стр. 12741
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 18686
تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير
الثعلبي
Полный текст (16 476 стр.). Показаны 12741–12780 · переход к 12746.
стр. 12742
وقال (أبو عبيد: ناظرت) (١) بعض المُلحدة، قال (٢): ألاّ تراه يقول: فإنّ الله هو الدهر، فقلت له: هل كان أحد يسب الله في آباد الدهر، بل كانوا يقولون كما قال الأعشى:
استأثر اللهُ بالوفاء وبالعَدْل ... وولَّى المَلامةَ الرَّجُلا (٣)
قال: فتأويل قوله ﷺ : "إنّ الله هو الدهر"، إن الله جل ذكره هو الذي يأتي بالدهر والشدائد والمصائب، فإذا سببت الدهر وقع السب على الله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا؛ لأنّه فاعل هذِه الأشياء وقاضيها ومدبرها (٤).
وقال الحسين بن الفضل: مجازه: فإنّ الله هو (٥) مدهّر الدهور (٦).
стр. 12743
وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ في خطبة له: مُدهّر (١) الدهور، ومن عنده الميسور، ومن لديه المعسور (٢).
ودليل هذا التأويل.
[٢٧١٢] ما أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن النيسابوري (٣)، حدثنا أبو الحسن (محمد بن محمد بن الحسن) (٤) الكازري (٥)، حدثنا أبو عبد الله محمد بن القاسم الجمحي (٦)، حدثنا عنبر (٧) بن أحمد (٨)، قال: بلغني أنّ سالم (٩) بن عبد الله بن عمر (١٠) كان كثيرًا ما يذكر الدهر، فزبرهُ أبوه عبد الله بن عمر ﵁، وقال له: يا بني إياك وذكر الدهر، (ثم أنشد) (١١):
стр. 12744
فما الدهر بالجائي بشيء تحبه ... ولا جالب البلوى فلا تشتم الدهرا
ولكن متى ما يبعث الله باعثًا ... على معشر يجعل مياسيرهم عُسرَا (١)
وأنشدني أبو القاسم (٢) قال (٣): أنشدنا الشيخ السدي أبو محمد (أحمد بن عبد الله) (٤) المزني، قال: أنشدنا معاذ بن نجدة بن العريان (٥):
دار الزمان على الأمور فإنّه ... إن لم تدار رماك بالآلام
стр. 12745
وذر الزمان عن الملام فإنما ... يحكي الزمان مجاري الأقلام
يُشكى الزمان ويستزاد فإنّما ... بيد المليك منافذ الأحكام (١)
[٢٧١٤] وأنشدني الأستاذ (٢) أبو القاسم الحبيبي (٣)، قال: أنشدني أبي (٤)، قال: أنشدني أبو علي (محمد بن عبد الوهاب) (٥) الثقفي:
يا عالما يعجب من دهره ... لا تَلُمِ الدّهر على غدره
فالدهر مأمور له آمِرٌ ... يصرف (٦) الدهر إلى أمره
كم كافر أمواله جَمَّةٌ ... يزداد أضعافًا على كفره
стр. 12746
ومؤمنٍ ليس له درهم ... يزدادا إيمانًا على فقره (١)
٢٥ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾
(يعني: ليوم القيامة) (٢) (٣) ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
٢٧ - ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧)﴾
٢٨ - قوله : ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾
مجتمعة مستوفزة على ركبها من هول ذلك اليوم (٤).
وأصل الجثوة: الجماعة من كلّ شيء (٥).
قال طرفة يصف قبرين:
стр. 12747
تَرى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرابٍ عليهما ... صَفائِحُ صُمٌّ مِنْ صَفِيْحٍ مُنَضَّدِ (١)
[٢٧١٥] أخبرني (٢) ابن فنجويه (٣)، حدثنا عبد الله (٤) بن يوسف (٥)، حدثنا محمد بن موسى الحلواني (٦)، حدثنا يعقوب بن سفيان (٧) الفارسي (٨)، حدثنا عبد الله بن يحيى الثقفي (٩)، حدثنا أبو عوانة (١٠)، عن عاصم الأحول (١١)، عن أبي عثمان النهدي (١٢)، عن سلمان (١٣)، قال: (١٤) في القيامة ساعة هي عشر سنين يكون (١٥)
стр. 12748
الناس جثاة (١) على ركبهم حتّى إن (٢) إبراهيم (ينادي: نفسي لا أسألك (٣) إلا نفسي (٤).
﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ الذي فيه أعمالها (٥) ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
٢٩ - ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ يعني: ديوان الحفظة (٦)، وقيل: اللوح المحفوظ (٧).
[٢٧١٦] أخبرني الحسين بن محمد الثقفي (٨)، حدثنا عمر بن نوح
стр. 12749
البجلي (١)، حدثنا أبو خليفة (٢)، حدثنا عثمان بن عبد الله الشامي (٣)، حدثنا بقية بن الوليد (٤)، عن أرطاة بن المنذر (٥)، عن مجاهد (٦)، عن ابن عمر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أول شيء خلق الله القلم من نور مسيرة خمسمائة عام، واللوح من نور مسيرة خمسمائة عام، فقال للقلم: أجر فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، برها وفاجرها، ورطبها ويابسها". ثمّ قرأ (٧) هذِه الآية: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾، قال: "وهل تكون النسخة إلا من شيء قد فرغ منه" (٨).
ومعنى ﴿نَسْتَنْسِخُ﴾ نأمر بالنسخ (٩).
стр. 12750
وقال الضحاك: نثبت (١).
وقال السدي: نكتب (٢).
وقال الحسن: نحفظ (٣).
٣٠ - قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ جنّته (٤) (٥)
﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ الظفر الظاهر (٦).
٣١ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
فيقال لهم: ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ﴾ بالرفع (٧) قراءة العامة على الابتداء، وخبره فيما بعده (٨)، ودليلهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ
стр. 12751
عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١) بالرفع (٢).
وقرأ أبو رجاء العطاردي، وحمزة ﴿وَالسَّاعَةُ﴾ نصبًا عطفًا بها على الوعد (٣).
٣٣ - ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ بأنّها (٤) كائنة (٥).
٣٤ - قوله : ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ أي: جزاؤها (٦)
﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
٣٥ - ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ﴾ أي (٧): نترككم في النّار (٨).
стр. 12752
﴿كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ كما تركتم الإيمان بيومكم هذا (١) (٢) ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
٣٦ - ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾
قراءة العامة بضم الياء (٣)، وقرأ أهل الكوفة إِلاَّ عاصما بالفتح (٤) (٥).
﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُستَرضَون (٦).
٣٧ - ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾
قراءة العامة (ربِّ) بكسر الباء في ثلاثتها على النعت (٧) (٨)، وقرأها ابن محيصن رفعًا على معنى (هو ربُّ) (٩).
стр. 12753
стр. 12754
٤٦ - سُورَة الأَحْقَافِ
стр. 12755
стр. 12756
стр. 12757
قوله تعالى:
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
١ - ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾
وفي مصحف عبد الله ﵁ (أرأيتكم) (١) ﴿مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ﴾ من عند الله جاءكم (٢).
﴿مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ القرآن فيه بيان ما تقولون (٣) ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ قراءة العامّة بالألف (٤) ، واختلفت (٥) العلماء في تأويلها:
[٢٧١٨] فأخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان (٦)، أخبرنا مكي بن
стр. 12758
стр. 12759
стр. 12760
стр. 12761
стр. 12762
خاصة من علم أُوتيتموه وأوثرتم (١) بها على غيركم (٢).
وقرأ عكرمة: أو مِيرَاثٍ مِن عِلم (٣). ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ أجهل (٤)
﴿مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ﴾ يعني الأوثان (٥) ﴿عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ لا يسمعون ولا يفهمون، فأخرجها وهي جماد مخرج ذكور بني آدم؛ إذ كانت قد مثّلتها عبدتها بالملوك والأمراء التي تُخدم (٦) .
٦ - ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾
جاحدين، وعنهم متبرّئين (٧)، بيانه قوله: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ (٨).
стр. 12763
٧ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (١)
إن عذّبني على افترائي (٢).
﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ﴾ تخوضون (٣) ﴿فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
٩ - ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا﴾ أي: بديعًا مثل نصفٍ ونصيفٍ (٤)
﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: لست بأوّل مرسل، فَلِمَ تنكرون نبوّتي؟ هل أنا إلاّ كالأنبياء قبلي؟ وجمع البدع: أبداع (٥).
قال عدي بن زيد:
فلا أنا بِدعٌ من حَوادثَ تَعْتَرِي ... رجالًا عَرَت مِن بَعْدِ موسى وأَسْعُدِ
﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾
стр. 12764
اختلف العلماء في معنى هذِه الآية وحكمها:
فقال بعضهم: معناها وما أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة (١)، فلمّا نزلت هذِه الآية فرح المشركون فرحًا شديدًا، وقالوا: واللات والعُزى ما أمرنا وأمر محمّد ﷺ عند الله إلاّ واحد، وما له علينا من مزية وفضل، ولولا أنّه أبتدع ما يقوله من ذات (٢) نفسه، لأخبره الذي بعثه بما يفعل به، فأنزل الله تعالى ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (٣)، فبيّن له أمره، ونسخت هذِه الآية (٤)، فقالت الصحابة ﵁: هنيئًا لك يا رسول الله، قد علمنا ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٥) الآية، ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ (٦) فبيّن الله تعالى ما يفعل به
стр. 12765
стр. 12766
أخبر أنّ أُمّ العلاء (١) ﵁ امرأة من الأنصار، قد بايعت رسول الله ﷺ أخبرته أنّهم اقتسموا المهاجرين سكناهم قُرعة، قالت: فطار لنا عثمان ابن مظعون (٢) ﵁ فأنزلناه أبياتنا فوضع موضعه (٣) الذي توفي فيه، فلمّا توفي غسّل وكفّن في أثوابه، ودخل رسول الله ﷺ ، فقلتُ لعثمان بن مظعون: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك، لقد أكرمك الله، فقال رسول الله ﷺ : "وما يدريك أنّ الله قد أكرمه".
قالت: فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فمن قال؟ أما هو فقد جاءه اليقين، وما رأينا إلاّ خيرًا، فوالله إنّي لأرجو له الجنّة، قال: "والله ما أدري وأنا رسول الله ماذا يفعل بي"، قالت: فوالله إني لا أزكّي بعده أحدًا (٤).
стр. 12767
قالوا: وإنّما قال هذا حين لم يخبر بغفران ذنبه، وإنّما غفر الله له ذنبه في غزوة (١) الحديبية قبل موته بسنتين وشيء (٢).
وقال ابن عبّاس ﵁: لمّا اشتدّ البلاء بأصحاب رسول الله ﷺ ، رأى رسول الله ﷺ فيما يرى النائم وهو بمكّة أرضًا ذات سباخ، ونخل رُفعت له، يهاجر إليها، فقال له أصحابه وهو (٣) بمكّة: إلى متى نكون في هذا البلاء الذي نحن فيه؟ ومتى نهاجر إلى الأرض التي أُريت؟ فسكت ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾، أُترك في مكاني أو أخرج إلى الأرض التي رفعت لي (٤).
وقال بعضهم: معناه: وما أدري ما يفعل بي ولا بكم، وإلى ما (٥) يصير أمري وأمركم في الدُّنيا؟ (٦).
стр. 12768
[٢٧٢٠] أنبأني عقيل بن محمّد (١)، أخبرنا المعافى بن زكريا (٢)، أخبرنا محمد بن جرير (٣)، حدثنا ابن حُمَيد (٤)، حدّثنا يحيى بن واضح (٥)، حدّثنا أبو بكر الهذلي (٦)، عن الحسن (٧)، في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾، فقال: أمّا في الآخرة فمَعاذ الله، قد علم أنّه في الجنّة حين أخذ ميثاقه في الرسل، ولكن قال: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ في الدُّنيا، أُخرج كما أخرجت الأنبياء من قبلي؟ أو أقتل كما قتلت الأنبياء من قبلي؟ ولا أدري ما يفعل بكم، أُمّتي المكذِّبة أم المصدّقة، أم أُمّتي المرميّة بالحجارة من السّماء قذفًا، أم مخسوف بها خسفًا.
ثمّ أنزل الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ (٨) يقول: سيظهر دينكم على الأديان. ثمّ قال في أُمّته: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا
стр. 12769
كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ (١) فأخبره الله تعالى بما يصنع به وما يصنع بأُمّته ﷺ (٢). وهذا قول السدي (٣) والثمالي (٤).
وقال الضحّاك: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ أي ما تؤمرون به وما تنهون عنه (٥).
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
١٠ - قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ﴾ يعني القرآن (٦)
﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ قال قتادة والضحاك وابن زيد (٧): هو عبد الله بن سَلَام ﵁ شهد على نبوّة
стр. 12770
стр. 12771
[٢٧٢٢] وأخبرنا عبد الله بن حامد (١)، حدّثنا أبو جعفر محمّد بن محمّد بن عبد الله البغدادي (٢) (٣)، حدّثنا إسماعيل بن إسحاق (٤) قالا، حدّثنا محمّد بن عبد الله الأنصاري (٥)، قال حدّثني حميد الطويل (٦)، عن أنس ﵁، قال: جاء عبد الله بن سلام (٧) ﵁ إلى رسول الله ﷺ مقدمه إلى المدينة، فقال: إنّي سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلاّ نبي! ما أوّل أشراط السّاعة؟ وما أوّل طعام يأكله أهل الجنّة؟ والولد ينزع إلى أبيه أو إلى أُمِّه؟ قال: "أخبرني جبريل ﵇ بهنّ آنفًا" قال عبد الله ﵁: ذاك عدوّ اليهود من الملائكة.
فقال: "أمّا أوّل أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأمّا أوّل طعام يأكله أهل الجنّة فزيادة كبد حوت، وأمّا الولد، فإذا سبق ماء الرجل نَزَعه (٨)، وإن سبق ماء المرأة نزعته"، فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّك رسول الله، ثمّ قال: يا
стр. 12772
رسول الله، إنّ اليهود قوم بُهت (١)، وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عنّي (٢) بهتوني عندك، فجاءت اليهود، فقال لهم رسول الله ﷺ : "أي رجل عبد الله فيكم؟ " فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيّدنا وابن سيّدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: "أرأيتم إن أسلم عبد الله؟ "، قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله ﵁، فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنَّ محمّدًا رسول الله ﷺ ، فقالوا: شرّنا وابن شرّنا، وانتقصوه، قال (٣): هذا ما كنت أخاف يا رسول الله وأحذر (٤).
ودليل هذا التأويل:
[٢٧٢٣] ما أخبرني عقيل بن محمّد (٥) أنّ المعافى (٦) أخبره، عن
стр. 12773
محمّد بن جرير (١)، أخبرنا يونس (٢)، أخبرنا عبد الله بن يوسف التِنيسي (٣)، قال: سمعت مالك بن أنس (٤) يحدّث، عن أبي النضر (٥)، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص (٦)، عن أبيه (٧)، قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحد يمشي على (٨) الأرض إنّه من أهل الجنّة، إِلاّ لعبد الله بن سَلَام، (٩) وفيه نزلت ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ (١٠).
стр. 12774
وقال آخرون: هو موسى بن عمران ﵇ (١).
قال (٢) الشعبي، عن مسروق في هذِه الآية، قال: والله ما نزلت في عبد الله بن سلام لأنّ (آل ﴿حم﴾ (٣)) نزلت بمكّة، وإنّما أسلم عبد الله ﵁ بالمدينة، وإنّما كانت محاجّة من رسول الله ﷺ لقومه، فأنزل الله تعالى هذِه الآية، ومثل القرآن التوراة، فشهد موسى ﵇ على التوراة، ومحمّد ﷺ على الفرقان (٤)، وكلاهما يصدّق أحدهما الآخر (٥). وقيل: هو ابن يامين (٦). وقيل؟ نبي من بني إسرائيل (٧).
стр. 12775
﴿فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ فلم تؤمنوا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ لدينه وحجّته.
وقال أهل المعاني هذِه الآية: محذوفة الجواب مجازها: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ مَن المحقّ مِنّا ومنكم، ومن المبطل؟ (١).
١١ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من اليهود
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ﴾ دين محمّد ﴿خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ يعني عبد الله ابن سلام وأصحابه، قاله أكثر المفسِّرين (٢).
وقال قتادة: نزلت في فاس من مشركي قريش، قالوا: لو كان ما يدعونا إليه محمّد خيرًا ما سبقنا إليه فلان وفلان، ويختص الله برحمته من يشاء (٣).
وقال الكلبي: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني أسدًّا وغطفان ﴿لِلَّذِينَ
стр. 12776
آمَنُوا﴾ يعني جهينة ومزينة ﴿لَوْ كَانَ﴾ ما جاء به محمّد ﴿خَيْرًا﴾ ما سبقنا إليه رِعاءُ البَهم، ورذال الناس (١).
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أي: بالقرآن (٢) كما اهتدى به أهل الإيمان ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ كما قالوا أساطير الأوّلين (٣).
١٢ - ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: ومن قبل القرآن (٤) ﴿كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا﴾
يؤتم به (٥) ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن آمن وعمل به (٦)، ونُصبا على الحال، عن الكسائي (٧).
وقال أبو عبيدة: فيه إضمار. أي: أنزلناه، أو جعلناه إمامًا
стр. 12777
ورحمةً (١) (٢).
وقال (٣) الأخفش على القطع، لأنّ قوله: ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ معرفة بالإضافة، والنكرة إذا أعيدت أو أضيفت أو أدخلت (٤) عليها الألف واللام صارت معرفة (٥).
﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ نصب على الحال (٦)، وقيل: أعني لسَانًا (٧). وقيل: بلسانٍ (٨).
﴿لِيُنْذِرَ﴾ (٩) بالتاء، مدني، وشامي (١٠)، و [البَزِّي] (١١) بخلاف
стр. 12778
стр. 12779
الكتاب مجازه (وهذا كتابٌ مصدّقٌ وبشرى) (١)، والنصب على معنى (لتنذر الذين ظلموا وتبشّر المحسنين) (٢) فلمّا جعل مكان و (تبشر) (٣) (بشرى) أو (بشارة)، نصب كما يقال: أتيتك لأزورك وكرامة لك، وقضاء حقّك. بمعني (٤) لأزورك وأكرمك وأقضي حقّك (٥)، فنصبت الكرامة والقضاء بفعل مضمر (٦).
١٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾
﴿حُسْنًا﴾ قراءة العامّة: بضم الحاء، وغير ألف قبلها (٧)، وقرأ أهل الكوفة: ﴿إِحْسَانًا﴾ (٨)،
стр. 12780
وهي قراءة ابن عبّاس ﵁ (١).
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ بكُره، ومشقّة (٢) (٣)، (الكوفيون، وابن ذكوان بضم الكاف في الحرفين) (٤) (٥) ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾ وفِطامه (٦)، وقرأ الحسن، ويعقوب: (وفَصْله) بغير ألف (٧) ﴿ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ قال المفسِّرون: حَملَهُ ستّة أشهر، ورضاعه أربعة وعشرون شهرًا (٨).