← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 12846–12885 · переход к 12851.

стр. 12846

وقال الكسائي، والفراء: فيه جواب (١) الاستفهام، والجحد في أوّل الكلام، كقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ﴾ (٢)، والعرب تدخلها في الجحود، إذا كانت رافعة لما قبلها (٣)، كقول الشاعر (٤): فما رجفتْ (٥) بجانبهِ ركابٌ ... حكيمُ بن المسيَّبِ مُنتَهاها وقرأ الأعرج، وعاصم الجحدري، وابن أبي إسحاق، ويعقوب (يقدر) بالياء من غير ألف على الفعل (٦)، واختاره أبو حاتم لأن دخول الباء في خبر (إن) قبيح (٧)، واختار أبو عبيد قراءة العامّة، لأنّها في قراءة عبد الله (٨) ﵁ ﴿قَادِرٌ﴾ (٩).

стр. 12847

﴿عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ٣٤ - ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ فيقال لهم: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ﴾ لهم المقدّر (١) بذلك (٢) ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. ٣٥ - قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ قال ابن عبّاس ﵄: ذوو الحزم (٣) (٤). وقال (٥) ضحّاك: ذوو الجدّ والصّبر (٦). وقال (٧) القرظي: الرأي والصواب (٨). واختلفوا فيهم: فقال ابن زيد: كلّ الرسل كانوا أُولي (٩) عزم، لم يتّخِذِ الله تعالى

стр. 12848

رسولًا، إلاّ كان ذا عزمٍ (١). وهو اختيار علي بن مهدي الطبري، قال: وإنّما دخلت (مِن) للتجنيس لا للتبعيض؛ كما يقال: اشتريت أكسية من الخَزِّ (٢)، وأرديةً من البَزِّ (٣) (٤). حكاها شيخنا (٥) أبو القاسم بن حبيب عنه. وقال بعضهم: كلّ الأنبياء ﵈ أُولو عزم (٦)، إلاّ يونس ﵇، ألا ترى أنّ نبيّنا ﷺ نهى عن أن يكون مثله، لخِفّة وعجلةٍ ظهرت منه (٧) حين ولّى من (٨) قومه مُغَاضبًا، فابتلاه الله تعالى بثلاث: سلّط عليه العمالقة حتى أغاروا على أهله وماله، وسلّط الذئب على ولْدِهِ فأكلهم، وسلّط الحوت عليه فابتلعه (٩).

стр. 12849

[٢٧٤٥] سمعت أبا منصور الحمشاذي (١) يحكيها، عن أبي بكر الرازي (٢)، عن أبي القاسم الحكيم (٣) (٤). وقيل (٥): هم نجباء الرّسل المذكورين (٦) في سورة الأنعام، وهم ثمانية عشر، وهو اختيار (٧) الحسين بن الفضل، قال: لقوله في عقبه ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٨). وقال الكلبي: هم الذين أُمروا بالقتال، فأظهروا المكاشفة، وجاهروا (٩) الكفرة بالبراءة، وجاهدوهم (١٠).

стр. 12850

[٢٧٤٦] وأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه (١) ﵀، عن أبي علي حبش المقرئ (٢)، قال: قال بعض أهل العلم: أولو العزم اثنا (٣) عشر نبيًّا أُرسلوا إلى بني إسرائيل بالشام فعصوهم، فأوحى الله تعالى إلى الأنبياء ﵈: إنّي مرسل عذابي على عصاة بني إسرائيل. فشق ذلك عليهم صلوات الله عليهم، فأوحى الله إليهم أن اختاروا لأنفسكم، إن شئتم (٤) أنزلت بكم العذاب وأنجيت بني إسرائيل، وإن شئتم أنجيتكم وأنزلت العذاب (٥) ببني إسرائيل؛ فتشاوروا بينهم، فاجتمع رأيهم على أن ينزل بهم العذاب وينجي بني إسرائيل، فأنجى الله تعالى بني إسرائيل وأنزل بأولئك العذاب، وذلك أنه سلّط عليهم ملوك الأرض، فمنهم من نُشر بالمناشير، ومنهم من سُلخ جلد رأسه ووجهه، ومنهم من رُفع على الخشب، ومنهم من أُحرق بالنّار (٦) (٧).

стр. 12851

وقيل هم ستّة: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وموسى (١)، وهم المذكورون على النسق في سورة الأعراف والشعراء (٢). وقيل هم (٣) أصحاب الشرائع، وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمّد ﵈ (٤) (٥). وقال مقاتل: أولو العزم ستّة: نوح صبر على أذى قومه فكانوا (٦) يضربونه حتّى يغشى عليه ﵇، وإبراهيم صبر على النّار ﵇، وإسحاق صبر على الذبح ﵇ (٧)، ويعقوب صبر على فقد ولده

стр. 12852

وذهاب بصره ﵇، ويوسف صبر في البئر والسجن ﵇، وأيّوب صبر على ضرّه ﵇ (١). وقال الحسن البصري: هم أربعة: إبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى ﵈، فأما إبراهيم ﵇ فعزمه أنه قيل له: ﴿أَسْلِمْ﴾ فقال: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)، ثمّ إنه ابتلي في ماله، وولده، ووطنه، ونفسه، فَوجِدَ صادقًا وافيًا في جميع ما اُبتلي به، وأمّا موسى ﵇، فعزمه حين قال له قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٣)، وأمّا داود ﵇ فعزمه أنّه أخطأ خطيئة (٤)، فنُبّه عليها، فبكي أربعين سنة على خطيئته حتّى نبتت من دموعه شجرة (٥)، وقعد تحت ظلّها، وأمّا عيسى ﵇ فعزمه أنّه لم يضع في

стр. 12853

الدُّنيا (١) لَبِنَة على لَبِنة، وقال: إنها معبر فاعبرُوها، ولا تعمروها، فكان الله تعالى يقول لرسوله ﷺ ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي كن صادقًا فيما ابتليت به مثل صدق إبراهيم ﵇، واثقًّا بنصرة مولاك مثل ثقة موسى ﵇، مهتمًّا لما سلف من هفواتك مثل اهتمام داود ﵇، زاهدًا في الدنيا مثل زهد عيسى ﵇ (٢). [٢٧٤٧] وحدّثنا الإمام (٣) أبو منصور محمّد بن عبد الله (٤) الحمشاذي (٥) ﵀ لفظًا، أخبرنا أبو عمرو محمد بن محمّد ابن أحمد القاضي (٦)، أخبرنا أبو عبد الرحمن (٧)، أخبرنا ابن أبي الربيع (٨)، أخبرنا عبد الرزاق (٩)، أخبرنا معمر (١٠)، عن قتادة (١١)

стр. 12854

في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ قال: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى صلوات الله عليهم (١). [٢٧٤٨] وحدثنا أبو منصور الحمشاذي (٢) ﵀ (٣) أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن يوسف الدقّاق (٤)، أخبرنا الحسن بن محمّد ابن جابر (٥)، حدّثنا عبد الله بن هاشم (٦)، حدّثنا وكيع (٧)، عن أبي جعفر الرازي (٨)، عن الربيع بن (٩) أنس (١٠)، عن أبي العالية (١١): ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ قال: كانوا ثلاثة: إبراهيم،

стр. 12855

ونوح، وهود، ومحمّد رابعهم (صلوات الله عليهم أجمعين)، أُمر أن يصبر كما صبروا (١). [٢٧٤٩] أخبرنا الحسين بن (٢) فنجويه (٣) ﵀، حدّثنا محمّد ابن عبد الله بن برزة (٤)، حدّثنا الحارث بن أبي أُسامة (٥)، حدّثنا داود ابن (٦) المحسر (٧)، حدّثنا سليمان بن الحكم (٨)، عن الأحوص (٩) بن

стр. 12856

حكيم، عن كدب الحبر (١)، قال: في جنّة عدن مدينة من لؤلؤة (٢) بيضاء، تكلّ عنها (٣) الأبصار، لم يرها نبي مرسل ولا ملك مُقرَّب، أعدّها الله لأُولي العزم من الرُّسل والشهداء والمجاهدين، لأنّهم فَضَلوا (٤) الناس عقلًا وحلمًا وإناة ولبًّا (٥). ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ﴾ العذاب (٦) ﴿لَهُمْ﴾ فإنّه (٧) نازل بهم لا محالة (٨) ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾ من العذاب في الآخرة (٩) ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في الدُّنيا ﴿إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ يعني في جنب يوم القيامة (١٠)، وقيل:

стр. 12857

لأنّه ينسيهم هول ما عاينوا قدر ما مكثوا (١) في الدّنيا (٢)، ثمّ قال ﴿بَلَاغٌ﴾ أي هذا القرآن (٣) وما ذكر فيه من البيان بلاغ بلغكم محمّد ﷺ عن الله (٤)، دليله ونظيره في آخر سورة إبراهيم ﵇ (٥) ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾ (٦) (٧). ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ﴾ بالعذاب إذا نزل (٨) ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الخارجون عن أمر الله (٩). [٢٧٥٠] أخبرنا الحسين بن محمّد بن عبد الله الحديثي (١٠) ﵀ حدّثنا سعد بن محمّد بن إسحاق الصيرفي (١١)، حدّثنا محمّد بن

стр. 12858

عثمان بن أبي شيبة (١)، حدّثنا مِنجاب بن الحارث (٢)، حدّثنا علي بن مسهر (٣)، حدّثنا ابن أبي ليلى (٤) (٥) عن الحكم (٦) عن سعيد بن جبير (٧)، عن ابن عبّاس ﵁، قال: إذا عسر على المرأة ولدها، فلتكتب (٨) هاتين الآيتين (٩) في صحفة (١٠)، ثمّ تُغسّل (١١)، ثمّ تسقى (١٢) منها: (بسم الله الرّحمن الرّحيم لا إله إلاّ الله (١٣) الحليم

стр. 12859

الكريم، سبحان رب السماوات السبع (١) ورب العرش العظيم ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ (٢) (٣).

стр. 12860

٤٧ - سُورَة مُحمَّدْ

стр. 12861

سُورَةُ مُحَمَّد (١) ﷺ مدنية، وهي ألفان وثلاثمائة وتسعة وأربعون حرفًا، وخمسمائة وتسع وثلاثون كلمة، وثمان وثلاثون آية (٢). [٢٧٥١] أخبرني أبو الحسن محمّد بن القاسم (٣) الفارسي (٤) بقراءتي عليه، أخبرنا أبو عمرو إسماعيل بن نُجيد بن أحمد بن يوسف السلمي ﵀ (٥)، حدثنا أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم بن سعيد البُوشنجي (٦)، حدّثنا سعيد بن حفص (٧)، قال: قرأت على مِعقل بن عبيد الله (٨)،

стр. 12862

عن عكرمة بن خالد (١)، عن سعيد بن جبير (٢)، عن ابن عبّاس ﵄، عن أُبي بن كعب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة محمّد ﷺ كان حقًّا على الله (٣) أن يسقيه من أنهار الجنّة" (٤).

стр. 12863

قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ١ - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١)﴾ أي (١): أبطلها ولم يقبلها (٢) . قال الضحّاك: أبطل كيدهم ومكرهم بالنبي ﷺ ، وجعل الدائرة عليهم (٣). ٢ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢)﴾ حالهم (٤)، وجمعُهُ بالاتٌ (٥). قال سفيان الثوري: ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ يعني: لم يخالفوه في شيء (٦). قال ابن عبّاس ﵄: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أهل

стр. 12864

مكّة، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الأنصار (١). ٣ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ﴾ الشياطين (٢) ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني: القرآن (٣) ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ﴾ يبيّن الله) (٤) (٥) ﴿لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ أشكالهم (٦). ٤ - ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ﴾ من أهل الحرب (٧) ﴿فَضَرْبَ﴾ نُصب على الإغراء (٨) ﴿الرِّقَابِ﴾ الأعناق (٩)، واحدتها: رقبة ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أي: قهرتموهم وغلبتموهم،

стр. 12865

وصاروا أسرى في أيديكم (١) ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ كي لا يُفلِتوا منكم (٢)، فيهربوا ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ عليهم بَعْدَ الأسر، بإطلاقكم إيّاهم من غير عوض، ولا فدية (٣). ﴿وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ونصبا بإضمار الفعل، مجازه: فإمّا أن تمنّوا عليهم منًّا، وإمّا (٤) أن تفادوهم فداءً (٥). واختلف العلماء في حكم هذِه الآية: فقال قوم: هي منسوخة بقوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ (٦) الآية. وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية (٧)، وإلى هذا القول ذهب قتادة (٨)، والضحاك (٩)،

стр. 12866

والسدي (١)، وابن جُريج (٢)، وهي رواية العوفي، عن ابن عبّاس (٣) ﵄. [٢٧٥٢] أخبرني عقيل بن محمّد (٤) أنّ أبا الفرج البغدادي (٥) أخبرهم (٦)، عن محمّد بن جرير (٧)، حدّثنا ابن (٨) عبد الأعلى (٩)، حدّثنا بن ثور (١٠)، (عن معمر) (١١)، عن عبد الكريم الجزري (١٢)، قال: كُتب إلى أبي بكر ﵁ في أسير (١٣)، فذكر أنّهم التمسوه

стр. 12867

بفداء كذا، وكذا، فقال أبو بكر ﵁: اقتلوه، ولَقَتْلُ رجل من المشركين أحبُّ إليَّ من كذا، وكذا (١). وقال الآخرون: هي مُحكمة والإمام مخيّر بين القتل، والمنّ، والفداء. وإليه ذهب ابن عمر، والحسن، وعطاء (٢). وهو الاختيار (٣)، لأنّ النبي ﷺ ، والخلفاء الراشدين كلّ ذلك فعلوا (٤)، فقتل رسول الله ﷺ عُقبَة بن أبي مُعيط، والنضر بن الحارث، يوم بدر صبرًا (٥)،

стр. 12868

وفادى سائر أسارى بدر (١)، وقتل بني قريظة، وقد نزلوا على حكم سعد ﵁ وصاروا في يده سلمًا (٢)، ومنَّ على ثمامة (٣) بن أثال الحنفي وهو أسير في يده (٤). [٢٧٥٣] وأخبرني عقيل بن محمد (٥) أنّ أبا الفرج القاضي البغدادي (٦) أخبرهم (٧)، عن محمّد بن جرير (٨)، حدّثنا ابن عبد الأعلى (٩)، حدّثنا ابن ثور (١٠)، عن معمر (١١)، عن رجل من أهل

стр. 12869

الشام ممّن كان يحرس عمر بن عبد العزيز، قال: ما رأيت عمر قتل أسيرًا إلاّ واحدًا من الترك، كان جِيء بأُسارى من التُّرك (١)، فأمر بهم أن يُستَرقُّوا، فقال رجل ممّن جاء بهم: يا أمير المؤمنين لو كنت رأيت هذا - لأحدهم -وهو يقتل المسلمين، لكثُر بكاؤُك عليهم، فقال عمر (٢): فدونَك فاقتُله، فقام إليه فقتله (٣). ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي (٤): أثقالها وأحمالها، فلا تكون حرب (٥). وقيل: حتّى تضع الحرب آثامها، وأجرامَها، فترتفع، وتنقطع؛

стр. 12870

لأنّ الحرب لا تخلو من الإثم في أحد الجانبين والفريقين (١). وقيل: معناه حتّى تضع أهل (٢) الحرب آلتَها وعدّتها، وآلتهم وأسلحتهم فمسكوا (٣) عن الحرب (٤). والحرب: القوم المحاربون، كالشرب (٥) والرَّكب (٦). وقيل معناه: حتّى تضع الأعداء المحاربون أوزارها وآثامها بأن يتوبوا من كفرهم ويؤمنوا بالله ورسوله (٧). ويقال للكُرَاعِ: أوزار (٨)، قال الأعشى: وأعددت للحرب أوزارها ... رماحًا طوالًا وخيلًا ذُكُورا (٩) ومعنى الآية: أثخنوا المشركين بالقتل، والأسر حتّى يظهر الإسلام على الأديان كلّها، ويدخل فيه أهل كلّ ملّة (١٠) طوعًا أو

стр. 12871

كرهًا، ويكون الدّين كلّه لله فلا يحتاج إلى قتال وجهاد (١)، وذلك عند نزول عيسى ﵇ (٢). قال الحسن: معناه حتّى لا يعبد (٣) إلاّ الله (٤). وقال (٥) الكلبي: حتّى يُسلموا أو يُسالموا (٦) ﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت وبيّنت من حكم الكفّار (٧) ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ فأهلكهم وكفاكم (٨) أمرهم بغير قتال (٩) ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ ويعلم المجاهدين منكم والصابرين (١٠) ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قرأ الحسن

стр. 12872

بضم القاف، وكسر التاء مشدّدًا بغير (١) ألف (٢)، وقرأ أبو عمرو ويعقوب وحفص بضمّ القاف، وكسر التاء مخفَّفًا من غير ألف (٣)، واختاره أبو حاتم (٤) يعني: الشهداء (٥). وقرأ عاصم الجحدري: (قَتَلُوا) بفتح القاف والتاء من غير ألف، يعني: والذين قتلوا المشركين (٦). وقرأ الباقون: ﴿قُاتِلُواْ﴾ بالألف من المقاتلة، وهم المجاهدون (٧)، واختاره أبو عبيد (٨) ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ قال قتادة:

стр. 12873

ذُكر لنا إنّ هذِه الآية أُنزلت (١) يوم أحُدٍ ورسول الله ﷺ في الشعب وقد فشت فيهم الجراحات والقتل، وقد نادى المشركون: اعلُ هُبل. فنادى المسلمون: الله أعلى وأجَلّ. فنادى المشركون: يوم (٢) بيوم والحرب سجال (٣)، إن لنا العزى (٤) ولا عزى لكم، فقال رسول الله ﷺ : "قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم، إنّ القتلى مختلفة، أما قتلانا فأحياء يرزقون، وأمّا قتلاكم ففي النّار يُعذّبون" (٥) . ٥ - ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ في الدُّنيا إلى الطاعات، وفي العقبى إلى الدرجات (٦) ﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ يُرضِي خُصماءهم، ويَقبَل أعمالهم (٧). ٦ - ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ أي: يبين لهم منازلهم فيها حتّى يهتدوا إلى مساكنهم، ودرجاتهم

стр. 12874

التي قسم الله تعالى (١) لهم، لا يخطئون، ولا يستدِلُّون عليها أَحدًا، كأنّهم سكّانها مذ (٢) خُلقوا، وإنّ الرجل ليأتي منزله منها إذا دخلها كما كان (٣) يأتي منزله في الدُّنيا، لا يشكل عليه ذلك، وإنّه أهدى إلى درجته، وزوجته، وخدمه، ونعمه منه إلى أهله ومنزله في الدُّنيا. هذا قول أكثر المفسِّرين (٤). وقال المؤرّج: يعني: طيبها لهم (٥)، والعَرْف: الريح الطيّبة (٦)، تقول العرب: عَرَّفتُ المرقة إذا طيّبتها بالملح والأبازير (٧). قال الشاعر:

стр. 12875

وَتَدْخلُ أيدٍ في حَنَاجِر أُقْنِعت ... لِعَادتِها مزَّ الخزير المعَرَّفِ (١) ٧ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ أي: رسوله (٢)، ودينه (٣) ﴿يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ على الإسلام (٤)، وفي القتال (٥). ٨ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ قال ابن عبّاس ﵄: بُعدًا لهم (٦).

стр. 12876

وقال أبو العالية: سقوطًا (١). وقال الضحَّاك: خيبة (٢). وقال ابن زيد: شقاءً (٣). وقال ابن جرير: خزيا (٤) وبلاء (٥). قال الفراء: هو نصب على المصدر، على سبيل الدعاء (٦). وأصل التعس في النّاس والدواب، وهو أن يقال للعاثِر: تعسًا له (٧)، إذ لم يريدوا قيامه، ويقال: أتعسه الله، فتعِس وهو مُتْعَس، وضدّه: لَعَا إذا أرادوا قيامه (٨). وقد جمعها الأعشى في بيت واحدٍ يصفُ ناقَتَه: بذاتِ لَوثٍ عَفَرناةٍ إذا عَثَرَت ... فالتَّعسُ أدنى لها من أن أقول لَعَا (٩)

стр. 12877

﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ لأنّها كانت في طاعة الشيطان (١)، خالية عن الإيمان. ٩ - ﴿ذَلِكَ﴾ الإضلال (٢) والأبعاد ﴿بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ١٠ - قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أهلكهم ودمّر عليهم منازلهم (٣)، ثمّ توعّد مشركي مكة (٤) فقال عز من قائل: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ إن لم يؤمنوا (٥). ١١ - ﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذكرتُ (٦)، وفعلتُ (٧) ﴿بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾

стр. 12878

وليُّهم، وناصرُهم (١)، وحافظهم، وفي حرف ابن مسعود ﵁: (ذلك بأنّ الله ولي الذين آمنوا) (٢). ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾. ١٢ - قول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (محلّه رفع على الابتداء) (٣) ﴿يَتَمَتَّعُونَ﴾ في الدُّنيا) (٤) ﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ ليس لهم همّة إلاّ بطونهم، وفروجهم، وهم لاهون (٥) ساهون عمّا في غد (٦)، وقيل: المؤمن في الدُّنيا يتزوّد، والمنافق يتزيّن، والكافر يتمتّع (٧) ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾. ١٣ - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾

стр. 12879

أي: أخرجك أهلها يدلّ عليه قوله تعالى ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ ولم يقل: أهلكناها (١) ﴿فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ قال ابن عبّاس ﵄: لما خرج رسول الله ﷺ من مكّة إلى الغار، التفت إلى مكّة، فقال: "أنت أحبّ بلاد الله إلى الله، وأحبّ بلاد الله إليّ، ولو أنّ المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك" فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٢). ١٤ - قول تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ وهو محمّد ﷺ (٣) والمؤمنون (٤) ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ وهم أبو جهل، والمشركون (٥). ١٥ - قوله تعالى: ﴿مَثَلُ﴾ شبه (٦)، وصفة (٧) ﴿الْجَنَّةِ﴾

стр. 12880

قرأ علي بن أبي طالب ﵁: (أمثال الجنّة) (١) ﴿الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ آجن متغيّر منتن (٢)، يقال: آسن الماء (٣) يأسِنُ، وآجِن يأجَن، وأسَن يأسِن ويأسُن (٤)، وأجِن يأجِن، ويأجَن (٥)، أسُونًا، وأجُونًا، إذا تغيّر، ويقال: أَسِنَ الرجل: بكسر السين لا غير، إذا أصابته ريح منتنة، فغشى عليه، قال زُهير: يغادر القِرن مصفرًا أنامله ... يميل في الريح ميل المائحِ الأسن (٦) وقرأه العامّة: ﴿آسِنٍ﴾ بالمد (٧)، وقرأ ابن كثير بالقصر (٨)، وهما

стр. 12881

لغتان (١). ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ﴾ لذيذة (٢) ﴿لِلشَّارِبِينَ﴾ لم تدسها (٣) الأرجل، ولم تدنسها الأيدي (٤) ونظير (٥) لذّ ولذيذ (٦)، طب وطبيب. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ قال كعب الأحبار: نهر دجلة نهر ماء أهل الجنّة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر سَيْحان (٧) نهر عسلهم، وهذِه الأنهار (٨) الأربعة تخرج من نهر الكوثر (٩). ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني: المتّقين الذين هم (في الجنّة) (١٠) ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ فاستغنى بدلاله الكلام عليه (١١).

стр. 12882

قال ابن كيسان: مَثَلُ الجنّة التي (١) فيها هذِه الأنهار والثمار، كمَثَلُ النّار التي فيها الحميم، ومَثَلُ أهل الجنّة في النعيم المقيم، كمثل أهل النّار في العذاب الأليم (٢). ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ﴾ إذا أُدنِي منهم (٣) شوى وجوههم، ووقعت فروة رؤوسهم، فإذا شربوا (٤) قطّع ﴿أَمْعَاءَهُمْ﴾ (٥). ١٦ - ﴿وَمِنْهُمْ﴾ يعني: ومن هؤلاء الكفّار (٦) ﴿مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ وهم المنافقون يسمعون (٧) قولك، فلا يعونه، ولا يفهمونه تهاونًا منهم بذلك، وتغافلًا (٨) ﴿حَتَّى إِذَا﴾ فإذا (٩) ﴿خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ من الصحابة ﴿مَاذَا قَالَ﴾ محمد (١٠) ﴿آنِفًا﴾ الآن (١١)،

стр. 12883

وأصله الابتداء (١). قال (٢) مقاتل: وذلك أنّ النبيّ ﷺ كان يخطب ويعيب المنافقين، فسمع المنافقون قوله، فلمّا خرجوا من المسجد، سألوا عبد الله بن مسعود ﵁ عمّا قال رسول الله ﷺ استهزاءً وتهاونًا منهم بقوله (٣). قال ابن عبّاس ﵁ في قوله تعالى: ﴿قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أنا منهم، وقد سُئلت فيمن سئل (٤). قال قتادة: هؤلاء المنافقون، دخل رجلان: رجل عقل عن الله وانتفع بما سمع، ورجل لم يعقل عن الله، فلم ينتفع بما سمع. وكان يقالُ: النّاسُ ثلاثةٌ: فسامعٌ عاقل، وسامعٌ عامل، وسامعٌ غافل تارك (٥) ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ فلم يؤمنوا (٦) ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾.

стр. 12884

١٧ - ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ (يعني: المؤمنين) (١) ﴿زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ﴾ وقرأ ابن مسعود والأعمش: (وأنطاهم) (٢) ﴿تَقْوَاهُمْ﴾ أن (٣) ألهمهم ذلك، ووفّقهم (٤). وقال سعيد بن جبير: وآتاهم (٥) ثواب تقواهم (٦). ١٨ - قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ينتظرون (٧) ﴿إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أماراتها وعلاماتها (٨)، وبَعثُ محمد ﷺ منها (٩). وقيل: أدلّتها

стр. 12885

وحجج كونها (١). وا حدها: شرَط، وأصل الأشراط: الأعلام، ومنه (٢) قيل (٣): الشُّرَط؛ لأنَّهم جعلوا لأنفسهم علامة يُعرفون بها، ومنه الشَّرْط في البيع وغيره (٤). ويقال: أشرط فلان نفسه في عمل كذا، أي: أعلمها وجعلها له (٥). قال أوس بن حجر يصف رجلًا تدلّى بحبل من رأس جبل إلى نَبْعَةٍ (٦) ليقطعها ويتخذ منها قوسًا: فأَشْرَطَ فيها نَفسَهُ وهو مُعْصِمٌ ... أَلْقَى بأسبَابٍ لَهُ وتَوَكَّلَا (٧)
следующие страницы →