← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وقال ابن عباس: لا تحل ذبائحهم ولا مُناكحة نسائهم (١). وقال مجاهد: هم قبيلة نحو الشام بين اليهود والمجوس، لا دين لهم (٢). وكان لا يراهم من أهل الكتاب، وهو قول (٣) أبي حنيفة ﵁. وقال قتادة ومقاتل: هم قوم يُقِرّون بالله ويعبدون الملائكة يقرؤون الزبور، ويصلّون إلى الكعبة، أخذوا من كل دين شيئًا (٤). وقال الكلبي: هم قوم بين اليهود والنصارى، يحلقون وسط (٥) رؤوسهم ويجُبُّون مذاكيرَهُم (٦).

стр. 1297

وقال عبد العزيز بن يحيى: درجوا وانقرضوا فلا عين ولا أثر (١). وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ اختلفوا في حكم الآية ومعناها، فلهم فيه (٢) طريقان، أحدهما: أنَّه أراد بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ﴾ على التحقيق وعقد التصديق (٣)، (ثم اختلفوا في هؤلاء المؤمنين مَنْ هم؟ فقال قوم: هم الذين آمنوا بعيسى) (٤) ثم لم يتهوّدوا ولم يتنصّرُوا ولمْ يصبؤوا، وانتظروا خروج محمد ﷺ (٥). وقال آخرون: هم طلاب الدين، منهم حبيب النجار، وقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، والبراء الشني، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وبحيرا الراهب، ووفد النجاشي آمنوا بالنبي ﷺ قبل مبعثه، فمنهم من أدركه وتابعه ومنهم من لم يدركه (٦).

стр. 1298

وقيل: هم مؤمنو الأمم الماضية. وقيل: هم المؤمنون (من هذِه) (١) الأمة (٢). ﴿الَّذِين هَادُوا﴾ يعني: الذين كانوا علي دين موسى، ولم يبدلُوا ولم يُغيروا، ﴿والْنَّصَارَى﴾ الذين كانوا علي دين عيسى، ولم يبدِّلوا، وماتوا علي ذلك. قالوا (٣): وهذا اسمان لزمانهم زمن موسى وعيسى، حيث كانوا على الحق فبقي الاسم (٤) عليهم (٥) كما بقي الإسلام علي أمة محمد ﷺ ﴿وَالْصَّابِئِينَ﴾ من استقام (٦) أمرهم ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ أي: من مات منهم وهو مؤمن؛ لأن حقيقة الإيمان بالموافاة (٧)، قالوا: ويجوز أن يكون الواو فيه مضمرًا، أي: ومن آمن بعدك يا محمد إلى يوم القيامة (٨). والطريق الآخر: أن (٩) المذكورين في أول الآية بالإيمان

стр. 1299

إنما هو علي طريق المجاز والتسمية، دون الحكم والحقيقة، ثم اختلفوا فيه (١): فقال بعضهم: أراد (٢) أن الذين آمنوا بالأنبياء، ولم يؤمنوا بك ولا بكتابك (٣). وقال آخرون (٤): أراد بهم المنافقين، يعني أن الذين آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم (٥). ونظير هذِه الآية (٦) قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ باللهِ وَرَسُولِهِ. .﴾ الآية (٧). ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ أي: اعتقدوا اليهودية، وهي الدين المبدل بعد موسى، ﴿وَالنَّصَارَى﴾ هم الذين اعتقدوا النصرانية، وهي الدين المبدل بعد عيسى، ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ بعض (٨) أصناف الكفار ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ من جملة الأصناف المذكورين في الآية (٩)، وفيه اختصار وإضمار،

стр. 1300

تقديره: من آمن منهم بالله واليوم الآخر، نظيره في سورة المائدة: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ (١) على لفظِ الجمع إلى آخر الآية، لأن لفظ (٢) (مَنْ) يصلح للواحد والاثنين والجميع والمذكر والمؤنث، قال الله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ يَسَتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (٣) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ (٤) وقال: ﴿وَمِنهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (٥) وقال: ﴿وَمَنْ يَقنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولهِ﴾ (٦). وقال الفرزدق (٧) في التثنية:

стр. 1301

تعالَ فإن عاهدتَني لا تَخونُني ... نكُنْ مثلَ مَنْ يا ذئبُ يَصْطَحِبَان (١) ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما قدّموا ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خلّفوا، وقيل: ولا خوف عليهم بالخلود (٢) في النار، ولا هُم يحزنون بقطيعة الملك الجبار، وقيل: ولا خوف عليهم في الكبائر فإني أغفرها، ولا هم يحزنون على الصغائر فإني أكفرها، وقيل: ولا خوف عليهم فيما تعاطوا من الإجرام ولا هم يحزنون على ما اقترفوا من الآثام؛ لما سبق لهم من الإسلام. ٦٣ - قوله ﴿وَإِذ أَخْذَنَا مِيْثَاقَكُمْ﴾ يا معشر اليهود ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ وهو الجبل بالسّريانية، في قول بعضهم، وقالوا: ليس من لغة في الدنيا إلَّا وهي في القرآن. وقال أبو عبيدة والحُذَّاق من العلماء: لا يَجوز أن يكون في القرآن لغة غير لُغة العرب، لأن قال: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًا﴾ (٣) وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِيْنٍ﴾ (٤) وإنما هذا وأشباهه وفاق وقع بين

стр. 1302

اللغتين (١)، وقد وجدنا الطور في كلام العرب، قال جرير: فإن يرَ سلمى الجنُّ يستأْنِسُوا بها ... وإِنْ يرَ سلْمى صَاحبُ الطُّور ينْزِلِ (٢) قال المفسرون: وذلك أن الله تعالى أنزل التوراة علي موسى ﵇ فأمر موسى قومه بالعمل بأحكام التوراة، فأبوا أن يقبلوها ويعملوا بما فيها للآصار (٣) والأثقال التي كانت فيها (٤)، وكانت شريعةً ثقيلةً، فأمر الله جبريل ﵇ فقلع جبلًا على قدر عسكرهم، وكان فرسخًا في فرسخ، فرفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة الرجل. وقال أبو صالح عن ابن عباس: أمر الله تعالى جبلًا من جبال فلسطين، فانقلع من أصله حتَّى قام على رؤوسهم مثل الظُّلَّة (٥). وقال عطاء، عن ابن عباس: رفع الله تعالى الطور فوق رؤوسهم، وبعث نارًا من قبل وجوههم، وأتاهم البحر الملح من

стр. 1303

خلفهم (١). وقيل لهم ﴿خُذُواْ﴾ أي: اقبلوا. (وأصل ﴿خُذُواْ﴾: أؤخذوا، فحذفت الهمزة التي كانت فاء الفعل؛ لأنه اجتمع مع التقاء الهمزتين والضمة كثرة الاستعمال فاستغني عن الهمزة) (٢) ﴿مَا آتَيْنَكُمْ﴾ أي: أعطيناكم (٣) ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أي: بجدٍّ ومواظبة (على الطاعة) (٤)، وفيه إضمارٌ، أي: وقلنا لهم: خذوا، ﴿وَاْذكُرُواْ مَا فِيهِ﴾ أي: احفظوه (٥) واعلموه (٦) واعملوا (بما فيه) (٧)، وفي حرف أُبيّ: (وادَّكِرُوا ما فيه) بدال مشددة، وكسر الكاف، وفي حرف عبد الله: (وتذكّروا ما فيه) (٨) ومعناها (٩) اتعظوا به ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لكي تنجوا من الهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى، فإن قبلتموه وفعلتم ما أمرتم به وإلا رضختكم بهذا الجبل وغرَّقتكم في هذا البحر وأحرقتكم بهذِه (١٠) النار، فلما رأوا أن لا

стр. 1304

مهرب منه (١) قبلوا ذلك وسجدوا خوفًا، وجعلوا يُلاحظون الجبل وهم سجود، فصارت سنةً في اليهود لا يسجدون إلَّا على أنصاف وجوههم، فلما زال الجبل قالوا: يا موسى سمعنا وأطعنا، ولولا الجبل ما أطعناك. * * *

стр. 1305

٦٤ - ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: أعرضتم وعصيتم، ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: من بعد أخذ الميثاق ورفع الجبل، ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بتأخير العذاب عنكم ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: لصرتم من المغبونين بالعقوبة وذهاب الدنيا والآخرة. ٦٥ - قوله ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ وذلك أنهم كانوا زمن داود (١) ﵇ بأرضٍ يُقال لها: (أيلة)، حرّم الله تعالى عليهم صيد السمك يوم السبت وكان إذا دخل عليهم (٢) يوم السبت لم يبق حوت في البحر (٣) إلَّا اجتمع هناك حتَّى يخرجن خراطيمهن من الماء لأمنها، فإذا مضى يوم (٤) السبت تفرقن ولزِمْن مَقْل (٥) البحر، فلذلك قوله : ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ (٦) فعمد رجالٌ فحفروا الحياض

стр. 1306

حول البحر، وشرعوا منها (١) إليه (٢) الأنهار، فإذا كانت عشية يوم (٣) الجمعة فتحوا تلك الأنهار، فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض، فلا تطيق الخروج منها لبعد عمقها وقلة الماء، فإذا كان يوم الأحد أخذوها، وقيل: كانوا ينصبون الحبائل والشصوص يوم الجمعة، ويخرجونها يوم الأحد، ففعلوا ذلك زمانًا؛ فكثرت أموالهم ولم تنزل عليهم عقوبة، وقست قلوبهم، وتجرّؤوا على الذنب، فقالوا: ما نرى السبت إلَّا وقد أحِلَّ لنا، فلمّا فعلوا ذلك صار أهل القرية -وكانوا نحوًا من سبعين ألفًا- ثلاثة أصناف، صنف (٤) أمسك ونهى، وصنف أمسك ولم ينه، وصنف انتهكوا (٥) الحرمة، وكان الذين نهوا اثني عشر ألفًا، فلمّا أبي المجرمون قبول نصحهم (٦) قال الناهون: والله لا نساكنكم في قرية واحدة، فقسموا القرية بجدارٍ وغبروا ذلك (٧) سنين، فلعنهم داود ﵇ وغضب الله عليهم لإصرارهم على المعصية، فخرج الناهون ذات يوم من بابهم (٨)،

стр. 1307

والمجرمون لم يفتحوا بابهم، ولا خرج منهم أحد، فلمّا أبطؤوا تسوّروا عليهم الحائط، فإذا هم جميعًا قردة، فمكثوا ثلاثة أيام، ثم هلكوا، ولم يمكث مسخ فوق ثلاثة أيام، ولم يتوالدوا (١)، فذلك قوله : ﴿فَقُلْنَا لَكُمْ كُونُواْ﴾ (أي: بتكويننا إياكم) (٢) ﴿قِرَدَةً﴾ (أمر تحويل) (٣) ﴿خَاسِئِينَ﴾: صاغرين مطرودين بلغة كنانة، قاله مجاهد وقتادة والربيع (٤)، وقال أبو روق: يعني: خُرسًا لا يتكلمون. دليله قوله : ﴿قَالَ اخْسَئُواْ فِيْهَا وَلَا تُكلِّمُونِ (١٠٨)﴾ (٥) وقيل: مبعدون من كل خير. * * *

стр. 1308

٦٦ - قوله : ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ أي: القردة، وقيل: القرية، وقيل: العقوبة، ﴿نَكالًا﴾ عقوبة وعبرةً وفضيحةً شاهِرةً (١) وأصله من (النّكل) وهو القيد، وجمعه أنكال، ويقال للجام (٢) أيضًا نكل (٣)، ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ قال أبو العالية والربيع: معناه: عقوبةً لِما مضى من ذنوبهم وعبرةً لمن بعدهم (٤)، وقال قتادة: جعلنا تلك العقوبة جزاءً لما تقدم من ذنوبهم قبل نهيهم عن الصيد، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ من العصيان بأخذ الحيتان بعد النهي (٥). وقيل: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ من عقوبة الآخرة،

стр. 1309

﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ من فضيحةٍ (١) في دنياهم، فيُذكرون بها إلى قيام الساعة (٢)، وقيل: في الآية تقديم وتأخير، تقديرها: فجعلناها وما خلفها مما أعدّ الله (٣) لهم من العذاب في الآخرة، نكالًا وجزاءً لِما بين يديها، أي: لِما تقدم من ذنوبهم في اعتدائهم يوم السبت ﴿وَمَوْعِظَةً﴾: وعظةً وعبرةً ﴿لِلْمُتَّقِيْنَ﴾: للمؤمنين من أمة محمد ﷺ فلا يفعلون مثل فعلهم (٤). ٦٧ - قَوله : ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ الآية، وذلك أنَّه وُجد قتيل في بني إسرائيل اسمه عاميل، ولم يدروا قاتله (٥). واختلفوا في قاتله، والسبب في قتله (٦):

стр. 1310

فقال عطاء والسدي: كان في بني إسرائيل رجل كثير المال، وله ابن عم مسكين، لا وارث له غيره، فلما طال (١) عليه موته قتله ليرثه. وقال بعضهم: كان (٢) تحت عاميل بنت عم له تُضرب (٣) مثلًا في بني إسرائيل بالحسن والجمال، فقتل ابن عمها (٤) لينكحها. وقال الكلبي: قتله ابن أخيه (٥) لينكح ابنته، فلما قتله حمله من قريته إلى قرية أخرى فألقاه هناك. وقيل: ألقاه بين قريتين. وقال عكرمة: كان لبني إسرائيل مسجدٌ له آثنا عشر بابًا، لكل سبط

стр. 1311

منهم باب، فوجد قتيل على باب سبط قُتل وجُرّ إلى باب سبط آخر، فاختصم السبطان فيه. وقال ابن سيرين: قتله القاتل ثم احتمله فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يطلب (١) بثأره ودَمِه (٢)، ويدعيه عليه، قالوا: فجاء أولياء القتيل إلى موسى ﵇ وأتوا (٣) بناسٍ وادّعوا عليهِ (٤) القتل وسألوا القصاص، فسألهم موسى عن ذلك (٥)، فجحدوا، فاشتبه أمر القتيل على موسى، ووقع بينهم خلافٌ وقتال (٦). قال الكلبي: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة، فسألوا موسى أن يدعو الله ليُبيّن (٧) لهم ذلك، فسأل موسى ﵇ ربَّه، فأمرهم (٨) بذبح بقرة، فقال لهم موسى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا﴾ يا موسى ﴿هُزُوًا﴾ أي: أتستهزئ (٩) بنا حين نسألك (١٠) عن القتيل

стр. 1312

وتأمرنا بذبح البقرة (١)، وإنما قالوا ذلك لتباعد الأمرين في الظاهر، ولم يدروا ما الحكمة فيه. وقرأ ابن محيصن: (أَيَتَّخِذُنَا) بالياء (٢)، وقال: يعنون الله . ولا يُستبعَد هذا من جهلهم؛ لأنهم هم الذين قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (٣). وفي ﴿هُزُوًاْ ثلاث لغات: (هُزْءًا) بالتخفيف والهمز، ومثله (كُفُؤًا) وهي قراءة الأعمش، وحمزة، وخلف، وإسماعيل (٤). و(هُزُؤًا) و (كُفُئًا) مثقَّلان مهموزان، وهي قراءة أبي عمرو وأهل الحجاز والشام، واختيار الكسائي وأبي عبيد وأبي حاتم. و﴿هُزُوًا﴾ و ﴿كُفُّوًاْ﴾ مثقَّلان بغير همز، وهي قراءة حفص عن عاصم (٥). وكلها لغات صحيحة فصيحة معناها: الاستهزاء.

стр. 1313

فقال موسى: ﴿أَعُوذُ﴾ أي: أمتنع ﴿بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي: من المستهزئين بالمؤمنين. فلما علم القوم أنَّ ذبح البقرة عزم من الله سألوه الوصف. ٦٨ - فـ ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ ولو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم (١) شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، وإنما كان تشديدهم تقديرًا من الله وحكمة. وكان السبب فيه على ما ذكره السدي وغيره: أن رجلًا في (٢) بني إسرائيل كان بارًّا (٣) بأبيه، وبلغ من بره (٤) أن رجلًا أتاه بلؤلؤة فابتاعها (٥) بخمسين ألفًا، وكان فيها فضل، فقال للبائع: إن أبي نائم، ومفتاح الصندوق تحت رأسه، فأمهلني حتَّى يستيقظ فأعطيك الثمن، قال: فأيقظ أباك وأعطني المال، قال: ما كنت لأفعل، ولكن أزيدك عشرة آلاف وأنظرني (٦) حتَّى ينتبه أبي، (فقال الرجل) (٧): وأنا (أحط عنك) (٨) عشرة آلاف إن أيقظت أباك

стр. 1314

وعجلت النقد، فقال: وأنا أزيدك (عشرين ألفًا إن انتظرت انتباه أبي، ففعل)، ولم يوقظ الرجل أباه "فأعقبه ببره بأبيه) (١) أن جعل (٢) تلك البقرة (٣) عنده، وأمر بني (٤) إسرائيل أن يذبحوا تلك البقرة بعينها) (٥). وقال ابن عباس ووهب وغيرهما أو من قال منهم: كان في بني إسرائيل رجل صالح، له ابن طفل (٦)، وكان له عجل (٧)، فأتى بالعجل إلى غيضة (٨)، وقال: اللهم إني أستودعك (٩) هذِه العجلة لابني حتَّى يكبر، ومات الرجل، فشبت (١٠) العجلة في الغيضة وصارت عوانًا، وكانت تهرب من كل من رامها (١١)، فلما كبر الابن

стр. 1315

وكان بارًّا بوالدته، وكان يقسم الليلة ثلاثة أثلاث (١)، يصلي ثلثًا، وينام ثلثًا، ويجلس عند رأس أمه ثلثًا، فإذا أصبح انطلق واحتطب على ظهره، فيأتي به السوق فيبيعه بما شاء الله، ثم يتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطي والدته ثلثه (٢). فقالت له أمه (٣): إن أباك ورَّثك عجلة وذهب بها إلى غيضة كذا، واستودعها ، فانطلق إليها وادع إله إبراهيم (وإسماعيل وإسحاق) (٤) أن يردها عليك (٥)، وإنَّ من علامتها أنك إذا نظرت إليها يُخيَّل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها، وكانت تسمى المُذَهَّبَة؛ لحسنها وصفرتها وصفاء لونها. فأتى الفتى الغيضة، فرآها ترعى، فصاح بها وقال: أعزم عليك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، فأقبلت تسعى حتَّى قامت بين يديه، فقبض على عنقها وقادها، فتكلمت البقرة بإذن الله، وقالت: أيها الفتى (البار بوالدتك) (٦) اركبني فإن ذلك أهون عليك، فقال الفتى: إن أمي لم تأمرني بذلك، ولكن قالت: خذ بعنقها،

стр. 1316

فقالت البقرة: وإله (١) بني إسرائيل لو ركبتني ما كنتَ تقدر على أبدًا، فانطلِق، فإنك لو أمرت الجبل أن ينقلع (٢) من أصله وينطلق معك لفعل؛ لبرك بوالدتك. فسار الفتى بها، فاستقبله عدو الله إبليس في صورة راعٍ، فقال (٣): يا (٤) أيها الفتى إني رجل من رعاة البقر اشتقت إلى أهلي، فأخذت ثورًا من ثيراني فحملت عليه زادي ومتاعي، حتَّى إذا بلغت شطر (٥) الطريق ذهبت لأقضي حاجتي، فعدا وسط الجبل وما قدرت عليه، وإني أخشى على نفسي الهلكة، فإن رأيت أن تحملني على بقرتك وتنجيني من الموت وأعطيك أجرها بقرتين مثل بقرتك، فلم يفعل الفتى وقال: اذهب فتوكل على الله، فلو علم منك (٦) اليقين (٧) لبلغك بلا زاد ولا راحلة، فقال إبليس: إن شئت (فاحملني عليها) (٨) وأعطيك عشرا (٩) مثلها، فقال الفتى: إن أمي لم تأمرني

стр. 1317

بهذا (١)، فبينا الفتى (٢) كذلك إذ طار طائر من بين يدي البقرة (٣) ونفرت البقرة هاربة في الفلاة، وغاب الراعي، فدعاها الفتى باسم إله إبراهيم فرجعت البقرة إليه، وقالت: أيها الفتى البار بوالدته ألم تر إلى الطائر الَّذي طار؟ إنه إبليس عدو الله اختلسني، أما إنه (٤) لو ركبني لما قدرت على أبدًا، فلما دعوت إله إبراهيم جاء ملك فانتزعني من يد إبليس وردني إليك؛ لبرك بوالدتك وطاعتك لها. فجاء بها الفتى إلى أمه، فقالت له (٥): إنك فقير لا مال لك ويشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل، فانطلق فبع هذِه البقرة وخذ ثمنها، قال: بكم أبيعها (٦)، فقالت: بثلاثة دنانير ولا تبعها بغير رضاي ومشورتي، وكان ثمن البقر (٧) في ذلك الوقت ثلاثة دنانير. فانطلق بها الفتى إلى السوق، فبعث الله ملكًا ليُري خلقه قدرته، وليختبر الفتى كيف بره (٨) بوالدته، وكان الله به خبيرًا، فقال له الملك: بكم تبيع هذِه البقرة؟ فقال: بثلاثة دنانير وأشترط عليك

стр. 1318

رضا والدتي. فقال له الملك: لك (١) ستة (٢) دنانير ولا تستأمر أمك، فقال الفتى (٣): لو أعطيتني وزنها ذهبًا لم آخذه إلَّا برضا أمي، فردها إلى أمه وأخبرها بالثمن، فقالت: ارجع فبعها بستة دنانير (على رضًا مني، فانطلق الفتى بالبقرة إلى السوق، وأتى الملك فقال: استأمرت والدتك؟ قال الفتى (٤): إنها أمرتني أن لا أنقصها من ستة (٥) على أن أستأمرها. قال الملك: فإنِّي أعطيك اثني عشر) (٦) على أن لا تستأمرها، فأبى الفتى ورجع إلى أمه فأخبرها بذلك، قالت: إن ذلك الرجل الَّذي يأتيك هو مَلَكٌ من الملائكة يأتيك في صورة آدمي ليختبرك (٧)، فإذا أتاك فقل له: أتأمرنا أن نبيع هذِه البقرة أم لا؟ ففعل ذلك، فقال له الملَك: اذهب إلى أمك فقل لها: أمسكي هذِه البقرة، فإن موسى بن عمران يشتريها منكم لقتيل يقتل من (٨) بني إسرائيل، فلا تبيعوها إلَّا بملء مسكها دنانير، فأمسكوا البقرة، فقدر

стр. 1319

الله على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها، وأمرهم بها، فما زالوا يستوصفون ويوصف (١) لهم حتَّى وُصف لهم تلك البقرة بعينها، مكافأة له على برّه بوالدته، فضلًا منه ورحمةً (٢). فذلك قوله : ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ أي: سل، وهكذا هو في مصحف عبد الله: (سل لنا ربك يبين لنا ما هي وما سنها) (٣) قال موسى ﵇: ﴿إِنَّهُ﴾ يعني (٤): الله ﴿يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ أي: لا كبيرة ولا صغيرة، وارتفع الفارض والبكر بإضمار هي، أي: لا هي فارض ولا (٥) بكر، قال مجاهد وأبو عبيدة والأخفش: الفارض: الكبيرة المسنة التي لا تلد (٦). يقال منه: فرضت تفرض فروضًا (٧) قال الشاعر:

стр. 1320

كميت بهيمُ اللونِ ليس بفارضٍ ... ولا بعوانٍ ذات لونٍ مخصفِ (١) وقال الراجز: يا رُبَّ ذي ضغنٍ وضبٍّ فارضِ له قروءٌ كقروءِ الحائضِ (٢) أي: حقدٍ قديم. والبكر: الفتية الصغيرة التي لم تلد قط، وقال السدي: البكر التي لم تلد قط (٣) إلَّا ولدًا (٤)

стр. 1321

واحدًا (١). وحذف الهاء منها للاختصاص. ﴿عَوَان بَيْن ذَلِكَ﴾ نَصَفٌ بين السِّنَّين، وقال الأخفش: العوان التي نتجت مرارًا وجمعه عُون (٢). ويُقال منه عوّنت تعوينًا. ﴿فَافْعَلُواْ مَا تُؤمَرُونَ﴾ من ذبح البقرة، ولا تكرِّروا السؤال. * * *

стр. 1322

٦٩ - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ محل ﴿مَا﴾ رفع بالابتداء (١)، و ﴿لَوْنُهَا﴾ خبره (٢)، وقرأ الضحاك: (لونَها) نصبًا (٣) كأنه أعمل فيه التبيين وجعل ﴿مَا﴾ صلة ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ قال ابن عباس: شديدة الصفرة (٤). قال عدي بن زيد: وإنِّي لأَسْقِي الشَّربَ صَفراءَ فاقِعًا ... كأنَّ ذكيَّ المِسْكِ فِيها يُفتَّقُ (٥) وقال قتادة وأبو العالية والربيع: صاف (٦) وقال سعيد بن جبير:

стр. 1323

صفراء القرن والظلف (١). وقال الحسن: سوداء (٢). والعرب تسمى الأسود أصفر، قال الأعشى: تلك خيلي منه (٣) وتلك ركابي هن صفْرٌ أولادُها كالزبيبِ (٤) قال القتيبي: غلط من قال: الصفراء هاهنا السوداء؛ لأن هذا غلط

стр. 1324

في نعوت البقر (١)، فإنما هو في نعوت الإبل، وذلك أن السود من الإبل يشوب (٢) سوادها صفرة، ولأنه (٣) لو أراد السواد لما أكده بالفقوع، لأن الفاقع المبالغ (٤) في الصفرة، كما يقال: أبيض يَقق وأسود حالك، وأحمر قانٍ، وأخضر ناضر (٥). ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ أي: الناظرين إليها، وتعجبهم من حُسْنها وصفاء لونها؛ لأن العين تسر وتولَع بالنظر إلى الشيء الحسن. قال على بن أبي طالب ﵁: من لبس نعلًا صفراء قلَّ همّه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ (٦).

стр. 1325

٧٠ - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ أسائمة أم عاملة ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَليْنَا﴾ هذِه قراءة العامة، وقرأ محمد ذو الشامة الأموي (١): (إن الباقر) (٢) وهو جمع، البقر كالجامل لجماعة الجمل، قال الشاعر: ما لي رأيتك بعد عهدك موحِشًا ... خَلقًا كحوض الباقِر المَتهدِّم (٣)

стр. 1326

قال قطرب: يقال لجمع البقرة: بقر وباقِرٌ وبيقور وباقور (١) (٢). فإن قيل: لم قال: تشابَه، والبقر جمعٌ، ولم يقل: تشابهت؟ قيل: فيه ثلاثة أقاويل (٣): أحدها: أنَّه ذكَّر لتذكير لفظ البقر كقوله تعالى: ﴿كأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ (٤)، وقال المبرِّد: سُئل سيبويه عن هذِه الآية فقال: كل جمع حروفه أقل من حروف واحِده، فإن العرب تُذَكِّره. واحتج بقول الأعشى: ودِّع هُريرة إن الركبَ مُرتحِلُ (٥) ولم يقل: مرتحلون. وقال الزجاج: معناه: إن جنس البقر تشابه علينا (٦).

стр. 1327

وفي ﴿تَشَابَهَ﴾ سبع قراءات: ﴿تَشَابَهَ﴾ (١) بفتح الهاء والتاء وتخفيف الشين، وهي قراءة العامة، وهو فعل ماضٍ مذكر موحد. وقرأ الحسن: (تشابَهُ) بتاء مفتوحة وهاء مضمومة، وتخفيف الشين، أراد: يتشابه. وقرأ الأعرج: (تشَّابَهُ) بفتح التاء وتشديد الشين وضم الهاء، على معنى يتشابه. وقرأ مجاهد: (تشَّبَّهُ) كقراءة الأعرج إلَّا أنَّه بغير ألف، كقوله (٢): تجَّمَّل وتجامل. وفي مصحف أبي: (تشابهت) على وزن تفاعلت، أنثه لتأنيث البقرة (٣). وقرأ ابن أبي إسحاق: (تشَّابهت) بتشديد الشين، وقال أبو حاتم: وهذا غلط؛ لأن التاء لا تدغم في هذا الباب إلَّا في المضارعة. وقرأ الأعمش: (متشابهٌ علينا) جعله أسمًا (٤). ومعنى الآية: التبس واشتبه أمره علينا فلا نهتدي إليه. ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ إلى وصفها، قال رسول الله ﷺ : "وايم الله لو لم يستثنوا لما بُينت لهم إلى (٥) آخر الأبد" (٦).

стр. 1328

٧١ - ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرُةٌ لَا ذَلُوْلٌ﴾ (أي: ليست) (١) مذللة بالعمل، يُقال: رجل ذليلٌ (٢) بّيِّن الذُّل، ودابّةٌ ذلول، بيِّنَةُ الذّل، ﴿تُثِيُر الأَرْضَ﴾ تقلبها للزراعة ﴿وَلَا تَسْقِى الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ﴾ بريئة من العيوب، وقال الحسن: مسلمة القوائم ليس فيها أثر العمل (٣)،

стр. 1329

﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ قال عطاء: لا عيب فيها (١) وقال قتادة: لا بياض فيها أصلًا (٢)، وقال مجاهد: لا بياض فيها ولا سواد (٣) وقال محمد بن كعب: لا لون فيها يخالف معظم لونها (٤)، فلما قال هذا ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ بالوصف البيّن التام، فطلبوها فلم يجدوها (٥) بكمال وصفها إلَّا عند الفتى (٦) البارّ بوالدته (٧)، فاشتروها منه بملءِ مسكها ذهَبًا، وقال السدي: اشتروها بوزنها عشر مرات ذهبًا (٨)

стр. 1330

(فرزقه الله تعالى ذلك ببره بأبويه) (١). ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ من غلاء ثمنها، وقال محمد بن كعب: (وما كادُوا) (٢) يجدونها باجتماع أوصافها (٣). ٧٢ - قوله ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ يعني: عامِيل، وهذِه الآية أوّل القصة ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ فاختلفتم فيها، قاله ابن عباس ومجاهد (٤)، ومنه قول القائل في رسول الله ﷺ : كان شريكي وكان خير شريك لا يُداري ولا يُماري (٥).

стр. 1331

وقال الضحاك: اختصمتم (١). وقال عبد العزيز بن يحيى: شككتم (٢). وقال الربيع بن أنس: تدافعتم (٣). وأصل الدرء: الدفع، يعني: ألقى ذاك على هذا وهذا على ذاك فدافع (٤) كل واحد على نفسه كقوله ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ (٥) قوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ (٦). وأصل قوله ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ تدارأتم،

стр. 1332

فأدغم (١) التاء في الدال وأدخلت الألف ليسلم سكون (الألف (الأولى) (٢) مثل قوله: ﴿أثَّاقَلْتُمْ﴾ (٣) و ﴿اْطَيَّرْنَا﴾ (٤). ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ﴾ وأي؛ مظهر ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أي: تخفون. ٧٣ - ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ﴾ يعني: القتيل ﴿بِبَعْضِهَا﴾: ببعض البقرة. واختلفوا في هذا البعض ما هو؟ فقال ابن عباس: ضربوه (٥) بالعظم الَّذي يلي الغضروف (٦)، وهو المقتل (٧).

стр. 1333

وقال الضحاك: بلسانها (١)، وقال الحسين بن الفضل: وهذا أولى الأقاويل (٢)، لأن المراد كان من إحياء القتيل كلامهُ واللسان آلته (٣). وقال سعيد بن جبير: بعجب ذنبها (٤). وقال يمان بن رئاب: وهو أولى التأويلات بالصواب؛ لأن العُصعص أساس البدن الَّذي رُكب عليه الخلق، وأنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى (٥). وقال مجاهد: بذنبها (٦). وقال عكرمة والكلبي: بفخذها الأيمن (٧). وقال السدي: بالبضعة التي بين كتفيها (٨). وقيل: بأذنها.

стр. 1334

ففعلوا ذلك فقام القتيل حيًّا (١) بإذن الله وأوداجه تشخب دَمًا، وقال: قتلني فلان، ثم مات وسقط مكانه ميتًا (٢). وفي الآية إضمار (٣)، تقديرها: فقلنا اضربوه ببعضها فضُرب فحيي، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤) يعني: فأفطر، فعدة، وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ (٥) أي: فحلق، ففدية، ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ كما أحيا عاميل بعد موته كذلك يحيي الله الموتى ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: دلائله (٦)، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قال الواقدي: كل شيء في القرآن (لعلكم) فهو بمعنى لكي (٧) غير التي في الشعراء: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ (٨) فإنه (٩) بمعنى (١٠) كأنكم

стр. 1335

تخلدون فلا تموتون (١). ٧٤ - قوله : ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ قال الكلبي: قالوا بعد ذلك: لم نقتله نحن، وأنكروا فلم يكونوا قط أعمى قلبًا ولا أشد تكذيبًا منهم لنبيهم (٢) عند ذلك (٣). فقال الله : ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ قال الكلبي وأبو روق: يبست واشتدت (٤)، قال الشاعر (٥): ولا أرى أثرًا للذِّكرِ في جَسَدي ... والحبلُ في الجبلِ القاسِي لَه أئَرُ (٦) وقال أبو عبيدة: جفّت (٧). وقال الواقدي (٨): جفّت من الشدة فلم تلِن.
следующие страницы →