← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 12811–12850 · переход к 12816.

стр. 12811

٢٣ - ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ﴾ (١) بوقت مجيء العذاب (٢) ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ لا عندي (٣)، وإنّما (٤) أنا مبلِّغ (٥). ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾. ٢٤ - ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ يعني: العذاب (٦) ﴿عَارِضًا﴾ نُصب على الحال (٧)، وإن شئت بالتكرير، أي: رأو عارضا، وهو السحاب (٨)، سمّي بذلك لأنّه يعرض أي يبدو في عرض السماء (٩). قال مجاهد: استعرض لهم (١٠) الوادي.

стр. 12812

قال الأعشى (١): يا من رأى عارِضاً قد بِتُّ أرمُقُه ... كإنّما البَرق فيُ حَافَاتِهِ الشُّعَلُ قال المفسِّرون (٢): ساق الله تعالى السحابة السوداء التي اختار (٣) قَيْلُ بن عَثْرٍ (٤) رأس وقد عاد بما فيها من النقمة إلى عاد، فخرجت عليهم من واد لهم يقال له: المغِيث، وكانوا قد حبس عنهم المطر أيّاماً، فلمّا رأوها ﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا﴾ (٥) استبشروا بها وقالوا (٦) ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ يقول الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فجعلت تحمل الفسطاط (٧)، وتحمل الظعينة (٨) فترفعها

стр. 12813

حتّى تُرى كأنّها جرادة. [٢٧٣٣] أخبرني ابن فنجويه (١) ﵀، حدّثنا ابن شنبة (٢)، حدّثنا عبيد الله (٣) بن أحمد بن منصور الكسائي (٤)، حدّثنا الحارث ابن عبد الله (٥)، أخبرنا هشيم (٦)، عن جويبر (٧)، حدّثنا أبو داود الأعمى (٨) عن ابن عباس ﵄ في قول الله ﷺ : ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ الآية، قال: لمّا دنا العارض قاموا فمدّوا أيديهم، فأوّل ما عرفوا أنّها عذاب (٩) رأوا ما كان خارجاً من ديارهم (١٠)، من رجالهم، ومواشيهم تطير بهم الريح بين السماء والأرض، مثل الرشا (١١)، قال: فدخلوا بيوتهم، وأغلقوا أبوابهم، فجاءت الريح

стр. 12814

فقلعت أبوابهم وصرعتهم، وأمر الله تعالى الريح فأمالت عليهم الرمال وكانوا (١) تحت الرمل سبع ليال، وثمانية أيّامٍ (٢) حسوما، لهم أنين، ثمّ أمر الله تعالى الريح فكشفت عنهم الرمال ثمّ أمرها فاحتملتهم، فرمت بهم في البحر، فهو الذي يقول (٣) الله تعالى: ٢٥ - ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مرّت به من رجال عاد وأموالها (٤). ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ بإذن ربها (٥). [٢٧٣٤] أخبرني ابن فنجويه (٦) ﵀، حدّثنا عمر بن الخطّاب (٧)، حدّثنا عبد الله بن الفضل (٨)، أخبرنا أبو هشام (٩)،

стр. 12815

حدّثنا حفص (١)، عن ابن جريج (٢) (٣)، عن عطاء (٤)، عن عائشة (٥) ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا رأى الريح فزع، وقال: "اللهم إنّي أسألك خيرها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها، وشرّ ما أرسلت به"، وإذا رأى مَخِيلَة (٦) قام، وقعد، وجاء، وذهب، وتغيّر لونه، فنقول (٧) له (٨): يا رسول الله تغير لونك (٩)، فيقول: "إنّي أخاف أن تكون مثل قوم عاد، حيث قالوا هذا عارض ممطرنا" (١٠).

стр. 12816

﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى﴾ (١) قرأ الحسن (لا تُرى) بتاء مضمومة ﴿إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ برفع النون (٢)، ومثله روى شعيب بن أيّوب (٣)، عن يحيى بن آدم (٤)، عن أبي بكر بن عيّاش (٥)، عن عاصم (٦) (٧). قال أبو حاتم: هذا لا يستقيم في اللغة إلَّا أنْ يكون فيه (٨) إضمار كما تقول في الكلام: لا تَرى النساء إلَّا زينب، ولا يجوز: لا (٩) تُرى

стр. 12817

إلَّا زينب (١). وقال سيبويه: معناه: لا تُرى أشخاصهم إلَّا مساكنهم (٢). وأجاز الفرّاء هذِه القراءة على الاستكراه، وذكر أنّ المفضل أنشده: نارنا لم تُر نَاراً مِثلُها ... قد عَلِمَتْ ذاك مَعَدٌّ كرَماً (٣) فأَنّث فعل مثل لأنّه للنّار (٤)، وأجود الكلام أن تقول: لم ير مثلها ناراً (٥). وقرأ الأعمش وعاصم وحمزة ويعقوب وخلف (٦) (يُرى) بياء مضمومة (مَسَاكِنُهُم) رفعاً (٧)، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم (٨).

стр. 12818

قال الكسائي: معناه لا يُرى شيء إلَّا مساكنهم (١). وقال الفرّاء: لا يُرى الناس لأنّهم كانوا تحت الرمل، وإنّما ترى (٢) مساكنهم لأنّها قائمة (٣). وقرأ الباقون ﴿تَرَى﴾ بتاء (٤) مفتوحة ﴿مَسَاكِنُهُمْ﴾ نصباً (٥)، على معنى: لا ترى يا محمّد إلَّا مساكنهم (٦). ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾. ٢٦ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ أي: فيما لم نمكنكم فيه من بسطة الأجسام، وقوّة الأبدان، وطول العمر، وكثرة المال (٧) ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.

стр. 12819

٢٧ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ﴾ يا أهل مكّة (١) ﴿مِنَ الْقُرَى﴾ كحِجْرِ ثمود (٢)، وأرض سَدوم (٣)، ونحوها (٤) (٥) ﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾ الحجج، والبيّنات، وأنواع العبر والعظات (٦) ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عن (٧) كفرهم، فلم يرجعوا، فأهلكناهم، يخوّف مشركي قريش (٨). ٢٨ - ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ يعني: الأوثان (٩) قال الكسائي: القربان كلّ ما يُتقرّب به إلى الله تعالى من طاعةٍ، ونَسيكة (١٠)، والجمعُ: قرابين، كالرُّهبان والرَّهابين (١١).

стр. 12820

﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ أي: كذبهم (١) الذي كانوا يقولون: إنّها تقرّبهم إلى الله تعالى، وتشفع لهم عنده (٢). وقرأ ابن عبّاس وابن الزبير ﵃: (وذلك أَفَكهم) بفتح الألف والفاء على الفعل، أي: ذلك القول صرفهم عن التوحيد (٣)، وقرأ عكرمة (أفَّكهم) بتشديد الفاء على التأكيد والتكثير (٤). قال أبو حاتم: يعني قلبهم عمَّا كانوا عليه من النعيم (٥). ودليل قراءة العامّة (٦) قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٧).

стр. 12821

٢٩ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ الآية قال المفسِّرون: لمّا مات أبو طالب خرج رسول الله ﷺ وحده إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصر (١)، والمنعة له من قومه (٢). فروى محمّد بن إسحاق (٣) عن يزيد بن زياد (٤) عن محمّد بن كعب القرظي (٥)، قال: لمّا انتهى رسول الله ﷺ إلى الطائف، عَمَدَ إلى نفر من ثقيف، وهم يومئذ سادةُ ثقيف وأشرافهم وهم إخوة ثلاثة: عبد يا ليل، ومسعود، وحبيب، بنو عمرو بن عمير، وعندهم امرأة من قريش من بني جُمَح، فجلس إليهم، فدعاهم (٦) إلى الله تعالى، وكلّمهم بما جاءهم له من نُصرته على الإِسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال أحدهم: هو يَمرُطُ ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك، وقال الآخر: أما وجد الله أحداً يرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله لا

стр. 12822

أُكلّمك كلمة أبداً، لئن كنت رسولاً من الله كما تقول، لأنت أعظم خطراً من أن أرُدَّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي (١) أن أُكلّمك. فقام رسول الله ﷺ من عندِهم وقد يئس من خير ثقيف، فقال (٢) لهم: "إذا فعلتم ما فعلتم فاكتُموا علي". وكرِه رسول الله ﷺ أن يبلغ قومه عنه، فيديرهم عليه ذلك، فلم يفعلوا، وأغَروا (٣) سفهاءهم، وعبيدَهم يسبّونه، ويصيحون به، حتّى اجتمع عليه الناس والجؤوه إلى (٤) حائط (٥) (٦) لعتبة، وشيبة ابني ربيعة، وهما فيه، ورجع (٧) عنه سفهاء ثقيف، ومن كان يتبعه، فعمد إلى ظل حَبَلةٍ (٨) من عنب فجلس فيه، وابنا (٩) ربيعة ينظران إليه ويَرَيان ما لقي من سفهاء ثقيف، وقد لقي رسول الله ﷺ تلك المرأة

стр. 12823

من بني جُمَح (١)، فقال لها: "ماذا لقينا من أحْمَائِكِ (٢)؟ ". فلمّا اطمئن رسول الله ﷺ ، قال: "اللَّهم إنّى أشكو إليك ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي، وهواني على النّاس يا أرحم الراحمين، أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربّي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتَجهَّمني (٣) أو إلى عدوَ ملّكته أمري، إن لم يكن بك غضب عليَّ (٤) لا (٥) أُبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك [الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة] (٦) من أن ينزل بي غضبك، ويحلّ عليَّ سخطك، لك العتبى حتّى ترضى، لا حول، ولا قوّة إلَّا بك". فلمّا رأى ابنا (٧) ربيعة ما لقي تحرّكت له رَحِمُهُما (٨)، فَدَعَوَا غلاماً لهما نصرانيًّا، يقال له: عَدَّاس (٩)، فقالا له: خذ قِطفاً من هذا العنب

стр. 12824

وضعه في ذلك الطبق، ثمّ اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه، ففعل عَدَّاس، ثمّ أقبل به حتّى وضعه بين يَدي رسول الله ﷺ فلمّا وضع رسول الله ﷺ يده، قال: "بسم الله"، ثمّ أكل، فنظر عداس إلى وجهه (١)، ثمّ قال: إنَّ هذا الكلام ما يقوله أهلُ هذِه البلدة، قال (٢) له رسول الله ﷺ : "من (٣) أي أهل البلاد أنت يا عَدَّاس؟ وما دينك؟ "، قال: أنا نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى (٤). فقال له النبي (٥) ﷺ : "أمِن قرية الرجل الصالح يونس بن متّى؟ " قال له: وما يدريك ما يونس بن متّى؟ قال له رسول الله ﷺ : "ذاك (٦) أخي، كان نبيًّا وأنا نبيّ"، فأكبّ عَدَّاس على رسول الله ﷺ فقبّل رأسه، ويديه، ورجليه (٧). قال: فيقول ابنا (٨) ربيعة أحدهما لصاحبه: أمَّا غلامك فقد أفسده

стр. 12825

عليك، فلمّا جاءهما (١) عداس، قالا له: ويلك يا عداس ما لكَ تقبّل رأس هذا الرجل، ويديه، وقدميه؟ قال: يا سيّدي ما في الأرض خيرٌ من هذا الرجل (٢)، لقد خبّرني (٣) بأمر ما يعلمه إلا (٤) نبي. فقالا: ويحك يا عداس لا يصرفنّك عن دينك، فإنّ دينك خيرٌ من دينه. ثمّ إنَّ رسول الله ﷺ انصرف من الطائف راجعاً إلى مكّة حين يئس من خير ثقيف، حتّى إذا كان بنخلة (٥)، قام من جوف الليل يصلّي، فمرّ به نفر من جنّ أهل نصيبين اليمن (٦) (٧).

стр. 12826

وكان سبب ذلك أنّ الجنّ كانت تسترق السمع، فلمّا حُرِست السماء ورُجموا بالشهُب، قال إبليس: إنَّ هذا الذي حدث في السماء لشيء حدث في الأرض، فبعث سراياه ليعرف (١) الخبر، فكان (٢) أوّل بعثٍ بُعث ركباً من أهل نصيبين وهم أشراف الجنّ وساداتهم، فبعثهم إلى تهامة، فاندفعوا حتّى بلغوا وادي (٣) نخلة، فوجدوا رسول الله ﷺ يصلّي صلاة الغداة، ببطن نخلة ويتلو القرآن، فاستمعوا (٤) إليه، وقالوا: أنصتوا. (٥) هذا معنى قول سعيد بن جبير وجماعة من أئمّة أهل (٦) الخبر، ورواية العوفي عن ابن عباس.

стр. 12827

وقال آخرون: بل أُمِر رسول الله ﷺ أن يُنذِر الجنّ ويدعوهم إلى الله تعالى، ويقرأ عليهم القرآن، فصرف إليه (١) الله تعالى نفراً من الجنّ، من نينوى جمعهم (٢) له، فقال لهم (٣) رسول الله ﷺ : "إنّي أُمرت أن أقرأ على الجنّ الليلة، فأيُّكم يَتْبَعُني؟ " فأطرقوا، ثمّ استَتبَعهم، فأطرقوا، ثمّ استتبعهم الثالثة، فأطرقوا، فاتَّبعَه عبد الله بن مسعود ﵁، قال عبد الله بن مسعود ﵁: ولم يحضر معه أحد غيري، فانطلقنا حتّى إذا كنّا بأعلى مكّة دخل نبيّ الله ﷺ شعباً يقال له: شِعبُ الحَجون (٤)، وخط لي خطًّا، وأمرني (٥) أن أجلس فيه، وقال لي (٦): "لا تخرج منه حتّى أعود إليك"، ثمّ انطلق حتّى قام فافتتح القرآن، فجعلت أرى أمثال النسور تهوي وتمشي في زفوفها (٧)، وسمِعتُ لَغَطاً (٨) شديداً، حتّى خِفْتُ على رسول الله ﷺ ، وغشيَته

стр. 12828

أَسْوِدة كثيرة حالت بيني وبينه، حتّى ما أسمع صوته، ثمّ طفِقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين. ففرغ رسول الله ﷺ مع الفجر، فانطلق (١) إليَّ، وقال: "أنِمتَ؟ " فقلت: لا والله، ولقد همَمتُ مِراراً أن أستغيث بالناس، حتّى سمِعتُك تَقْرَعُهم بعصاك، تقول: "اجلِسوا"، قال: "لو خرجت لم آمن أن يتخطّفك بعضهم"، ثمّ قال: "هل رأيت شيئاً؟ "، قلت: نعم رأيت رجالاً سوداً مُسْتَثْفِري (٢) (٣) ثِيابٍ بيض، قال: "أولئك جنُّ نصيبين، سألوني (٤) المتاع -والمتاع الزاد- فمتَّعتُهم بكلِّ عظم حابل، وبعرة، وروثة" (٥)، فقالوا: يا رسول الله، يُقَذِّرها الناس علينا، فنهى النبيّ ﷺ أن يُستنجى بالعظم والروث. قال: فقلت: يا رسول الله وما (٦) يغني ذلك عنهم؟ قال: "إنّهم لا يجدون عظماً إلَّا وجدوا عليه لحمة يوم أُكل، ولا روثة إلَّا وجدوا فيها حبّها يوم أُكلت". فقلت: يا رسول الله، سمعتُ لَغَطاً شديداً، فقال: "إنَّ الجنّ

стр. 12829

تدارأت (١) في قتيل قتل (٢) بينهم، فتحاكموا إليَّ، فقضيت بينهم بالحقّ" (٣). قال (٤): ثمّ تبرّز رسول الله ﷺ ، ثمّ أتاني، فقال: "هل معك ماء؟ "، قلت (٥): يا رسول الله معي (٦) إداوة (٧) فيها شيء من نبيذ التمر (٨)، فاستدعاه فصببت على يده (٩) فتوضّأ، وقال: "تمرة طيبة وماء طهور" (١٠).

стр. 12830

قال قتادة: فذكر (١) لنا ابن مسعود ﵁ لمّا قدم الكوفة رأى شيوخاً شمُطاً (٢) من الزُّطُّ (٣)، فأفزعوه حين (٤) رآهم، وقال: اظهروا، فقيل له (٥): إنَّ هؤلاء قوم من الزُّطُّ، فقال: ما أشبههم بالنفر (٦) الذين (٧) صرفوا إلى رسول الله ﷺ يريد الجنّ (٨). [٢٧٣٥] أخبرنيه ابن فنجويه (٩)، حدّثنا ابن حبش المقري (١٠)،

стр. 12831

حدّثنا ابن زنجويه (١)، حدّثنا سلمة (٢)، حدّثنا عبد الرزاق (٣)، أخبرنا معمر (٤)، عن قتادة (٥)، بمثل معناه، إلَّا أنَّه لم يذكر قصة (٦) نبيذ التمر (٧). [٢٧٣٦] وأخبرني الحسين بن محمّد الحديثي (٨) ﵀، حدّثنا محمّد بن (٩) الحسن (١٠) الصوفي (١١)، حدّثنا أبو جعفر محمّد بن صالح بن ذريح (١٢)، حدّثنا مسروق بن المرزبان (١٣)، حدّثنا ابن أبي

стр. 12832

زائدة (١)، حدّثنا داود بن أبي هند (٢)، عن علقمة (٣)، قال: سألت عبد الله بن مسعود ﵁، هل كان مع رسول الله ﷺ أحد ليلة الجنّ؟ ، فقال: لا لم يصحبه منّا أحدٌ، ولكنّا فقدناهُ ذات ليلة، فقلنا استطير (٤) أو اغتيل (٥)، فتفرّقنا في الشعاب والأودية (٦) نلتمسه، فلمّا أصبحنا رأيناه مقبلاً من نحو حراء، فقلنا: يا رسول الله، بتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم، نقول: استطير أو اغتيل، فقال: "إنّه أتاني داع من الجنّ، فذهبت أُقرئهم القرآن"، قال: وأراني آثارهم وآثار نيرانهم، فقال (٧): فسألوه ليلتئذ الزاد، فقال: "كلّ عظم لم يذكر (٨)

стр. 12833

اسم الله عليه يقع بأيديكم (١) أوفر ما كان لحماً، والبعر لدوابكم"، فقال رسول الله ﷺ : "فلا (٢) تستنجوا بالعظام (٣) ولا بالبعر، فإنّه زاد إخوانكم من الجنّ" (٤). [٢٧٣٧] وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه (٥)، حدّثنا أبو بكر بن خُرجَه (٦)، حدّثنا (٧) محمّد بن أيّوب (٨)، أخبرنا سليمان بن داود الشاذكوني (٩)، عن خالد بن عبد الله الواسطي (١٠)، عن خالد الحذّاء (١١)، عن أبي معشر (١٢)، عن إبراهيم (١٣)،

стр. 12834

عن علقمة (١)، عن عبد الله (٢) ﵁، قال: لم أكن مع النبيّ ﷺ ليلة الجنّ، وودِدْت أنّي كنت معه (٣). [٢٧٣٨] وأخبرني ابن فنجويه (٤)، حدّثنا موسى (٥) بن محمّد بن علي (٦)، حدّثنا يوسف بن يعقوب القاضي (٧)، حدّثنا سليمان بن حرب (٨)، حدّثنا شعبة (٩)، عن عمرو بن مرة (١٠)، قال: سألت أبا عبيدة بن عبد الله (١١)، أكان عبد الله ﵁ مع النبيّ ﷺ ليلة الجنّ؟

стр. 12835

قال: لا. وسألت إبراهيم. فقال: ليت صاحبنا كان ذلك (١) (٢). ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ اختلفوا (٣) في مبلغ عددهم (٤): فقال ابن عبّاس ﵄: كانوا سبعة نفر من جنّ نصيبين، فجعلهم رسول الله ﷺ رُسلًا إلى قومهم (٥). [٢٧٣٩] أخبرني ابن فنجويه (٦)، حدّثنا طلحة بن محمّد بن جعفر (٧)، وعبيد الله (٨) بن أحمد بن يعقوب (٩)، قالا: حدثنا

стр. 12836

أبو بكر بن مجاهد (١)، حدّثني أحمد بن حرب (٢)، حدّثنا سُنَيد (٣) قال (٤): حدّثني حجاج (٥) (٦) قال: قال ابن جريج (٧): أخبرني وهب ابن سليمان (٨)، عن شعيب الجبائي (٩) أنّ أسماء الجنّ الذين صرفهم الله تعالى إلى رسوله ﷺ شاصر، وباصر (١٠)، وحس (١١)، ومس (١٢)، والأرذ، وايتان (١٣)، والأحقم (١٤).

стр. 12837

وقال الآخرون (١): كانوا تسعة (٢). [٢٧٤٠] أخبرنا أبو علي السراج (٣)، أخبرنا أبو بكر القطان (٤) حدثنا أحمد (بن يوسف السلمي (٥)، حدثنا محمد) (٦) بن يوسف الفريابي (٧) قال: ذكر سفيان (٨)، عن عاصم (٩)، عن زِر بن حُبيش (١٠)، قال: زوبعة (١١) من الجن (١٢) التسعة الذين استمعوا القرآن من النبي ﷺ (١٣).

стр. 12838

﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ قالوا: صهٍ (١) (٢). [٢٧٤١] وبإسناده عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن ثابت بن قطبة الثقفي، قال: جاء أُناسٌ إلى عبد الله بن مسعود ﵁، فقالوا: كنّا في سفر فرأينا حيّة مُتَشَحِّطة (٣) في دمها مقتولة (٤)، فأجنَّها (٥) رجل منّا، فواريناها، فلمّا ولّوا جاءهم ناس، فقالوا: أيّكم دفن عمرًا؟ قالوا: ومَنْ عمرو؟ قال: الحيّة التي دفنتم في مكان كذا وكذا، أمّا إنّه كان من النفر الذين استمعوا القرآن من النبي ﷺ ، وكان بين حيّين من الجنّ من المسلمين وغيرهم، قتال، قال (٦): فقُتل (٧).

стр. 12839

[٢٧٤٢] أخبرنا ابن فنجويه (١) ﵀ قال: أخبرنا عمر بن الخطّاب (٢)، حدّثنا عبد الله بن الفضل (٣)، حدّثنا سهل بن حمزة (٤)، حدّثنا عبد الله بن صالح (٥)، حدّثني معاوية بن صالح (٦)، عن أبي الزاهرية (٧)، عن جبير بن نفير (٨)، عن أبي ثعلبة الخُشَني (٩) ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "الجنّ على ثلاثة أصناف: صنفٌ لهم أجنحةٌ يطيرون في الهواء، وصنفٌ حيَّاتٌ وكلاب، وصنفٌ يحلُّون ويظعنون (١٠) " (١١).

стр. 12840

وقوله: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا﴾ قال: بعضهم لبعض ﴿أنصتوا﴾، فأنصتوا واستمعوا القرآن، حتّى كاد يقع بعضهم على بعض من شدّة حرصهم (١)، نظيرها في سورة الجنّ (٢). ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ فرغ من تلاوة القرآن (٣)، واستماع الجان (٤). وقرأ لاحق بن حميد ﴿قُضِيَ﴾ بفتح القاف والضاد، يعني النبيّ ﷺ (٥).

стр. 12841

﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ مخوّفين داعين بأمر النبي ﷺ (١). ٣٠ - ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾ قال عطاء: كان دينهم اليهودية لذلك قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ (٢). ٣١ - ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ يعني: محمّدًا ﷺ (٣). ﴿وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أي: ذنوبكم (٤) ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال ابن عبّاس ﵁: فاستجاب لهم من قومهم نحوٌ من سبعين رجلًا من الجنّ، فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فوافقوه بالبطحاء، فقرأ عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم (٥). واختلف العلماء في حكم (٦) مؤمني الجنّ:

стр. 12842

فقال (١) قوم (٢): ليس لمؤمني الجنّ ثواب إلاّ نجاتهم من (٣) النار، وتأوّلوا قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وإلى هذا القول ذهب أبو حنيفة (٤). [٢٧٤٣] أخبرني الحسين بن محمّد (٥)، حدّثنا عبد الله بن يوسف (٦)، حدّثنا الحسين بن بختويه (٧)، حدّثنا عمرو بن ثور (٨)، وإبراهيم بن أبي سفيان (٩)، قالا: حدّثنا محمّد بن يوسف الفربابي (١٠)، حدّثنا سفيان (١١)، عن ليث (١٢)، قال: الجنّ ثوابهم أن يجاروا من النار، ثمّ يقال لهم: كونوا ترابًا مثل البهائم.

стр. 12843

وقال آخرون: إن كان عليهم العقاب في الإساءة، وجب أن يكون لهم الثواب في الإحسان مثل الإنس، وإليه ذهب مالك، وابن أبي ليلى رحمهما الله (١). [٢٧٤٤] أخبرني أبو عبد الله الثقفي الدينوري (٢) ﵀، أخبرنا أبو علي (٣) بن حبش المقرئ (٤)، حدّثنا محمّد بن عمران (٥)،

стр. 12844

حدّثنا ابن المقري (١) وأبو عبيد الله (٢)، قالا: حدّثنا العَدَني (٣)، عن سفيان (٤)، عن جويبر (٥)، عن الضحّاك (٦)، قال: الجنّ يدخلون الجنّة ويأكلون ويشربون (٧). ٣٢ - ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾ ٣٣ - قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ ولم يضعف عن إبداعهن، ولم يعجز عن اختراعهن (٨) ﴿بِقَادِرٍ﴾

стр. 12845

قراءة العامة بالباء والألف على الاسم (١). واختلفوا في وجه دخول (الباء) فيه، قال (٢) أبو عبيدة، والأخفش: هي صلة، كقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (٣) (٤)، قال الحارث بن حلزة (٥): قبل ما اليوم بيّضَت بِعِيُونِ ... النّاس فيها تَعيُّطٌ (٦) وإبَاءُ (٧) أراد: بيَّضت عيون النّاس.

стр. 12846

وقال الكسائي، والفراء: فيه جواب (١) الاستفهام، والجحد في أوّل الكلام، كقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ﴾ (٢)، والعرب تدخلها في الجحود، إذا كانت رافعة لما قبلها (٣)، كقول الشاعر (٤): فما رجفتْ (٥) بجانبهِ ركابٌ ... حكيمُ بن المسيَّبِ مُنتَهاها وقرأ الأعرج، وعاصم الجحدري، وابن أبي إسحاق، ويعقوب (يقدر) بالياء من غير ألف على الفعل (٦)، واختاره أبو حاتم لأن دخول الباء في خبر (إن) قبيح (٧)، واختار أبو عبيد قراءة العامّة، لأنّها في قراءة عبد الله (٨) ﵁ ﴿قَادِرٌ﴾ (٩).

стр. 12847

﴿عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ٣٤ - ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ فيقال لهم: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ﴾ لهم المقدّر (١) بذلك (٢) ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. ٣٥ - قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ قال ابن عبّاس ﵄: ذوو الحزم (٣) (٤). وقال (٥) ضحّاك: ذوو الجدّ والصّبر (٦). وقال (٧) القرظي: الرأي والصواب (٨). واختلفوا فيهم: فقال ابن زيد: كلّ الرسل كانوا أُولي (٩) عزم، لم يتّخِذِ الله تعالى

стр. 12848

رسولًا، إلاّ كان ذا عزمٍ (١). وهو اختيار علي بن مهدي الطبري، قال: وإنّما دخلت (مِن) للتجنيس لا للتبعيض؛ كما يقال: اشتريت أكسية من الخَزِّ (٢)، وأرديةً من البَزِّ (٣) (٤). حكاها شيخنا (٥) أبو القاسم بن حبيب عنه. وقال بعضهم: كلّ الأنبياء ﵈ أُولو عزم (٦)، إلاّ يونس ﵇، ألا ترى أنّ نبيّنا ﷺ نهى عن أن يكون مثله، لخِفّة وعجلةٍ ظهرت منه (٧) حين ولّى من (٨) قومه مُغَاضبًا، فابتلاه الله تعالى بثلاث: سلّط عليه العمالقة حتى أغاروا على أهله وماله، وسلّط الذئب على ولْدِهِ فأكلهم، وسلّط الحوت عليه فابتلعه (٩).

стр. 12849

[٢٧٤٥] سمعت أبا منصور الحمشاذي (١) يحكيها، عن أبي بكر الرازي (٢)، عن أبي القاسم الحكيم (٣) (٤). وقيل (٥): هم نجباء الرّسل المذكورين (٦) في سورة الأنعام، وهم ثمانية عشر، وهو اختيار (٧) الحسين بن الفضل، قال: لقوله في عقبه ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٨). وقال الكلبي: هم الذين أُمروا بالقتال، فأظهروا المكاشفة، وجاهروا (٩) الكفرة بالبراءة، وجاهدوهم (١٠).

стр. 12850

[٢٧٤٦] وأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه (١) ﵀، عن أبي علي حبش المقرئ (٢)، قال: قال بعض أهل العلم: أولو العزم اثنا (٣) عشر نبيًّا أُرسلوا إلى بني إسرائيل بالشام فعصوهم، فأوحى الله تعالى إلى الأنبياء ﵈: إنّي مرسل عذابي على عصاة بني إسرائيل. فشق ذلك عليهم صلوات الله عليهم، فأوحى الله إليهم أن اختاروا لأنفسكم، إن شئتم (٤) أنزلت بكم العذاب وأنجيت بني إسرائيل، وإن شئتم أنجيتكم وأنزلت العذاب (٥) ببني إسرائيل؛ فتشاوروا بينهم، فاجتمع رأيهم على أن ينزل بهم العذاب وينجي بني إسرائيل، فأنجى الله تعالى بني إسرائيل وأنزل بأولئك العذاب، وذلك أنه سلّط عليهم ملوك الأرض، فمنهم من نُشر بالمناشير، ومنهم من سُلخ جلد رأسه ووجهه، ومنهم من رُفع على الخشب، ومنهم من أُحرق بالنّار (٦) (٧).
следующие страницы →