стр. 12461
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 18686
تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير
الثعلبي
Полный текст (16 476 стр.). Показаны 12461–12500 · переход к 12466.
стр. 12462
وقال السدي: غير مخلوق (١).
٤٢ - ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾
قال قتادة، والسدي: يعني: الشيطان ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ فلا يستطيع أن يُغيّر أو يزيد أو ينقص (٢).
وقال سعيد بن جبير: يعني: لا يأتيه النكير (٣) من بين يديه ولا من خلفه (٤).
وقيل: لا يأتيه ما يبطله ويكذّبه من الكتب المتقدّمة، بل هو موافق لها مصدّق ولا يجيء بعده كتاب يبطله وينسخه، بل هو موافق لها مصدق (٥)، عن الكلبي ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾.
٤٣ - قوله تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ﴾ من الأذى (٦) ﴿إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾
стр. 12463
يعزّي نبيه ﷺ (١) ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ لمن تاب (٢) ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ لمن أصر (٣).
٤٤ - ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾ بغير لغة العرب (٤).
﴿لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ بيّنت بلغتنا حتّى نفقهها، فإِنّا قومٌ عربٌ، ما لنا وللعجمية (٥) ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ يعني: أكتاب أعجميّ ونبي عربي؟ (٦)
قال مقاتل: وذلك أنّ رسول الله ﷺ كان يدخل على يسار (٧) غلام
стр. 12464
الحضرمي (١) وكان يهوديًّا أعجميًّا ويكنى أبا فكيهة، فقال المشركون: إنّما يعلّمه أبو فكيهة (٢)، فأخذه سيده (عامر بن الحضرمي) (٣)، وضربه، وقال: إنّك لتُعلِّم محمدًا. فقال يسار: بل هو يعلمني. فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٤).
وقرأ الحسن: (أعجمي) بهمزة واحدة على الخبر (٥).
وكذلك رواه هشام عن أهل الشام (٦)، ووجهه ما روى جعفر بن أبي المغيرة، عن (٧) سعيد بن جبير، قال: قالت قريش: لولا أنزل
стр. 12465
هذا القرآن أعجميًّا وعربيًّا، حتّى تكون بعض آياته أعجميًّا وبعضها عربيًّا، فأنزل الله تعالى هذِه الآية، وأنزل في القرآن بكلّ لسان، فمنه السِّجِّيل، وهي فارسية عُرِّبَت سَنك وَكِل (١).
والقراءة الصحيحة قراءة العامة بالاستفهام على التأويل الأول (٢). وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بهمزتين (٣)، والباقون على أصولهم (٤).
﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾
[٢٥٩١] أخبرنا محمد بن نعيم (٥)، حدثنا الحسين بن الحسن بن أيوب (٦)، أخبرنا علي بن عبد العزيز (٧)، أخبرنا القاسم بن سلام (٨)،
стр. 12466
حدثنا حجاج (١)، عن شعبة (٢)، عن موسى بن أبي عائشة (٣)، عن سليمان بن قتَّة (٤)، عن ابن عباس، ومعاوية، وعمرو بن العاص (٥)، أنّهم كانوا يقرؤون هذِه الحروف بكسر الميم: (وهو عليهم عَمٍ) (٦).
وقرأ الباقون (٧) بفتح الميم على المصدر (٨)، واختاره أبو عبيد، قال: لقوله: ﴿هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ فكذلك: ﴿عَمًى﴾ مصدر مثلهما، ولو أنّهما هادٍ وشافٍ لكان الكسر في (عمٍ) أجود، ليكون نعتًا مثلهما (٩).
стр. 12467
قال بعض أهل المعاني: قوله: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ خبر لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ (١).
[٢٥٩٢] وحُدِّثتُ عن محمد بن جرير (٢)، قال: حدثني شيخ من أهل العلم، قال: سمعت عيسى بن عمر (٣) يسأل عمرو بن عبيد (٤) فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ أين خبره (٥)؟ فقال عمرو (٦): معناه في التفسير إنَّ الذين كفروا بالذّكر لما جاءهم كفروا به وإنّه لكتاب عزيز.
قال عيسى بن عمر: أجدت يا أبا عثمان (٧).
قوله: ﴿يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ مثل لقلة استماعهم واتباعهم
стр. 12468
وانتفاعهم بما يوعظون به، كأنهم ينادون إلى الإيمان والقرآن من حيث لا يسمعون لبعد المسافة (١).
٤٥ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾
فمؤمن به وكافر، ومصدّق ومكذّب، كما اختلف قومك في كتابك ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ في تأخير العذاب ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لفرغ من عذابهم، وعجل إهلاكهم (٢)
٤٦ - ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾
٤٧ - قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾
فإنّه لا يعلمه غيره (٣)، وذلك أنّ المشركين، قالوا للنبي ﷺ : لئن كنت نبيًّا، فأخبرنا عن الساعة متى قيامها؟ وإن كنت لا تعلم ذلك فإنّك لست بنبيٍّ. فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٤).
﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾ صلة (٥)، قرأ ﴿ثَمَرَاتٍ﴾ بالجمع أهلُ المدينة
стр. 12469
والشام وحفص، وقرأ غيرهم: ﴿ثَمَرَةٍ﴾ على واحدة (١) ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ أوعيتها (٢)، واحدتها: كُمّة، وهي كلّ ظرف لمال وغيره؛ ولذلك سمّي قِشر الكُفُرَّي (٣) الذي ينشق عن الثمرة كُمَّة (٤).
قال ابن عباس: يعني الكفري قبل أن ينشق، فإذا انشقت فليست بأكمام (٥).
﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ يقول: إليه يردّ علم السّاعة كما يردُّ إليه علم الثمار والنتاج (٦).
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ يعني: ينادي الله المشركين (٧) ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ الذين كنتم تزعمون في الدّنيا أنّها آلهة (٨) ﴿قَالُوا﴾ يعني:
стр. 12470
المشركين (١)، وقيل: الأصنام (٢)، يحتمل أن يكون القول راجعًا إلى العابدين وإلى المعبودين أيضًا (٣) ﴿آذَنَّاكَ﴾ أعلمناك (٤) وقيل: أسمعناك (٥) ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ شاهد أنّ لك شريكا، لما عاينوا القيامة تبرؤوا من الأصنام وتبرأت الأصنام منهم (٦).
٤٨ - ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ﴾ يعبدون
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في الدنيا (٧) ﴿وَظَنُّوا﴾ وأيقنوا (٨).
﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ مهرب (٩)، ومي ﴿مَا﴾ هاهنا حرف، وليس باسم،
стр. 12471
فلذلك لم يعمل فيه الظنّ، وجعل الفعل مُلغى (١).
٤٩ - ﴿لَا يَسْأَمُ﴾ لا يَمَلُّ (٢) ﴿الْإِنْسَانُ﴾ يعني: الكافر (٣)
﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ أي: من دعائه بالخير ومسألته إياه ربّه، دليل هذا التأويل، قراءة عبد الله (٤): (لا يسأم الإنسان من دعاءٍ بالخير) (٥)، أي: بالصحّة والمال (٦) ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ﴾ من روح الله ﴿قَنُوطٌ﴾ من رحمته (٧).
٥٠ - ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً﴾ عافية ونعمة (٨)
стр. 12472
﴿مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ﴾ شدة وبلاء ﴿مَسَّتْهُ﴾ أصابته (١) ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ أي: بعملي، وأنا محقوق بهذا (٢) ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾.
[٢٥٩٣] أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه (٣)، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان (٤)، حدثنا عبيد الله (٥) بن ثابت (٦)، حدثنا أبو سعيد الكندي (٧)، حدثنا أحمد بن بشير (٨)، عن أبي شبرمة (٩)، عن الحسن ابن محمد بن علي بن أبي طالب (١٠)، قال: الكافر في أمنيتين، أما في الدّنيا، فيقول: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾، وأما في الآخرة، فيقول: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ (١١)
стр. 12473
﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ شديد (١).
٥١ - ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾
كثير، والعرب تستعمل الطول والعرض كليهما في الكثرة، يقال: أطال فلان الكلام والدعاء، وأعرض، إذا أكثر (٢).
٥٢ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ﴾ القرآن (٣)
﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾
٥٣ - ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾
قال ابن عباس: يعني: منازل الأمم الخالية.
стр. 12474
﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بالبلايا والأمراض (١).
وقال المنهال، والسدي: في الآفاق، يعني: ما يفتح لمحمد ﷺ من الآفاق، وفي أنفسهم: مكّة (٢). وقال قتادة: في الآفاق، يعني: وقائع الله في الأمم، وفي أنفسهم، يوم بدر (٣).
وقال عطاء، وابن زيد: في الآفاق يعني: أقطار الأرض والسّماء من الشمس والقمر والنجوم والنبات والأشجار والجبال والأنهار والبحار والأمطار، وفي أنفسهم من لطيف الصنعة وبديع الحكمة. وسبيل الغائط والبول، حتّى إنّ الرجل ليأكل ويشرب من مكان واحد، ويخرج ما يأكل ويشرب من مكانين (٤).
стр. 12475
﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ يعني: أن ما يريهم ويفعل (١) من ذلك هو الحقّ، وقيل: ﴿أَنَّهُ﴾ يعني الإسلام، وقيل: محمد ﷺ ، وقيل: القرآن (٢).
٥٤ - ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
стр. 12476
٤٢ - سُورَة الشُّورَى
стр. 12477
стр. 12478
стр. 12479
قوله تعالى:
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
١ - ﴿حم (١) عسق (٢)﴾
[٢٥٩٥] سمعت أبا عثمان بن أبي بكر الزعفراني المقري (١)، يقول: سمعت شيخي يقول: سمعت أبا بكر عبد المؤمن (٢) يقول: سألت الحسين بن الفضل (٣) لِمَ قطّع ﴿حم (١) عسق﴾ ولم تقطّع ﴿كهيعص﴾ و ﴿المر﴾ و ﴿المص﴾؟ قال: لكونها بين سور أوائلها ﴿حم﴾، فجرت مجرى نظائرها، قبلها وبعدها، فكان ﴿حم﴾ مبتدأ، ﴿عسق﴾ خبره، ولأنّهما عدا آيتين، وعدت أخواتها التي كتبت موصولة آية واحدة. (٤)
стр. 12480
وقيل: لأنّ أهل التأويل لم يختلفوا في ﴿كهيعص﴾ وأخواتها، أنّها حروف التهجي لا غير، واختلفوا في ﴿حم﴾، فأخرجها بعضهم من حيز حروف التهجي، وجعلوها فعلًا، وقالوا: معنى (١) ﴿حم﴾، أي: قضي ما هو كائن إلى يوم القيامة (٢).
فأمّا تفسيرها:
[٢٥٩٦] فأخبرني عقيل بن محمد بن أحمد الفقيه (٣)، أنّ أبا الفرج القاضي المعافى بن زكريا (٤)، أخبره عن محمد بن جرير الطبري (٥)، حدثني أحمد (٦)، حدثني عبد الوهاب بن نجدة يعني: الحوطي (٧)، حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج (٨)، عن أرطاة بن
стр. 12481
المنذر (١)، قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال له وعنده حذيفة بن اليمان: أخبرني عن تفسير قول الله تعالى: ﴿حم (١) عسق﴾ قال: فأطرق ثمّ أعرض عنه، ثمّ كرّر مقالته فأعرض، فلم يجبه بشيء، وكره مقالته، ثمّ ذكرها الثالثة، فلم يجبه شيئًا، فقال له حذيفة: أنا أنبئك بها، قد عرفت لِمَ كرهها، نزلت في رجل من أهل بيته، يقال له: عبد الإله أو عبد الله، ينزل على نهر من أنهار المشرق، يبنى عليه مدينتان يشق النهر بينهما شقا، فإذا أذن الله تعالى في زوال ملكهم وانقطاع دولتهم ومدّتهم بعث الله تعالى على إحداهما نارًا ليلًا، فتصبح سوداء مظلمة قد احترقت كلّها حتى كأنها لم تكن مكانها، فتصبح صاحبتها متعجبة كيف أُقلِبت (٢)، فما هو إلاّ بياض يومها ذلك حتّى يجمع فيها كلّ جبّار عنيد منهم، ثمّ يخسف الله تعالى بها وبهم جميعًا، فذلك قوله تعالى: ﴿حم (١) عسق﴾. يعني عزيمة من الله، وفتنة وقضاء ﴿حم (١) عسق﴾ (ع) يعني عدلًا منه، (سين) يعني: ستكون فتنة (٣)، (قاف) يعني: واقع بهاتين المدينتين (٤).
стр. 12482
стр. 12483
عاصم الأحول (١)، عن أبي عثمان النهدي (٢) عن جرير بن عبد الله (٣)، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تبنى مدينة بين دجلة (٤) ودجيل (٥) وقُطرَبُّل (٦) والصّراة (٧) يجتمع فيها جبابرة أهل الأرض، تجبى إليها الخزائن، يخسف بها -وقال مرة: "يخسف بأهلها"- فلهي أسرع ذهابًا في الأرض من الوتد الحديد في الأرض الرخوة" (٨).
стр. 12484
وذكر عن ابن عباس أنّه كان يقرأ (حم سق) بغير عين، ويقول: إنّ السين فيها كلّ فرقة كائنة، وإنّ القاف كلّ جماعة كائنة.
ويقول: إنّ عليًّا إنّما كان يعلم الفتن بهما.
стр. 12485
وكذلك هو في مصحف عبد الله (حم سق) (١).
وقال عكرمة: سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن قوله: ﴿حم (١) عسق﴾، فقال: (ح) حلمه، (م) مجده، (عين) علمه، (سين) سناؤه، (ق) قدرته، أقسم الله تعالى بها. (٢)
وفي رواية أبي الجوزاء أنّ ابن عباس قال لنافع: (ع) فيها عذاب، (سين) فيها مسخ، (قاف) فيها قذف.
يدلّ عليه ما روي في حديث مرفوع أنّ النبي ﷺ لما نزلت هذِه الآية عرفت الكآبة في وجهه، فقيل له: ما هذِه الكآبة يا رسول الله؟ قال: "أخبرت ببلاء ينزل، من خسف ومسخ وقذف، ونار تحشرهم وريح تقذفهم في اليم، آيات متتابعات متصلة بنزول عيسى، وخروج الدجال".
وقال شهر بن حوشب وعطاء بن أبي رباح: (حا) حرب يعز فيها الذليل ويذل فيها العزيز في قريش، ثمّ تُفضى إلى العرب، ثمّ تُفضى إلى العجم، ثمّ تمتد إلى خروج الدجال.
وقال بعضهم: (ح) حرب في أهل مكّة تجحف بهم حتّى يأكلوا الجيف وعظام الموتى، (ميم) ملك يتحول من قوم إلى قوم، (عين) عدو لقريش يقصدهم، (سين) سيئ يكون فيهم، (قاف) قدرة الله النافذة في خلقه.
стр. 12486
وقال بكر بن عبد الله المزني: (ح) حرب تكون بين قريش والموالي، فتكون الغلبة لقريش على الموالي، (م) ملك بني أُمية، (ع) علو ولد العبّاس، (سين) سناء المهدي (ق) قوة عيسى بن مريم حين ينزل، فيقتل النصارى ويخرب البيع.
وقال محمد بن كعب: أقسم الله بحلمه ومجده وعلوه وسمائه وقدرته أن لا يعذب من عاد إليه بلا إله إلاّ الله مخلصًا له من قلبه. وقال جعفر بن محمد وسعيد بن جبير: (حا) من رحمن، (ميم) من مجيد، (عين) من عالم، (سين) من قدوس، (قاف) من قاهر.
السدي: هو من الهجاء المقطع، (حا) من الحكيم، (ميم) من المجيد، (عين) من العزيز، (سين) من السلام، (ق) من القادر.
وقيل: هذا في شأن محمد ﷺ ، (فالحاء) حوضه المورود، و (الميم) ملكه الممدود، و (العين) عزه الموجود، و (السين) سناؤه المشهود، و (القاف) قيامه في المقام المحمود، وقربه في الكرامة إلى المعبود.
وقال ابن عباس: ليس من نبيّ صاحب كتاب إلاّ وقد أوحيت إليه ﴿حم (١) عسق (٢)﴾، فلذلك، قال:
٣ - ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾
قرأ ابن كثير بفتح الحاء، ومثله روى عباس (١)، عن أبي عمرو
стр. 12487
ورفع (١) الاسم بالبيان، كأنّه لما قال: يوحِي إليك، قيل: من الذي يوحِي (٢)؟ قال: اللهُ، وهو كقراءة من قرأ ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ (٣) بفتح الباء (٤) (٥) ، الباقون: ﴿يُوحِى﴾ بكسره (٦).
﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وقال مقاتل: نزل حكمها على الأنبياء.
٤ - قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ (٧)
أي: من عظمة الله وجلاله فوقهنّ.
قال ابن عباس: تكاد السّماوات كلّ واحدة منها تنفطر فوق التي
стр. 12488
تليها من قول المشركين: اتخذ الله ولدا. نظيرها قوله : ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ (١).
﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ من المؤمنين، بيانها ويستغفرون للَّذين آمنوا.
﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ قال الحكماء: هيَّب وعظّم في الابتداء، ثمّ بشّر ولطف في الانتهاء.
٦ - ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ يحفظ أعمالهم ويحصي عليهم أفعالهم ليجازيهم بها ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ إن عليك إلاّ البلاغ.
٧ - ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ مكّة،
﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ يعني: أهلها ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ أي: بيوم الجمع ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ﴾ أي: منهم فريق ﴿فِي الْجَنَّةِ﴾ فضلًا، وهم المؤمنون. ﴿وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ عدلًا، وهم الكافرون.
[٢٥٩٨] حدثنا الإمام أبو منصور الحمشاذي ﵀ (٢)، حدثنا أبو العباس الأصم (٣)، حدثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان بن حبيب
стр. 12489
التنوخي (١)، حدّثنا بشر بن بكر (٢)، حدّثنا سعيد بن عثمان (٣)، عن أبي الزاهرية حدير بن كريب (٤)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص (٥) وكان النبيّ ﷺ يفضّل عبد الله على أبيه.
[٢٥٩٩] وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري (٦)، حدّثنا أبو بكر بن مالك القطيعي (٧)، حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل (٨)، حدثني أبي (٩)، حدّثنا هاشم بن القاسم (١٠)، حدّثنا ليث (١١)، حدثني أبو قبيل المعافري (١٢) عن شفي الأصبحي (١٣) عن عبد الله
стр. 12490
بن عمرو، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم، قابضًا على كفَّيه ومعه كتابان، فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان؟ "، قلنا: لا يا رسول الله. فقال للّذي في يده اليمنى: "هذا كتاب من ربّ العالمين بأسماء أهل الجنّة وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفًا في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفًا في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون، فليس بزايد فيهم، ولا ناقص منهم إجمال من الله تعالى عليهم إلى يوم القيامة"، ثمّ قال للّذي في يساره: "وهذا كتاب من ربّ العالمين، بأسماء أهل النَّار وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم، قبل أن يستقروا نطفًا في الأصلاب وقبل أن يستقروا نطفًا في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون، فليس بزايد فيهم ولا ناقص منهم، إجمال من الله تعالى عليهم إلى يوم القيامة". فقال عبد الله بن عمرو: ففيم العمل إذا؟ قال: "اعملوا وسددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنّة يختم له بعمل أهل الجنّة وإن عَمِلَ أي عَمَل، وإنّ صاحب النّار يختم له بعمل أهل النّار وإن عَمِلَ، أي عَمَل".
ثمّ قال: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ عدل من الله تعالى" (١).
٨ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على ملّة واحدة.
﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ﴾ الكافرون ﴿مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا
стр. 12491
نَصِيرٍ﴾.
٩ - ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ لا سواه ﴿وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ مجازه: لأنَّه يحيي الموتى. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
١٠ - ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ في الدين
﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
١١ - ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ حلائل
وإنَّما قال: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ لأنَّه خلق حواء من ضلع آدم ﵇ ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ﴾ يخلقكم ويعيشكم ﴿فِيهِ﴾ أي: في الرحم، وقيل: في البطن، وقيل: في الروح، وقيل: في هذا الوجه من الخليقة.
قال مجاهد: نسلًا بعد نسل، من النَّاس والأنعام، وقيل: (في) بمعنى الباء؛ أي: يذرؤكم به، قال ابن كيسان: يكثركم.
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ المثل صلة مجازه: ليس كهو شيء، فأدخل المثل توكيدًا للأمر كقوله: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ (١) وفي حرف ابن مسعود: (فإن آمنوا بما أمنتم به) قال أوس بن حجر:
وقتلى كمثل جذوع النخيل ... يغشاهم سيل منهمر
أي: كجذوع، وقال آخر:
стр. 12492
سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهم ... ما إن كمثلهم في النّاس من أحد
وقال آخر:
ليس كمثل الفتى زهير ... خلق يوازيه في الفضائل
وقيل: (الكاف) صلة مجازه: ليس مثله شيء، يقول الراجز:
وصاليات ككما يُؤتَفَيْن
فأدخل على الكاف كافًا تأكيدًا للتشبيه، وقال آخر:
يقي العباديق عن الطَّريق
فلص عن كبيضة في نيق
فأدخل الكاف مع عن.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
١٢ - ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾
стр. 12493
١٣ - ﴿شَرَعَ﴾ بين، وسن ﴿لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾
وهو أول أنبياء الشريعة.
﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ واختلفوا في وجه الآية، فقال قتادة: تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقال الحكم: تحريم الأمهات والأخوات والبنات.
وقال مجاهد: لم يبعث الله نبيًّا إلّا وصاه بإقام الصَّلاة، وإيتاء الزكاة والإقرار لله بالطاعة. فذلك دينه الذي شرع لهم، وهي رواية الوالبي عن ابن عباس، وقيل: الدين التوحيد، وقيل: هي قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ بعث الأنبياء كلّهم بإقامة الدّين والأُلفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ﴾ من التوحيد ورفض الأوثان. ثمّ قال ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾: فيستخلصه لنفسه.
١٤ - ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا﴾ يعني: أهل الأوثان المختلفة،
قال ابن عباس: يعني أهل الكتاب. دليله ونظيره في سورة المُنفكّين ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (١) ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ قيل: من نعت محمَّد ﷺ وصفته ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ في تأخير العذاب ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو يوم القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بالعذاب.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ﴾ أوتوا الكتاب ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعد
стр. 12494
الأمم الخالية، وقال مجاهد: معناه من قبلهم؛ أي: من قبل مشركي مكّة وهم اليهود والنصارى ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾
١٥ - ﴿فَلِذَلِكَ﴾ أي: فإلى ذلك الذين أوتوا الكتاب.
﴿فَادْعُ﴾ كقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ (١) أي: إليها ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ اثبت على الذي أمرت به ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أي: أن أعدل أو كي أعدل، كقوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).
قال ابن عباس وأبو العالية: لأسوي بينكم في الدّين، فأؤمن بكلّ كتاب وكلّ رسول، وقال غيرهما: لأعدل بينكم في جميع الأحوال والأشياء. قال قتادة: أُمر نبي الله ﷺ أن يعدل، فعدل حتّى مات، والعدل ميزان الله تعالى في الأرض، وذكر لنا أنّ داود ﵇، قال: ثلاث من كنّ فيه فهو الفائز: القصد في الغني والفقر، والعدل في الرضا والغضب، والخشية في السرّ والعلانية، وثلاث من كنّ فيه أهلكته: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، وأربع من أعطهنّ، فقد أعطي خير الدّنيا والآخرة: لسان ذاكر، وقلب شاكر، وبدن صابر، وزوجة مؤمنة.
﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ﴾ لا خصومة.
﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ نسختها آية القتال ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ في المعاد لفصل القضاء. (وإليه المصير).
стр. 12495
١٦ - ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ﴾ يخاصمون.
﴿فِي اللَّهِ﴾ في دين الله نبيه ﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أي: استجاب له النّاس، وأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته، وقيام حجته. ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾ باطلة زائلة ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ وقال مجاهد: نزلت في اليهود والنصارى. قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم وأولى بالحقّ.
١٧ - ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾
أي: العدل عن ابن عباس وأكثر النَّاس.
مجاهد: هو الذي يوزن به، ومعنى إنزال الميزان: إلهامه الخلق والعمل به، وأمره بالعدل والإنصاف، كقوله: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ (١).
وقال عكرمة: الميزان محمد ﷺ يقضي بينهم بالكتاب.
﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ولم يقل؛ قريبة لأنَّ تأنيثها غير حقيقي، ومجازها الوقت، وقال الكسائي: إتيانها قريب.
١٨ - ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ ظنًّا منهم أنها غير جائية.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ﴾ خائفون ﴿مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ﴾ يخاصمون ﴿فِي السَّاعَةِ﴾ في قيام الساعة ﴿لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾.
١٩ - ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾
قال ابن عباس: حفي بهم. عكرمة: بارّ بهم. السدي: رفيق بهم.
стр. 12496
مقاتل: لطيف بالبر والفاجر منهم، حيث لم يقتلهم جوعًا لمعاصيهم.
القرظي: لطيف بهم في العرض والمحاسبة.
قال الخوافي: غدًا عند مولى الخلق، للخلق موقف يسائلهم فيه الجليل، فيلطف. وقال الصادق: يلطف بهم في الرزق من وجهين: أحدهما: أَنَّه جعل رزقك من الطيبات، والثاني: أنَّه لم يدفعه إليك بمرة واحدة، وقيل: الرضا في التضعيف. وقال الحسين بن الفضل: في القرآن وتيسيره.
[٢٦٠٠] سمعت أبا القاسم بن حبيب (١) يقول: سمعت أبا عبد الله محمَّد بن عاد البغدادي (٢) يقول: سُئل جنيد (٣) عن اللطيف، فقال: هو الذي لطف بأوليائه حتّى عرفوه، فعبدوه، ولو لطف بأعدائه لما جحدوه (٤).
وقال محمَّد بن علي الكتاني: اللطيف بمن لجأ إليه من عباده إذا أيس من الخلق، توكل عليه ورجع إليه فحينئذ يقبله ويقبل عليه، وفي هذا المعنى:
стр. 12497
[٢٦٠١] أنشدني أبو القاسم الحبيبي (١)، أنشدني أبي (٢)، قال: أنشدنا أبو علي محمَّد بن عبد الوهّاب الثَّقفيُّ (٣):
أمر بأفناء القبور كأنّني ... أخو بطنةٍ والثوب فيه نحيف
ومن شق فاه الله قدّر رزقه ... وربّي بمن يلجأ إليه لطيف (٤)
وقيل: اللطيف الذي ينشر من عباده المناقب، ويستر عليهم المثالب. وقيل: هو الذي يقبل القليل، ويبذل الجزيل. وقيل: هو الذي يجبر الكسير، وييسر العسير، وقيل: هو الذي لا ييأس أحد في الدُّنيا من رزقه، ولا ييأس في العقبى مؤمن من رحمته.
وقيل: هو الذي لا يخاف إلّا عدله، ولا يرجى إلّا فضله. وقيل:
стр. 12498
هو الذي يبذل لعبده النعمة، فوق الهمّة ويكلفه الطاعة دون الطاقة، وقيل: هو الذي لا يعاجل من عصاه ولا يخيب من رجاه. وقيل: هو الذي لا يرد سائله ولا يؤيّس آمله. وقيل: هو الذي يعفو عمن يهفو. وقيل: هو الذي يرحم من لا يرحم نفسه، وقيل: هو الذي يعين على الخدمة، ثم يكثر المدحة. وقيل: هو الذي أوقد في أسرار عارفيه من المشاهدة سراجًا، وجعل الصراط المستقيم لها منهاجًا، وأنزل عليهم من سحائب بره ماءً ثجاجًا.
﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ كما يشاء من شاء موسعًا، ومن شاء مقترًا، ومن شاء قليلاً ومن شاء كثيرًا، ومن شاء حلالاً، ومن شاء حراماً، ومن شاء في خفض ودعة، ومن شاء في كد وعناء، ومن شاء في بلده ومن شاء في غربة، ومن شاء بحساب ومن شاء بغير حساب. ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾.
٢٠ - قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ يعني: يريد بعمله الآخرة.
﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ بالتضعيف بالواحد عشرة إلى ما شاء الله من الزيادة ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا﴾ بعمله الدّنيا ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾.
قال قتادة: يقول: من عمل لآخرته نزد له في حرثه، ومن آثر دنياه على آخرته، لم يجعل الله له نصيبًا في الآخرة إلّا النّار، ولم يصب من الدّنيا شيئاً إلّا رزقاً قد فرغ منه وقسم له.
стр. 12499
[٢٦٠٢] أنبأني عبد الله بن حامد (١)، أخبرنا أحمد بن محمَّد بن إبراهيم (٢)، حدّثنا الحسين بن إدريس (٣)، حدّثنا سويد بن نصر (٤)، حدّثنا عبد الله بن المبارك (٥)، عن ابن (٦) سنان الشيباني (٧)، أنّ عمر بن الخطاب ﵁، قال: العمال على أربعة وجوه: عامل صالح في سبيل هدى يريد به دنيا، فليس له في الآخرة شيء، ذلك بأنّ الله، قال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ (٨) الآية، وعامل الرياء ليس له ثواب في الدّنيا ولا في الآخرة إلّا الويل، وعامل صالح في سبيل هدى يبتغي به وجه الله والدار الآخرة، فله الجنّة في الآخرة، مع ما يعان به في الدّنيا، وعامل خطأ وذنوب ثوابه عقوبة الله، إلّا أن يعفو الله فإنَّه أهل التقوى
стр. 12500
وأهل المغفرة (١).
٢١ - قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾
يوم القيامة، حيث قال: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ (٢) ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ﴾ المشركين يوم القيامة ﴿مُشْفِقِينَ﴾ وجلين ﴿مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ أي: نازل بهم لا محالة ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ﴾ من نعيم الجنَّة ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
٢٣ - ﴿ذَلِكَ الَّذِي﴾ ذكرت من نعيم الجنّات.
﴿يُبَشِّرُ﴾ قرأ نافع وعاصم وابن عامر بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين مشددة (٣)، الباقون: ﴿يبشر﴾ مخففة (٤) به ﴿اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا