← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

طَيِّبَاتِ﴾ حلالات (١) ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ولا تدَّخروا لغد، فخبَّؤوا لغد، فقطع الله ذلك عنهم، ودوَّد وفسد ما ادَّخروا (٢)، فذلك قوله : ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ وما ضرونا بالمعصية (٣). ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: يضرون باستيجابهم عذابي وقطع مادة الرزق الذي كان ينزل عليهم بلا كلفة (ولا مؤنة) (٤) ولا مشقة في الدنيا, ولا حساب ولا تبعة في العقبى. [٢٧٣] أخبرنا ابن حامد (٥) وابن شعيب (٦) قالا: أنا مكّيّ بن عبدان (٧) قال: أنا أَحْمد بن الأَزْهَر (٨) قال: نا روح بن عبادة (٩) قال: نا [عوف بن أبي جميلة (١٠)] (١١)،

стр. 1262

عن خلاس بن عمرو (١)، عن أبي هريرة (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا بنو إسرائيل لم يخنز الطعام، ولم يخبث اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها" (٣).

стр. 1263

٥٨ - قوله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾: قال ابن عباس: هي أريحا، وهي قرية الجبارين، وكان فيها قوم من بقية عاد، يقال لهم: العمالقة، ورأسهم عوج بن عُنُق (١). وقيل:

стр. 1264

هي بلقاء (١). وقال ابن كيسان: هي الشَّام (٢). وقال الضحاك: هي الرَّملة والأردن وفلسطين وتَدمُر (٣). وقال مجاهد: بيت المقدس (٤).

стр. 1265

وقال مقاتل: إيلياء (١). ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾: مُوسَّعًا عليكم. ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾ يعني بابًا من أبواب القرية، وكان لها سبعة أبواب، ﴿سُجَّدًا﴾ أي: منحنين متواضعين، وأصل السجود الانحناء (٢) والخضوع. قال الشَّاعر: بِجَمْعٍ تضل البُلْقُ في حَجَراتهِ ... ترى الأكمَ فيه سجَّدًا للحوافرِ (٣) وقال وهب: قيل لهم: ادخلوا الباب فإذا دخلتموه فاسجدوا واشكروا الله (٤) ، وذلك أنَّهم كانوا (٥) أذنبوا بإبائهم دخول أريحا، فلما فصلوا من التيه، أحب الله أن يستنقذهم من الخطيئة (٦). ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال قتادة: حُطَّ عنا خطايانا، أمروا بالاستغفار (٧).

стр. 1266

وقال ابن عباس: يعني: لا إله إلَّا الله؛ لأنها تحط الذنوب (١). وهي رفع على الحكاية في قول أبي عبيدة (٢). وقال الزجاج: مسألتنا حطة (٣). قوله : ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ قرأ أهل المدينة بياء مضمومة، وأهل الشَّام بتاء مضمومة (٤) ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾: إحسانًا وثوابًا. ٥٩ - ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: فغير الذين ظلموا أنفسهم بالمعصية، وقيل: كفروا. وقال مجاهد: طُؤطِئ لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم فلم يخفضوا ولم

стр. 1267

يركعوا ولم يسجدوا، ودخلوا متزحفين على أستاههم (١). ﴿قَوْلًا﴾ يعني: وقالوا قولًا. ﴿غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ وذلك أنَّهم أمروا أن يقولوا: حطة، فقالوا: هَطَا سَمْقَاثا، يعنون: حنطة حمراء، استخفافًا بأمر الله تعالى (٢). ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ أي: عذابًا. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ وذلك أن الله تعالى أرسل عليهم ظُلمةً وطاعونًا، فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفًا (٣). ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي: يعصون ويخرجون من (٤) أمر الله تعالى.

стр. 1268

٦٠ - قوله : ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ السين فيه سين السؤال، مثل: استعلم، واستخبر، ونحوهما. أي: سأل السقيا لقومه، أي: واذكر إذ استسقى، وذلك أنَّهم عطشوا في التيه (ولا ماء به) (١) فقالوا: يَا موسى من أين لنا الشُّرب؟ فاستسقى لهم موسى ﵇ (٢) فأوحى الله إليه أن ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ﴾ وكانت (٣) من آس الجنة طولها عشر أذرع على طول موسى، ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورًا، واسمها: عَليوق (٤)، وكان آدم ﵇ حملها معه من الجنة إلى الأرض، فتوارثها (٥) صاغرٌ عن كابر، حتَّى وصلت (٦) إلى شعيب ﵇ فأعطاها (٧) موسى (٨). ﴿الْحَجَرَ﴾: اختلفوا فيه: فقال وهب بن منبه: كان موسى ﵇ يقرع لهم أقرب حجر من

стр. 1269

عرض الحجارة، فيتفجر (١) لهم (٢) عيونًا، لكل سبط عين، وكانوا اثني عشر سبطًا، ثم تسيل كل عين في جدول إلى السبط الذي أمر بسقيهم (٣). فذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ أي: موضع شربهم، ويكون بمعنى المصدر. ثم إنهم قالوا: إنْ فقَد موسى عصاه متنا عطشًا، فأوحى الله (إلى موسى) (٤): لا تقرع الحجارة، ولكن كلمها تُطعْكَ؛ لعلهم يعتبرون. فقالوا: كيف بنا لو أفضينا إلى الرمل إلى الأرض التي ليست فيها حجارة، فحمل موسى معه حجرًا، فحيث ما نزلوا ألقاه (٥). وقال آخرون (٦): كان حجرًا (٧) مخصوصًا بعينه، والدليل عليه قوله ﴿الْحَجَر﴾ فأدخل (٨) الألف والسلام للتعريف (مثل قولك) (٩): رأيتُ الرَّجل (١٠).

стр. 1270

ثم اختلفوا فيه ما هو: فقال ابن عباس: كان حجرًا خفيفًا مربَّعًا مثل رأس الرَّجل أمر أن يحمله، فكان يضعه في مخلاته، فإذا احتاجوا إلى الماء وضعه وضربه بعصاه (١). وفي بعض الكتب: أنها (٢) كانت رخامًا (٣). قال أبو روق: كان الحجر من الكذان، وكان فيه اثنتا عشرة حفرة، ينبع من كل حفرة عين ماء عذب فرات، فيمتحونه (٤) فإذا فرغوا (٥) وأراد موسى حمله ضربه بعصاه فيذهب الماء، وكان يسقي كل (٦) يوم ستمائة أَلْف (٧).

стр. 1271

وقال سعيد بن جبير: هو الحجر الذي وضع موسى عليه ثوبه ليغتسل حين (١) رموه بالأُدرة (٢)، ففر الحجر بثوبه ومر به على ملأ من بني إسرائيل حتَّى علموا أنَّه ليس بآدر، فلما وقف الحجر أتاه جبريل ﵇ فقال: يَا موسى إن الله يقول لك (٣): ارفع هذا الحجر فلي فيه قدرة ولك فيه معجزة، وقد ذكره الله في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا. .﴾ الآية (٤). فحمله موسى ﵇ ووضعه (٥) في مخلاته، فكان (٦) إذا احتاج إلى الماء ضربه بعصاه (٧). وهو ما: [٢٧٤] أخبرنا أبو محمَّد الحسن بن أَحْمد بن محمَّد المخلدي (٨) قال: أنا أبو العباس السَّرَّاج (٩) قال: نا محمَّد بن سهل بن عسكر (١٠)

стр. 1272

قال: نا عبد الرَّزّاق (١). [٢٧٥] وأخبرنا أبو سعيد محمَّد بن عبد الله بن حمدون (٢) قال: أنا أبو حامد أَحْمد بن محمَّد بن الحسن بن الشرقي (٣) قال: أنا محمَّد بن يحيى (٤) وعبد الرَّحْمَن بن بشر (٥) وأَحمد بن يوسف (٦) قالوا: نا عبد الرَّزّاق قال: أنا معمر (٧)، عن همام بن منبه (٨) قال: هذا ما حَدَّثَنَا أبو هريرة (٩) عن محمَّد رسول الله ﷺ قال: ""كانت بنو إسرائيل يغتسلون عُراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلَّا أنَّه آدَرُ (١٠)، قال: فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على

стр. 1273

حجر، ففرَّ (١) الحجر بثوبه، قال: فجمح (٢) موسى في أثره يقول: ثوبي يَا حجر، ثوبي يَا حجر، حتَّى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، فقام (٣) الحجر بعدما نظر (٤) (بنو إسرائيل) (٥) إليه فأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربًا". فقال أبو هريرة: والله إنه (٦) نَدْبًا (٧) بالحجر ستةً أو سبعةً أثَر ضرب موسى ﵇ (٨) (٩).

стр. 1274

وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: كان يضربه موسى اثنتي عشرة ضربة، فكان يظهر على موضع كل ضربة مثل ثدي المرأة ثم يعرق وهو الانبجاس، ثم ينفجر بالأنهار المطّردة (١). فذلك قوله : ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ وفي الآية إضمار واختصار، تقديرها (٢): فضرب فانفجرت. أي: سالت، وأصل الانفجار: الانشقاق والانتشار، ومنه: فجْر النهار. وقوله: ﴿مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ قراءة العامة بسكون الشين على التَّخفيف. وقرأ العباس بن الفضل الأَنْصَارِيّ بفتح الشين على الأصل (٣). وقرأ أبو جعفر: بكسر الشين (٤). ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ أي: موضع شربهم، ويكون بمعنى المصدر، مثل: المدخل والمخرج والمطلع.

стр. 1275

﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ أي: وقلنا لهم: كلوا من السنن والسلوى واشربوا من الماء، فهذا كله من رزق الله الذي يأتيكم بلا مشقة ولا مؤونة ولا تبعة. ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يقال: عثَا يعثَى عثاءً، وعثا يعثُو عُثوُّا، وعاث يعيثُ عَيْثُا وعُيُوثًا، ثلاث لغات (١)، وهو أشد الفساد. قال ابن الرِّقاع (٢): لولا الحياءُ وأنَّ رأسي قد عثا ... فيه المشيب لزرتُ أمَّ القاسمِ (٣) ٦١ - قوله : ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ الآية. وذلك أنَّهم أجِمُوا (٤) المنّ والسلوى وسئموهما (٥).

стр. 1276

قال الحسن: كانوا أنتانًا أهل كرّاث وأبصال وأعداس، فنزعوا إلى عكرهم عكر السوء، واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم (١)، فقالوا: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ (٢). يعني: المنّ والسلوى، وإنما قال (٣): ﴿طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ وهما اثنان؛ لأن العرب تعبر عن الاثنين بلفظ الواحد، وعن الواحد بلفظ الاثنين، كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ (٤) وإنما يخرجان من الملح منهما دون العذب، وقال عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم: كانوا يعجنون المنّ والسلوى فيصير طعامًا واحدًا فيأكلونه (٥). ﴿فَادْعُ لَنَا﴾ أي: سل لنا وادع لأجلنا، ﴿رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا﴾ قراءة العامة بكسر القاف، وقرأ يحيى بن وثاب وطلحة بن مصرف والأشهب العقيلي: (وقُثائها) بضم القاف وهي لغة تميم (٦).

стр. 1277

﴿وَفُومِهَا﴾ قال ابن عباس: القوم: الخُبْزُ. تقول العرب: فوِّموا لنا، أي: اختبزوا لنا (١)، وقال (٢) عطاء وأبو مالك (٣): هو الحنطة (٤). وهي لغة قديمة، قال الشَّاعر: قد كُنتُ أحسبُني كأغنى واحدٍ (٥) ... قدم المدينة في زراعةِ فُومِ (٦)

стр. 1278

وقال القتيبي: هي (١) الحبوب كلها (٢). وقال الكلبي والنضر بن شُميل والكسائي والمؤرِّج: هو الثوم (٣) وأنشد المؤرِّج لحسّان (٤): وأنتم أناسٌ لئام الأصول ... طعامُكم الفُومُ والحوقَلُ (٥) يعني (٦): الثوم والبصل. وأنشد النَّضر لأمية:

стр. 1279

كَانَتْ مَنازِلهم إذ ذاك ظاهِرة ... فيها الفرَاديسُ والفُومانُ والبصلُ (١) والعرب تعاقب بين الفاء والثاء، فتقول لصَمغِ العرفط: مغاثير ومغافير، وللقبر: جدث وجدف، ودليل هذا التأويل أنها في مصحف عبد الله: (وثومها وعدسها وبصلها) (٢). [٢٧٦] أخبرنا أبو القاسم العروضي (٣) قال: أنا أبو بكر محمَّد بن عبد الله العماني (٤)، قال: أنا أبو القاسم عبد الله بن أَحْمد

стр. 1280

الطَّائيّ (١) قال: حَدَّثني أبي (٢) قال: نا علي بن موسى الرضا (٣)، عن أَبيه موسى (٤)، عن أَبيه جعفر (٥)، عن أَبيه محمَّد (٦)، عن أَبيه علي (٧)، عن أَبيه الحسين (٨)، عن أَبيه علي بن أبي طالب (٩) (﵁) (١٠) قال: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بالعدس فإنَّه مبارك مقدس، وإنه يرقق القلب ويكثر الدمعة، وإنه بارك فيه سبعون نبيًّا

стр. 1281

آخرهم عيسى بن مريم" (١). فقال لهم موسى عند ذلك ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾ وفي مصحف أبي

стр. 1282

(أتبدِّلون) (١). ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ أخس وأردى، حكى الفراء عن زهير (الفُرْقُبيُ) (٢) أنَّه قرأ (أدنأ) بالهمز (٣)، والعامة على ترك الهمزة (٤)، وقال بعض النحاة: هو (أدون) فقدمت النُّون وحوّلت الواو ياء كقولهم: (أولى) من (أول) (٥). ﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ أشرف وأفضل، ومعناه: أتتركون الذي هو خير وتريدون الذي هو شر؛ ويجوز أن يكون هذا الخير والشر منصرفين إلى أجناس الطعام وأنواعه، ويجوز أن يكونا منصرفين إلى اختيار الله تعالى لهم واختيارهم لأنفسهم. ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ يعني: فإن أبيتم إلَّا (٦) ذلك فاهبطوا مصرًا من الأمصار، ولو أراد مصر بعينها (٧) لقال: مصر. ولم يصرفه، كقوله : ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ

стр. 1283

إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (١) وهذا معنى قول قتادة (٢). وقال الضحاك: هي مصر موسى وفرعون (٣). وقال الأَعمش: هي مصر التي عليها صالح بن عليّ (٤)، ودليل هذا القول قراءة الحسن وطلحة (بن مصرِّف) (٥): (مصرَ) بغير تنوين جعلاها معرفة، وكذلك (٦) هو في مصحف عبد الله وأبي بغير

стр. 1284

أَلْف (١)، وإنما صرف على هذا القول لخفته وقلة (٢) حُروفه، مثل دعدٍ وهندٍ وجُمْلٍ ونحوها (٣)، قال الشَّاعر: لم تتلفّعْ بفَضل مئزرِهَا ... دعدٌ ولم تُغذ (٤) دعدُ في العُلَب (٥) فجمع بين اللغتين. والمصر في اللغة: الحد، ومصور (٦) الدار: حدودها (٧)، قال الشَّاعر:

стр. 1285

وجاعل الشَّمس مصرًا لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا (١) قوله : ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ من نبات الأرض ﴿وَضُرِبَتْ﴾ وجعلت ﴿عَلَيْهِمُ﴾ وألزموا ﴿الذِّلَّةُ﴾ الذل (٢) والهوان، قالوا (٣): بالجزية، يدل عليه قوله : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٤). وقال عطاء بن السائب: هو الكستنيج (٥)، وزي اليهودية. ﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾ يعني: زي الفقر، فتراهم كأنهم فقراء وإن كانوا مياسير.

стр. 1286

وقيل: المذلة وفقر القلب (١)، فلا ترى في أهل الملل أذلّ ولا أحرص على المال من اليهود (٢). و(المسكنة) مفعلة من: السكون، ومنه سُمي (٣) الفقير مسكينًا؛ لسكونه وقلة حركاته، يقال: ما في بني فلان أسكن من فلان، أي: أفقر (٤) ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: رجعوا، في قول الكسائي وغيره (٥). وقال أبو روق: استحقوا (٦)، الباء صلة (٧).

стр. 1287

وقال أبو عبيدة (١): احتملوه (٢) وأقروا به، (يقال: بؤت بهذا الذنب، أي: احتملته. وقال الكسائي وغيره: انصرفوا به) (٣) (٤) ومنه الدعاء المأثور: "أبوء بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي لك (فاغفر لي، فإنَّه لا يغفر الذنوب إلَّا أَنْتَ) (٥) "

стр. 1288

أي: أقر، ولا باء، إلَّا بشرّ (١). وغضب الله عليهم: ذمه لهم وتوعده إياهم في الدنيا، وإنزال العقوبة بهم في العقبى، وكذلك بغضه وسخطه (٢) ﴿ذَلِكَ﴾ الغضب ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ (التي أنزلت على محمَّد بدلائله، وقيل: بآيات الله أي) (٣) بصفة محمَّد ﷺ ، وآية الرجم في التوراة، وبالإنجيل (٤) والقرآن (٥) ﴿وَيَقْتُلُونَ﴾ قراءة العامة بالتخفيف من القتل، وقرأ السُّلمي (٦) بالتشديد من التقتيل (٧) ﴿النَّبِيِّينَ﴾ القراءة

стр. 1289

المشهورة التشديد (١) من غير همز، وتفرد نافع بهمز (النبيئين) وبابه (٢)، فمن همز فمعناه: المخبر، من قول العرب: أنبأ ينبئ إنباءً، ونبأ ينبئ تنبئةً بمعنى واحد، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٣) ومن حذف الهمز (٤) فله وجهان، أحدهما: أنَّه أراد الهمز فحذفه طلبًا للخفة لكثرة استعمالها (كالبرية ونحوها) (٥)، الوجه الآخر: أن يكون بمعنى: الرفيع، مأخوذ من النَّبوة وهي: المكان المرتفع، يقال: نبا الشيء عن المكان، أي: ارتفع (٦). قال الشَّاعر: إن جنبي عن الفراش لنابٍ ... كتجافي الأسَرِّ (٧) فوق الظراب (٨)

стр. 1290

ودليله أن رجلًا قال: يَا نبيء الله فقال: "لست بنبيء الله، ولكني نبيُّ الله" (١). وفيه وجه آخر: قال الكسائي: النَّبِيّ بغير الهمزة: الطريق (٢)، فسمي الرسول نبيًّا؛ لاهتداء الخلق به، قال الشَّاعر: لأَصْبَحَ رَتْمًا دُقَاقَ الحَصَى ... مكانَ النَّبيَّ مِن الكاثِبِ (٣)

стр. 1291

ومعنى الآية: ويقتلون النبيين ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بلا جرم مثل زكريا ويحيى وشعيا (١) وسائر من قتل اليهود من الأنبياء (٢). وفي الخبر: أن اليهود قتلوا سبعين نبيًّا في أول النهار، وقامت سوق بقلهم في (٣) آخر النهار (٤). ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ يتجاوزون أمري ويرتكبون محارمي.

стр. 1292

٦٢ - قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني: اليهود، واختلف العلماء في سبب تسميتهم به، فقال بعضهم: سُموا بذلك لأنهم هادوا، أي: تابوا من عبادة العجل، كقوله تعالى إخبارا عنهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (١) أي: تبنا، وأنشد أبو عبيدة: إني امرؤ من مَدحهِ (٢) هائد أي: تائب. وقال بعضهم: لأنهم هادوا، أي: مالوا عن الإِسلام، وعن دين موسى ﵇، يقال: هَادَ يَهُودُ هَوْدًا إذا مال (٣). وقال امرؤ القيس:

стр. 1293

قد علمت سلْمى وجاراتُها ... أنّي من الناسِ لها هائد (١) أي: إليها مائل، وقال أبو عمرو بن العلاء: لأنّهم يتهوّدون أي: يتحركون عند قراءة التوراة، ويقولون: إنّ السموات والأرض تحرّكت حين (٢) آتى الله (التوراة لموسى) (٣) (٤). وقرأ (٥) أبو السمال العدوي واسمه قعنب: (والذين هادَوا) بفتح الدال من المهاداة، أي مال بعضهم إلى بعض في دينهم (٦). وقوله ﴿وَالنَّصَارَى﴾ واختلفوا في سبب تسميتهم بهذا الاسم: فقال الزهري: سمّوا نصارى لأنّ الحواريّين قالوا: ﴿نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ﴾ (٧)

стр. 1294

وقال مقاتل: لأنهم نزلوا قريةً يُقال لها: ناصرة، فنُسبوا إليها (١). وقال الخليل بن أحمد: النصارى جمع نصران، كقوله (٢): ندمان وندامى، وأنشد: تَراهُ إذا دَار العَشِيُّ محنِّفًا ... ويُضْحِي لديْهِ وهو نَصْرانُ شامِسُ (٣) وزيدت فيه ياء النسبة، كقولهم لذي الرقبة: رقباني (٤). وقال الزجاج: يجوز أن يكون جمع: نصْريّ، كما يقال (٥): بعير مهري، وإبل مهارى، وإنما سُمّوا نصارى لاعتزائهم إلى نصرة (٦)،

стр. 1295

وهي قرية كان ينزلها عيسى وأمه ﵉ (١). وقوله: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ قرأ أهل المدينة بترك الهمزة من (الصابين والصابون) (٢) في جميع القرآن، وقرأ الباقون بالهمز (٣)، وهو الأصل، يقال: صَبأ يصبأ صبوءًا: إذا مال وخرج (٤) من دين (٥)، قال الفراء: يُقال لكل من أحدث دينًا: قد صبأ وأصبأ (٦) بمعنى وا حد، وأصله: الميل، وأنشد: إذا صبأتْ هوادِي الخَيلِ عنها ... حسِبتَ بنحرها سوْقَ البعيرِ (٧) واختلفوا في الصابئين، من هم؟ : فقال عمر ﵁: هم طائفةٌ من أهل الكتاب ذبائحهم ذبائح أهل الكتاب (٨). وبه قال السدي (٩).

стр. 1296

وقال ابن عباس: لا تحل ذبائحهم ولا مُناكحة نسائهم (١). وقال مجاهد: هم قبيلة نحو الشام بين اليهود والمجوس، لا دين لهم (٢). وكان لا يراهم من أهل الكتاب، وهو قول (٣) أبي حنيفة ﵁. وقال قتادة ومقاتل: هم قوم يُقِرّون بالله ويعبدون الملائكة يقرؤون الزبور، ويصلّون إلى الكعبة، أخذوا من كل دين شيئًا (٤). وقال الكلبي: هم قوم بين اليهود والنصارى، يحلقون وسط (٥) رؤوسهم ويجُبُّون مذاكيرَهُم (٦).

стр. 1297

وقال عبد العزيز بن يحيى: درجوا وانقرضوا فلا عين ولا أثر (١). وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ اختلفوا في حكم الآية ومعناها، فلهم فيه (٢) طريقان، أحدهما: أنَّه أراد بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ﴾ على التحقيق وعقد التصديق (٣)، (ثم اختلفوا في هؤلاء المؤمنين مَنْ هم؟ فقال قوم: هم الذين آمنوا بعيسى) (٤) ثم لم يتهوّدوا ولم يتنصّرُوا ولمْ يصبؤوا، وانتظروا خروج محمد ﷺ (٥). وقال آخرون: هم طلاب الدين، منهم حبيب النجار، وقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، والبراء الشني، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وبحيرا الراهب، ووفد النجاشي آمنوا بالنبي ﷺ قبل مبعثه، فمنهم من أدركه وتابعه ومنهم من لم يدركه (٦).

стр. 1298

وقيل: هم مؤمنو الأمم الماضية. وقيل: هم المؤمنون (من هذِه) (١) الأمة (٢). ﴿الَّذِين هَادُوا﴾ يعني: الذين كانوا علي دين موسى، ولم يبدلُوا ولم يُغيروا، ﴿والْنَّصَارَى﴾ الذين كانوا علي دين عيسى، ولم يبدِّلوا، وماتوا علي ذلك. قالوا (٣): وهذا اسمان لزمانهم زمن موسى وعيسى، حيث كانوا على الحق فبقي الاسم (٤) عليهم (٥) كما بقي الإسلام علي أمة محمد ﷺ ﴿وَالْصَّابِئِينَ﴾ من استقام (٦) أمرهم ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ أي: من مات منهم وهو مؤمن؛ لأن حقيقة الإيمان بالموافاة (٧)، قالوا: ويجوز أن يكون الواو فيه مضمرًا، أي: ومن آمن بعدك يا محمد إلى يوم القيامة (٨). والطريق الآخر: أن (٩) المذكورين في أول الآية بالإيمان

стр. 1299

إنما هو علي طريق المجاز والتسمية، دون الحكم والحقيقة، ثم اختلفوا فيه (١): فقال بعضهم: أراد (٢) أن الذين آمنوا بالأنبياء، ولم يؤمنوا بك ولا بكتابك (٣). وقال آخرون (٤): أراد بهم المنافقين، يعني أن الذين آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم (٥). ونظير هذِه الآية (٦) قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ باللهِ وَرَسُولِهِ. .﴾ الآية (٧). ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ أي: اعتقدوا اليهودية، وهي الدين المبدل بعد موسى، ﴿وَالنَّصَارَى﴾ هم الذين اعتقدوا النصرانية، وهي الدين المبدل بعد عيسى، ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ بعض (٨) أصناف الكفار ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ من جملة الأصناف المذكورين في الآية (٩)، وفيه اختصار وإضمار،

стр. 1300

تقديره: من آمن منهم بالله واليوم الآخر، نظيره في سورة المائدة: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ (١) على لفظِ الجمع إلى آخر الآية، لأن لفظ (٢) (مَنْ) يصلح للواحد والاثنين والجميع والمذكر والمؤنث، قال الله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ يَسَتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (٣) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ (٤) وقال: ﴿وَمِنهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (٥) وقال: ﴿وَمَنْ يَقنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولهِ﴾ (٦). وقال الفرزدق (٧) في التثنية:
следующие страницы →