← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 12496–12535 · переход к 12501.

стр. 12496

مقاتل: لطيف بالبر والفاجر منهم، حيث لم يقتلهم جوعًا لمعاصيهم. القرظي: لطيف بهم في العرض والمحاسبة. قال الخوافي: غدًا عند مولى الخلق، للخلق موقف يسائلهم فيه الجليل، فيلطف. وقال الصادق: يلطف بهم في الرزق من وجهين: أحدهما: أَنَّه جعل رزقك من الطيبات، والثاني: أنَّه لم يدفعه إليك بمرة واحدة، وقيل: الرضا في التضعيف. وقال الحسين بن الفضل: في القرآن وتيسيره. [٢٦٠٠] سمعت أبا القاسم بن حبيب (١) يقول: سمعت أبا عبد الله محمَّد بن عاد البغدادي (٢) يقول: سُئل جنيد (٣) عن اللطيف، فقال: هو الذي لطف بأوليائه حتّى عرفوه، فعبدوه، ولو لطف بأعدائه لما جحدوه (٤). وقال محمَّد بن علي الكتاني: اللطيف بمن لجأ إليه من عباده إذا أيس من الخلق، توكل عليه ورجع إليه فحينئذ يقبله ويقبل عليه، وفي هذا المعنى:

стр. 12497

[٢٦٠١] أنشدني أبو القاسم الحبيبي (١)، أنشدني أبي (٢)، قال: أنشدنا أبو علي محمَّد بن عبد الوهّاب الثَّقفيُّ (٣): أمر بأفناء القبور كأنّني ... أخو بطنةٍ والثوب فيه نحيف ومن شق فاه الله قدّر رزقه ... وربّي بمن يلجأ إليه لطيف (٤) وقيل: اللطيف الذي ينشر من عباده المناقب، ويستر عليهم المثالب. وقيل: هو الذي يقبل القليل، ويبذل الجزيل. وقيل: هو الذي يجبر الكسير، وييسر العسير، وقيل: هو الذي لا ييأس أحد في الدُّنيا من رزقه، ولا ييأس في العقبى مؤمن من رحمته. وقيل: هو الذي لا يخاف إلّا عدله، ولا يرجى إلّا فضله. وقيل:

стр. 12498

هو الذي يبذل لعبده النعمة، فوق الهمّة ويكلفه الطاعة دون الطاقة، وقيل: هو الذي لا يعاجل من عصاه ولا يخيب من رجاه. وقيل: هو الذي لا يرد سائله ولا يؤيّس آمله. وقيل: هو الذي يعفو عمن يهفو. وقيل: هو الذي يرحم من لا يرحم نفسه، وقيل: هو الذي يعين على الخدمة، ثم يكثر المدحة. وقيل: هو الذي أوقد في أسرار عارفيه من المشاهدة سراجًا، وجعل الصراط المستقيم لها منهاجًا، وأنزل عليهم من سحائب بره ماءً ثجاجًا. ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ كما يشاء من شاء موسعًا، ومن شاء مقترًا، ومن شاء قليلاً ومن شاء كثيرًا، ومن شاء حلالاً، ومن شاء حراماً، ومن شاء في خفض ودعة، ومن شاء في كد وعناء، ومن شاء في بلده ومن شاء في غربة، ومن شاء بحساب ومن شاء بغير حساب. ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾. ٢٠ - قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ يعني: يريد بعمله الآخرة. ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ بالتضعيف بالواحد عشرة إلى ما شاء الله من الزيادة ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا﴾ بعمله الدّنيا ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾. قال قتادة: يقول: من عمل لآخرته نزد له في حرثه، ومن آثر دنياه على آخرته، لم يجعل الله له نصيبًا في الآخرة إلّا النّار، ولم يصب من الدّنيا شيئاً إلّا رزقاً قد فرغ منه وقسم له.

стр. 12499

[٢٦٠٢] أنبأني عبد الله بن حامد (١)، أخبرنا أحمد بن محمَّد بن إبراهيم (٢)، حدّثنا الحسين بن إدريس (٣)، حدّثنا سويد بن نصر (٤)، حدّثنا عبد الله بن المبارك (٥)، عن ابن (٦) سنان الشيباني (٧)، أنّ عمر بن الخطاب ﵁، قال: العمال على أربعة وجوه: عامل صالح في سبيل هدى يريد به دنيا، فليس له في الآخرة شيء، ذلك بأنّ الله، قال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ (٨) الآية، وعامل الرياء ليس له ثواب في الدّنيا ولا في الآخرة إلّا الويل، وعامل صالح في سبيل هدى يبتغي به وجه الله والدار الآخرة، فله الجنّة في الآخرة، مع ما يعان به في الدّنيا، وعامل خطأ وذنوب ثوابه عقوبة الله، إلّا أن يعفو الله فإنَّه أهل التقوى

стр. 12500

وأهل المغفرة (١). ٢١ - قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ يوم القيامة، حيث قال: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ (٢) ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ﴾ المشركين يوم القيامة ﴿مُشْفِقِينَ﴾ وجلين ﴿مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ أي: نازل بهم لا محالة ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ﴾ من نعيم الجنَّة ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. ٢٣ - ﴿ذَلِكَ الَّذِي﴾ ذكرت من نعيم الجنّات. ﴿يُبَشِّرُ﴾ قرأ نافع وعاصم وابن عامر بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين مشددة (٣)، الباقون: ﴿يبشر﴾ مخففة (٤) به ﴿اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 12501

وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فإنّهم أهله ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ قال ابن عباس: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق، وليس في يده سعة، فقالت الأنصار: إنّ هذا الرجل قد هداكم الله به، وهو ابن أختكم، تنوبه نوائب وحقوق وليس عنده لذلك سعة، اجمعوا من أموالكم ما لا يضركم فتأتونه فيستعين به على ما ينوبه، ففعلوا، ثم أتوه به. فقالوا له: يا رسول الله إنّك ابن أختنا، وقد هدانا الله على يديك، وتنوبك نوائب وحقوق، وليست لك عندها سعة، فرأينا أن نجمع لك من أموالنا، فنأتيك به، فتستعين به على ما ينوبك وها هو ذا، فنزلت هذِه الآية. وقال قتادة: اجتمع المشركون في مجمع لهم، فقال بعضهم لبعض: أترون محمّدًا ﷺ يسأل على ما يتعاطاه أجرًا، فأنزل الله تعالى هذِه الآية، يحثهم على مودته، ومودّة أقربائه، وهذا التأويل أشبه بظاهر الآية؛ وإن هذِه السورة مكّية، واختلف العلماء في معنى الآية. [٢٦٠٣] فأخبرني الحسين بن محمَّد بن فنجويه الدينوري (١) رحمه

стр. 12502

الله بقراءتي عليه، حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي (١)، حدّثنا أبو بكر الأزدي (٢)، حدّثنا عاصم بن علي (٣)، حدّثنا قزعة بن سويد (٤)، عن ابن أبي نجيح (٥)، عن مجاهد (٦)، عن ابن عباس: قل لا أسألكم على ما أتيتكم من البينات والهدى أجرًا إلّا أن تودّوا الله تعالى، وتقرّبوا إليه بطاعته (٧). وإلى هذا ذهب الحسن البصري، فقال: هو القربى إلى الله يقول إلّا التقرب إلى الله تعالى والتودّد إليه بالطاعة والعمل الصالح.

стр. 12503

وروى طاوس، والشعبي، والوالبي، والعوفي عن ابن عباس، قال: لم يكن بطن من بطون قريش إلّا وبينهم وبين رسول الله ﷺ قرابة، فلما كذّبوا وأبوا أن يتابعوه، أنزل الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ يعني: أن تحفظوا قرابتي وتودّوني وتصلوا رحمي، فقال رسول الله ﷺ : "يا قوم إذا أبيتم أن تتابعوني، فاحفظوا قرابتي فيكم ولا تؤذوني، فإنّكم قومي وأحق من أطاعني وأجابني". وإليه ذهب أبو مالك وعكرمة ومجاهد والسدي والضَّحَّاك وابن زيد وقتادة، وقال بعضهم: معناه إلّا أن تودوا قرابتي عترتي وتحفظوني فيهم، وهو قول سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب. ثمّ اختلفوا في قرابة رسول الله ﷺ الذين أمر الله تعالى بمودتهم. [٢٦٠٤] فأخبرني الحسين بن محمَّد الثَّقفيُّ (١) العدل ﵀، حدّثنا برهان بن علي الصُّوفي (٢)، حدّثنا محمّد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي (٣)، حدّثنا حرب بن الحسن الطحان (٤)، حدّثنا

стр. 12504

حسين الأشقر (١)، عن قيس (٢)، عن الأعمش (٣)، عن سعيد بن جبير (٤)، عن ابن عباس، قال: لما نزلت: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: "علي وفاطمة وابناهما" (٥). ودليل هذا التأويل: [٢٦٠٥] ما أخبرنا أبو منصور الحمشاذي (٦)، قال: حدّثنا أبو عبد الله الحافظ (٧)، حدثني أبو بكر بن مالك (٨)، حدّثنا محمَّد ابن يونس (٩)، حدّثنا عبيد الله بن عائشة (١٠)، حدّثنا إسماعيل بن

стр. 12505

عمرو (١)، عن عمر بن موسى (٢)، عن زيد بن علي بن الحسين (٣)، عن أبيه (٤)، عن جده (٥) عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: شكوت إلى رسول الله ﷺ حسد النّاس لي فقال: "أما ترضى أن تكون رابع أربعة، أول من يدخل الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا، وذريتنا خلف أزواجنا وشيعتنا من ورائنا" (٦). [٢٦٠٦] وحدثنا أبو منصور الحمشاذي (٧) ﵀، حدثني أبو نصر أحمد بن الحسين بن أحمد (٨)، حدّثنا أبو العباس محمَّد

стр. 12506

ابن همام (١)، حدّثنا إسحاق بن عبد الله بن محمَّد بن رزين (٢)، حدّثنا حسَّان -يعني: ابن حسَّان- (٣)، حدّثنا حماد بن سلمة ابن أخت حميد الطَّويل (٤)، عن علي بن زيد بن جدعان (٥)، عن شهر بن حوشب (٦)، عن أُمّ سلمة (٧)، عن رسول الله ﷺ أَنَّه قال لفاطمة: "ائتيني بزوجك وابنيك"، فجاءت بهم، فألقى عليهم كساءً، ثمّ رفع يديه عليهم، فقال: "اللَّهم هؤلاء آل محمَّد، فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمَّد، فإنَّك حميد مجيد". قالت: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فاجتذبه وقال: "إنّك على خير" (٨).

стр. 12507

وروى أبو حازم عن أبي هريرة، قال: نظر رسول الله ﷺ إلى علي وفاطمة والحسن والحسين، فقال: "أنا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم" (١). [٢٦٠٧] وأنبأني عقيل بن محمّد (٢)، أخبرنا المعافا بن زكريا بن المبتلى (٣)، حدّثنا محمّد بن جرير (٤)، حدثني محمّد بن عمارة (٥)، حدّثنا إسماعيل بن أبيان (٦)، حدّثنا الصباح بن يَحْيَى المزني (٧)، عن السدي (٨)، عن أبي الديلم (٩)، قال: لما جيء بعلي بن الحسين

стр. 12508

أسيرًا فأقيم على درج دمشق، وقام رجل من أهل الشام، فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرن الفتنة، فقال له علي بن الحسين: أقرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: وما قرأت ال حم؟ قال: نعم، قال: ما قرأت ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾؟ قال: وإنّكم أنتم هم؟ قال: نعم (١). [٢٦٠٨] وأخبرني أبو الحسن العلوي الوصي (٢)، حدّثنا أحمد بن علي بن مهدي (٣)، حدثني أبي (٤)، حدثني علي بن موسى الرّضا (٥)، حدثني أبي، موسى بن جعفر (٦)، حدثني أبي، جعفر بن محمَّد الصادق (٧)، قال: كان نقش خاتم أبي، محمَّد بن علي: ظنّي بالله حسن، وبالنبي المؤتمن، وبالوصي ذي المنن، وبالحسن، والحسين (٨).

стр. 12509

[٢٦٠٩] وأنشدني أبو محمَّد القاسم الماوردي (١)، قال: أنشدني محمَّد بن عبد الرّحمن الزعفراني (٢)، قال: أنشدني أحمد بن إبراهيم الجرجاني (٣)، قال: أنشدني منصور الفقيه المصري (٤) لنفسه: إن كان حبّي خمسة ... زكت بهم فرائضي وبغض من عاداهم ... رفضًا فإنّي رافضي وقيل: هم ولد عبد المطلب. يدلّ عليه: [٢٦١٠] ما أخبرنا أبو العباس سهل بن محمَّد بن سعيد المروزي (٥) ﵀، حدثني جدِّي أبو الحسن المحمودي (٦)، حدّثنا أبو جعفر محمَّد بن عمران الأرسابندي (٧)، حدّثنا هَدية بن

стр. 12510

عبد الوهّاب (١) حدّثنا سعد بن عبد الحميد بن جعفر (٢)، حدّثنا عبد الله بن زياد اليمامي (٣)، حدّثنا عكرمة بن عمار اليمامي (٤) عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة (٥)، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "نحن ولد عبد المطلب سادة أهل الجنّة، أنا وحمزة وجعفر وعلى والحسن والحسين والمهدي" (٦).

стр. 12511

[٢٦١١] وأخبرنا يعقوب بن السري (١)، حدّثنا محمَّد بن عبد الله الحفيد (٢)، حدّثنا عبد الله بن أحمد بن عامر (٣)، أخبرنا أبي (٤)، حدّثنا علي بن موسى الرضا (٥) حدثني أبي، موسى بن جعفر (٦)، أخبرنا أبي، جعفر بن محمَّد (٧)، أخبرني أبي، محمَّد بن علي (٨)، حدثني أبي، على ابن الحسين (٩)، حدثني أي، الحسين بن علي (١٠)، حدثني أي علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حرمت الجنّة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي، ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد

стр. 12512

المطلب ولم يجازه عليها، فأنا أجازيه غدًا إذا لقيني في القيامة" (١). وقيل: هم الذين تحرم عليهم الصدقة ويقسم فيهم الخمس وهم بنو هاشم وبنو المطلب الذين لم يفترقوا في جاهلية ولا إسلام. يدل عليه قوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ (٤). [٢٦١٢] وأخبرني عقيل بن محمّد (٥) إجازة، أخبرنا أبو الفرج البغدادي (٦)، حدّثنا محمّد بن جرير (٧)، حدّثنا أبو كريب (٨)، حدّثنا مالك بن إسماعيل (٩)، حدّثنا عبد السَّلام (١٠)، حدثني يزيد بن أبي زياد (١١)، عن مقسم (١٢)، عن ابن عباس، قال: قالت الأنصار:

стр. 12513

فعلنا وفعلنا. فكأنهم فخروا، فقال ابن عباس أو العباس -شك عبد السَّلام- لنا الفضل عليكم. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأتاهم في مجالسهم. فقال: "يا معشر الأنصار ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "ألم تكونوا ضلالًا فهداكم الله بي؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "أفلا تجيبوني؟ ". قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ فقال: "ألا تقولون، ألم يخرجك قومك فآويناك، ألم يكذّبوك فصدقناك، أو لم يخذلوك فنصرناك؟ ". قال: فما زال يقول حتّى جثوا على الركب، وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله. قال: فنزلت ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (١). [٢٦١٣] وأخبرني الحسين بن محمّد بن فنجويه (٢)، حدّثنا محمَّد بن عبد الله بن برزة (٣)، حدّثنا عبيد بن شريك البزار (٤)، حدّثنا سليمان بن عبد الرّحمن ابن بنت شرحبيل (٥)،

стр. 12514

حدّثنا مروان بن معاوية (١)، حدّثنا يَحْيَى بن كثير الأسدي (٢)، عن صالح بن خباب (٣) الفَزَاريُّ (٤)، عن عبد الله بن شداد بن الهاد (٥)، عن العباس بن عبد المطلب (٦) أَنَّه قال: يا رسول الله ما بال قريش يلقى بعضهم بعضاً بوجوه تكاد أن تسايل من الود، ويلقوننا بوجوه قاطبة؟ فقال رسول الله ﷺ : "أَوَ يفعلون ذلك؟ ". قالوا: نعم، والّذي بعثك بالحقّ. فقال: "أمّا والّذي بعثني بالحقّ، لا يؤمنون حتّى يحبّوكم لي" (٧). وقال قوم: هذِه الآية منسوخة، وإنَّما نزلت بمكّة وكان المشركون يؤدّون رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى هذِه الآية وأمرهم فيها بمودة

стр. 12515

رسول الله ﷺ وصلة رحمه. فلما هاجر إلى المدينة وآواه الأنصار ونصروه وعزروه أحبّ الله أن يلحقه بإخوانه من الأنبياء ﵈ حيث قالوا: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩)﴾ (١)، فأنزل الله: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ (٢)، فهي منسوخة بهذِه الآية وبقوله: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾ (٤)، وقوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ (٥)، وقوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠)﴾ (٦) وإلى هذا القول ذهب الضَّحَّاك بن مزاحم والحسن بن الفضل. وهذا قولٌ غير مرضي ولا قوي، وإن ما حكيناه من أقاويل أهل التأويل في هذِه الآية لا يجوز أن يكون واحد منها منسوخًا، وكفى قبحًا بقول من زعم أنّ التقريب إلى الله تعالى بطاعته ومودة نبيه وأهل بيته منسوخ، والدليل على صحة ما ذهبنا فيه. [٢٦١٤] ما أخبرنا أبو محمَّد عبد الله بن حامد الأصبهاني (٧) قال:

стр. 12516

أخبرنا أبو محمَّد عبد الله بن أبي عبد الله محمّد بن علي بن الحسن (١) البلخي (٢)، حدّثنا يعقوب بن يوسف بن إسحاق (٣)، حدّثنا محمَّد بن أسلم الطُّوسي (٤)، حدّثنا يعلي بن عبيد (٥)، عن إسماعيل بن أبي خالد (٦)، عن قيس بن أبي حازم (٧)، عن جرير بن عبد الله البجلي (٨)، قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات على حبّ آلِ محمّد مات شهيدًا، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات تائبًا، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمنًا مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد يبشره ملك الموت بالجنّة ثم منكراً ونكيرًا، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد يزف إلى الجنَّة كما تزف العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد فتح له في قبره بابان من الجنّة، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله تعالى

стр. 12517

زوار قبره ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات على السنة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمّد مات كافراً، ألا ومن مات على بغض آل محمّد لم يشم رائحة الجنّة" (١). ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ يكسب طاعة ﴿نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ بالتضيعف. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾. [٢٦١٥] أخبرني ابن فنجويه (٢)، حدّثنا ابن حبش (٣)، حدّثنا أبو القاسم بن الفضل (٤)، حدّثنا علي بن الحسين (٥)، حدّثنا إسماعيل بن موسى (٦)، حدّثنا الحكم بن ظهير (٧)،

стр. 12518

عن السدّي (١)، عن أبي مالك (٢)، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾، قال: المودة لآل محمّد ﷺ (٣). ٢٤ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ يعني كفّار مكّة ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ قال مجاهد: يربط عليه بالصبر حتّى لا يشق عليك أذاهم، وقال قتادة: يعني يطبع على قلبك فينسيك القرآن، فأخبرهم أنّهُ لو افترى على الله لفعل به ما أخبر في هذِه الآية. ثمّ ابتدأ، فقال عزّ من قائل: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾. قال السدي: فيه تقديم وتأخير، مجازه: والله يمحو الباطل. فحذفت منه الواو في المصحف، وهو في موضع رفع كما حذفت من قولهم: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ (٤) و ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ (٥) على اللفظ. ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ فيثبته ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ قال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ الآية وقع في قلوب قوم منها شيء، فقالوا: ما يريد إلّا أن يحثنا على أقاربه من بعده. ثمّ خرجوا، فنزل جبريل فأخبره أنّهم قد اتهموه

стр. 12519

وأنزل هذِه الآية، فقال القوم: يا رسول الله، فإنّا نشهد أنّك صادق فنزل قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾. ٢٥ - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ واختلفت عبارات العلماء في حقيقة التوبة وشرائطها. [٢٦١٦] فأخبرنا الإمام أبو القاسم الحسن بن محمّد بن حبيب (١) ﵀ بقراءته عليّ في شهور سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، أخبرنا محمّد بن سليمان بن منصور (٢)، حدّثنا علي بن مشكان بن جبلة (٣) بساوه (٤)، أخبرنا عبد الله بن عبد العزيز بن أبي روّاد (٥)، عن إبراهيم بن طهمان (٦)،

стр. 12520

عن أبي الزُّبير (١) عن جابر بن عبد الله (٢)، قال: دخل أعرابي مسجد رسول الله ﷺ وقال: اللَّهمّ إنّي أستغفرك وأتوب إليك، سريعًا وكبّر، فلما فرغ من صلاته قال له على: يا هذا إنّ سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذّابين، وتوبتك تحتاج إلى توبة، قال: يا أمير المؤمنين وما التوبة؟ قال: اسم يقع على ستة معانٍ: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة، وردّ المظالم، وإذابة النَّفس في الطاعة كما أذابها في المعصية، وإذاقة النَّفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كُلّ ضحك ضحكته (٣). [٢٦١٧] وسمعت الحسن بن محمّد (٤)، يقول: سمعت إبراهيم بن محمَّد بن يزيد (٥)، يقول: سمعت خَتَنَ محمّد بن علي التِّرمذيُّ (٦)

стр. 12521

يقول: قيل لأبي بكر محمّد بن عمر الورَّاق (١): متى يكون الرجل تائبًا؟ فقال: إذا رجع إلى الله فراقبه واستحياه وخاف نقمته فيما عصاه، والتجأ إلى رحمته فرجاه، وذكر حلمه في ستره فأبكاه، وندم على مكروه أتاه، وشكر ربّه على ما هداه، وفهم عن الله تعالى وعظه فوعاه، وحفظ عهده فيما أوصاه (٢). [٢٦١٨] وسمعت الحسن بن محمّد (٣)، يقول: سمعت أبا منصور محمّد بن محمّد بن سمعان المذكر (٤)، يقول: سمعت أبا بكر بن الشاه الصُّوفي الفارسي (٥)، يقول: سئل الحارث بن أسد المحاسبي (٦): من التائب؟ فقال: من رأي نفسه من الذنوب معصومًا، وللخيرات موفقًا، ورأى الفرح من قلبه غائبًا والحزن فيه ثابتًا، وأحبّه أهل الخير، وهابه أهل الشّر، ورأى القليل من الدّنيا كثيرًا، والكثير من عمل الآخرة

стр. 12522

قليلًا، ورأى قلبه فارغًا من كلّ ما ضمن له، مشتغلا بكلّ ما أمر به (١). وقال السري بن مغلس السقطي: التوبة صدق العزيمة على ترك الذنوب، والإنابة بالقلب إلى علام الغيوب، والندامة على ما فرط من العيوب، والاستقصاء في المحاسبة مع النَّفس بالاستكانة والخضوع. وقال عمرو بن عثمان (٢): ملاك التوبة إصلاح القوت. [٢٦١٩] وسمعت أبا القاسم بن أبي بكر البابي (٣)، يقول: سمعت أبا يعلى حمزة بن وهب الطبري (٤)، يقول: سمعت الحسن بن علوية الدامغاني (٥)، يقول: سمعت يَحْيَى بن معاذ (٦)، وسئل: عن التائب؟ فقال: من كسر شبابه على رأسه وكسر الدّنيا على رأس الشَّيطان، ولزم الفطام حتّى أتاه الحمام (٧). وقال سهل بن عبد الله: التوبة، الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة.

стр. 12523

وسئل أبو الحسن البوشنجي: عن التوبة؟ فقال: إذا ذكرت الذنب فلا تجد حلاوته في قلبك. وقال رويم: التوبة ترك المعاصي نيةً وفعلًا، والإقبال على الطاعة نيةً وفعلًا. [٢٦٢٠] وسمعت أبا القاسم الحبيبي (١)، يقول: سمعت أبا عبد الله محمَّد بن عاد البغدادي (٢)، يقول: سئل الجنيد (٣): من التائب؟ فقال: من تاب عما دون الله (٤). وقال شاه الكرماني (٥): اترك الدّنيا وقد ثبت وخالف هواك وقد وصلت. ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ وإذا تابوا فيمحوها. [٢٦٢١] حدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمّد بن جعفر (٦)، حدّثنا

стр. 12524

أبي (١)، حدّثنا جعفر بن سوَّار (٢)، حدّثنا عطيه بن بقيه (٣)، حدّثنا أبي (٤)، حدّثنا الزُبيدِي (٥) عن الزُّهريّ (٦) عن سعيد بن المسيب (٧)، عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ الله أفرح بتوبة عبده المؤمن من الضال الواجد، ومن العقيم الوالد، ومن الظمآن الوارد. فمن تاب إلى الله تعالى توبة نصوحًا أنسى الله حافظيه وبقاع الأرض خطاياه وذنوبه" أو قال: "ذنوبه وخطاياه" (٨).

стр. 12525

﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ قرأ الأعمش وحمزة والكسائي وخلف بالتاء (١)، وهي قراءة عبد الله وأصحابه (٢)، ورواية حفص عن عاصم (٣)، الباقون (٤) بالياء (٥)، وهي اختيار أبي عبيد، وقال: لأنَّه بين خبرين عن قوم. قال قبله: ﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾، وقال بعده: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٦). ٢٦ - ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: يطيع الذين آمنوا ربّهم في قول بعضهم. جعل الفعل للّذين آمنوا، وقال الآخرون: (ويستجيب الله الذين آمنوا) جعلوا الإجابة فعل الله تعالى، وهو الأصوب والأعجب إليَّ لأنَّه وقع بين فعلين لله تعالى: الأوَّل قوله: ﴿يُقبَلُ﴾ فهو والثاني ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾، ومعنى الآية: ويجيبُ اللهُ المؤمنين إذا دعوه، وقيل: معناه ويجيب دعاء المؤمنين بعضهم لبعض.

стр. 12526

[٢٦٢٢] أخبرنا عبد الله بن حامد الوزَّان (١)، أخبرنا مكي بن عبدان (٢)، حدّثنا عبد الله بن هاشم (٣)، حدّثنا أبو معاوية (٤) عن الأعمش (٥)، عن شقيق بن سلمة (٦)، عن سلمة بن سبرة (٧)، قال: خطبنا معاذ (٨) بالشام، فقال: أنتم المؤمنون وأنتم أهل الجنّة والله إنّي لأرجو أن يدخل الجنّة من تسبون من فارس والرّوم وذلك أن أحدهم إذا عمل لأحدكم العمل، قال: أحسنت يرحمك الله أحسنت يرحمك الله، أحسنت بارك الله فيك ويقول الله تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٢٦)﴾ (٩).

стр. 12527

[٢٦٢٣] وأخبرني الحسين بن محمّد الثَّقفيُّ (١)، حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي (٢)، حدثني أبو أحمد عبد الله بن أحمد الزعفراني الهمذاني (٣)، حدّثنا محمَّد بن الحسن بن قتيبة (٤) بعسقلان، حدّثنا محمَّد بن أيوب بن سويد (٥)، حدثني أبي (٦)، عن أبي بكر الهذلي (٧)، عن أبي صالح (٨) عن ابن عباس في قوله : ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، قال: يشفّعهم في إخوانهم. ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال: في إخوان إخوانهم (٩). ٢٧ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ﴾ الآية نزلت في قوم من أهل الصفّة تمنوا سعة الدّنيا والغنى.

стр. 12528

قال خباب بن الأرت: فإنا نزلت هذِه الآية وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع، فتمنيناها فأنزل الله تعالى ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ﴾ أي: وسع الرزق لعباده. ﴿لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لطغوا وعصوا. قال ابن عباس: بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة، ودابة بعد دابة، ومركبًا بعد مركب، وملبسًا بعد ملبس. [٢٦٢٤] وأخبرني الحسين (١) بن محمَّد بن إبراهيم البستاني (٢) الأصبهاني (٣)، حدّثنا أبو عبد الله محمَّد بن العباس العصمي الهروي (٤)، حدّثنا محمَّد بن علي بن الحسين (٥)، قال: سمعت أحمد بن أبي صالح الكرابيسي (٦)، يقول: سمعت نصير بن يَحْيَى (٧) يقول: قال شقيق بن إبراهيم (٨) في قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ

стр. 12529

الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾، قال: لو رزق الله العباد بغير كسب وتفرغوا من المعاش والكسب لطغوا وبغوا وسعوا في الأرض فسادًا، ولكن شغلهم بالكسب والمعاش رحمة منه وامتنانًا (١). ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ﴾ أرزاقهم ﴿بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ كما يشاء لكفايتهم. قال مقاتل: ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ فيجعل واحدًا فقيرًا وواحدًا غنيًا. ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾. قال قتادة: في هذِه الآية كان يقال: خير الرزق ما لا يطغيك ولا يلهيك، وذكر لنا أنّ النَّبيّ ﷺ قال: "أخوف ما أخاف على أمتي، زهرة الدّنيا وكثرتها". [٢٦٢٥] أخبرنا الحسين بن محمَّد بن فنجويه (٢)، حدّثنا عبيد الله بن محمَّد بن شنبة (٣)، حدّثنا أبو جعفر محمَّد بن عبد الغفار الزرقاني (٤)، حدّثنا محمَّد بن يَحْيَى الأزدي (٥)، حدثني أبو حفص عمر بن سعيد الدّمشقيُّ (٦)،

стр. 12530

حدّثنا صدقة بن عبد الله (١)، حدثني عبد الكريم الجزري (٢)، عن أنس ابن مالك، عن رسول الله ﷺ عن جبريل، عن ربّه قال: "من أهان لي وليًّا، فقد بارزني بالمحاربة، وإنّي لأسرع شيء إلى نصرة أوليائي، إنّي لأغضب لهم كما يغضب اللَّيث الحرد، وما ترددت في شيء أنا فاعله، ترددي عن قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولابد له منه، وما تعبد لي عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه، وما يزال عبدي المؤمن يتقرب إلى بالنوافل حتَّى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعًا وبصرًا وبدًا ومؤيدًا، إن سألني أعطيته وإن دعاني استجبت له وإنَّ من عبادي المؤمنين لمن يسألني الباب من العبادة، ولو أعطيته إياه دخله العجب فأفسده ذلك، وإنّ من عبادي المؤمنين، لمن لا يصلحه إلّا السقم ولو صححته لأفسدهُ ذلك، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلّا الصحّة، ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلّا الغني ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإنَّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلّا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك. إنّي أدبر عبادي بعلمي بقلوبهم إنّي عليمٌ خبيرٌ" (٣).

стр. 12531

قال صدقة: وسمعت أبان بن أبي عياش (١) يحدث بهذا الحديث، من أنس ثمّ يقول: اللهمّ إنّي من عبادك المؤمنين الذين لا يصلحهم إلّا الغني فلا تفقرني. ٢٨ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ يعني المطر، يسمى بذلك؛ لأنَّه يغيث النّاس أي: يجيرهم ويصلح حالهم. قال الأصمعي: مررت ببعض قبائل العرب وقد مطروا، فسألت عجوزًا منهم، كم أتاكم المطر؟ فقالت: غثنا ما شئنا. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ ويبسط مطره نظيره قوله تعالى: (وَهُوَ الذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نُشرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) (٢). [٢٦٢٦] أخبرنا شعيب (٣)، حدّثنا مكي (٤)، حدّثنا أبو الأزهر (٥)، حدّثنا روح (٦)، حدّثنا سعيد (٧)، عن قتادة (٨) قال:

стр. 12532

ذُكر لنا أنّ رجلًا أتى عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين قحط المطر وقنط النّاس. قال: مطرتم، ثمّ قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ (١). ٢٩ - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩) وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ من الإجرام والآثام ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ منها فلا يؤاخذكم بها. وقرأ أهل المدينة والشام (٢) ﴿بما﴾ بغير (فاء)، وكذلك هو في مصاحفهم (٣)، (وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم) (٤)، (وقرأ الباقون (٥) ﴿فبَمَا﴾، بالفاء، وكذلك هو في مصاحفهم) (٦).

стр. 12533

[٢٦٢٧] أخبرني الحسين بن محمَّد المقرئ (١)، حدّثنا عبيد الله بن أحمد بن يعقوب (٢)، حدّثنا رضوان بن أحمد (٣)، حدّثنا أحمد بن عبد الجبار (٤)، حدّثنا أبو معاوية الضَّرير (٥)، عن إسماعيل بن مسلم (٦)، عن الحسن (٧)، قال: لما نزلت هذِه الآية ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ قال رسول الله ﷺ : "ما من اختلاج عرق ولا خدش عود ولا نكبة حجر إلّا بذنب ولما يعفو تعالى الله عنه أكثر" (٨). [٢٦٢٨] وأخبرني ابن فنجويه (٩)، حدّثنا أبو بكر بن مالك

стр. 12534

القطيعي (١)، حدّثنا بشر بن موسى الأسدي (٢)، حدّثنا خلف بن الوليد (٣)، حدّثنا مروان بن معاوية (٤)، أخبرني الأزهر بن راشد الكاهلي (٥)، عن الخضر بن القواس العجلي (٦)، عن أبي سخيلة (٧)، قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله تعالى حدّثنا بها رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾، قال: "سأفسرها لك يا على: ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدُّنيا فيما كسبت أيديكم، والله أكرم من أن يثنّي عليهم العقوبة في الآخرة، وما

стр. 12535

عفا الله عنه في الدُّنيا فالله أحلم من أن يعود بعد عفوه" (١). [٢٦٢٩] وبإسناده عن خلف بن الوليد (٢)، عن المبارك بن فضالة (٣)، عن الحسن (٤)، قال: دخلنا على عمران بن الحصين (٥) في مرضه الشديد الذي أصابه، فقال رجل منّا: إنّي لا بد أن أسألك عما أرى من الوجع بك، فقال عمران: يا أخي لا تفعل فوالله إن أحبّه إليَّ أحبّه إلى الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾. هذا بما كسبت يداي وعفو الله فيما يبقي (٦). [٢٦٣٠] وأخبرني الحسين بن محمَّد بن الحسين (٧)، حدّثنا موسى ابن محمّد بن علي (٨)، حدّثنا جعفر بن محمَّد الفريابي (٩)، حدّثنا
следующие страницы →