← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 12111–12150 · переход к 12116.

стр. 12111

ويكشف الغبار عنها حبًا لها. هي رواية ابن أبي طلحة (١)، عن ابن عباس (٢). ٣٤ - ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾ هذِه قصة محنة نبي الله سليمان بن داود ﵉ وسبب زوال ملكه مدة. واختلفوا في سبب ذلك: فروى محمد بن إسحاق عن بعض العلماء قال: قال: وهب بن منبه: سمع سليمان ﵇ بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يقال لها: "صيدون" (٣) لها مَلِك عظيم الشأن لم يكن للناس إليه سبيل لمكانه في البحر، وكان الله قد أتى سليمان ﵇ سلطانًا لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر، إنما يركب إليه

стр. 12112

الريح، فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء حتى نزل بها جنوده من الجن والإنس فقتل ملكها واستبى (١) ما فيها وأصاب (فيما أصاب) (٢) بنتًا لذلك الملك يقال لها: جرادة، لم يرَ مثلها حسنًا وجمالًا، فاصطفاها لنفسه ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على جفاءٍ (٣) منها وقلة فقه، وأحبها حبًا لم يحبه شيئًا من نسائه، وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها، فشق ذلك على سليمان فقال لها: ويحك ما هذا الحزن الذي لا يذهب والدمع الذي لا يرقأ؟ ! قالت: إن أبي أذكُره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه فيحزنني ذلك، قال سليمان ﵇: فقد أبدلك الله به ملكًا هو أعظم من ملكه وسلطانه هو أعظم من سلطانه، وهداك للإسلام وهو خير من ذلك كله. قالت: إن ذلك لك، ولكني إذا ذكرته أصابني ما ترى من الحزن، فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا صورته في داري التي أنا فيها أراها بكرة وعشيًا لرجوت أن يُذهب ذلك حزني وأن يُسَلّي عني بعض ما أجد في نفسي، فأمر سليمان الشياطين فقال: مثلوا لها صورة أبيها في دارها حتى لا تنكر منه شيئًا. فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها إلا أنه لا روح فيه، فعمدت عليه حين صنعوه فأزَّرته وقمّصته وعمّمته وردّته (٤) بمثل ثيابه التي كان يلبس، ثم

стр. 12113

كانت إذا خرج سليمان ﵇ من دارها تغدو عليه في ولائدها (١) حتى تسجد له ويسجدون له كما تصنع به في ملكه وتروح كل عشيةٍ بمثل ذلك، وسليمان ﵇ لا يعلم شيئًا من ذلك أربعين صباحًا، وبلغ ذلك آصف بن برخيا وكان صدّيقًا وكان لا يُرد عن باب سليمان، أي: ساعة أراد دخول شيء من بيوته دخل حاضرًا كان سليمان أو غائبًا، فأتاه وقال: يا نبي الله كبرت سني ورق عظمي ونفِد عمري وقد حان مني ذهابٌ وقد أحببت أن أقدم مقامًا قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله فأُثني عليهم بعلمي فيهم وأعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم، فقال: افعل. فجمع له سليمان ﵇ الناس، فقام فيهم خطيبًا فذكر من مضى من أنبياء الله فأثنى على كل نبي بما فيه وذكر ما فضّله الله به حتى انتهى إلى سليمان ﵇ فقال: ما كان أجملك في صغرك وأروعك في صغرك وأفضلك في صغرك وأحْكَمَ أمرك في صغرك وأبعدك من كل مكروه في صغرك ثم انصرف، فوجد سليمان في نفسه من ذلك حتى تملّى غضبًا، فلما دخل سليمان داره أرسل إليه فقال: يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله فأثنيت عليهم خيرًا في كل زمانهم وعلى كل حالٍ من أمرهم، فلما ذكرتني جعلت تثني عليّ بخير في صغري، وسكت عما سوى ذلك من أمري وكِبري فما الذي أحدثتُ في آخر عمري؟ ! قال: إن غير الله ليعبد في دارك منذ أربعين صباحًا في

стр. 12114

هوى امرأةٍ، فقال: في داري! قال: في دارك. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. لقد عرفتُ أنك ما قلت الذي قلتَ إلا عن شيء بلغك، ثم رجع سليمان ﵇ إلى داره وكسر ذلك الصنم وعاقب تلك المرأة وولائدها ثم أمر بثياب الطُّهرة فأتيَ بها ثياب لا يغزلها إلا الأبكار ولم تسمها امرأة ذات دم (١)، فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده فأمر برماد ففرش له (٢)، ثم أقبل تائبًا إلى الله حتى جلس على ذلك الرماد وتمحك فيه بثيابه تذللًا لله وتضرعًا إليه، يبكي ويدعو ويستغفر بما كان في داره ويقول فيما يقول: رب ماذا ببلائك عند آل داود أن يعبدوا غيرك وأن يقروا في دورهم وأهاليهم (٣) عبادة (٤) غيرك فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى ثم رجع إلى دراه وكانت أم ولد له يقال لها: الأمينة (٥) كان إذا دخل مذهبه وأراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر وكان لا يلمس خاتمه إلا وهو طاهر وكان ملكه في خاتمه، فوضعه يومًا من تلك (٦) الأيام عندها كما كان يضعه ثم دخل مذهبه، وأتاها الشيطان

стр. 12115

صاحب البحر، وكان اسمه صخرًا على صورة سليمان ﵇ لا تنكر منه شيئًا فقال: يا أمينة خاتمي. فناولته إياه فجعله في يده، ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان وعكفت عليه الطير والجن والإنس، وخرج سليمان ﵇ فأتى الأمينة وقد غُيّرت حاله وهيئته عند كل من رآه، فقال: يا أمينة خاتمي! فقالت: ومن أنت، قال: أنا سليمان ابن داود، فقالت: كذبتَ لست سليمان بن داود وقد جاء سليمان فأخذ خاتمه وهو جالس على سريره (في ملكه) (١)، فعرف سليمان ﵇ أن خطيئته قد أدركته فخرج فجعل يقف على الدار من دور بني إسرائيل، فيقول: أنا سليمان بن داود، فيحثون عليه التراب ويسبّونه ويقولون: انظروا إلى هذا المجنون أي شيء يقول، يزعم أنه سليمان بن داود. فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلى السوق فيعطونه كل يوم سمكتين، فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرْغِفَة وشوى الأخرى فأكلها، فمكث بذلك أربعين صباحًا عدّة ما كان عبد ذلك الوثن في داره، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم عدوّ الله الشيطان (٢) في تلك الأربعين اليوم، فقال آصف: يا معشر بني إسرائيل، هل رأيتم من اختلاف في حكم ابن داود ما رأيتُ؟ ! قالوا: نعم، قال: أمهلوني حتى أدخل على نسائه فأسألهن هل أنكرن منه في خاصة أمره ما

стр. 12116

أنكرناه في عامة الناس، فدخل على نسائه فقال: ويحكن، هل أنكرتن من أمر ابن داود ما أنكرنا؟ ! فقلن: أشدّه، ما يدع امرأة منا في دمها، ولا يغتسل من جنابة، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، إن هذا لهو البلاء المبين، ثم خرج إلى بني إسرائيل فقال: ما في الخاصة أعظم مما في العامة، فلما مضى أربعون صباحًا طار الشيطان عن مجلسه ثم مر بالبحر فقذف الخاتم فيه فبلعته سمكة وأخذها بعض الصيادين وقد عمل له سليمان ﵇ صدر يومه ذلك حتى إذا كان العشي أعطاه سمكتيه، فأُعطي السمكة التي أخذت الخاتم، وخرج سليمان بسمكتيه فباع التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها فاستقبله خاتمه في جوفها وأخذه فجعله في يده ووقع ساجدًا وعكفت عليه الطيور والجن وأقبل عليه الناس، وعرف أن الذي كان دخل عليه أحدث في داره، فرجع إلى ملكه، وأظهر التوبة من ذنبه وأمر الشياطين فقال: أتوني بصخر، وطلبته له الشياطين حتى أخذته (١) فأتي به فجاب (٢) له صخرة فأدخله فيها ثم شدّ عليه بأخرى، ثم أوثقها بالحديد والرصاص ثم أُمر به فقذف في البحر. فهذا حديث وهب بن منبه (٣).

стр. 12117

وقال السدي في سبب ذلك: كان لسليمان ﵇ مائة امرأة وكانت امرأة منهن يقال لها جرادة وهي آثر نسائه وآمنهن عنده كان إذا أجنب وأتى حاجة نزع خاتمه ولم يأمن عليه أحدًا من الناس غيرها فجاءته يومًا من الأيام فقالت له: إن أخي بينه وبين فلان خصومة وأنا أحب

стр. 12118

أن تقضي له إذا جاءك، فقال: نعم، ولم يفعل فابتُلي بقوله، فأعطاها خاتمه ودخل المخرج، فخرج الشيطان في صورته فقال لها: هاتي الخاتم فأعطته فجاء حتى جلس على مجلس سليمان ﵇، وخرج سليمان بعدُ فسألها أن تعطيه خاتمه فقالت: ألم تأخذه قبل! قال: لا، وخرج مكانه تائهًا ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يومًا فأنكر الناس حكمه واجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم فجاءوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا فإن كان سليمان فقد ذهب عقله وأنكرنا أحكامه، فبكى النساء عند ذلك، قال: فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا التوراة فقرأوها فلما قرأوا التوراة طار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه في البحر فابتلعه حوت، قال: وأقبل سليمان ﵇ في حاله (١) التي كان فيها حتى انتهى إلى صيادي البحر وهو جائع وقد اشتد جوعه فاستطعم من صيدهم وقال: إني أنا سليمان فقام إليه بعضهم فضربه بعصًا فشجّه، قال: فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر، فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، وقالوا: بئس ما صنعت حيث ضربته، فقال: إنه زعم أنه سليمان فأعطوه سمكتين مما قد مَذِرَ (٢)، عندهم، فلم

стр. 12119

شغله ما كان له من الضرب، حتى قام إلى شط البحر فشق بطونها (١) وجعل يغسلها فوجد خاتمه في بطن إحداهما (٢) فأخذه فلبسه فرد الله عليه ملكه وبهاءَه، وجاءت الطير حتى حافت عليه فعرف القوم أنه سليمان فقاموا يعتذرون مما صنعوا فقال: ما أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم، هذا أمر لابد منه ثم جاء حتى أتى ملكه وأمر حتى أُتي بالشيطان الذي أخذ خاتمه وجعله في صندوق، ثم أطبق عليه وأقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه، ثم (أُمر به) (٣) فألقي في البحر وهو حيٌّ كذلك حتى الساعة (٤). وفي بعض الروايات (٥) أن سليمان ﵇ لما افتُتن سقط الخاتم من يده وكان فيه ملكه فأخذه سليمان فأعاده إلى يده، فسقط من يده فلما رآه سليمان ﵇ لا يثبت في يده أيقن بالفتنة، وأن أصف قال لسليمان ﵇: إنك مفتون بذنبك والخاتم لا يتماسك في يدك أربعة عشر يومًا فَفِرّ إلى الله تائبًا من ذنبك، وأنا أقوم مقامك وأسير في عالمك وأهل بيتك بسيرتك إلى أن يتوب الله عليك ويردك إلى ملكك. ففر سليمان

стр. 12120

عليه السلام هاربًا إلى ربه، وأخذ آصف الخاتم فوضعه في يده فثبت، وأن الجسد الذي قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ كان هو آصف كاتب سليمان ﵇ وكان عنده علم من الكتاب، فقام آصف في ملك سليمان ﵇ وعالمه يسير بسيرته ويعمل بعمله أربعة عشر يومًا إلى أن رجع سليمان ﵇ إلى منزله تائبًا إلى الله وردّ الله عليه ملكه، فقام آصف من مجلسه وجلس سليمان ﵇ على كرسيه، وأعاد الخاتم في يده فثبت فيها. [٢٤٦٢] وأخبرنا شعيب بن محمد (١)، قال مكي بن عبدان (٢)، قال: نا أحمد بن الأزهر (٣) قال: نا روح بن عبادة (٤)، قال: نا حماد بن زيد (٥)، عن سعيد بن المسيب (٦) أن سليمان بن داود ﵉ احتجب عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى الله تعالى إليه (٧): أن يا سليمان أحتجبت عن الناس ثلاثة أيام فلم تنظر في أمور عبادي ولم تنصف مظلومًا من ظالمٍ! وذكر حديث الخاتم

стр. 12121

وأخذ الشيطان إياه كما روينا، وقال في آخره: قال على: فذكرت ذلك للحسن فقال ما كان الله ليسلطه على نسائه (١). وقال بعض المفسرين: كان سبب فتنة سليمان ﵇ أنه أمر أن لا يتزوج امرأة إلا من بني إسرائيل فتزوج امرأة من غيرهم فعوقب على ذلك (٢). وقيل: إن سليمان ﵇ لما (٣) أصاب ابنة ملك صيدون أعجب بها فعرض (٤) عليها الإسلام فأبت وامتنعت فخوفها سليمان ﵇، فقالت: إن أكرهتني على الإسلام قتلتُ نفسي، فخاف سليمان ﵇ أن تقتل نفسها فتزوج بها مشركة، وكانت تعبد صنمًا لها من ياقوت أربعين يومًا في خُفية من سليمان ﵇ إلى أن أسلمت؛ فعوقب سليمان

стр. 12122

بزوال ملكه أربعين يومًا (١). وقال الشعبي في سبب ذلك: وُلِد لسليمان ﵇ ابن، فاجتمعت الشياطين، فقال بعضهم: إن عاش له ولد لم ننفك مما نحن فيه من البلاء والسخرة فسبيلنا أن نقتل ولده ونخبله، فعلم سليمان ﵇ بذلك فأمر السحاب حتى حملته الريح وغذا (٢) ابنه في السحاب خوفًا من مَعَرةِ (٣) الشياطين فعاقبه الله بخوفه من الشياطين ومات الولد، فألقي ميتًا على كرسيه جسدًا (٤) وهو الجسد الذي قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾. وقيل: هو أن سليمان ﵇ قال يومًا لأطوفن الليلة على نسائي كلهن حتى يولد لي من كل واحدة منهن ابن فيجاهد في سبيل الله فلم يَسْتَثْنِ، فجامعهن كلهن في ليلة واحدة فما خرج له فيهن إلا شق مولود، فجاءت به القابلة، فألقته على كرسي سليمان ﵇، فذلك قوله ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ (٥) وهو ما:

стр. 12123

[٢٤٦٣] أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد (١) في آخرين قالوا: نا أحمد بن محمد بن الحسن بن الشرقي (٢)، قال: نا محمد بن عقيل (٣) وأحمد بن حفص (٤) قالا: نا حفص (٥)، قال: حد (٦) إبراهيم بن طهمان (٧)، عن موسى بن عُقبة (٨)، قال: حد أبو الزناد (٩)، عن عبد الرحمن الأعرج (١٠)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 12124

"قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله. فقال له صاحبه: قل إن شاء الله فلم يقل إن شاء الله فطاف عليهن فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون" (١)، فذلك قوله ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾. قال مقاتل: فتن سليمان ﵇ بعد مُلكِ عشرين سنة (٢). ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ أي: شيطانًا عن أكثر المفسرين (٣) واختلفوا في اسمه: فقال مقاتل وقتادة: اسمه صخر بن عمير بن عمرو بن شرحبيل، وهو الذي دلّ سليمان ﵇ على الألماس (حين أُمِر ببناء بيت المقدس، وقيل له: لا يُسْمَعَن فيه صوتُ نحْتِه فأخذوا الألماس (٤) فجعلوا يقطعون به الحجارة والجواهر ولا يُصوّت، وكان سليمان

стр. 12125

عليه السلام إذا أراد أن يدخل الخلاء والحمام. لم يدخل بخاتمه، فدخل الحمام، وذكر القصة في أخذ الشياطين الخاتم، قال: وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطاب في القوة، فقال: أما والله لأجرّبنه، فقال: يا نبي الله وهو لا يرى إلا أنه نبي الله، أرأيت أحدنا يصيبه الجنابة في الليلة الباردة فيدع الغسل عمدًا حتى تطلع الشمس أترى عليه بأسًا؟ قال: لا، فرخص له في ذلك (١)، وذكر الحديث. وروى أبو إسحاق (٢)، عن عمارة بن عبد (٣)، عن عليّ ﵁ قال: بينا سليمان ﵇ جالس على شاطئ البحر وهو يعبث بخاتمه إذ سقط منه في البحر، وكان ملكه في خاتمه (٤). وروى حماد بن سلمة (٥)، عن عمرو بن دينار (٦)، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "كان نقش خاتم سليمان بن داود

стр. 12126

عليهما السلام لا إله إلا الله محمد رسول الله" (١). نرجع إلى حديث عليّ، قال: فانطلق سليمان ﵇ وخَلَفَ الشيطان في أهله، فأتى عجوزًا فآوى إليها فقالت له العجوز: إن شئت أن تنطلق فتطلب (٢) فأكفيك عمل البيت، وإن شئت أن تكفيني عمل البيت وأنطلق وألتمس، قال: فانطلق يلتمس فأتى قومًا يصيدون السمك فجلس إليهم فنبذوا إليه سمكات فانطلق بهن حتى لقي العجوز فأخذت تصلحه فشقت بطن سمكة، فإذا فيها الخاتم فأخذته،

стр. 12127

وقالت لسليمان: ما هذا! فأخذه سليمان ﵇ فلبسه فأقبلت الشياطين والجن والطير والوحش وهرب الشيطان الذي خلّف في أهله فأتى جزيرة في البحر فبعث إليه الشياطين فقالوا: لا نقدر (١) عليه ولكنه يَرِدُ عينًا في جزيرة في كل سبعة أيام يومًا ولا نقدر عليه حتى يسكر، قال: فنَزَح ماءها وجعل فيها خمرًا، قال: فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر فقال: والله إنك لشراب طيب إلا أنك تصيدين (٢) الحليم وتزيدين الجاهل جهلًا، ثم رجع حتى عطش عطشًا شديدًا ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيبة إلا أنك تصيدين الحليم وتزيدين الجاهل جهلًا. قال: ثم شربها حتى غلبته على عقله ثم أروه الخاتم فقال: سمعًا (٣) وطاعةً، قال: فأتي به سليمان ﵇، فأوثقه ثم بعث به إلى جبلٍ ذكروا أنه جبل الدخان فيقال: الدخان الذي ترون من نفسه، والماء الذي يخرج من الجبل هو بوله (٤). وقال السدي: اسم ذلك الشيطان: اشمذى (٥)، وقيل: حبقيق. وقال مجاهد: اسمه آصف (٦).

стр. 12128

[٢٤٦٤] أخبرناه أبو صالح (١)، عن أبي الحسن البيهقي الفقيه (٢)، قال: نا أبو حاتم التميمي (٣)، قال: نا أبو الأزهر (٤)، قال: نا روح بن عبادة (٥)، قال: نا شبل (٦)، عن أبي نجيح (٧)، عن مجاهد (٨) ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: شيطانًا يقال له: آصف (قال له سليمان ﵇: كيف تفتنون الناس؟ ! قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه نبذه آصف) (٩) في البحر فساح سليمان ﵇ فذهب ملكه، وقعد آصف على كرسيه ومنعه الله سبحانه نساء سليمان فلم يقربهن، وأنكر الناس أمر سليمان، وكان سليمان ﵇ يستطعم فيقول: أتعرفونني؟ أنا سليمان، فيكذبونه حتى أعطته امرأة يومًا حوتًا فبط (١٠) بطنه فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفرَّ آصف فدخل البحر (١١).

стр. 12129

وقيل: إن الجسد هو آصف بن برخيا الصِّديق وقد مضت القصة. وقيل: هو الولد الميت الذي غذا في السحاب. وقيل: هو الولد الناقص الخلق. وقيل: معنى قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ أن سليمان ﵇ ضُرب بِعِلّة أشرف منها على الموت حتى صار جسدًا في المثل بلا روح، وقد يوصف المريض المُضْني بهذِه الصفة فيقال كالجسد الملقى. ولم يبقى منه إلى جسده. وتقدير الآية: وألقيناه على كرسيه جسدًا (١). وأما صفة كرسي سليمان ﵇: فيروى أن سليمان ﵇ لما ملك بعد أبيه أمر باتخاذ كرسي ليجلس عليه للقضاء، وأمر أن يعمل بديعًا ومهولًا بحيث أن لو رآه مبطل أو شاهد زور ارتدع وتهيّب. قال: فعُمل له كرسي من أنياب الفيلة، وفصّصوه بالياقوت واللؤلؤ

стр. 12130

والزبرجد وأنواع الجواهر وحففوه بأربع نخلات من ذهب شماريخها الياقوت الأحمر والزمرد الأخضر على رأس نخلتين منها طاووسان من ذهب وعلى رأس الأخريين نسران من ذهب بعضها مقابل لبعض، وجعلوا من جنبتي الكرسي أسد من ذهب على رأس كل واحد منها عمود من الزمرد الأخضر، وقد عقدوا على النخلات أشجار كروم من الذهب الأحمر، واتخذوا عناقيدها من الياقوت الأحمر بحيث أظل عريش الكرم النخل والكرسي. قال: وكان سليمان إذا أراد صعوده وضع قدميه على الدرجة السفلى فيستدير الكرسي كله بما فيه دوران الرحى المسرعة وتنشر تلك النسور والطواويس أجنحتها ويبسط الأسدان أيديهما فيضربان الأرض بأذنابهما، وكذلك يفعل في كل درجة يصعدها سليمان ﵇ فإذا استوى بأعلاه أخذ النسران اللذان على النخلتين تاج سليمان فوضعاه على رأس سليمان ﵇ ثم يستدير الكرسي بما فيه ويدور معه النسران والطاووسان والأسدان مائلات (١) برؤوسها إلى سليمان ﵇ ينضحن عليه من أجوافها (٢) المسك والعنبر ثم تناوله (٣) حمامة من ذهب قائمة على عمود من جوهر من أعمدة الكرسي التوراة فيفتحها سليمان ﵇ ويقرؤها على الناس ويدعوهم إلى فصل

стр. 12131

القضاء. قال: ويجلس عظماء بني إسرائيل على كراسي الذهب المفصصة (١) بالجواهر -وهو ألف كرسي عن يمينه- ويجيء عظماء الجن وتجلس على كراسي من الفضة على يساره وهو ألف كرسي حافين جميعًا به، ثم يحف بهم الطير يظلهم ويتقدم إليه الناس للقضاء، فإذا دُعي بالبينات وتقدمت الشهود لإقامة الشهادات دار الكرسي بما فيه من جميع ما حوله دوران الرحى المسرعة، ويبسط الأسدان أيديهما ويضربان الأرض بأذنابهما وينشر النسران والطاووسان أجنحتها، فيفزع منها الشهود ويدخلهم من ذلك رعب شديد، فلا يشهدون إلا بالحق (٢). ٣٥ - ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ذنبي (٣) ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي﴾ قال ابن كيسان: لا يكون (٤).

стр. 12132

﴿لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ المعطي. قال عطاء بن أبي رباح: يريد هب لي ملكًا لا أُسْلبه في باقي عمري كما سُلبته في أول عمري (١). وقال مقاتل بن حيان: كان سليمان ﵇ مَلِكًا ولكنه أراد بقوله ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ تسخير الرياح والطير، يدل عليه ما بعده (٢). (وقيل: إنما سأل ذلك ليكون آية لنبوته ودلالة على رسالته ومعجزًا لمن سواه) (٣). وقيل: إنما سأل ذلك عَلَمًا له على المغفرة وقبول التوبة حيث أجاب الله دعاءه ورد عليه ملكه وزاده فيه (٤). وقال عمرو بن عثمان الصَّدَفي (٥): أراد به مُلك النفس وقهر

стр. 12133

الهوى (١)، يؤيده ما [٢٤٦٥] أخبرناه عبد الله بن حامد (٢)، قال: نا محمد بن خالد (٣)، قال: نا داود بن سليمان (٤)، قال: نا عبد بن حميد (٥)، قال: نا عبد الله ابن يزيد (٦)، قال: نا عبد الرحمن بن زياد الأفريقي (٧) قال سلامان الشعباني (٨)، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "أرأيتم سليمان ما أعطاه الله من ملكه فإنه لم يرفع طرفه إلى السماء تخشعًا لله حتى قبضه الله " (٩).

стр. 12134

[٢٤٦٦] وأخبرنا شعيب بن محمد (١)، قال: نا مكي بن عبدان (٢)، قال: نا أبو الأزهر (٣)، قال: نا روح بن عبادة (٤)، قال: نا هشام (٥)، عن الحسن (٦) أن النبي ﷺ قال: "قد عرض لي الشيطان في مصلايَ الليلة كأنه هزّكم هذا فأخذته فأردت أن أحبسه حتى أصبح فذكرت دعوة أخي سليمان "رب هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي" فتركته" (٧).

стр. 12135

[٢٤٦٧] وبه عن روح (١)، عن شعبة (٢)، عن محمد بن زياد (٣)، قال: سمعت أبا هريرة قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن عفريتًا من الجن جعل يتقلب عليّ البارحة ليقطع عليّ صلاتي وإن الله أمكنني منه فذبحته ولقد هممت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى يصبح فتنظرون إليه (كلكم) (٤)، فذكرت قول سليمان ﵇ "رب هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي" فردّه الله خاسئًا" (٥).

стр. 12136

٣٦ - ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ لينة سهلة طيبة ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ حيث أراد، بلغة حمير، تقول العرب: أصاب الصواب (١). قال الشاعر: أصاب الكلام فلم يستطع ... فأخطأ الجواب لدى المِفْصَلِ (٢) ٣٧ - ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ أي سخرنا له الشياطين ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ يستخرجون له اللآلئ من البحر وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر. ٣٨ - ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾ يعني مشدودين في القيود واحدها صفد (٣). ٣٩ - ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ﴾ فاعطِ من قوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ (٤) وتقول العرب مُنَّ عليَّ برغيف أي (٥): أعطنيه (٦).

стр. 12137

قال الحسن: إن الله تعالى لم يعط أحدًا عطية إلا جعل فيها حسابًا إلا سليمان ﵇ فإن الله تعالى أعطاه عطاءً هنيئًا فقال تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩)﴾ قال: إن أعطي أُجِر وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة (١). وقال مقاتل: هو في (٢) أمر الشياطين حلّ من شئت منهم وأبق من شئت منهم في وثاقك لا تَبِعَةَ عليك فيما تتعاطاه (٣). ٤٠ - ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ قربة ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ مصير. ٤١ - ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ قال مقاتل: كنيته أبو عبد الله (٤). ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ﴾ بتعبٍ ومشقة وبلاء وضرٍ. قال مقاتل: بنصب في الجسد ﴿وَعَذَابٍ﴾ في المال (٥). وفيه أربع لغات: (نُصُب) بضمتين (٦)، وهي قراءة أبي جعفر

стр. 12138

ونَصَب بفتح النون والصاد، وهي قراءة يعقوب، و (نَصْب) بفتح النون وجزم الصاد (١)، وهي رواية هبيرة (٢)، عن حفص عن عاصم، و ﴿بِنُصْبٍ﴾ بضم النون وجزم الصاد (٣)، وهي قراءة الباقين. واختلفوا في سبب بلاء أيوب ﵇: فقال وهب: استعان رجلُ بأيوبَ على ظلم يدرؤه عنه فلم يُعنه فابتلي. وروى حيَّان عن الكلبي: أن أيوب كان يغزو ملكًا من الملوك كافرًا وكانت (٤) مواشي أيوب في ناحية ذلك الملك فداهنه ولم يغزه فابتلي. وقال غيره: كان أيوب كثير المال فأعجب بماله فابتلي (٥).

стр. 12139

٤٢ - وأن ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ الأرض، أي: ارفع وحزك. ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ فيه إضمار معناه: اركض فركض، وظهرت عين ماء حارٍ فاغتسل منها ثم نبعت له عين أخرى باردة فقال هذا ﴿بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. ٤٣ - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ أي: حزمة من الحشيش ﴿فَاضْرِبْ بِهِ﴾ امرأتك ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ في يمينك ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. ٤٥ - ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا﴾ قراءة العامة بالألف، وقرأ ابن كثير (عبدنا) على الواحد، وهي قراءة ابن عباس (١). [٢٤٦٨] أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن يوسف (٢) الفقيه قال: نا أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال (٣)، قال: نا يحيى بن الربيع المكي (٤)، قال:

стр. 12140

نا سفيان بن عيينة (١)، عن عمرو (٢)، عن عطاء (٣)، عن ابن عباس أنه كان يقرأ (واذكر عبدنا إبراهيم) ويقول إنما ذكر إبراهيم ثم ولده بعده (٤). ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي﴾ ذوي القوة (في العبادة) (٥) ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾ والبصائر في الدين والعلم. ٤٦ - ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦)﴾ قرأ أهل المدينة مضافًا وهي رواية هشام عن أهل الشام (٦). وقرأ الآخرون بالتنوين على البدل (٧).

стр. 12141

٤٧ - ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨) هَذَا﴾ الذي ذكرت. ٤٩ - ﴿ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢)﴾ لدّات (١) مستويات على ميلاد امرأة واحدة بنات ثلاث وثلاثين سنة (٢)، واحدها تِربٌ. ٥٣ - ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ قرأ بالياء ابن كثير وأبو عمرو، والباقون بالتاء (٣) ﴿لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أي في يوم الحساب. قال الأعشى: المُهِيْنِيْنَ ما لهم لزمان السـ ... ـوءِ حتى إذا أفاق أفاقوا (٤)

стр. 12142

أي: في زمان السوء. ٥٤ - ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ هلاك وفناء. ٥٥ - ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ الكافرين ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾. ٥٦ - ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا﴾ أي هذا العذاب ﴿فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ قال الفراء (١): رُفعت الحميم والغساق بهذا مقدما ومؤخرًا والمعنى: هذا حميم وغساق فليذوقوه، وإن شئت جعلته مستأنفًا وجعلت (٢) الكلام قبله مكتفيًا كأنك قلت: هذا فليذوقوه ثم قلت منه حميم ومنه غساق كقول الشاعر: حتى إذا ما أضاء الصبح في غَلَسٍ ... وغُودِرَ البقلُ مَلْويٌّ ومحصودُ (٣) واختلف القراء فيقوله (وغساق) فشددها يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف وحفص وهي قراءة أصحاب عبد الله (٤).

стр. 12143

وخففها الآخرون (١). قال الفراء: من شدد جعله اسمًا على فَعَّال نحو الخبّاز والطبّاخ، ومن خفف جعله اسمًا على فَعَال نحو العذاب (٢). واختلف المفسرون فيه: فقال ابن عباس: هذا الزمهرير يحرقهم ببرده كما تحرقهم النار (٣) وقال مجاهد ومقاتل: هو البارد الذي قد انتهى برده (٤). وقال ابن زيد: هو المنتن بلغة الطخارية، وقيل: بلغة الترك (٥) وقال محمد بن كعب: هو عُصارة أهل النار (٦). وقال قتادة والأخفش: هو ما يغسق من قروح (٧) الكفرة والزناة من لحومهم وجلودهم، أي يسيل (٨). قال الشاعر:

стр. 12144

إذا ما تذكرت الحياة وطِيبها ... إليّ جرى دمع من العين غاسق (١) ٥٨ - ﴿وَآخَرُ﴾ قرأ أهل البصرة ومجاهد: (أُخر) بضم الألف على جمع أخرى (٢) واختاره أبو عبيد وأبو حاتم (٣)، لأنه نعته بالجمع فقال ﴿أَزْوَاجٌ﴾ مثل الكبرى والكُبَر. وقرأ غيرهم (وآخر) على الواحد (٤). ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ مثله ﴿أَزْوَاجٌ﴾ أصناف من العذاب، والكناية في شكله راجعة إلى العذاب فيقوله (هذا). ٥٩ - وأما قوله: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾

стр. 12145

فإن ابن عباس قال (١): هو أن القادة: إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم الأتباع قالت الخزنة للقادة: (هذا) يعني الأتباع (فوج) جماعة (مقتحم معكم) النار، أي: داخلوها كما دخلتم، فقالت السادة: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ يعني الأتباع ﴿إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾ كما صليناها. ٦٠ - ﴿قَالُوا﴾ فقال الأتباع للسادة: ﴿بَلْ أَنْتُمْ﴾) (٢) ﴿لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ أي: شرعتم وسننتم الكفر لنا ﴿فَبِئْسَ الْقَرَار﴾ قرارنا وقراركم، والمرحب والرحب: السعة، ومنه رحبة المسجد (٣)، قال أبو عبيدة: تقول العرب للرجل: لا مرحبًا به، أي: لا رحبت عليه الأرض، أي: لا اتسعت (٤). وقال القتيبي: معنى قولهم مرحبًا وأهلًا وسهلًا، أي: أتيت رحبًا وسعةً وأتيت سهلًا لا حزنًا، وأتيت أهلًا لا حزنًا فآنِس ولا تستوحش، وهي في مذهب الدعاء كما تقول لقيتَ خيرًا، فلذلك نصب (٥). قال النابغة (٦): لا مرحبًا بغدٍ ولا أهلًا به ... إن كان تفريق الأحبة في غدٍ

стр. 12146

٦١ - ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا﴾ أي: شرعه وسنه ﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ على عذابنا، وقال ابن مسعود: يعني حيّات وأفاعي (١). ٦٢ - ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: صناديد قريش وهم في النار، ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾ في دار الدنيا، يعني: فقراء المؤمنين. ٦٣ - ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ قرأ أهل العراق إلا عاصمًا وأيوب بوصل الألف (٢) واختاره أبو عبيد، قال: من جهتين: إحداهما: الاستفهام متقدم في قوله (٣) ﴿ما لنا لا نرى رجالًا﴾. والأخرى: أن المشركين لم يكونوا يشكون في اتخاذهم المؤمنين في الدنيا سخريًّا فكيف يستفهمون عن ما قد عملوه (٤)؟ ! (وتكون (أم) على هذِه القراءة بمعنى: بل. وقرأ الباقون بفتح الألف وقطعها على

стр. 12147

الاستفهام) (١) وجعلوا (أم) جوابًا لها مجازه: أتخذناهم سخريًا في الدنيا وليسوا كذلك فلم يدخلوا معنا النار. ﴿أَمْ زَاغَتْ﴾ مالت ﴿عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ فلا نراهم في النار، ولكن احتجبوا عن أبصارنا. وقال الفراء: هو من الاستفهام الَّذي معناه التعجب أو التوبيخ، فهو يجوز باستفهام وَبِطَرْحِه (٢). وقال ابن كيسان: يعني: أم كانوا خيرًا منا ولا نعلم نحن بذلك (٣) فكانت أبصارنا (٤) تزيغ عنهم في الدنيا فلا نعدهم شيئًا (٥). [٢٤٦٩] أخبرنا أبو بكر الحمشاذي (٦)، قال: نا أبو بكر القطيعي (٧)، قال: نا إبراهيم بن عبد الله بن مسلم (٨)، قال: نا عصمة بن سليمان الخزاز (٩)،

стр. 12148

عن شريك (١)، عن ليث (٢)، عن مجاهد (٣): ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢)﴾ قال: صهيب وسلمان وعمار لا نراهم في النار، أتخذناهم سخريًّا في الدنيا أم زاغت عنهم الأبصار في النار (٤). ٦٤ - ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ الَّذي ذكرت ﴿لَحَقٌّ﴾ ثم بين فقال: ﴿تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ أي: هو تخاصم أهل النار، ومجاز الآية: إن تخاصم أهل النار في النار لحق. ٦٥ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لمشركي أهل مكة ﴿إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾ مُخَوّف ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. ٦٦ - ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧)﴾ يعني: القرآن، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة (٥).

стр. 12149

وروى معمر (١) عنه: يعني القيامة (٢) نظيرها ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ (٣). ٦٨ - ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ يعني: الملائكة ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ شأن آدم وهو قولهم حين قال الله لهم ﴿جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ الآية (٤) هذا قول أكثر المفسرين (٥). وروى ابن عباس (٦)، عن النبي ﷺ قال: "قال ربي: أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا، فقال: اختصموا في الكفارات والدرجات، فأما الكفارات فإسباغ الوضوء في السَّبَرات ونقل الأقدام إلى الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وأما الدرجات

стр. 12150

فإفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام" (١). ٧٠ - ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾ قال الفراء: إن شئت جعلت ﴿أَنَّمَا﴾ في موضع رفع كأنك قلت: ما يوحى إليّ إلا الإنذار، وإن شئت جعلت المعنى: ما يوحى إليّ إلا لأني نذير مبين (٢). وقرأ أبو جعفر ﴿أَنَّمَا﴾ بكسر الألف؛ لأن الوحي قول (٣).
следующие страницы →