← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 12881–12920 · переход к 12886.

стр. 12881

لغتان (١). ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ﴾ لذيذة (٢) ﴿لِلشَّارِبِينَ﴾ لم تدسها (٣) الأرجل، ولم تدنسها الأيدي (٤) ونظير (٥) لذّ ولذيذ (٦)، طب وطبيب. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ قال كعب الأحبار: نهر دجلة نهر ماء أهل الجنّة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر سَيْحان (٧) نهر عسلهم، وهذِه الأنهار (٨) الأربعة تخرج من نهر الكوثر (٩). ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني: المتّقين الذين هم (في الجنّة) (١٠) ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ فاستغنى بدلاله الكلام عليه (١١).

стр. 12882

قال ابن كيسان: مَثَلُ الجنّة التي (١) فيها هذِه الأنهار والثمار، كمَثَلُ النّار التي فيها الحميم، ومَثَلُ أهل الجنّة في النعيم المقيم، كمثل أهل النّار في العذاب الأليم (٢). ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ﴾ إذا أُدنِي منهم (٣) شوى وجوههم، ووقعت فروة رؤوسهم، فإذا شربوا (٤) قطّع ﴿أَمْعَاءَهُمْ﴾ (٥). ١٦ - ﴿وَمِنْهُمْ﴾ يعني: ومن هؤلاء الكفّار (٦) ﴿مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ وهم المنافقون يسمعون (٧) قولك، فلا يعونه، ولا يفهمونه تهاونًا منهم بذلك، وتغافلًا (٨) ﴿حَتَّى إِذَا﴾ فإذا (٩) ﴿خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ من الصحابة ﴿مَاذَا قَالَ﴾ محمد (١٠) ﴿آنِفًا﴾ الآن (١١)،

стр. 12883

وأصله الابتداء (١). قال (٢) مقاتل: وذلك أنّ النبيّ ﷺ كان يخطب ويعيب المنافقين، فسمع المنافقون قوله، فلمّا خرجوا من المسجد، سألوا عبد الله بن مسعود ﵁ عمّا قال رسول الله ﷺ استهزاءً وتهاونًا منهم بقوله (٣). قال ابن عبّاس ﵁ في قوله تعالى: ﴿قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أنا منهم، وقد سُئلت فيمن سئل (٤). قال قتادة: هؤلاء المنافقون، دخل رجلان: رجل عقل عن الله وانتفع بما سمع، ورجل لم يعقل عن الله، فلم ينتفع بما سمع. وكان يقالُ: النّاسُ ثلاثةٌ: فسامعٌ عاقل، وسامعٌ عامل، وسامعٌ غافل تارك (٥) ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ فلم يؤمنوا (٦) ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾.

стр. 12884

١٧ - ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ (يعني: المؤمنين) (١) ﴿زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ﴾ وقرأ ابن مسعود والأعمش: (وأنطاهم) (٢) ﴿تَقْوَاهُمْ﴾ أن (٣) ألهمهم ذلك، ووفّقهم (٤). وقال سعيد بن جبير: وآتاهم (٥) ثواب تقواهم (٦). ١٨ - قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ينتظرون (٧) ﴿إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أماراتها وعلاماتها (٨)، وبَعثُ محمد ﷺ منها (٩). وقيل: أدلّتها

стр. 12885

وحجج كونها (١). وا حدها: شرَط، وأصل الأشراط: الأعلام، ومنه (٢) قيل (٣): الشُّرَط؛ لأنَّهم جعلوا لأنفسهم علامة يُعرفون بها، ومنه الشَّرْط في البيع وغيره (٤). ويقال: أشرط فلان نفسه في عمل كذا، أي: أعلمها وجعلها له (٥). قال أوس بن حجر يصف رجلًا تدلّى بحبل من رأس جبل إلى نَبْعَةٍ (٦) ليقطعها ويتخذ منها قوسًا: فأَشْرَطَ فيها نَفسَهُ وهو مُعْصِمٌ ... أَلْقَى بأسبَابٍ لَهُ وتَوَكَّلَا (٧)

стр. 12886

﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ يعني: فمن أين لهم التذكّر والاتعاظ والتوبة إذا جاءتهم السّاعة (١)، نظيره: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (٢). ١٩ - قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ قال بعضهم: الخطاب للنبيّ ﷺ ، والمراد به غيره، وأخواتها كثيرة (٣). وقيل: فاثبُت عليه (٤) (على علمك) (٥). قال الحسين بن الفضل: فازدَد عِلمًا على علمك (٦). وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: هو أنّ النبي ﷺ كان يضجَر، ويضيق صدره من طعن الكافرين، والمنافقين فيه، فأنزل الله تعالى هذِه الآية، يعني: فاعلم أنّه لا كاشف يكشف ما بك إلاّ الله، فلا تُعلق قلبك على أحد سواه (٧).

стр. 12887

وقال أبو العالية، وابن عيينة: هو متصل بما قبله، معناه: فاعلم أنَّه لا ملجأ، ولا مفزع عند قيام السّاعة، إلاّ إلى (١) الله تعالى (٢). [٢٧٥٤] وسمعت أبا القاسم بن حبيب (٣) يقول: سمعت أبا بكر ابن عبدوس (٤) يقول: معناه: فاعلم إنّه لا قاضي ذلك اليوم إلاّ الله، نظيره ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ (٥) (٦). ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ليستنّ أُمّتك بسنّتك (٧)، وقيل: واستغفر لذنبك من التقصير الواقع لك في معرفة الله (٨).

стр. 12888

﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. [٢٧٥٥] أخبرني عقيل بن محمّد (١) أنّ أبا الفرج القاضي (٢) أخبرهم (٣)، عن محمّد بن جرير (٤)، حدّثنا أبو كريب (٥)، حدّثنا عثمان بن سعيد (٦)، حدّثنا إبراهيم بن سليمان (٧)، عن عاصم الأحول (٨)، عن عبد الله بن سَرجِسَ ﵁ (٩)، قال: دخلت على رسول الله ﷺ فقلت: غفر الله لك يا رسول الله، فقال رجل من

стр. 12889

القوم: أنستغفر لك يا رسول الله؟ قال: "نعم، ولك". ثمّ قرأ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١). [٢٧٥٦] أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري ﵀ (٢)، حدّثنا (أحمد بن) (٣) على (٤) بن عمر بن حبيش الرازي (٥)، حدّثنا أبو بكر محمّد بن عيّاش العُتبي (٦)، حدّثنا أبو عثمان سعيد بن عنبسة الخراز (٧)، حدّثنا عبد الرّحمن بن محمّد (٨)، عن بكر بن خُنيس (٩)، (محمد بن يحيى) (١٠)،

стр. 12890

عن (موسى) (١) بن وردان (٢)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يكن عنده ما يتصدّق به، فليستغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإنّها صدقة" (٣). ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ قال عكرمة: ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ من (٤) أصلاب الآباء إلى أرحام الأُمّهات، ﴿وَمَثْوَاكُمْ﴾ مقامكم في الأرض (٥).

стр. 12891

وقال (١) ابن كيسان: ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ من ظهر إلى بطن، ﴿وَمَثْوَاكُمْ﴾ مقامكم في القبور (٢). وقال (٣) ابن عبّاس ﵄ والضحّاك: ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ مُنصَرَفَكم ومنتَشَرَكم في أعمالكم في الدُّنيا، ﴿وَمَثْوَاكُمْ﴾ مصيركم إلى الجنّة (أو إلى) (٤) النّار (٥). وقال (٦) ابن جرير (٧): ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ متصرفكم لأشغالكم بالنهار (٨)، ﴿وَمَثْوَاكُمْ﴾ مضجعكم (٩) للنوم بالليل، لا يخفى عليه شيء من ذلك (١٠).

стр. 12892

٢٠ - قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اشتياقًا منهم إلى الوحي، وحرصًا على الجهاد (١) ﴿لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ تأمرنا بالجهاد (٢) ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ بالأمر والنهي، وقال قتادة: كلّ سورة ذكر فيها الجهاد، فهي محكمة، وهي أشدّ القرآن على المنافقين (٣). وفي حرف عبد الله ﵁: (سورةٌ مُحْدَثَةٌ) (٤) ﴿وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يعني: المنافقين (٥) ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ شزرًا بتحديق شديد، كراهة منهم للجهاد (٦)، وجبنًا عن (٧) لقاء العدوّ، (٨) ونَظَرًا (٩) كـ ﴿نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ وعيد وتهديد (١٠)، ثم قال

стр. 12893

تعالى (١): ٢١ - ﴿طَاعَةٌ﴾ مجازه: ويقول هؤلاء المنافقون قبل نزول (٢) الآية المحكمة ﴿طَاعَةٌ﴾ رفع على الحكاية، أي: أمرنا طاعة، أو منّا طاعة (٣). ﴿وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ خير (٤). وقيل: هو متصل بالكلام الأوّل، واللام في قوله: ﴿لَهُمْ﴾ بمعنى الباء (٥)، مجازه: فأولى بهم طاعة لله ورسوله، وقوله (٦) ﴿وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ بالإجابة والطاعة (٧). ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي: جدّ الأمر (٨)، وعُزِم عليه، وأُمروا بالقتال (٩) ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ في إظهارهم الإيمان والطاعة (١٠) ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾.

стр. 12894

٢٢ - ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ فلعلّكم (١) ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن القرآن، وفارقتم أحكامه (٢) ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعصية، والبغي، وسفك الدماء، وتعودوا إلى ما كنتم عليه في جاهليتكم من الفرقة، بعدما جمعكم الله بالإسلام، وأكرمكم بالألفة (٣). قال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولّوا عن كتاب الله تعالى؟ ألم يسفكوا الدم (٤) الحرام، وقطعوا الأرحام، وعَصَوا الرّحمن؟ ! (٥). وقال بعضهم: هو من الولاية (٦). قال المسيب بن شريك والفراء: يقول: فهل عسيتم إن وُلِّيتم (٧) أمر

стр. 12895

الناس أن تفسدوا في الأرض بالظلم، نزلت (١) في بني أمية، وفي بني هاشم (٢)، ودليل هذا التأويل: [٢٧٥٧] ما أخبرنا الحسين بن محمّد بن الحسين (٣)، حدّثنا هارون (بن محمّد بن هارون) (٤)، حدّثنا محمّد بن عبد العزيز (٥)، حدّثنا القاسم بن يونس الهلالي (٦)، عن سعيد (٧) بن الحكم الورّاق (٨)، عن أبي داود (٩)، عن عبد الله بن مغفل (١٠)، قال: سمعت النبيّ ﷺ يقرأ (١١): (فهل عسيتم إن وُلِّيتُم أن تفسدوا في الأرض) (١٢).

стр. 12896

وقرأ علي بن أبي طالب ﵁ ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ بضمّ التاء والواو، وكسر اللام، يقول: إن وليتكم ولاة جائرة، خرجتم معهم في الفتنة، وعاونتموهم (١). ومثله روى رويس عن يعقوب (٢). ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ قرأ يعقوب، وأبو حاتم، وسلَّام: ﴿وَتُقَطِّعُوا﴾ (٣) خفيفة من القطع اعتبارًا بقوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ (٤)، وقرأ الحسن: (تقطعوا) مفتوحة الحروف (٥)، اعتبارًا بقوله: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ (٦). وقرأ غيرهم: ﴿وَتُقَطِّعُوا﴾ بضم التاء مشدّدًا (٧)، من التقطيع على

стр. 12897

التكثير لأجل الأرحام (١). ٢٣ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾ عن الحقّ (٢). ٢٤ - قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ فلا تفهم مواعظ القرآن، وأحكامه (٣). [٢٧٥٨] وأنباني عقيل بن محمّد (٤)، أخبرنا المعافى بن زكريا (٥)، أخبرنا محمّد بن جرير (٦)، حدّثنا ابن حميد (٧)، حدّثنا يحيى بن واضح (٨)، حدّثنا ثور بن يزيد (٩)، عن خالد بن معدان (١٠)، قال: ما من النّاس أحدٌ إلاّ وله أربعُ أعينٍ؛ عينان في وجهه لدنياه، ومعيشته، وعينان في قلبه لدينه، وما وعد الله تعالى (١١) له (١٢) من

стр. 12898

الغيب، وما من أحدٍ إلاَّ ومعه (١) شيطانٌ مستبطّن (٢) فقار ظهره، عاطفٌ عنقَه على عاتقه، فاغِرٌ فاه إلى ثمرة قلبه، (فإذا أراد الله بعبدٍ خيرًا أبصرت عيناه اللّتان في قلبه ما وعد الله من الغيب، فعمل به) (٣)، وإذا أراد الله بعبد شرًّا طمس عليها، فذلك قوله تعالى (٤): ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٥). [٢٧٥٩] وبه عن ابن (٦) جرير (٧)، (حدّثنا بشر) (٨)، حدّثنا حمّاد

стр. 12899

ابن زيد (١)، حدّثنا هشام بن عروة (٢)، عن أبيه (٣)، قال: تلا رسول الله ﷺ يومًا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾، فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها (٤) أقفالُها حتّى يكون الله تعالى (٥) يَفْتَحُها أو يُفَرجها، فما زال الشاب (٦) في نفس عمر ﵁ حتّى ولي فاستعان به (٧). ٢٥ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ قال قتادة: هم كفّار أهل الكتاب كفروا بمحمّد ﷺ وهم يعرفونه

стр. 12900

ويجدون نعته مكتوبًا عندهم (١). وقال ابن عبّاس ﵄، والضحّاك، والسدي (٢): هم المنافقون (٣). ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ﴾ زيّن (٤) ﴿لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ قرأ أبو عمرو بضم الألف وفتح الياء على وجه (٥) ما لم يُسمَّ فاعله (٦). وقرأ مجاهد، ويعقوب بضمّ الألف، وإرسال الياء على وجه الخبر من الله تعالى عن نفسه أنّه يفعل ذلك بهم (٧)، وهو اختيار أبي حاتم (٨).

стр. 12901

وقرأ الآخرون: (وأملى) بفتح الألف واللام (١)، بمعنى: وأملى الله (٢) لهم (٣)، وهو اختيار أبي عبيد (٤). ٢٦ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ يعني: هؤلاء المنافقين أو اليهود (٥) ﴿قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾ وهم المشركون (٦) ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ في مخالفة محمّد ﷺ والقعود عن الجهاد (٧) ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ قرأ أهل الكوفة إلاّ أبا بكر بكسر الهمزة على الفعل (٨) وقرأ (٩) غيرهم بفتحها (على جمع السِّرِّ) (١٠).

стр. 12902

٢٧ - ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ﴾ بالتاء قراءة العامّة، وقرأ عيسى: (توفيهم) بالياء (١) (٢) ﴿الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ عند الموت (٣)، نظيرها في الأنفال (٤) والنحل (٥) (٦). ٢٨ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾. ٢٩ - قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يعني: المنافقين (٧) ﴿أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ يعني: أحقادهم على المؤمنين،

стр. 12903

واحدها: ضِغن، فيبديها لهم حتّى يعرفوا نفاقهم (١). ٣٠ - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ أي (٢): لأعلمناكهم (٣) وعرفناكهم ودللناك عليهم (٤)، تقول العرب: سأُريك ما أصنعُ (٥) بمعنى: سأُعْلِمُكَ (٦)، ومنه قوله تعالى: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٧) ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ بعلامتهم (٨). قال أنس بن مالك: ما خفي على رسول الله ﷺ بعد نزول هذِه الآية شيء من المنافقين، كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنّا معه في غزاة وفيها سبعة من المنافقين يشكوهم النّاس، فناموا ذات ليلة، وأصبحوا وعلى جبهة كلّ واحد منهم مكتوب هذا منافق. فذلك قوله: ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ (٩).

стр. 12904

وقال ابن زيد: قد أراد الله (إظهار نفاقهم) (١)، وأمر بهم أن يخرجوا من المسجد، فأبوا إلاّ أن يمسكوا بلا إله إلاّ الله، فلمّا أبوا إلا أن يمسكوا بلا إله إلاّ الله، حُقنت دماؤهم، ونَكحوا، ونكحوا بها (٢). ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ قال ابن عبّاس ﵄: في معنى القول (٣): الحُسن في فحواه (٤). وقال القرظي: في مقصده ومغزاه (٥). وللحن وجهان (٦): صواب، وخطأ، فأمّا الصواب: فالفعل منه لحِنَ يَلحَنُ لحَنًا، وهو لحِنٌ إذا فَطَن للشيء، ومنه قول النبي ﷺ : "فلعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض" (٧). والفعل من الخطأ: لحنَ يَلحَنُ لحَنًا، فهو لاحِنٌ، والأصل فيه إزالة الكلام عن جهته (٨).

стр. 12905

وفي الخبر أنّه قيل لمعاوية ﵁ أنّ عبيد الله بن زياد يتكلّم بالفارسية، فقال: أليس ظريفًا من ابن أخي أن يلحن في كلامه، أي: يعدل (١) من لغة إلى لغة. قال الشاعر (٢): وَحَدِيثٍ ألذُّهُ هُوَ ممَّا يَنْعَتُ النَّاعِتُونَ يُوزَنُ وَزْنا مَنْطِقٌ رَائِعٌ وتَلْحَنُ أحْيَا نًا وَخَيْرُ الحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْنُا (٣) يعني: يزيل حديثها عن جهته (٤) ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾.

стр. 12906

٣١ - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ بالجهاد (١) ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ قراءة العامّة كلّها بالنون (٢)، لقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ (٣). وروى أبو بكر والمفضل، عن عاصم كلّها بالياء (٤). وقرأ يعقوب: (ونَبلوْ) ساكنة الواو (٥)، ردًّا على قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ (٦)، وقرأ (٧) غيره بالفتح (٨)، ردًّا على قوله: ﴿نَعْلَمَ﴾ (٩).

стр. 12907

قال إبراهيم بن الأشعث: كان الفضيل ﵀ (١) إذا قرأ هذِه الآية بكى، وقال: اللهم لا تبلنا، فإنّك إن بلوتنا هتكت أستارنا، وفضحتنا (٢). ٣٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢)﴾ قال ابن عبّاس ﵄: هم المطعِمُون يوم بدر (٣). نظيرها قوله تعالى (٤): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية (٥). ٣٣ - قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ بمعصيتهما (٦). قال مقاتل والثُّمَالي (٧): لا تَمُنوا على رسول الله ﷺ فتبطلوا

стр. 12908

أعمالكم، نزلت في بني أسد (١). وسنذكر القصة في سورة الحجرات إن شاء الله ﷺ (٢). وقيل: بالعجب والرياء (٣). ٣٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قيل: هم أصحاب القليب (٤)، وحكمها عام (٥). ٣٥ - ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾ تضعفوا (٦) ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ (١)

стр. 12909

(أبو بكر وحمزة بكسر السين) (١)، إلى الصلح (٢) ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ لأنّكم مؤمنون محقّون (٣). ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ قال قتادة: ولا تكونوا أوّل الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها (٤) ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ قال ابن عبّاس وقتادة والضحّاك وابن زيد: لن يظلمكم (٥). وقال مجاهد: لن ينقصكم أعمالكم (٦)، بل يثيبكم عليها، ويزيدكم من فضله، ومنه قول النبيّ ﷺ : "من فاتته صلاة العصر فكأنّما وُتِر ماله وأهله" (٧) (٨) أي: ذهب بهما.

стр. 12910

٣٦ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ﴾ ربّكم ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾ لإيتاء الأجر، بل يأمركم بالإيمان والطاعة ليثيبكم عليها (١) الجنّة (٢)، نظيره قوله: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا﴾ الآية (٣). وقيل: ولا يسألكم محمّد ﷺ أموالكم، نظيرها قوله (٤): ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ (٥). وقيل: معنى الآية ولا يسألكم الله ورسوله أموالكم كلّها، إنّما يسألانكم غيضًا من فيض، ربع العشر فطيبوا بها (٦) نفسًا (٧). وإلى هذا القول ذهب ابن عُيينة (٨).

стр. 12911

وهو اختيار أبي بكر بن عبدوس (١) [٢٧٦٠] حكى لنا ابن حبيب (٢) عنه (٣)، يدلّ عليه سياق الآية (٤). ٣٧ - ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ﴾ فيجهدكم، ويلحّ (٥) عليكم (٦). وقال ابن زيد: الإحفاء أن تأخذ كلّ شيءٍ بيدَيك (٧). ﴿تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ قال قتادة: قد علم الله تعالى أنّ في مسألة المال خروج الأضغان (٨). ٣٨ - قوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ﴾

стр. 12912

(عن صدقاتكم وطاعاتكم) (١) ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ إليها (٢) ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا﴾ بل يكونوا أطوع لله وأمثل منكم (٣). قال الكلبي: هم كندة والنخع (٤). وقال (٥) الحسن: هم العجم (٦). وقال (٧) عكرمة: فارس والروم (٨). [٢٧٦١] وأخبرنا ابن فنجويه ﵀ (٩)، حدّثنا عمر بن

стр. 12913

الخطّاب (١)، حدّثنا عبد الله (٢) بن الفضل (٣)، حدّثنا يحيى بن أيّوب (٤)، حدّثنا إسماعيل بن جعفر (٥)، أخبرني عبد الله بن جعفر ابن نجيح (٦)، عن العلاء بن عبد الرّحمن (٧)، عن أبيه (٨)، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال أُناس من أصحاب رسول الله ﷺ : يا رسول الله، مَنْ هؤلاء الذين ذكر الله تعالى في القرآن إن تولّينا استُبدِلوا، ثمّ لا يكونوا أمثالنا؟ قال: وكان سلمان ﵁ (٩) إلى جانب رسول الله ﷺ فضرب رسول الله فخذ سلمان ﵁ (١٠) وقال: "هذا وقومه، والّذي نفسي بيده لو كان الإيمان مَنُوطًا بالثريا لتناوله رجالٌ من فارس" (١١).

стр. 12914

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 12915

٤٨ - سُورَة الفَتْح

стр. 12916

سُورَةُ الفَتح مدنية (١)، وهي ألفان وأربعمائة وثمانية وثلاثون حرفًا، وخمسمائة وستّون كلمة، وتسع وعشرون آية. [٢٧٦٢] أخبرنا (عبيد) (٢) الله بن محمّد الزاهد (٣) ﵀ بقراءتي عليه، حدّثنا أبو العبّاس السرّاج (٤)، حدّثنا أبو الأشعث (٥)، حدّثنا المعتمر (٦)، قال: سمعت أبي (٧) يحدث عن قتادة (٨)، عن أنس (٩)، قال: لمّا رجعنا من غزاة (١٠) الحديبية، حيل بيننا وبين نُسكِنا، فنحن بين الحزن والكآبة، فأنزل الله تعالى علينا (١١) ﴿إِنَّا

стр. 12917

فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ الآية كلّها، فقال رسول الله ﷺ : "لقد أُنزلت عليَّ آيةٌ هي أحبُّ إليَّ من الدُّنيا وما فيها". (١) [٢٧٦٣] وأخبرنا أبو الحسن بن أبي الفضل القهندزي (٢) بقراءتي عليه، أخبرنا مكي بن عبدان (٣)، حدّثنا محمّد بن يحيى (٤)، قال: وفيما قرأت على عبد الله بن نافع (٥) وحدّثني مُطرف (٦)، عن مالك (٧)، عن زيد بن أسلم (٨)، عن أبيه (٩) أنّ رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطّاب ﵁ يسير معه ليلًا، فسأله

стр. 12918

عمر ﵁ عن شيء فلم يجبه، ثمّ سأله فلم يجبه (١)، قال عمر ﵁: فحرّكت بعيري حتّى تقدّمت أمام الناس، وخشيت أن يكون نزل فيَّ قرآن، فجئت رسول الله ﷺ فسلمت عليه، فقال: "لقد أُنزلت عليَّ الليلة سورة (٢) لهي أحبُّ إليَّ ممّا طلعت عليه الشمس"، ثمّ قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ " (٣). [٢٧٦٤] وأخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين الثقفي (٤) ﵀، حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي (٥)، حدّثنا حمزة بن الحسين ابن عمر البغدادي (٦)، حدّثنا محمّد بن عبد الملك (٧)، قال: سمعت يزيد بن هارون (٨) يقول: سمعت المسعودي (٩) يذكر، قال: بلغني

стр. 12919

أنّ (١) من قرأ في أوّل ليلة من رمضان ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ في التطوّع حفظ في (٢) ذلك العام (٣).

стр. 12920

قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ١ - ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [٢٧٦٥] أخبرنا (عبيد الله) (١) بن محمّد الزاهد (٢)، أخبرنا أبو العبّاس السرّاج (٣)، حدّثنا هنّاد بن السري (٤)، حدّثنا يونس بن بكير (٥)، حدّثنا عيسى بن عبد الله التميمي يعني أبا جعفر الرازي (٦)، عن قتادة (٧)، عن أنس ﵁ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ قال: فتح مكّة (٨).
следующие страницы →