال له: إنه قد آن لي أن أتوب وأتعظ وقد أصابتنا بلايا من حريق أصحابنا والبلاء الذي فيه ابني، وقد عرفت أن ذلك بدعوة إلياس ولست آمنُ أن يدعو على جميع من بقي منا فنهلك بدعوته، فانطلق لنا إليه وأخبره أنا قد تُبنا وأنبنا وأنه لا يصلحنا في توبتنا وما نريد من رضاء ربنا وخلع أصنامِنا إلا أن يكون إلياس بين أظهرنا يأمرنا ويُخبرنا بما يُرضي ربّنا، قال: وأمَر قومه فاعتزلوا الأصنام وقالوا له: أخبر إلياس أنا قد خلعنا آلهتنا التي كنا نعبد وأرخيْنا (١) أمرها حتى ينزل إلياس إلينا فيكون هو الذي يُحرقها ويُهلكها وكان ذلك مكرًا من الملك.
قال: فانطلق الكاتب والفئة حتى علا الجبل الذي فيه إلياس ﵇، ثم ناداه فعرف إلياس ﵇ صوته فتاقت نفسه إليه وأنس بمكانه وكان مشتاقا إلى لقائه، قال: وأوحى الله إلى إلياس ﵇ أن ابرز إلى أخيك الصالح فالقه وجدد العهد به، فبرز وسلّم عليه وصافحه وقال
стр. 11992
له: ما الخبر؟ فقال المؤمن: بعثني إليك هذا الجبار الطاغيّةُ وقومُه، ثم قص عليه ما قالوا ثم قال له: وإني لخائف إن رجعتُ ولستَ معي أن يقتلني فمُرْني بما شئت أفعله وآتيه إليه، وإن شئت انقطعت إليك فكنت معك وتركته، وإن شئت جاهدتُه معك وإن شئت تُرسلني إليه بما تحِب فأبلغه رسالتك ,وإن شئتَ دعوتَ ربك فجعل لنا من أمرنا فرجًا ومخرجًا.
قال: فأوحى الله إلى إلياس ﵇ أن كل شيء جاءك عنهم مكر وكذب ليظفروا بك وإن أجبّ إن أخبَرته رسلُه أنك قد لقيت هذا الرجل ولم يأت بك إليه اتّهمه وعرف أنه قد داهن في أمرك فلم يؤمن أن يقتله فانطلِق معه فإن انطلاقك معه عذرُه وبراءته عند أجب، وإني سأشغل عنكما أجب وأضاعف على ابنه البلاءَ حتى لا يكون له هم غيره، ثم أمته على سوء حال، فإذا مات هو فارجع عنه ولا تُقم.
قال: فانطلق معهم حتى قدّموا على أجب فلما قدموا عليه شدد الله الوجع على ابنه وأخذ الموت يكظمه فشغل الله تعالى بذلك أجب وأصحابه عن إلياس.
ورجع إلياسُ ﵇ سالمًا إلى مكانه فلما مات ابن أجبَ وفرغوا من أمره وقل جزعه انتبه لإلياس ﵇ وسأل عنه الكاتب الذي جاء به، فقال: ليس لي به علم وذلك أنه شغلني عنه موت ابنك والجزع عليه ولم أكن أحسبك إلا وقد استوثقت منه، فأضرب عنه أجب وتركه لما كان فيه من الحزن على ابنه، فلما طال الأمر على إلياس ﵇ ملّ =
стр. 11993
الكونَ في الجبال والمقام بها واشتاق إلى العُمران والناس نزل من الجبل وانطلق حتى نزل بامرأة من بني إسرائيل وهي أمّ يونس بن متى ذي النون ﵇، فاستخفى عندها ستة أشهر ويونس بن متّى ﵇ يومئذ مولود يرضع فكانت أم يونس تخدمه بنفسها وتواسيه بذات يدها ولا تدخر عنه كرامة تقدر عليها.
قال: ثم إن إلياس ﵇ سئم ضيق البيوت بعد تعوده فسحة الجبال وروحَها، فأحبّ اللحوق بالجبال فخرج وعاد إلى مكانه فجزعت أمّ يونس لفراقه وأوحشها فَقدُه ثم لم يلبث إلا يسيرًا حتى مات ابنها يونس حين فطمته فعظُمتْ مصيبتها فيه.
فخرجت في طلب إلياس ﵇ فلم تزل ترقى الجبال وتطوف فيها حتى عثرت عليه ووجدته، فقالت له: إني قد فجعتُ بعدك بموت ابني فعظمت فيه مصيبتي واشتدّ بفقده بلائي وليس لي ولد غيره فارحمني وادع ربك فيحيي لي ابني ويجبر مصيبتي وإني قد تركته مسجّى لم أدفِنْه وقد أخفيتُ مكانه، فقال لها إلياس ﵇: ليس هذا مما أمرتُ به وإنما أنا عبدٌ مأمور أعمل بما يأمر ربي ولم يأمرني بهذا.
فجزعت المرأة وتضرّعت فأعطف الله قلب إلياس ﵇ لها، فقال لها: ومتى مات ابنكِ، قالت: منذ سبعة أيام فانطلق إلياس ﵇ معها وسار سبعة أخرى حتى انتهى إلى منزلها فوجد ابنها يونس ﵇ ميّتًا فتوضأ وصلى ودعا فأحْيَى الله يونس بن متى بدعوة إلياس ﵉ فلما عاش وجلس وثب إلياس عليه السلام
стр. 11994
وانصرف وتركه وعاد إلى موضعه.
فلمّا طال عصيانُ قومه ضاق بذلك إلياس ذرعًا وأجهده البلاء، قال: فأوحى الله إليه بعد سبع سنين وهو خائف مجهود: يا إلياس ما هذا الحزن والجزع الذي أنت فيه؟ ألست أميني على وَحْيي وحجتي في أرضي وصفوتي من خلقي فسألني أعطك؛ فإني ذو الرحمة الواسعة والفضل العظيم، قال: تُميتُني فتلحقني بآبائي؛ فإني قد مللت من بني إسرائيل وملوني وأبغضتهم، فيك وأبغضوني.
فأوحى الله إليه: يا إلياس ما هذا باليوم الذي أخلي منك الأرض وأهلها، وإنما قوامها وصلاحُها بك وأشباهك وإن كنتم قليلًا ولكن تسألُني فأعطيك.
قال إلياس ﵇: فإن لم تُمتني يا إلهي فأعطني ثأري من بني إسرائيل. قال الله : وأي شيء تريده أن أُعْطيك يا إلياس، قال: تُمكنني من خزائن السماء سبع سنين فلا تنشأ عليهم سحابة إلا بدعوتي ولا تُمطر عليهم سبع سنين قطرًا إلا بشفاعتي؛ فإنه لا يذلّهم إلا ذلك، قال الله : يا إلياس أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا ظالمين، قال: فستّ سنين، قال: أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا ظالمين، قال: فخمس، قال: أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا ظالمين، ولكني أعطيك ثأرك ثلاث سنين أجعل خزائن المطر بيدك فلا تنشأ عليهم سحابة إلا بدعوتك ولا تنزل عليهم قطرة إلا بشفاعتك.
стр. 11995
قال إلياس ﵇: فبأيّ شيء أعيش، قال: أسخّر لك جيشًا من الطير ينقل إليك طعامك وشرابك من الريف والأرض التي لم تُقْحَط، قال إلياس ﵇: قد رضيتُ.
قال: فأمسك الله تعالى عنهم القطرَ حتى هلكت الماشية والدوابُّ والشجر وجهد الناس جهدًا شديدًا، وإلياس ﵇ على حالته مستخفٍ من قومه يوضع له الرزق حيث ما كان، وقد عرفه بذلك قومُه فكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في بيت قالوا: لقد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي منهم أهل ذلك المنزل شرًّا.
قال ابن عباس ﵄: أصاب بني إسرائيل ثلاث سنين القحط فمر إلياس ﵇ بعجوز فقال لها: هل عندك طعام قالت: نعم شيء من الدقيق وزيت قليل، قال: فدعا بها ودعا فيه بالبركة ومسّه حتّى ملأ جرابَها دقيقًا وملأ خوابيها زيتًا، فلما رأوا ذلك عندها، قالوا: مِن أين لكِ هذا؟ قالت: مرّ بي رجل من حاله كذا وكذا فوصفته بصفته فعرفوه وقالوا: ذلك إلياس، فطلبوه فوجدوه فهرب منهم.
ثم إنه أوى ليلةً إلى بيت امرأة من بني إسرائيل لها ابن يُقال له: اليسع بن أخطوب، به ضرّ فآوته وأخفتْ أمره فدَعا له فعُوفي من الضرّ الذي كان به واتبع اليسعُ إلياسَ ﵉ فآمن به وصدّقه ولزِمه فكان يذهب به حيث ما ذهب، وكان إلياس ﵇ قد أسَنّ وكبر وكان اليسع غلامًا شابًا، ثم إن الله أوحى إلى إلياس ﵇ أنك قد أهلكت كثيرًا من الخلق ممن لم يَعص سوى بني إسرائيل
стр. 11996
من البهائم والدوابّ والطير والهوام والشجر بحبس المطر عن بني إسرائيل، فيزعمون -والله أعلم- أن إلياس ﵇ قال: يا رب دعْني أكُن أنا الذي أدعو لهم به وآتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلّهم أن يرجعوا وينزعوا عما هُم عليه من عبادة غيرك، قال له: نعم، فجاء إلياس ﵇ إلى بني إسرائيل فقال لهم: إنكم قد هلكتم جوعًا وجهدًا وهلكت البهائم والدواب والطير والهوام والشجر بخطاياكم وإنكم على باطل وغرور، فإن كنتم تحبون أن تعملوا ذلك فاخرجوا بأصنامكم هذِه فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوتُ الله ففرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنصفتَ فخرجوا بأوثانهم فدعوها فلم تستجب لهم ولم يفرّج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، ثم قالوا لإلياس ﵇: يا إلياس إنا قد هلكنا فادع الله لنا فدعا الله لهم إلياسَ ومعه اليسع ﵉ بالفرج مما هم فيه وأن يُسْقَوا فخرجت سحابةٌ مثل التُّرْسِ على ظهر البحر وهم ينظرون فأقبلَتْ نحوهم وطَبقت (١) الآفاق ثم أرسل الله عليهم المطر فأغاثهم وحييت بلادهم، فلما كشف الله عنهم الضُرّ نقضُوا العهد ولم ينزعوا عن كفرهم ولم يقلعوا عن ضلالتهم وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه، فلما رأى إلياس ﵇ ذلك دعا ربّه أن يُريحَه منهم فقيل له -فيما يزعمون- انظر يوم كذا وكذا فاخرج
стр. 11997
فيه إلى موضع كذا فما جاءَك من شيء فاركَبْه ولا تَهَبْه، فخرج إلياس ﵇ ومعه اليسع بن أخطوب حتى إذا كان بالموضع الذي أمر أقبل فرس من نارٍ حتى وثق بين يديه فوثب عليه إلياس الياس ﵇ فانطلق به الفرسُ فناداه اليسع ﵇ يا إلياس: ما تأمرني فقذف إليه إلياس بكسائه من الجو الأعلى وكان ذلك علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل فكان ذلك آخر العهد ورفع الله إلياس من بين أظهرهم وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش فكان إنسيًّا ملكيًّا أرضيًّا سماويًّا وسلط الله على أجب الملك وقومه عدوًا منهم فقصدهم من حيث لم يشعروا به حتى زهقهم فقتل أجب ملكهم وامرأته لزيئيل في بستان مزدكي لم يزل جيفتاهما ملقاتين في تلك الجنينة حتى بليت عظامهما ورقَت عظامهما، ونبّأ الله بفضله اليسع ﵇ وبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل وأوحى إليه وأيده بمثل ما أيد به عبدَه إلياس ﵇ فآمنت به بنو إسرائيل فكانوا يعظّمونه وينتهون إلى أمره وحُكم الله تعالى فيهم قائم إلى أن فارقهم اليسع ﵇ (١).
[٢٤٢٨] أخبرني أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري (٢) بقراءتي عليه
стр. 11998
في داري قال: نا أبو بكر بن مالك القطيعي (١)، قال: نا عبد الله بن أحمد بن حنبل (٢)، قال: حدثنا الحسن بن عبد العزيز الجرَوي (٣)، عن ضمرة (٤)، عن السري بن يحيى (٥)، عن عبد العزيز بن أبي روّاد (٦)، قال: إلياس والخضر ﵉ يصومان شهر رمضان ببيت المقدس ويوافيان الموسم في كل عام (٧).
стр. 11999
[٢٤٢٩] وأخبرني ابن فنجويه (١)، قال: نا ابن ماجة (٢)، قال: نا الحسن بن أيوب (٣)، قال: نا عبد الله بن أبي زياد (٤) قال: نا سيّار (٥)، قال: نا بشر بن منصور (٦)، قال: حدثنا سعيد بن أبي سعيد البصري (٧)، قال: حدثنا العلاء البجلي (٨)، عن زيد مولى عون الطُّفاوي (٩)، عن رجل من أهل عسقلان (١٠) كان يمشي بالأردن عند نصف النهار فرأى رجلًا فقال: يا عبد الله من أنت؟ يا عبد الله من أنت؟ فجعل لا يكلمني، قلتُ: يا عبد الله من أنت؟ قال: إلياس،
стр. 12000
قال: فوقعتْ عليّ رِعْدةٌ، فقلت: ادع الله يرفع عني ما أجد حتى أفهم حديثك وأعقل عنك، قال: فَدَعَا لي بثمان دعوات يا بَر يا رحيم يا حنان يا منان يا حيّ يا قيوم ودعوتين بالسريانية (١) لم أفهم ما قال، ورفع الله عني ما كنت أجد فوضع كفّه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، قال: فقلت له: يُوحى إليك اليوم؟ قال: منذ بعث الله محمدًا رسولًا فإنه ليس يوحَى إلى.
قال: قلت له: كم الأنبياء اليوم أحياء؟ قال: أربعة، اثنان في الأرض واثنان في السماء. في السماء عيسى، وإدريس وفي الأرض إلياس والخضر. قلت: كم الأبدال (٢)؟ قال: ستون رجلًا،
стр. 12001
خمسون منهم من لدن عريش مصر إلى شاطئ الفرات، ورجلان بالمصيصة، ورجل بعسقلان، وسبعة في سائر البلدان، كلما أذهب الله بواحد جاء الله بآخر، بهم يُدفع عن الناس وبهم يمطرون.
قلت: فالخضر أين يكون قال في جزائِر البحر، قلت: فهل تلقاه؟ قال: نعم، قلت: أين؟ قال: بالموسم، قلت: فما يكون من حديثكما؟ قال يأخذ من شَعْري وآخذ من شَعْرِهِ، قال: وذلك حين يكون بين مروان بن الحكم وبين أهل الشام القتال. فقلت: فما تقول في مروان بن الحكم؟ قال: ما تصنع به رجل جبار عاتٍ على الله القاتل والمقتول والشاهد في النار، قال: قلت: فإني قد
стр. 12002
شهدتُ فلم أطعن برمح ولم أرم بسهم ولم أضرب بسيف، وأنا أستغفر الله من ذلك المقام لن أعودَ إلى مثله أبدًا، قال: أحسنتَ، هكذا فكن. قال: فإني وإياه قاعدان: إذ وُضِع بين يديه رغيفان أشدّ بياضًا من الثلج أكلت أنا وهو رغيفًا وبعض آخر ثم رفع فما رأيت أحدًا وضَعَه ولا أحدًا رفعه، قال: وله ناقة ترعى في وادي الأرْدن، فرفع رأسه إليها فما دعاها حتى جاءت فبركت بين يديه فركبها، قلت: أريد أن أصْحَبَك، قال: إنك لا تَقْدر على صحبتي، قلتُ إني خِلْوٌ ما لي زوجة ولا عيال قال: تزوج وإياك والنساءَ الأربع، إياك والناشِزة والمختلِعة والملاعِنة والممارية، وتزوج ما بدا لك من النساء. قلت إني أحب لقاءك قال: إذا رأيتني فقد رأيتني ثم قال: إني أريد أن أعتكف في بيت المقدس في شهر رمضان، قال: ثم حالت بيني وبينه شجرة فوالله ما أدري كيف ذهب (١).
فذاك قوله ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
стр. 12003
١٢٤ - ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ﴾ أتعبدون ﴿بَعْلًا﴾
وهو اسم صنم لهم كانوا يعبدونه، ولذلك سميت مدينتهم بعلبك (١).
وقال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي: البعل الرب بلغة أهل اليمن (٢).
وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال ابن عباس ﵄: وسمعت أعرابيًا يقول لآخر من بَعْلُ هذِه الناقة، يقول: من صاحبها (٣).
قال الفراء: هي بلُغَة هذيل (٤).
﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ فلا تعبدونه.
١٢٦ - ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾
стр. 12004
قراءة حمزة والكسائي وخلف (١) ويعقوب بنصب الهاء والباء على البدل (٢).
وهي اختيار (٣) أبي عُبيد وأبي حاتم ورواية حفص عن عاصم، وقرأه الآخرون برفعها على الاستئناف (٤).
١٢٧ - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ في العذاب والنار.
١٢٨ - ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ من قومه فإنهم نجوا من العذاب.
١٢٩ - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾
قرأ بن مُحَيْصِن وشيبةُ (سلام على اليَاسين) (٥) موصولًا، وقرأ ابن
стр. 12005
عامر ونافع ويعقوب (آل ياسين) بالمدّ والباقون (١) ﴿إِلْ يَاسِينَ﴾ بالقطع والقصر (٢).
فمن قرأ ﴿إِلْ يَاسِينَ﴾ بالمد فإنه أراد آل محمد ﷺ ، عن بعضهم (٣). وقيل: أراد إلياس ﵇ (٤) وهو أليق بسياق الآية (٥).
ومن قرأ ﴿إِلْ يَاسِينَ﴾ فقد قيل: إنها لغة في إلياس مثل إسماعيل وإسماعين وميكائيل وميكائين وميكال (٦).
قال الفراء: هو جمع أراد إلياس وأتباعه من المؤمنين كقولهم: الأشعرون والمهلبون (٧).
قال الكسائي: العرب تثني وتجمع الواحد كقول الشاعر:
قدْني من نصر الخبَيْبِيْنَ قِدِي (٨).
стр. 12006
وإنما ما هو أبو خبيب عبد الله بن الزبير.
وقال الآخر:
جزاني الزهدمان جزاء سوء (١)
وإنما هو زهدم.
وفي حرف عبد الله ﵁ (وإن إدريس لمن المرسلين، سلام على إدريسين) (٢).
١٣١ - ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.
١٣٣ - قوله ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ﴾
أي: على آثارهم ومنازلهم ﴿مُصْبِحِينَ﴾ وقت الصباح.
١٣٨ - ﴿وَبِاللَّيْلِ﴾ أيضًا تمرون هاهنا، تمّ الكلام، ثم قال:
стр. 12007
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فتعتبرون.
١٣٩ - قوله ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ﴾
هَرَب ﴿إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ قال ابن عباس ﵄ ووَهْب: كان يونس ﵇ وعَد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمتشوِّر (١) منهم فقصد البحر وركبَ السفينة فاحْتُبستِ السفينة، فقال الملاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيها عبد أبق لا تجري، فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس ﵇، فقالوا: لا نلقيه في الماء فاقترعوا ثانيًا وثالثًا فوقعت القرعة على يونس ﵇، فقال: أنا الآبق وزجّ نفسه في الماء؛ فذلك قوله .
١٤١ - ﴿فَسَاهَمَ﴾ فقارع، والمساهمة (٢) إلقاء السهام على جهة القرعة.
﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ المقروعين المغلوبين (٣).
١٤٢ - ﴿فَالْتَقَمَهُ﴾ فابتعله والتهمه ﴿الْحُوتُ﴾
وأوحى الله تعالى إليه أني جعلت بطنك ليونس سجنًا ولَمْ أجعله لك طعامًا ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ ذنب قد أتى بما يلام عليه.
١٤٣ - ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾
стр. 12008
المنزّهين الذاكرين لله قبل ذلك في حال الرخاء.
وقال ابن عباس ﵄: من المصلّين (١).
وقال مقاتل: المصلحين المطيعين قبل المعصية (٢).
وقال وهب: من العابدين (٣).
وقال سعيد بن جبير: هي قوله لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (٤).
وقال الحسن: ما كان له صلاة في بطن الحوت ولكنّه قدّم عملًا صالحًا (٥).
١٤٤ - ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾
لصار بطن الحوت قبرًا له إلى يوم القيامة.
١٤٥ - ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ طرحناه ﴿بِالْعَرَاءِ﴾
قال الكلبي يعني: وجه الأرض (٦).
стр. 12009
وقال مقاتل بن حيان ظهر الأرض (١).
وقال مقاتل بن سليمان: بالبراز من الأرض (٢).
وقال الأخفش: بالفضاء (٣).
وقال الفراء: بالأرض الواسعة (٤).
وقال السدي: بالساحل (٥).
وأصل العراء: الأرض الخالية عن الشجر والنبات (٦) ومنه قيل للمجّرد: عريان قال الشاعر:
ترك الهام بيضَها بالعراء ... صار للحين حاضن العنقآء (٧)
﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ عليل كالفرخ الممعّط (٨).
стр. 12010
واختلفوا في المدة التي لبث يونس ﵇ في بطن الحوت فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام (١).
وقال عطاء: سبعة أيام. وقال الضحاك: عشرين يومًا.
وقال السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يومًا (٢).
١٤٦ - ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ﴾ أي له، وقيل: عنده، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ أي عندي (٣).
﴿شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ قال ابن مسعود ﵁ -يعني: القرع (٤).
وقال ابن عباس ﵄ والحسن ومقاتل رحمهما الله: هو كل نبت يمتدّ وينبسط على وجه الأرض ولا يبقى إلى الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل (٥).
وقال سعيد بن جبير: هو كل شيء ينبت ثم يموت من عامه (٦).