← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

قال الأحنف (١): الثناء والإنعام ثمن الشكر (٢). ٥٠ - قوله ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ الآية (٣) وذلك أنه لمّا دنا هلاك فرعون أمر الله موسى ﵇ أن يَسْري ببني إسرائيل من مصر، فأمر موسى ﵇ قومه أن يسرجوا بيوتهم إلى الصبح، وأخرج الله كل ولد زنا في القبط من (٤) بني إسرائيل إليهم، وأخرج كل ولد زنا (من بني إسرائيل) (٥) من القبط إلى القبط حتى رجع كل واحد منهم إلى أبيه، وألقى الله على القبط (٦) الموت، فمات كل بكر لهم (٧)، فاشتغلوا بدفنهم حين أصبحوا حتى طلعت الشمس، وخرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألف (٨)

стр. 1227

مقاتل لا يعدّون ابن العشرين؛ لصغره، ولا ابن الستين، لكبره، سوى الذرية، فلمّا أرادوا السير ضرب عليهم التيه فلم يدروا أين يذهبون، فدعا موسى ﵇ مشيخة بني إسرائيل وسألهم عن ذلك فقالوا: إن يوسف ﵇ حضره الموت أخذ على إخوته عهدًا أن لا يخرجوا من مصر حتى يُخرجوه معهم، فلذلك انسدّ علينا الطريق، فسألهم عن موضع قبره، فلم يعلموا، فقام موسى ينادي، فقال (١): أنشد الله كلَّ من يعلم أين موضع قبر يوسف إلَّا أخبرني به، ومن لم يعلم فصُمّت أذناه عن قولي، فكان يمر بين الرجلين يُنادي فلا يسمعان صوتَه حتى سمِعَتْه عجوز لهم، فقالت: أرأيتك إن دللتك على قبر يوسف أتعطيني كل ما سألتك؟ فأبى عليها، وقال: حتى أسأل ربي، فأمره الله بإيتاء سؤالها (٢)، فقالت: إني عجوز كبيرة (٣) لا أستطيع المشي، فاحملني وأخرجني من مصر، هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فأسألك أن لا تنزل غرفة من الجنة إلَّا نزلتها معك. قال: نعم، قالت: إنه في جوف الماء في النيل، فادع الله حتى يحسر عنه الماء، فدعا الله، فحسر عنه الماء، ودعا أن يؤخر طلوع الفجر إلى أن يفرغ من أمر يوسف، فحفر موسى ذلك الموضع، فاستخرجه في (٤) صندوق من مرمر، وحمله حتى دفنه بالشام وفتح

стр. 1228

لهم الطريق، فساروا وموسى على ساقتهم وهارون على مقدمتهم، ونذِر (١) بهم فرعون فجمع قومه وأمرهم أن لا يخرجوا (في طلب) (٢) بني إسرائيل حتى يصيح الديك، فوالله ما صاح ديك تلك الليلة، فخرج فرعون في طلب بني إسرائيل وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف، وكان فيهم سبعون ألفًا من دهم الخيل سوى سائر (٣) الشِّيات، فسارت بنو إسرائيل حتى وصلوا إلى (٤) البحر، والماء في غاية الزيادة، ونظروا فإذا هم بفرعون وقومه وذلك حين أشرقت الشمس فبقوا متحيرين فقالوا لموسى (٥): كيف نصنع وما الحيلة؟ فرعون (٦) خلفنا والبحر أمامنا؟ فقال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٧) فأوحى الله إليه ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾، فضربه فلم يُطعه، فأوحى الله إليه (٨) أن كنّه فضربه موسى بعصاه، قال: انفلق أبا (٩) خالد بإذن الله . فانفلق، فكان كل فرقٍ كالطود العظيم، فظهر فيه اثنا عشر طريقًا، لكل سِبطٍ

стр. 1229

طريق، وأرسل الله الريح والشمس على قعر البحر فصار (١) يبسًا. وقال سعيد بن جبير: أرسل معاوية إلى ابن عباس فسأله (٢) عن مكان لم تطلع فيه الشمس إلَّا مرة واحدة فكتب إليه: أنه المكان الذي انفلق من البحر لبني إسرائيل. فخاضت بنو إسرائيل البحر، كل سبطٍ في طريق، وعن جانبيهم الماء، كالجبل الضخم، ولا يرى بعضهم بعضًا، فخافوا وقال كل سبطٍ: قد قُتِل إخواننا، فأوحى الله تعالى إلى جبال الماء أن تشبكي فصار الماء شبكات، يرى بعضهم بعضًا ويسمع بعضهم كلام بعض، حتى عبروا البحر سالمين، فذلك قوله : ﴿فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ أي: فلقنا (٣) وميزنا الماء يمينًا وشمالًا ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾ من آل فرعون والغرق ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ وذلك أنَّ فرعون لما وصل إلى (٤) البحر فرآه منفلقًا قال (٥) لقومه: انظروا إلى البحر انفلق لهيبتي حتى أدرك أعدائي وعبيدي الذين أبقوا مِني (٦) فأقتلهم، ادخلوا البحر. فهاب قومُه أن يدخلوه، ولم يكن في خيل فرعون أنثى، وإنما كانت كلها ذكورًا، فجاء جبريل ﵇ على فرس أنثى وديق (٧) فتقدمهم وخاض البحر،

стр. 1230

فلما شمت خيول فرعون ريحها اقتحمت البحر في إثرها حتى خاضوا كلهم البحر، وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يستحثهم ويقول لهم: الحقوا بأصحابكم. حتى إذا خرج جبريل من البحر وهمّ أولهم أن يخرج، أمر الله تعالى البحر أن يأخذهم، فالتطم عليهم فغرَّقهم أجمعين، وذلك بمرأى من بني إسرائيل، وذلك قوله : ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إلى مصارعهم (١). ٥١ - [الآية: ٥١] قوله : ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. الآية وذلك أن بني إسرائيل لما أمِنوا من عدوهم ودخلوا مصر لم يكن لهم كتابٌ ولا شريعة ينتهون إليها، فوعد الله تعالى موسى أن ينزل عليه التوراة، فقال موسى لقومه: إني ذاهب لميقات ربي، وآتيكم بكتابٍ فيه بيان ما تأتون وما تذرون، وواعدهم أربعين ليلةً، ثلاثين من ذي القعدة وعشرًا من ذي الحجة، واستخلف عليهم أخاه هارون، فلما أتى الوعد جاء جبريل ﵇ على فرس يقال له: فرس الحياة، لا يصيب شيئًا إلَّا حيّ، ليذهب بموسى إلى ربّه، فلما رآه السامري وكان رجلًا صائغًا من أهل (٢) باجرمى (٣)، واسمه

стр. 1231

ميحا (١)، وقال ابن عباس: اسمه موسى بن ظفر وكان رجلًا منافقًا قد أظهر الإسلام، وكان من قوم يعبدون البقر، فدخل حبّ (٢) البقر قلبه، فلما رأى جبريل على ذلك الفرس قال: إن لهذا شأنًا، وأخذ قبضة من تربة حافر فرس جبريل، وكانت (٣) بنو إسرائيل قد استعاروا حليًّا كثيرة من قوم فرعون حين أرادوا الخروج من مصر بعلة عرسٍ لهم، فأهلك الله قوم فرعون (وبقيت تلك) (٤) الحلي في أيدي بني إسرائيل، فلما فصل موسى قال السامري لبني إسرائيل: إنّ الأمتعة والحلي التي استعرتموها من آل (٥) فرعون غنيمة، ولا تحل لكم فاحفروا حفرة فادفنوها فيها حتى يرجع موسى فيرى فيه رأيه، ففعلوا ذلك، فلما اجتمعت (٦) الحلي صاغَها (٧) السامري، ثم ألقى القبضة التي أخذها من تراب فرس جبريل فيه فخرج عجلًا من ذهب مُرصعًا بالجوهر (٨) كأحسن ما يكون، وخار خورةً، وقال السدي: كان يخور ويمشي،

стр. 1232

فقال السامري: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ (١) أي: تركه هاهنا وخرج يطلبه، وكانت (٢) بنوا إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدّوا اليوم والليلة يومين، فلما مضت عشرون يومًا (٣) ولم يرجع موسى ورأوا العجل وسمعوا قول السامري افتتن بالعجل ثمانية آلاف رجل منهم وعكفوا عليه يعبدونه من دون الله (٤)، فذلك قوله : ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى﴾. قرأ أبو جعفر وأبو عمرو ويعقوب: (وعدنا) بغير ألف في جميع القرآن، وقرأ الباقون ﴿وَاعَدْنَا﴾ بألف (٥)، وهي قراءة ابن مسعود، فمن قرأ بغير ألف قال: لأن الله تعالى هو المنفرد بالوعد والقرآن ينطق به كقوله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ (٦) وقال (٧): ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ (٨) ونحوها، ومن قرأ بالألف فقال: قد (تجيء

стр. 1233

للمفاعلة) (١) من واحد، كقولهم (٢): عاقبت اللص، وعافاك الله، وطارقت النعل (٣). وقال الزجاج: واعدنا جيد؛ لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة (٤)، فكان من الله تعالى الوعد ومن موسى القبول. وموسى هو موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب (٥). (أربعون ليلة) قرأ زيد بن علي (أَرْبِعين) بكسر الباء، وهي لغة (٦). ﴿لَيْلَةً﴾ نصب على التمييز والتفسير (٧)، وإنما قرن التاريخ بالليل دون النهار؛ لأن شهور العرب وُضعت على سير القمر، والهلالُ إنما يهلُّ بالليل (فأول الشهر ليلة، لأن الهلال فيها يطلع) (٨) وقيل: لأن الظلمة (٩) أقدم من الضوء، والليل خُلق قبل النهار، قال الله :

стр. 1234

﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ (١). ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ إلهًا، قال أبو العالية: وإنما سُمّي عجْلًا؛ لأنهم تعجّلوه قبل رُجوع موسى (٢): ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد انطلاق موسى إلى الجبل للميعاد ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ ضارّون لأنفسكم بالمعصية واضعون العبادة في غير موضعها.

стр. 1235

٥٢ - قوله : ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ أي: تركناكُم فلم نستأصلكم، من قوله ﵇: "أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى" (١). وقيل: محونا ذنوبكم من قول العرب: عفت الريح المنازل فعفت (٢) ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: من بعد عبادتكم العجل ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ لكي تشكروا عفوي عنكم وصنيعي إليكم. واختلف العلماء في ماهيّة (٣) الشكر: فقال ابن عباس: هو الطاعة بجميع الجوارح لرب الخلائق في السر والعلانية (٤).

стр. 1236

وقال الحسن: شكر النعمة ذكرها. قال الله : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ (١). وقال الفضيل: شكر كلّ نعمة أن لا تعصي الله بعد تلك النعمة (٢). وقال أبو بكر الوراق (٣): حقيقة الشكر: معرفة المُنعم، وأنْ لا تعرف لنفسك في النعمة حظًّا، بل تراها من الله ، قال الله (٤): ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٥). يدل عليه ما: [٢٦٨] أخبرنا أبو بكر الحسن بن محمد بن حبيب (٦) قال: نا أبو أحمد (٧) عبد الملك بن محمد بن الفضل (٨) قال: نا أبو يحيى زكريا بن دلويه بن شبيب (٩) قال: نا أحمد بن النعمان بن الوجيه (١٠)

стр. 1237

قال: نا جعفر بن سليمان الضبعي (١)

стр. 1238

قال: نا (١) سيف بن ميمون (٢)، عن الحسن (٣) أن رسول الله ﷺ قال: "قال موسى ﵇ يا رب كيف استطاع آدم أن يؤدي شكر ما أجريت عليه من نعمك، خلقته بيدك وأسجدت له ملائكتك وأسكنته جنتك؟ ! فأوحى الله إليه أن آدم علم أن ذلك كله مني ومن عندي، فذلك شكره" (٤).

стр. 1239

[٢٦٩] وأخبرنا ابن حُبيب (١) قال: أنا أبو عمرو المعتز (٢) بن محمد بن الفضل (٣) قال: نا أحمد بن الحسين الفريابي (٤) قال: نا عبد الرحيم بن حبيب البغدادي (٥)، عن إسحاق بن نجيح الملطي (٦)، عن عطاء الخراساني (٧)، عن وهب بن منبه (٨) قال: قال داود: إلهي كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصلُ إلى شكركَ إلَّا بنعمتك؟ فأوحى الله تعالى إليه: ألست تعلم أنّ الذي بك من النعيم (٩) مني؟ قال: بلى يا رب. قال: (أرضى بذلك لك

стр. 1240

شكرًا) (١) (٢). قال وهب بن منبه: وكذلك قال موسى ﵇: (يا ربِّ) (٣) أنعمتَ عليَّ النعم السوابغ وأمرتني بالشكر لك عليها، وإنما شكري إياك نعمةٌ منك عليّ، فقال الله له: يا موسى، تعلمت العلم الذي لا يفوقه علم، حسبي من عبدي أن يعلم أن ما به من نعمة فهو (٤) مني (٥). وقال الجنيد: حقيقة الشكر العجز عن الشكر (٦)، وروي في ذلك عن داود ﵇ أنه قال: سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عن شكره شكرًا، كما جعل اعترافه بالعجز عن معرفته معرفة (٧). وقال (٨) بعضهم: الشكر أن لا ترى النعمة البتة بل ترى المُنعم (٩). وقال

стр. 1241

أبو عثمان الحيري (١): صدق الشكر أن لا تمدح بلسانك غير المنعم. [٢٧٠] وسمعت أبا عبد الرحمن السُّلمي (٢) يقول: سمعت أبا بكر الرازي (٣) يقول: سمعت الشبلي (٤) يقول: الشكر: التواضع تحت رؤية المنة (٥). وقيل: الشكر خمسة أشياء: مجانبة السيئات، والمحافظة على

стр. 1242

الحسنات، ومخالفة الشهوات، وبذل الطاعات ومُراقبة رب الأرض والسموات (١). [٢٧١] وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب (٢) يقول: سئل أبو الحسن علي بن عبد الرحيم القناد (٣) في الجامع بحضرة أبي بكر بن عبدوس (٤) وأنا حاضرٌ: مَن أشكر الشاكرين؟ فقال: الطاهر من الذنوب يعد نفسه من المذنبين، والمجتهد في النوافل بعد أداء الفرائض يعدُّ نفسه من المقصرين، والراضي بالقليل من الدنيا يعدُّ نفسه من الراغبين، والقاطع بذكر الله دهره يعدُّ نفسه من الغافلين، والدائب في العمل عمره يعدُّ نفسه من المفلسين، فهذا أشكر الشاكرين (٥). [٢٧٢] وسمعت أبا القاسم (٦) يقول (٧): سمعت أبا محمد أحمد (٨)

стр. 1243

ابن محمَّد بن إبراهيم البلاذري (١) يقول (٢): سمعت بكر بن عبد الرَّحْمَن (٣) يقول: سمعت ذا النُّون المصري (٤) يقول: الشكر لمن فوقك بالطَّاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان والإفضال (٥).

стр. 1244

٥٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾: قال مجاهد والفراء: هما شيء واحد، والعرب تكرر الشيء إذا اختلفت ألفاظه على التوهم (١). وأنشد الفراء: وقدَّمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبًا ومينا وقال عنترة: حُيِّيت من طَلل تقادم عهده ... أقوى وأقفَر بعد أمِّ الهيثمِ (٢) قال الزجاج: وهذا هو القول (٣)، لأنَّ الله ذكر لموسى ﵇ الفرقان في غير هذا الموضع، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ

стр. 1245

الْفُرْقَانَ﴾ (١) الآية. وقال الكسائي: الفرقان نعتُ الكتاب، يريد: وإذ (٢) آتينا موسى الكتاب والفرقان، فرَّق بين الحلال والحرام والكفر والإيمان والوعد والوعيد، فزيدت الواو فيه كما تزاد في النعوت من قولهم (٣): فلان حسن وطويل (٤): وأنشد (٥) (في ذلك) (٦): إلى الملِك القَرْمِ (٧) وابن الهُمام ... وليث الكتيبة في المزدحم (٨)

стр. 1246

ودليل هذا التأويل: قوله : ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١). وقال قطرب: أراد به القرآن. وفي الآية إضمار معناه: وإذ آتينا موسى الكتاب ومحمدًا الفرقان، لعلكم تهتدون بهذين الكتابين، فترك أحد الاسمين (٢)، كقول الشَّاعر: تراه كأنَّ الله يجدعُ أنفَه ... وعينيه إنْ مولاه ثاب له وفْرُ (٣) أراد: ويفقأ عينيه. وقال ابن عباس: أراد بالفرقان النصر على الأعداء، نصرَ الله

стр. 1247

لموسى، وأهلك فرعون وقومه (١). يدل عليه: قوله : ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ (٢) يعني: يوم بدر (٣). وقال (٤) يمان بن رئاب (٥): الفرقان: انفراق البحر، وهو من عظيم (٦) الآيات (٧).

стр. 1248

يدل عليه: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ (١). ٥٤ - قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾: الذين عبدوا العجل: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ضررتم أنفسكم: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ إلهًا، فقالوا: فأيش (٢) نصنع؟ وما الحيلة؟ قال: ﴿فَتُوبُوا﴾: فارجعوا ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ يعني (٣): خالقكم. وكان أبو عمرو يختلس الهمزة إلى الجزم في قوله: ﴿بَارِئِكُمْ﴾ و ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ و ﴿يَنصُرْكُمُ﴾ طلبًا للخفة (٤)، كقول امرئ القيس (٥):

стр. 1249

فاليوم أشربْ غير مُسْتَحْقِبٍ ... إثمًا من الله ولا واغلِ (١) وأنشد سيبويه: إذا اعْوَجَجْنَ قلتُ (٢) صاحبْ قَوّمِ (٣) فقالوا: كيف نتوب؟ قال: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني (٤): ليقتل

стр. 1250

البريء (١) المجرم ﴿ذَلِكُمْ﴾ يعني (٢): القتل ﴿خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾. قال ابن عباس: أبي الله أن يقبل توبة بني إسرائيل إلَّا بالحال التي (٣) كرهوا أن يقاتلوهم حين عبدوا (٤) العجل (٥). وقال قتادة: جعل الله توبة بني إسرائيل (٦) القتل؛ لأنهم ارتدوا، والكفر يبيح الدم (٧). وقرأ قتادة: (فاقتالوا أنفسكم) (٨) من الإقالة، أي: استقيلوا العثرة بالتوبة. فلما أمرهم موسى بالقتل قالوا: نصبر لأمر الله تعالى، فجلسوا بالأفنية محتبين (٩)، وأصلت القوم عليهم الخناجر، فكان الرَّجل يرى ابنه وأخاه (١٠) وأباه وقريبه وصديقه وجاره، فلم (١١) يمكنهم

стр. 1251

المضي لأمر الله ، فقالوا: يَا موسى كيف نفعل؟ فأرسل الله تعالى عليهم ضبابة وسحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضًا، وقيل لهم: من حلَّ حَبْوَتَه أو مَدَّ طَرْفه إلى قَاتِلِه أو قاتَلَهُ (١) أو اتقَاه (٢) بِيَد أو رِجْلٍ (٣) فهو ملعون مردودة (٤) توبته. فكانوا يقاتلونهم إلى المساء، فلما كثر فيهم القتل، دعا موسى وهارون وبكيا وتضرعا وجزعا وقالا: يَا ربّ هلكت بنو إسرائيل، البقية، البقية، فكشف الله عنهم (٥) السحابة، وأمرهم أن يرفعوا السلاح عنهم ويكفوا عن القتل، فتكشفت عن ألوف من القتلى، فاشتدَّ ذلك على موسى، فأوحى الله إليه (٦) أما يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول الجنة (٧)، فكان من قتل منهم شهيدًا، ومن بقي منهم (٨) مكفَّرةً (٩) عنه ذنوبه (١٠)، فذلك قوله : ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: ففعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم فتجاوز عنكم: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١١).

стр. 1252

٥٥ - قوله : ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ وذلك أن الله تعالى أمر موسى ﵇ أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار موسى من قومه سبعين رجلًا من خيارهم، وقال لهم: صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم، ففعلوا ذلك، فخرج بهم موسى إلى طور سيناء لميقات ربه، فلما بلغوا ذلك الموضع، قالوا لموسى (١): اطلب لنا نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل. فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود (٢) الغمام، وتغشى الجبل كلَّه، فدخل في الغمام وقال للقوم: ادنوا، وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع (٣) لا يستطيع أحد من بني آدم (٤) أن ينظر إليه، فضُرب دونه الحجاب، ودنا القوم حتَّى دخلوا في الغمام، وخروا سجدًا، وسمعوه وهو يُكلم موسى يأمره وينهاه، فأسمعهم الله تعالى: إنِّي أنا الله لا إله إلَّا أنا ذو بكة (٥)، أخرجتكم من أرض مصر، فاعبدوني ولا تعبدوا غيري، فلما فرغ موسى وانكشف الغمام أقبل إليهم، فقالوا له (٦): ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ

стр. 1253

الصَّاعِقَةُ﴾، وهي نار جاءت من السماء فأحرقتهم جميعًا (١). وقال وهب بن منبه: أرسل الله عليهم جندًا من السماء (٢)، فلما سمعوا حسها ماتوا يومًا وليلةً (٣). والصاعقة: المهلكة، فذلك قوله ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ أي: لن (٤) نصدقك ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قراءة (٥) العامة بجزم الهاء. وقرأ ابن عباس (جَهَرةً) بفتح الهاء (٦). وهما لغتان، مثل: (زهْرة) و (زَهَرة)، أي: معاينة بلا ساتر بيننا وبينه.

стр. 1254

وأصل الجهر: الكشف. قال الشَّاعر: تجهر أجواف المياه السدَّمِ (١) وقال الراجز: إذا وردنا آجنًا جهرناه أو خاليًا من أهله عمرناه (٢) وانتصابهما على الحال. ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ قرأ عمر وعثمان وعلى (الصعقة) بغير أَلْف (٣). وقرأ الباقون بالألف، وهما لغتان. ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ظاهر المعنى، أي: الموت، دليله:

стр. 1255

٥٦ - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ وذلك أنَّهم لما هلكوا جعل موسى يبكي ويتضرع ويقول: يَا رب (١) ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكتَ خيارهم؟ ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ (٢)، فلم يزل يناشد ربه حتَّى أحياهم الله جميعًا رجلًا بعد رجل، ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون (٣)! فذلك قوله : ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾ أحييناكم ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ لتستوفوا بقية آجالكم وأرزاقكم. وأصل البعث: إثارة الشيء عن محله، يقال: بعثتُ البعير، وبعثت النائم فانبعث. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ٥٧ - قوله : ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ في التيه يقيكم حر الشَّمس، وذلك أنَّهم كانوا في التِّيه، ولم يكن لهم كِنٌّ يسترهم، فشكوا ذلك إلى موسى ﵇ فأنزل الله تعالى عليهم غمامًا أبيض رقيقًا, وليس بغمام المطر، أرق (٤) وأطيب وأبرد (٥) منه،

стр. 1256

والغمام: ما يغم الشيء، أي: يستره، فأظلهم، فقالوا: هذا الظل قد حصل فأين الطعام؟ فأنزل الله تعالى عليهم المَنَّ، واختلفوا فيه: فقال مجاهد: هو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار، وطعمه كالشهد (١). وقال الضحاك: هو التَرَنجبِين (٢).

стр. 1257

وقال وهب: الخبز الرقاق (١). وقال السدي: عسل كان يقع على الشجر من الليل فيأكلون منه (٢). وقال عكرمة: شيء أنزله الله عليهم مثل الرُّبّ الغليظ (٣).

стр. 1258

وقيل: هو الزنجبيل (١). وقال الزجاج: جملة المنّ (٢) ما يمن الله به مما لا تعب فيه ولا نصب (٣). وقد روي عن النَّبِيّ ﷺ : "الكمأة من المن, وماؤها شفاء للعين" (٤).

стр. 1259

فكان ينزل عليهم هذا المن كل ليلة، يقع على أشجارهم مثل الثلج، لكل إنسان منهم صاع كل ليلة، فقالوا: يَا موسى قتلنا هذا المن بحلاوته، فادع لنا ربك أن يطعمنا اللحم، فدعا موسى ﵇، فأنزل الله عليهم (١) السَّلْوى. واختلفوا فيه: فقال ابن عباس وأكثر المفسرين: هو طائر يشبه السُّمَاني (٢). وقال أبو العالية ومقاتل: (هي طير حمر) (٣) بعث الله السحابة فمطرت السماني (٤) في عرض ميل، وقدر طول رمح في السماء بعضه على بعض (٥). وقال عكرمة: طير يكون بالهند أكبر من العصفور (٦).

стр. 1260

وقال المؤرِّج: هو العسل بلغة كِنانة (١) قال شاعرهم: وقاسمها (٢) بالله حقًّا لأنتمُ ... ألذُّ من السَّلوى إذا ما نَشورها (٣) فكان الله تعالى يرسل عليهم المن والسلوى فيأخذ (٤) كل واحد منهم (٥) ما يكفيه يومًا وليلةً، فإذا كان يوم الجمعة أخذ (٦) ما يكفيه (٧) يومين, لأنه لم يكن ينزل عليهم يوم السبت، فذلك قوله ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا﴾ أي: وقلنا لهم كلوا ﴿مِنْ

стр. 1261

طَيِّبَاتِ﴾ حلالات (١) ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ولا تدَّخروا لغد، فخبَّؤوا لغد، فقطع الله ذلك عنهم، ودوَّد وفسد ما ادَّخروا (٢)، فذلك قوله : ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ وما ضرونا بالمعصية (٣). ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: يضرون باستيجابهم عذابي وقطع مادة الرزق الذي كان ينزل عليهم بلا كلفة (ولا مؤنة) (٤) ولا مشقة في الدنيا, ولا حساب ولا تبعة في العقبى. [٢٧٣] أخبرنا ابن حامد (٥) وابن شعيب (٦) قالا: أنا مكّيّ بن عبدان (٧) قال: أنا أَحْمد بن الأَزْهَر (٨) قال: نا روح بن عبادة (٩) قال: نا [عوف بن أبي جميلة (١٠)] (١١)،

стр. 1262

عن خلاس بن عمرو (١)، عن أبي هريرة (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا بنو إسرائيل لم يخنز الطعام، ولم يخبث اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها" (٣).

стр. 1263

٥٨ - قوله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾: قال ابن عباس: هي أريحا، وهي قرية الجبارين، وكان فيها قوم من بقية عاد، يقال لهم: العمالقة، ورأسهم عوج بن عُنُق (١). وقيل:

стр. 1264

هي بلقاء (١). وقال ابن كيسان: هي الشَّام (٢). وقال الضحاك: هي الرَّملة والأردن وفلسطين وتَدمُر (٣). وقال مجاهد: بيت المقدس (٤).

стр. 1265

وقال مقاتل: إيلياء (١). ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾: مُوسَّعًا عليكم. ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾ يعني بابًا من أبواب القرية، وكان لها سبعة أبواب، ﴿سُجَّدًا﴾ أي: منحنين متواضعين، وأصل السجود الانحناء (٢) والخضوع. قال الشَّاعر: بِجَمْعٍ تضل البُلْقُ في حَجَراتهِ ... ترى الأكمَ فيه سجَّدًا للحوافرِ (٣) وقال وهب: قيل لهم: ادخلوا الباب فإذا دخلتموه فاسجدوا واشكروا الله (٤) ، وذلك أنَّهم كانوا (٥) أذنبوا بإبائهم دخول أريحا، فلما فصلوا من التيه، أحب الله أن يستنقذهم من الخطيئة (٦). ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال قتادة: حُطَّ عنا خطايانا، أمروا بالاستغفار (٧).
следующие страницы →