← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 12531–12570 · переход к 12536.

стр. 12531

قال صدقة: وسمعت أبان بن أبي عياش (١) يحدث بهذا الحديث، من أنس ثمّ يقول: اللهمّ إنّي من عبادك المؤمنين الذين لا يصلحهم إلّا الغني فلا تفقرني. ٢٨ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ يعني المطر، يسمى بذلك؛ لأنَّه يغيث النّاس أي: يجيرهم ويصلح حالهم. قال الأصمعي: مررت ببعض قبائل العرب وقد مطروا، فسألت عجوزًا منهم، كم أتاكم المطر؟ فقالت: غثنا ما شئنا. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ ويبسط مطره نظيره قوله تعالى: (وَهُوَ الذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نُشرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) (٢). [٢٦٢٦] أخبرنا شعيب (٣)، حدّثنا مكي (٤)، حدّثنا أبو الأزهر (٥)، حدّثنا روح (٦)، حدّثنا سعيد (٧)، عن قتادة (٨) قال:

стр. 12532

ذُكر لنا أنّ رجلًا أتى عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين قحط المطر وقنط النّاس. قال: مطرتم، ثمّ قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ (١). ٢٩ - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩) وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ من الإجرام والآثام ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ منها فلا يؤاخذكم بها. وقرأ أهل المدينة والشام (٢) ﴿بما﴾ بغير (فاء)، وكذلك هو في مصاحفهم (٣)، (وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم) (٤)، (وقرأ الباقون (٥) ﴿فبَمَا﴾، بالفاء، وكذلك هو في مصاحفهم) (٦).

стр. 12533

[٢٦٢٧] أخبرني الحسين بن محمَّد المقرئ (١)، حدّثنا عبيد الله بن أحمد بن يعقوب (٢)، حدّثنا رضوان بن أحمد (٣)، حدّثنا أحمد بن عبد الجبار (٤)، حدّثنا أبو معاوية الضَّرير (٥)، عن إسماعيل بن مسلم (٦)، عن الحسن (٧)، قال: لما نزلت هذِه الآية ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ قال رسول الله ﷺ : "ما من اختلاج عرق ولا خدش عود ولا نكبة حجر إلّا بذنب ولما يعفو تعالى الله عنه أكثر" (٨). [٢٦٢٨] وأخبرني ابن فنجويه (٩)، حدّثنا أبو بكر بن مالك

стр. 12534

القطيعي (١)، حدّثنا بشر بن موسى الأسدي (٢)، حدّثنا خلف بن الوليد (٣)، حدّثنا مروان بن معاوية (٤)، أخبرني الأزهر بن راشد الكاهلي (٥)، عن الخضر بن القواس العجلي (٦)، عن أبي سخيلة (٧)، قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله تعالى حدّثنا بها رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾، قال: "سأفسرها لك يا على: ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدُّنيا فيما كسبت أيديكم، والله أكرم من أن يثنّي عليهم العقوبة في الآخرة، وما

стр. 12535

عفا الله عنه في الدُّنيا فالله أحلم من أن يعود بعد عفوه" (١). [٢٦٢٩] وبإسناده عن خلف بن الوليد (٢)، عن المبارك بن فضالة (٣)، عن الحسن (٤)، قال: دخلنا على عمران بن الحصين (٥) في مرضه الشديد الذي أصابه، فقال رجل منّا: إنّي لا بد أن أسألك عما أرى من الوجع بك، فقال عمران: يا أخي لا تفعل فوالله إن أحبّه إليَّ أحبّه إلى الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾. هذا بما كسبت يداي وعفو الله فيما يبقي (٦). [٢٦٣٠] وأخبرني الحسين بن محمَّد بن الحسين (٧)، حدّثنا موسى ابن محمّد بن علي (٨)، حدّثنا جعفر بن محمَّد الفريابي (٩)، حدّثنا

стр. 12536

أبو خثيمة مصعب بن سعيد (١)، حدّثنا زهير بن معاوية (٢)، عن أبي إسحاق (٣)، عن مرَّة الهمداني (٤)، قال: رأيت على ظهر كف شريح (٥) قرحة، فقلت: يا أبا أميَّة ما هذا؟ قال: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٦). [٢٦٣١] وأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري (٧)، حدّثنا أبو بكر بن مالك القطيعي (٨)، حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل (٩)،

стр. 12537

حدثني إبراهيم بن الحسن الباهلي هو المقرئ (١)، حدّثنا حمّاد بن زيد أبو إسماعيل (٢)، عن ابن عون (٣)، عن محمَّد بن سيرين (٤)، قال: لما ركبه الدَّين اغتمّ لذلك، فقال: إنّي لأعرف هذا الغم، هذا بذنب أصبته منذ أربعين سنة (٥). [٢٦٣٢] وأخبرني ابن فنجويه (٦)، حدّثنا موسى بن محمَّد (٧)، حدّثنا أبو بشر أحمد بن بشير الطَّيالسيُّ (٨)، حدثني بعض أصحابنا، عن أحمد بن الحواري (٩)، قال: قيل لأبي سليمان الداراني (١٠): ما

стр. 12538

بال العقلاء أزالوا اللّوم عمن أساء إليهم؟ قال: لأنّهم يعلمون أنّ الله تعالى إنّما ابتلاهم بذنوبهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (١). [٢٦٣٣] وأخبرني ابن فنجويه (٢)، حدّثنا محمَّد بن عبد الله بن برزة (٣)، حدّثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي (٤)، حدّثنا عاصم بن علي (٥)، حدّثنا ليث بن سعد (٦)، عن يزيد بن أبي حبيب (٧)، عن سعد بن سنان (٨)، عن أنس بن مالك (٩)، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا أراد الله بعبدِه الخيرِ عجّل له العقوبة في الدّنيا، وإذا أراد بعبده الشّر أمسك عنه بذنبه حتّى يوافي به يوم القيامة" (١٠).

стр. 12539

وقال عكرمة: ما من نكبة أصابت عبدًا فما فوقها إلاّ بذنب لم يكن الله ليغفر له إلاّ بها، أو درجة لم يكن الله ليبلّغه إلاّ بها. [٢٦٣٤] وأخبرني أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد (١)، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن رجاء (٢)، حدثنا الحسن بن سفيان (٣)، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (٤)، حدثنا وكيع (٥)، عن ابن أبي روَّاد (٦)، عن الضحاك (٧)، قال: ما تعلَّم رجلٌ القرآن ثمّ نسيه إلاّ بذنب، ثمّ قرأ ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، قال: وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن (٨). وقال الحسن في هذِه الآية: هذا في الحدود.

стр. 12540

٣١ - ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ هربًا ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. ٣٢ - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ﴾ يعني السّفن، واحدتها جارية وهي السائرة في البحر، قال الله تعالى: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ (١). ﴿فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ أي: الجبال، مجاهد: القصور، واحدها علم. وقال الخليل بن أحمد: كلّ شيء مرتفع عند العرب فهو علم. قالت الخنساء ترثي أخاها صخرًا: وإنّ صخرًا لتأتمّ الهداة به ... كأنّه علم في رأسه نار ٣٣ - ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ﴾ ثوابت وقوفًا ﴿عَلَى ظَهْرِهِ﴾ على ظهر الماء لا تجري ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ ٣٤ - في ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ يهلكهنّ ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: بما كسب أصحابها وركبانها من الذنوب. ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ فلا يعاقب عليها. * * *

стр. 12541

٣٥ - ﴿وَيَعْلَمَ﴾ قرأه أهل المدينة والشام (١) بالرفع على الاستئناف كقوله في سورة براءة: ﴿ويَتوُبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشَاءُ﴾ (٢) (٣)، وقرأها الآخرون نصبًا على الصرف كقوله سبحانه: ﴿وَيَعلَمَ الصبريِنَ﴾ (٤) صرف من حال الجزم إلى النصب استحقاقًا وكراهة لتوالي الجزم (٥)، كقول النابغة: فإن يَهلِك أبو قابوسَ (٦) يَهلِك ... ربيعُ النّاس والبلد (٧) الحرامُ ونُمسِكَ بعده بذِناب عَيشٍ ... أَجَبّ (٨) الظَّهرِ ليس له سَنامُ (٩) وقال الآخر:

стр. 12542

لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥)﴾ محيد عن عقاب الله تعالى. ٣٦ - ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ من رياش الدّنيا وقماشها. ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وليس من زاد المعاد ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ من الثواب ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. ٣٧ - ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ قرأ يحيى وحمزة والكسائي وخلف هاهنا وفي سورة النجم (١) ﴿كَبِير﴾ على التوحيد (٢)، وفسروه بالشرك عن ابن عباس (٣)، وقرأ الباقون: ﴿كَبَائِر﴾ بالجمع في السورتين (٤)، وقد بينا اختلاف العلماء في معنى الكبائر والفواحش. قال السدّي: يعني الزنا، وقال مقاتل: موجبات الحدود. ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ يتجاوزون ويحلمون.

стр. 12543

٣٨ - ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وقيل نزلت هذِه الآية في أبي بكر الصديق حين لامه النّاس على إنفاقه ماله كلّه، وحين شُتم فحلم. [٢٦٣٥] أخبرني ابن فنجويه (١)، حدثنا ابن شنبة (٢)، حدثنا إسحاق بن صدقة (٣)، حدثنا عبد الله بن هاشم (٤)، حدثنا سيف بن عمر (٥)، عن عطية (٦)، عن أبي أيوب (٧)، عن علي (٨)، قال: اجتمع لأبي بكر مال مرة فتصدق به كلّه في سبيل الخير، فلامه المسلمون وخطّأه الكافرون، فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ خص به أبا بكر ﵁، وعم به من اتبعه (٩).

стр. 12544

٣٩ - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ الظلم. ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ ينتقمون من ظالميهم من غير أن يعتدوا. وقال مقاتل: هذا في المجروح ينتصر من الجارح فيقتص منه. وقال إبراهيم: في هذِه الآية كانوا يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفو. ٤٠ - قوله تعالى: ﴿وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ سمي الجزاء باسم السيئة وإن لم يكن سيئة لتشابههما في الصورة. قال ابن أبي نجيح: هو أن يجاب قائل الكلمة الخبيثة بمثلها، فإذا قال: أخزاه الله. قال: أخزاه الله. قال السدّي: إذا شتمك بشتمة فاشتمه بمثلها من غير أن تعتدي. [٢٦٣٦] وأخبرني ابن فنجويه (١)، حدثنا ابن حبش (٢)، حدثنا أبو القاسم بن الفضل (٣)، حدثنا علي بن الحسين (٤)، حدثنا محمد ابن يحيى بن (٥) أبي عمر (٦)، قال سفيان بن عيينة (٧): قلت لسفيان

стр. 12545

الثوري (١): ما قوله : ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ قال: أن يشتمك رجل فتشتمه، وأن يفعل بك فتفعل به. فلم أجد عنده شيئًا فسألت هشام بن حجير (٢) عن هذِه الآية، فقال: الجارح إذا جرح يقتص منه وليس هو أن يسبك فتسبه. قال سفيان: وكان ابن شبرمة (٣) يقول: ليس بمكّة مثل هشام بن حجير (٤). ﴿فَمَن عَفَا﴾ فلم ينتقم. قال ابن عباس: فمن ترك القصاص. ﴿وَأَصْلَحَ﴾ قال مقاتل: فكان العفو من الأعمال الصالحة ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. [٢٦٣٧] أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله العدل (٥)، حدثنا محمد بن الحسن بن بشر (٦)، حدثنا أبو العباس محمد بن جعفر

стр. 12546

ابن (١) ملاس (٢) الدمشقي (٣)، حدثنا أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم ابن بسر القرشي (٤)، حدثنا زهير بن عباد الرؤاسي (٥)، حدثنا سفيان بن عيينة (٦) عن عمرو بن دينار (٧) عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : "إذا

стр. 12547

كان يوم القيامة نادي مناد من كان له على اللهِ أجرٌ، فليقم"، قال: "فيقوم عنق كثير. فيقول: ما أجركم على الله"، قال: "فيقولون: نحن الذين عفونا عمّن ظلمنا، وذلك قوله : ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ فيقال لهم: ادخلوا الجنّة بإذن الله" (١). ﴿إِنَّهُ﴾ الله ﴿لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. قال ابن عباس: الذين يبدؤون بالظلم. ٤١ - ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ إثم. ٤٢ - ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ يبدؤون بالظلم. ٤٣ - ﴿وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ فلا يكافئ ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ حقها وحزمها. ٤٤ - ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ يهديه أو يمنعه من عذاب الله. ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ﴾ رجوع إلى الدّنيا ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾. ٤٥ - ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ أي: على النّار ﴿خَاشِعِينَ﴾ خاضعين متواضعين. ﴿مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ ذليل قد خفي من الذّلِ. قاله ابن عباس ومجاهد. وقال قتادة والسدّي والقرظي: يسارقون النظر.

стр. 12548

واختلف العلماء باللغة في وجه هذِه الآية، فقال يونس: ﴿مِنَ﴾ بمعنى الباء، مجازه: بطرف خفيّ، أي: ضعيف من الذل والخوفِ، وقال الأخفش: الطرف العين، أي: ينظرون من عين ضعيفة، وقيل: إنّما قال: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ لأنه لا يفتح عينه إنّما ينظر ببعضها، وقيل معناه: ينظرون إلى النّار بقلوبهم لأنّهم يحشرون عميًا، والنظر بالقلب خفيّ. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ دائم. ٤٦ - ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦)﴾ طريق إلى الوصول إلى الحقّ في الدّنيا والجنّةِ في العقبي، قد انسدت عليه طرق الخير. * * *

стр. 12549

٤٧ - ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ بالإيمان والطاعة. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ﴾ معقل. ﴿يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ منكر يغير ما بكم. ٤٨ - ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (٤٨) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ فلا يكون له ولد ذكر. [٢٦٣٨] أخبرني الحسين بن محمّد (١)، حدثنا الفضل بن الفضل الكندي (٢)، حدثنا محمد بن الحسن بن الفرج (٣)، حدثنا أحمد بن الخليل القومسي (٤)، حدثنا مسلم بن إبراهيم (٥)، حدثنا حكيم بن

стр. 12550

خذام أبو سمير (١)، عن مكحول (٢)، عن واثله بن الأسقع (٣)، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ من يمن المرأة تبكيرها بالأُنثى قبل الذّكر، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ ألا تري أنه بدأ بالإناث قبل الذكور" (٤). ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ فلا يكون له أُنثى. ٥٠ - ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ يجمع بينهما فيولد له الذُّكور والإِناث. تقول العرب: زوّجت إبلي، وزوجت الصغار بالكبار أي: قرنت بعضها ببعض. [٢٦٣٩] وأخبرنا ابن فنجويه (٥)، حدثنا طلحة (٦) وعبيد الله (٧)، قالا: حدثنا ابن مجاهد (٨)، حدثنا الحسن بن العباس (٩)، حدثنا سهل بن عثمان (١٠)،

стр. 12551

حدثنا عبد الله (١)، عن إسماعيل بن سلمان (٢)، عن أبي عمر (٣) (٤)، عن ابن الحنفية (٥) في قوله تعالى: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾. قال: التوائم. ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ فلا يلد ولا يُولد له (٦). [٢٦٤٠] أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين (٧)، حدثنا مخلد بن جعفر (٨)، حدثنا الحسن بن علوية (٩)،

стр. 12552

حدثنا إسماعيل بن عيسى (١)، حدثنا إسحاق بن بشر (٢) في قوله : ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ قال: نزلت في الأنبياء ثم عمت ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ يعني لوطا ﵇ لم يولد له ذكرا إنما ولد له ابنتان ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ يعني إبراهيم ﵇ لم يولد له أنثى ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ يعني به محمدًا ﷺ ولد له بنون وبنات ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ يعني يحيى وعيسى ﵉ (٣). ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾. [٢٦٤١] حدثنا أبو محمد الحسن بن أحمد بن محمد بن الحسن المخلدي (٤) إملاءً، حدثنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي (٥)، حدثنا عمار بن رجاء (٦) وعلي بن سهل بن المغيرة (٧)، قالا: حدثنا علي بن الحسن بن شقيق (٨).

стр. 12553

[٢٦٤٢] وأخبرنا ابن فنجويه (١)، حدثنا عبد الله بن يوسف (٢)، حدثنا ابن وهب (٣)، حدثنا إبراهيم بن سعيد (٤)، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق (٥)، حدثنا أبو حمزة السكري الصايغ مروزي (٦)، عن حماد بن أبي سليمان (٧)، عن إبراهيم النخعي (٨)، عن الأسود (٩)، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن أولادكم هبة الله لكم، ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا * وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ وأموالهم لكم إن احتجتم إليها". قال علي بن الحسن: سألني يحيى بن معين عن هذا الحديث (١٠).

стр. 12554

٥١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ وذلك أنّ اليهود قالوا للنبي ﷺ : ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر إليه؟ فإنّا لا نؤمن بك حتّى تفعل ذلك. فقال: "لم ينظر موسى إلى الله" فأنزل الله تعالى هذِه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ يوحي إليه كما يشاء إما بالإلهام أو في المنام. ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ بحيث يسمع كلامه ولا يراه كما كلم الله تعالى موسى ﵇: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾. إليه من ملائكة، إما جبريل وإما غيره. ﴿فَيُوحِيَ﴾ إليه ﴿بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾. قرأ شيبة ونافع وهشام (أو يُرْسِلُ) برفع اللام على الابتداء (فيوحِي) بإسكان الياء (١)، وقرأ الباقون بنصب اللام والياء، عطفا بهما على محلّ الوحي لأنّ معناه وما كان لبشر أن يكلمه الله إلاّ أن يوحي إليه أو يرسل (٢). ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٥٢ - قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: كما أوحينا إلى سائر رُسلنا كذلك. ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾. قال الحسن: رحمة. ابن عباس: نبوة.

стр. 12555

السدّي: وحيًا. الكلبي: كتابًا. ربيع: جبريل. مالك بن دينار: يعني القرآن. وكان يقول: يا أصحاب القرآن ماذا زرع القرآن في قلوبكم. فإنّ القرآن ربيع القلوب كما أن الغيث ربيع الأرض. ﴿مَا كنُتَ تَدرِى﴾ قبل الوحي ﴿مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ يعني شرائع الإيمان ومعالمه. وقال أبو العالية: يعني الدعوة إلى الإيمان، وقال الحسن بن الفضل: يعني أهل الإيمان من يؤمن ومن لا يؤمن، وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: الإيمان في هذا الموضع الصلاة، دليله قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ وحّد الكناية وهما اثنتان: الكتاب والإيمان؛ لأن الفعل في كثرة أسمائه بمنزلة الفعل، ألا ترى أنّك تقول إقبالك وإدبارك يُعجبني فتوحّد وهما اثنان. وقال ابن عباس: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ﴾ يعني الإيمان. وقال السدي: يعني القرآن. ﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ لتُرشد وتدعو. ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٥٣ - ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [٢٦٤٣] أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان (١)، حدثنا أحمد بن

стр. 12556

محمد بن شاذان (١)، حدثنا جيعويه بن محمد (٢)، حدثنا صالح بن محمد (٣)، قال: سمعت أبا معشر (٤) يحدّث، عن سهل بن أبي الجعد (٥) أو غيره، قال: احترق مصحف فلم يبق إلاّ قوله: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ وغرق مصحف فامتحى كل شيء فيه إلاَّ قوله: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (٦). * * *

стр. 12557

٤٣ - سُورَة الزخرف

стр. 12558

سورة الزخرف مكّية (١)، وهي ثلاثة آلاف وأربعمائة حرف، وثمانمائة وثلاث وثلاثون كلمة، وتسع وثمانون آية (٢). [٢٦٤٤] أخبرني ابن المقري (٣)، أخبرنا ابن مطر (٤)، حدثنا ابن شريك (٥)، حدثنا ابن يونس (٦)، حدثنا سلام بن سليم (٧)، حدثنا هارون بن كثير (٨)، عن زيد بن أسلم، عن أبيه (٩)، عن أبي

стр. 12559

أُمامة (١)، عن أُبي بن كعب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة الزّخرف كان ممن يقال له يوم القيامة: يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ادخلوا الجنّة بغير حساب" (٢). * * *

стр. 12560

قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ١ - ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: أنزلناه (١)، وسمَّيناه (٢)، وبيّناه (٣) ، ووصفناه (٤)، كقوله سبحانه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيَرةٍ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ القُرءانَ عِضِينَ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿أَجَعَلتُم سِقَايَةَ الحاجِّ﴾ (٨) كلّها بمعنى الوصف والتسمية (٩)، ويستحيل أن تكون بمعنى الخلق ﴿لعلكم تَعقِلُون﴾

стр. 12561

٤ - ﴿وَإِنَّهُ﴾ يعني: هذا الكتاب (١). ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ يعني: اللَّوح المحفوظ (٢)، الذي عند الله تعالى منه نُسخ (٣). وقال قتادة: أصلُ الكتابِ، وجُملتُه (٤). [٢٦٤٥] أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان (٥)، أخبرنا مكي بن عبدان (٦)، حدثنا عبد الله بن هاشم بن حيان (٧)، حدثنا يحيى بن سعيد القطان (٨)، حدثنا هشام الدستوائي (٩)، حدثني القاسم بن أبي بزة (١٠)، حدتني عروة بن عامر القرشي (١١)، قال: سمعت ابن

стр. 12562

عباس ﵄ يقول: إنّ أول ما خلق الله القلم، فأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق فالكتاب عنده، ثمّ قرأ: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾ (١). ٥ - قوله : ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ اختلفوا في معناه: فقال قوم: أفنضرب عنكم العذاب ونمسك ونعرض عنكم ونترككم فلا نعاقبكم على كفركم، وهذا قول مجاهد (٢) والسدي (٣)، ورواية (٤) العوفي عن ابن عباس ﵄ قال: أفحسبتم أنّه يصفح عنكم ولما تفعلوا (٥) ما أَمرتم به (٦).

стр. 12563

وقال آخرون: معناه: أفنمسك عن إنزال القرآن ونتركه (١) من أجل أنّكم لا تؤمنون به فلا ننزله ولا نكرره عليكم. وهو قول قتادة وابن زيد (٢). قال قتادة: والله لو كان هذا القرآن رُفع حين ردّه أوائلُ هذِه الأمة لهلَكوا، ولكنَّ الله تعالى عاد بعائدته، ورحمته فكرره عليهم، ودعاهم إليه عشرين سنة، أو ما شاءَ الله تعالى من ذلك (٣). قال الكلبي: أفنترككم سُدى لا نأمركم ولا ننهاكم (٤). وقال الكسائي: أفنطوي عنكم الذكر طيًّا، فلا تُدْعون ولا توعظون (٥). وهذا من فَصِيحات القرآن، والعرب تقول لمن أَمسك عن الشيء وأعَرض عنه: ضرب عنه صفحًا (٦)، والأصل في ذلك أنَّك إذا

стр. 12564

أعرضت عنه ولَّيته صفحة عنقك (١)، قال كثير: صَفُوحًا فما تَلقَاكَ إلا بَخيلَةً (٢) ... فمَن مَلَّ مِنْهَا ذَلِكَ الوَصل مَلَّتِ (٣) أي: معرضةً بوجهها (٤)، وضربت عن كذا وأَضربت (٥) إذا تركته وأمسكت عنه (٦) ﴿أَنْ كُنْتُمْ﴾ قرأ أهل المدينة والكوفة إلَّا عاصمًا ﴿أَنْ﴾ بكسر الألف (٧)، على معنى (إذ) (٨)، كقوله سبحانه: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٩)، وقوله تعالى: ﴿إِن أرَدْنَ

стр. 12565

تَحَصُّنًا﴾ (١)، وقرأ الآخرون (٢): بالفتح (٣)، على معنى ﴿وأنّ كنتم﴾ (٤) أرادوا معنى المضي، كما تقول في الكلام: أَسبّك أن حرمتني. يريد إذ حرمتني (٥). قال أبو عبيد: والنّصبُ أَحبَّ إليَّ، لأنّ الله تعالى عاتبهم على ما كان منهم، وعلمه قبل ذلك من فعلهم (٦) . ﴿قَومًا مُّسرِفِين﴾ مُشركين (٧) ، مجاوزين أمر الله تعالى (٨). ٦ - ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾ أي: وما كان يأتيهم (٩). ﴿مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كاستهزاء قومك بك، يعزّي نبيه

стр. 12566

- ﷺ (١). ٨ - ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ قوة (٢). " ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: صمتهم (٣)، وسنتهم (٤)، وعقوبتهم (٥) ٩ - قوله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ أي: بمقدار حاجتكم إليه (٦) ﴿فَأَنشرنَا﴾ فَأحيينا (٧) ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ﴾ أي: كما أحيّينا هده البلدة الميتة بالمطر (٨) ﴿كَذَلِكَ

стр. 12567

تخرجُون﴾ من قبوركم أَحياء (١). ١٢ - ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ الأصناف (٢). ﴿كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ ذكَّرَ الكناية لأنّه ردها إلى ﴿مَا﴾ (٣)، وقال الفراء: أضاف الظهور إلى الواحد؛ لأنّ ذلك الواحد في معنى الجمع، كالجند والجيش والرهط والخيل وغيرها من أسماء الجنس (٤). ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ﴾ أي: ذلل (٥) ﴿لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أي: مُطيقين (٦)، ضابطين (٧)،

стр. 12568

قاهرين (١)، وهو من القِرَآنِ (٢)، كأنّه أراد وما كنا له مقاومين في القوة (٣) ١٤ - ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ لمنصرفون في المعاد (٤). [٢٦٤٦] أخبرني ابن فنجويه الدينوري (٥)، حدثنا سعد بن محمد ابن إسحاق الصيرفي (٦)، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة (٧)، حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى (٨)، حدثنا أبي (٩)، عن ابن أبي ليلى (١٠)، عن الحكم (١١)، عن علي بن ربيعة (١٢)، عن علي ﵁، عن النبي ﷺ : أنّه كان إذا وضع رجله في الرِّكاب، قال: "بسم الله" فإذا استوى على الدابة قال: "الحمد لله على كلّ حال،

стр. 12569

سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنّا إلى ربّنا لمنقلبون"، وكبّر ثلاثًا وهلل ثلاثًا (١). وقال قتادة في هذِه الآية: يُعلمكم كيف تقولون إذا ركبتم في الفلك تقولون: ﴿فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) (٣)، وإذا ركبتم الإبل قلتم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾، وإذا نزلتم من الفلك والأنعام تقولون: اللهم أَنزِلنا مُنزلا مباركا وأنت خيرُ المنزلين (٤). ١٥ - قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا﴾ يعني: هؤلاء المشركين.

стр. 12570

﴿لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ أي: نصيبًا وبعضًا (١). وقال مقاتل وقتادة: عِدلًا (٢) وذلك قولهم للملائكة هم بنات الله، سبحانه (٣) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾. ١٦ - ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ﴾ أخلصكم، وخصَّكم (٤). ﴿بِالْبَنِينَ﴾ نظيره قوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ (٥) (٦). ١٧ - ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ يعني: البنات (٧). دليلها في سورة النّحل (٨) (٩) ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ من
следующие страницы →