← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 12951–12990 · переход к 12956.

стр. 12951

وقال قتادة: كانوا خمسة عشر مائة (١). وروى العوفي عن ابن عبّاس ﵄، قال: كان أهل البيعة تحت الشجرة ألفًا وخمسمائة وخمسه وعشرين (٢). وقال الآخرون: كانوا ألفًا وأربعمائة (٣). [٢٧٧٣] أخبرني الحسين بن محمّد بن فنجويه ﵀ (٤)، حدّثنا علي بن أحمد بن نصرويه (٥)، حدّثنا أبو عمران موسى بن سهل بن عبد الحميد الجوني (٦)، حدّثنا محمّد بن رمح (٧)، حدّثنا الليث بن سعد (٨)، عن أبي الزبير (٩)، عن جابر ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "لا يدخل

стр. 12952

النّار أحدٌ ممّن بايع تحت الشجرة" (١). ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الصدق، والصبر، والوفاء (٢) ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو خيبر (٣).

стр. 12953

١٩ - ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ وكانت خيبر ذات عقار وأموال، فاقتسمها رسول الله ﷺ بينهم (١) ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. ٢٠ - ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ وهي الفتوح التي تفتح لهم إلى يوم القيامة (٢) ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ ويعني خيبر (٣) ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ﴾ أهل مكّة ﴿عَنْكُمْ﴾ بالصلح (٤). وقال قتادة: يعني وكفّ أيدي اليهود من خيبر، وحلفاءهم من أسد، وغطفان، عن بيضتكم (٥)، وعيالكم، وأموالكم بالمدينة (٦).

стр. 12954

وذلك أنّ مالك بن عوف النَّصري، وعيينة بن حصن الفزاري، ومن معهما من بني أسد (١)، وغطفان جاؤوا لنصرة أهل خيبر فقذف الله تعالى في قلوبهم الرعب فانصرفوا (٢). ﴿وَلِتَكُونَ﴾ هزيمتهم، وسلامتكم (٣) ﴿آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فيعلموا أنّ الله تعالى هو المتولّي حياطتهم، وحراستهم في مشهدهم ومغيبهم (٤) ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ طريق التوكّل، والتفويض (٥) حتّى تثقوا في أُموركم كلّها بربّكم، وتتوكّلوا عليه. وقيل: يثبتكم على الإسلام، ويزيدكم بصيرة ويقينا بصلح الحديبية، وفتح خيبر، وذلك أنّ رسول الله ﷺ لما رجع من غزوة الحديبية إلى المدينة، أقام بها بقيّة ذي الحجّة، وبعض المحرم، ثمّ خرج في بقيّة المحرم سنة سبع إلى خيبر (٦)، واستخلف على المدينة

стр. 12955

سباع بن عرفطة الغفاري (١) ﵁ (٢). [٢٧٧٤] أخبرنا عبيد الله بن محمّد بن عبد الله الزاهد ﵀ (٣)، قراءة عليه، فأقر به، أخبرنا أبو العبّاس محمّد بن إسحاق السرّاج ﵀ (٤)، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم (٥)، حدّثنا عثمان بن عمر (٦)، أخبرنا ابن عون (٧)، عن عمرو بن سعيد (٨)، عن أنس بن مالك ﵁ (ح) (٩). [٢٧٧٥] وأخبرنا عبيد الله (١٠)، حدثنا أبو العبّاس السرّاج (١١)،

стр. 12956

حدّثنا عبد الأعلى بن حمّاد أبو يحيى الباهلي (١)، حدّثنا يزيد بن زُرَيع (٢)، حدّثنا سعيد بن أبي عروبة (٣) (ح) (٤). [٢٧٧٦] وأخبرنا عبيد الله بن محمد (٥)، أخبرنا أبو العبّاس السرّاج (٦)، حدثنا عبد الأعلى بن حماد (٧)، حدّثنا (٨) إبراهيم بن سعيد الجوهري (٩)، حدّثنا روح (١٠)، عن سعيد (١١)، عن قتادة (١٢)، عن أنس ﵁ قال: كنت رديف أبي طلحة ﵁ يوم أتينا خيبر، فصبّحهم رسول الله ﷺ وقد أخذوا مساحيهم، وفؤوسهم، وغدوا على حرثهم وأرضيهم، فلما رأونا ألقوا ما بأيديهم، فقالوا: محمّد

стр. 12957

والخميس. فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر هلكت خيبر، إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين"، ثمّ نكصوا، ورجعوا (١) إلى حصونهم (٢). [٢٧٧٧] وأخبرنا عبيد الله بن محمّد بن عبد الله بن محمّد (٣)، حدّثنا أبو العبّاس السرّاج (٤)، حدّثنا قتيبة بن سعيد (٥)، حدّثنا حاتم

стр. 12958

ابن إسماعيل (١)، عن يزيد بن أبي عبيد (٢)، عن سلمة بن الأكوع ﵁ (٣). (ح) (٤). [٢٧٧٨] وأخبرنا عبيد الله (٥)، أخبرنا أبو العبّاس (٦)، حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي (٧)، حدّثنا النضر بن محمّد (٨)، حدّثنا عكرمة -يعني ابن عمّار- (٩)، حدّثنا إياس بن سلمة بن الأكوع (١٠)،

стр. 12959

عن أبيه (١) (ح) (٢). [٢٧٧٩] وحُدِّثت عن محمّد بن جرير (٣)، عن محمّد بن حميد (٤)، عن سلمة (٥)، عن ابن إسحاق (٦)، عن رجاله. (ح) (٧). [٢٧٨٠] وعن ابن جرير (٨)، حدّثنا ابن بشار (٩)، حدّثنا محمّد بن جعفر (١٠)، حدّثنا عوف (١١)، عن ميمون أبي (١٢) عبد الله (١٣)، عن

стр. 12960

عبد الله بن بريدة (١)، عن أبيه (٢)، دخل حديث بعضهم في بعض، قالوا: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر يسير بنا ليلًا، وعامر بن الأكوع ﵁ معنا، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع ﵁: ألا تسمعنا من هُنَيَّاتِك (٣)؟ وكان عامرٌ ﵁ شاعرًا فنزل يَحدُو بالقوم وهو يرجز ويقول: اللهم (٤) لَولا أنت ما اهتَدَينَا وَلا تَصدَّقنا وَلَا صَلَّينا إنّ الذين هم بغوا علينا ونحن عن فضلك ما استغنينا فاغفِر فِدَاءً لَكَ ما اقتنينا وثَبِّتِ الأقدَامَ إن لاقَينَا وألقيَنْ سكينةً علينا إنّا إذا صِيح بنا أتينا فقال رسول الله ﷺ : "مَنْ هذا؟ " فقالوا: عامر بن الأكوع. فقال: "غفر لك ربّك". فقال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لو أمتَعتَنا به.

стр. 12961

وذلك أنّ رسول الله ﷺ ما استغفر لرجل قطّ يخصّه إلّا استشهد. قالوا: فَلمّا قدمنا خيبر وتَصَافَّ القَومُ (١)، خرج يهودي، فبرز إليه عامر، فقال: قد علمت خيبر إنّي عامر ... شاك السلاح بطل مغامر فاختلفا ضربتين، فوقع سيف اليهودي في ترس عامر، ووقع سيف عامر عليه، فأصاب ركبة نفسه، وساقه، فمات منها، قال سلمة بن الأكوع: فمررت على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ وهم يقولون: بَطل عمل عامر، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا شاحب أبكي، فقلت: يا رسول الله أبطلَ عمل عامر؟ فقال: "ومَنْ قال ذلك؟ " قلت: بعض أصحابك، قال: "كَذَبَ من قَالَهُ، بل له أجره مرّتين، إنّه لجاهِدٌ مُجَاهِد". قال: فحاصرناهم حتّى أصابتنا مَخمَصَةٌ شديدة، ثمّ إنّ الله تعالى فتحها علينا (٢). وذلك أنّ رسول الله ﷺ أعطى اللواء عمر بن الخطّاب ﵁، ونهض من نهض معه من الناس، فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر،

стр. 12962

وأصحابه ﵃، فرجعوا إلى رسول الله ﵁ يَجنبه أصحابه، ويَجنُبُهُم، وكان رسول الله ﷺ قد أخذته الشقيقة (١)، فلم يخرج إلى النّاس، فأخذ أبو بكر ﵁ راية رسول الله ﷺ ، ثمّ نهض فقاتل قتالًا شديدا، ثمّ رجع، فأخذها عمر ﵁، فقاتل قتالا شديدا، وهو أشدّ من القتال الأوّل، ثمّ رجع، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: "أما والله لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ الله، ورسوله، ويحبّه الله، ورسوله، يأخذها عنوة"، وليس ثَمّ علي ﵁، فلمّا كان الغد تطاول لهما أبو بكر وعمر ﵁ ورجال قريش، كلّ واحد منهم يرجو أن يكون صاحب ذلك، فأرسل رسول الله ﷺ سلمة بن الأكوع إلى علي ﵄، فدعاه، فجاء علي ﵁ على بعير له حتّى أناخ قريبا من خباء رسول الله ﷺ ، وهو أرمد (٢) قد عصب عينيه بشقة بُرد قطوي، قال سلمة ﵁: فجئت به أقوده إلى رسول الله ﵁، فقال رسول الله ﵁: "ما لكَ؛ " قال: رَمِدتُ. قال: "ادن منّي". فدنا منه فتفل في عينيه، فما وجعهما (٣) بعد حتّى مضى لسبيله، ثمّ أعطاه الراية (٤).

стр. 12963

فنهض بالراية، وعليه حلّة أُرجوان حمراء (١)، قد أخرج خملها، فأتى مدينة خيبر، وخرج مَرحَبٌ صاحب الحصن وعليه مغفر معصفر، وحجر قد نقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يرتجز ويقول: قد علمت خيبُر أنّي مَرحبُ شاكي السلاح بطلٌ مجرّب أطعن أحيانا وحينا أضرب إذا الحروب أقبلت تَلَهَّب كان حمائي كالحمى لا يقرب فبرز إليه علي ﵁، فقال: أنا الَّذي سمَّتني أُمّي حَيدَرَه كَليثِ غَابَاتٍ شديد قسوره أكيلكم بالسيف كليل السَّندَرَه (٢) فاختلفا ضربتين، فبدره علي ﵁، فضربه، فقدَّ (٣) الحجر والمِغفَر، وفلق رأسه حتّى أخذ السيف في الأضراس، وأخذ

стр. 12964

المدينة، وكان الفتح على يديه ﵁ (١). ثمّ خرج بعد مَرحب أخوه ياسر وهو يرتجز ويقول: قد علمت خيبر أنّي ياسر شاك السِّلاح بطل مُغاوِر إذا الليوث أقبلت تبادر إنّ حمائي فيه موت حاضر وهو يقول: هل من مبارز؟ فخرج إليه الزبير بن العوّام ﵁، وهو يقول: قد علمت خيبر أنّي زبار قرم لقرم غير نكس فرار ابن حماةُ المجد وابن الأخيار ياسر لا يغررْك جمع الكفّار وجمعهم مثل السراب السَّيَار (٢) فقالت أُمّه صفية بنت عبد المطّلب ﵂: أيُقتل أبي يا نبي الله؟ قال: "بل ابنك يقتله إن شاء الله"، ثمّ التقيا، فقتله الزبير ﵁ (٣).

стр. 12965

قال أبو رافع ﵁ مولى رسول الله ﷺ : خرجنا مع علي بن أبي طالب ﵁ حين بعثه رسول الله ﷺ برايته، فلمّا دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من اليهود، فطرح ترسه من يده، فتناول علي ﵁ بابا كان عند الحصن، فتترّس به عن نفسه، فلم يزل في يده، وهو يقاتل حتّى فتح الله تعالى عليه، ثمّ ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نَقلِبَ ذلك الباب، فما نقلبه (١). ثمّ لم يزل رسول الله ﷺ يفتتح الحُصون حصنا حصنا، ويحوز الأموال حتّى انتهوا (٢) إلى حصن الوَطِيح والسُّلالِم، وكان آخر حصون خيبر افتتح، فحاصرهم رسول الله ﷺ بضع عشرة ليلة (٣). فلمّا أمسى النّاس يوم الفتح أوقدوا نيرانا كثيرة، فقال رسول الله ﷺ " على أيِّ شَيءٍ تُوقِدُون؟ " قالوا: على لحَمٍ، قال: "على أيِّ لحمٍ؟ " قالوا: لَحمِ الحُمُرِ الإنسِيةِ. فقال رسول الله ﷺ : "أهرِيقُوهَا واكسِرُوها". فقال رجل: أَوَنُهريقُها ونغسِلُها؟ فقال: "أو ذاك" (٤). قال ابن إسحاق: ولمّا افتتح رسول الله ﷺ القَمُوص حصن أبي

стр. 12966

الحقيق أُتِى رسول الله ﷺ بصفية بنت حيي بن أخطب، وبأُخرى معها، فمرّ بهما بلال ﵁، وهو الَّذي جاء بهما على قتلى من قتلى اليهود، فلمّا رأتهم التي مع صفية ﵂، صاحت، وصكّت وجهها، وحثت التراب على رأسها، فلمّا رآها رسول الله ﷺ قال: أغربوا عنّي هذِه الشيطانة. وأمر بصفية، فحيزت خلفه وألقى عليها رداءه، فعرف المسلمون أنّ رسول الله ﷺ قد اصطفاها لنفسه. فقال رسول الله ﷺ لبلال لمّا رأى من تلك اليهودية ما رأى: "أنزعت منك الرحمة يا بلال حيث تمرّ بامرأتين على قتلى رجالهما؟ " وكانت صفية ﵂ قد رأت في المنام، وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق (١) أنّ (٢) قمرا وقع في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها، فقال: ما هذا إلّا أنّكِ تتمنين مَلِك الحجاز محمّدا، فلطم وجهها لطمة أخضّرت عينها منها، وأتي رسول الله ﷺ بها وبها أثر منها. فسألها: "ما هو؟ " فأخبرته هذا الخبر، وأُتِي رسول الله ﷺ بزوجها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وكان عنده كنز بني النضير، فسأله، فجحده أن يكون يعلم مكانه، فأتى رسول الله برجل من

стр. 12967

اليهود، فقال لرسول الله ﷺ : إنّي قد رأيت كنانة يطيف بهذِه الخربة كلّ غداة، فقال رسول الله ﷺ لكنانة: "أرأيت إن وجَدناه عندك أقتلك؟ "، قال: نعم. فأمر رسول الله ﷺ بالخربة، فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثمّ سأله ما بقي، فأبى أن يؤدّيه، فأمر به رسول الله ﷺ الزبير بن العوّام ﵁ فقال: "عذِّبه حتّى تستأصل ما عنده". فكان الزبير ﵁ يقدح بزند (١) في صدره حتّى أشرف على نفسه بالهلاك، ثمّ دفعه رسول الله ﷺ إلى محمّد بن مسلمة ﵁، فضَرَب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة (٢). وكانت اليهود ألقَت عليه حجرا عند حصن ناعم، فقتلته، وكان أوّل حصن افتتح من حصون خيبر. قالوا: فلمّا سمع أهل فَدَك ما صنع رسول الله ﷺ بخيبر، بعثوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه أن يسيرهم ويحقن لهم دماءهم، ويخلّوا له الأموال، ففعل، ثمّ إنّ أهل خيبر سألوا رسول الله ﷺ أن يعاملهم الأموال على النصف ففعل، على إنّا إذا شِئنا أن نُخرِجكم أخرَجناكم، وصالحه أهل فدك على مثل ذلك، فكانت خيبر فيئا

стр. 12968

للمسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله ﷺ لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب (١). فلما اطمأنّ رسول الله ﷺ أهدت له زينب بنت الحارث (٢) امرأة سَلام بن مِشكَم، شاة مصلية (٣)، وقد سألت، أي عضو من الشاة أحبّ إلى رسول الله ﷺ ؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها السمَّ، وسمَّت سائر الشاة، ثمّ جاءت بها، فلمّا وضعتها بين يدي رسول الله ﷺ ، تناول الذراع، فأخذها، فلاك (٤) منها مضغة (٥)، فلم يُسغها (٦)، ومعه بشر بن البراء بن معرور ﵄، وقد أخذ منها كما أخذ رسول الله ﷺ ، فأما بشر ﵁ فأساغها، وأمّا رسول الله ﷺ فلفظها، ثمّ قال: "إنّ هذا العظم (٧) ليخبرني أنّه مسموم"، ثمّ

стр. 12969

دعاها، فاعترفت، فقال: "ما حملك على هذا؟ " قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان نبيًّا فسيخبر، وإن كان ملكا استرحت منه. قال: فتجاوز عنها رسول الله ﷺ ، ومات بشر بن البراء ﵄ من أكلته التي أكل الَّذي توفى فيه، فقال: "يا أُمّ بشر ما زالت أكلة خيبر التي أكلت بخيبر مع ابنك تُعَادُّنِي، فهذا أوان انقطاع أبهري" (١). وكان المسلمون يرون أنّ رسول الله ﷺ مات شهيدا مع ما أكرمه الله تعالى به من النبوّة. (٢) ٢١ - قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى﴾ أي ووعدكم فتح بلدة أُخرى،

стр. 12970

﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ لكم حتّى يفتحها عليكم (١)، وقال ابن عبّاس ﵄: علم الله أنّه يفتحها لكم (٢). واختلفوا فيها: فقال ابن عبّاس ﵄ وعبد الرّحمن بن أبي ليلى والحسن ومقاتل: هي فارس والروم (٣). وقال الضحّاك وابن زيد وابن إسحاق: هي خيبر، وعدها الله تعالى نبيّه ﷺ قبل أن يصيبها، ولم يكونوا يذكرونها ولا يرجونها، حتّى أخبرهم الله تعالى بها (٤)، وهي رواية عطية، وباذان، عن ابن عبّاس ﵄ (٥). وقال قتادة: هي مكّة (٦).

стр. 12971

وقال عكرمة: حنين (١) (٢). وقال مجاهد: ما فتحوا حتّى اليوم (٣). ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾. ٢٢ - ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني أسدا، وغطفان، وأهل خيبر (٤). وقال قتادة: يعني كفّار قريش (٥) ﴿لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. ٢٣ - ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي كسنّة الله (٦) ﴿الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ في نصر أوليائه، وقهر أعدائه (٧) ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. ٢٤ - قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾

стр. 12972

وهو الحديبية (١). ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قرأ (بالياء) أبو عمرو، وغيره (بالتاء) (٢). واختلفوا فيهم: فقال أنس ﵁: إنّ ثمانين رجلا من أهل مكّة هبطوا على رسول الله ﷺ وأصحابه من جبل التَّنعِيم (٣) عند صلاة الفجر عام الحديبية ليقتلوهم، فأخذهم رسول الله ﷺ سِلما، فأعتقهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ .. الآية (٤). وروى عكرمة، عن ابن عبّاس ﵄، قال: إنّ قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين، وأمَروهم أن يُطِيفُوا بعسكر رسول الله ﷺ عام الحديبية، ليُصيبوا لهم من أصحابه أحدا، فأُخِذوا أخذا، فأُتِى بهم رسولُ الله ﷺ فعفا عنهم، وخلَّى سبيلَهم، وقد

стр. 12973

كانوا رمَوا عسكر رسول الله ﷺ بالحجارةِ، والنّبلِ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ .. الآية (١). وقال عبد الله (٢) بن مُغَفَّل ﵄: كنّا مع رسول الله ﷺ بالحديبية في أصل الشجرة، وعلى ظهره غصنٌ من أغصان تلك الشجرة، فرفعتُه عن ظهره، وعليّ بن أبي طالب ﵁ بين يديه يكتب كتاب الصُّلح، وسهيل ابن عمرو، فخرج علينا ثلاثون شابًّا عليهم السّلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم نبي الله ﷺ ، فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم، فأخذناهم، فخلّى عنهم رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٣).

стр. 12974

وقال مجاهد: أقبل نبي الله ﷺ معتمرًا، فأخذ أصحابه ناسًا من أهلِ الحرمِ غافِلين، فأرسَلَهم النبيّ ﷺ فذلك الإظفارُ ببطنِ مكّةَ (١). وقال قتادة: ذُكر لنا أنَّ رجلًا من أصحاب النبي ﷺ يقال له: زُنيم ﵁ اطّلع الثنيَّة من الحديبيّة، فرماه المشركون بسهم (٢) فقتلوه، فبعث رسول الله ﷺ خيلًا، فأتوه باثنى عشر فارسًا من الكفّار، فقال لهم نبيّ الله ﷺ : "هل لكم عليَّ عهد؟ هل لكم عليَّ ذمّة؟ ". قالوا: لا، فأرسلهم، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٣). وقال ابن أَبزى، والكلبي: هم أهل الحديبية، وذلك أنّ النبيّ ﷺ لمّا خرج بالهَدي وانتهى إلى ذي الحُلَيفة، فقال له عمر ﵁: يا نبي الله تدخُلُ على قوم لك حرث بغيرِ سلاحٍ، ولا كُرَاعٍ (٤)؟ قال: فبعث إلى المدينة، فلم يَدَع فيها كُرَاعًا ولا سِلاحًا إلّا حَمَله، فلمّا دنى من مكّة منعوه أن يدخل، فساروا (٥) حتّى أتى (٦) منى، فنزل (٧) منى، وأتاه

стр. 12975

عَينُه أنّ عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسِمائةٍ، فقال لخالد بن الوليد ﵁: "يا خالد هذا ابن عمّك قد أتاك في الخيل"، فقال خالد ﵁: أنا سيفُ اللهِ، وسيفُ رسولهِ، يا رسول الله، ارمِ بي حيث شئت، فيومئذ سُمّي سيف الله، فبعَثه على خيلٍ، فلقِي عكرمةَ في الشِّعبِ فهزَمه حتّى أدخله حِيطَانَ مكّة، ثمّ عاد في الثانية، فهزَمه حتّى أدخله حِيطانَ مكّة، ثمّ عاد في الثالثةِ، فهزَمه حتّى أدخله حيطان مكّة، فأنزل الله تعالى هذِه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ فكفَّ النبيّ ﷺ لبقايا من المسلمين كانوا بَقُوا فيها من بعد أن أظفَره (١) الله تعالى عليهم، كراهيةَ أن تَطَأَهم الخيلُ بغيرِ علمٍ (٢).

стр. 12976

وذلك قوله تعالى: ٢٥ - ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ﴾ أي: وصدّوا الهدي ﴿مَعْكُوفًا﴾ محبوسًا (١)، ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ مَنحَرَهُ (٢)، وكانت سبعين بدنة. روى الزهري (٣)، عن عُروَة بن الزبير (٤)، عن المِسوّر بن مَخرَمَة (٥)، ومروان بن الحكم (٦) ﵄ قالا: خَرَجَ النبي ﷺ من المدينة عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يُريد قتالًا، وساق معه سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كلّ بدنة بين عشرة نفر. فلمّا بلغ ذا الحليفة، تتام إليه النّاس، فخرج في بضع عشرة مائة من أصحابه، حتّى إذا كانوا بذي الحُليفة قلّد (٧)

стр. 12977

الهدي، وأشعَره (١)، وأحرَم بالعمرة. وبعث بين يديه عينًا له من خزاعةَ (٢) يخبره عن قريش. وسار النبيّ ﷺ حتّى إذا كان بغدير الأشطاط (٣)، قريبًا من عُسفان (٤) أتاه عينُه الخُزاعي، فقال: إنّي تركت كعب بن لُؤَي وعامر بن لُؤَي، قد جمَعوا لك الأحابيش (٥)، وهم مُقاتِلوك، وصادُّوك عن البيتِ، فقال النبي ﷺ : "أَشيروا عليَّ، أَتَرَون أن نَمِيلَ على ذَراري هؤلاء الذين عاونوهم فنُصيبهم؟ فإن قعدوا قعدوا مَوتُورين، وإن نجوا تَكُن عُنُقًا قطَعَها اللهُ، أو تَرَون أن نَؤُمَّ البيت، فمن صدّنا عنه

стр. 12978

قاتلناه؟ ". فقام أبو بكر الصديق ﵁، فقال: يا رسول الله إنّا لم نَأتِ لقتالِ أحدٍ، ولكن من حال بيننا، وبين البيت قاتلناه، فقال رسول الله ﷺ : "فرُوحوا إذًا". وكان أبو هريرة ﵁ يقول: ما رأيتُ أحدًا قط كان أكثر مشاورةً لأصحابِه من النبيّ ﷺ (١). فراحوا حتّى إذا كانوا (٢) بعسفان، لقيه بشر بن سفيان الكعبي (٣)، فقال له: يا رسول الله هذِه قريش، قد سمعوا بمسيرك، فخرجوا ومعهم العُوذُ المَطَافِيل (٤)، قد لَبِسُوا جُلُودَ النُّمُورِ (٥)، ونزلوا بذي طوى (٦)،

стр. 12979

يحلفون بالله لا تدخلها عليهم أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدّموها إلى كُرَاعِ الغَميم -وقد ذكرت قول من قال: إنّ خالد بن الوليد كان يومئذ مع رسول الله ﷺ مسلمًا- فقال رسول الله ﷺ : "يا ويح قريش، قد أكلتهُمُ الحربُ، ماذا عليهم لو خَلّوا بيني وبين سائر العرب؟ فإن هم أصَابُوني كان ذلك الَّذي أرَادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وآخرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا ولهم (١) قوّة، فما تظنّ قريش! ؟ فو الله لا أزال أُجاهِدُهُم على الَّذي بعثني الله تعالى به حتّى يظهره الله ، أو تنفرد هذِه السّالِفَةُ". ثمّ قال: "مَن رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ "، فقال رجل من أسلم: أنا يا رسول الله. فخرج بهم على طريق وعر حزن بين شعاب، فلمّا خرجوا منه، وقد شقّ ذلك على المسلمين وأفضى إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله ﷺ : "قولوا: نستغفر الله، ونتوب إليه"، ففعلوا، فقال: "والله إنّها للحطّة التي عُرِضَت علي بني إسرائيل، فلم يقبلوها (٢) ". ثمّ قال رسول الله ﷺ للنّاس: "اسلكوا ذات اليمين" في طريق تُخرجه على ثنية [المُرار] (٣) على مهبط الحديبية من أسفل مكّة.

стр. 12980

فسلك الجيش ذلك الطريق، فلمّا رأت خيل قريش قترة الجيش (١) وأنّ رسول الله ﷺ قد خالفهم عن طريقهم ركضوا راجعين (٢) إلى قريش ينذرونهم، وسار رسول الله ﷺ حتّى إذا سلك ثنية [المُرار (٣)] (٤) بركت به ناقته، فقال الناس: حَل حَل (٥)، فقال: "ما حل؟ " فقالوا: خلأت (٦) القَصواء، فقال ﷺ : "ما خلأت، ولا ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل". ثمّ قال: "والّذي نفسي بيده، لا تدعوني قريش اليوم إلى خُطَّة يُعظمون بها حرمات الله تعالى، وفيها صلة الرحم إلّا أعطيتهم إيّاها"، ثمّ قال للناس: "انزلوا"، فنزلوا بأقصى الحديبية على بئر قليلة الماء، إنّما يَتَبَرَّضُه (٧) الناسُ تَبَرُّضًا، فلم يلبث الناس أن

стр. 12981

نزحوه، فشكى الناس إلى النبي ﷺ العطش، فنزع سهمًا من كِنانتهِ، وأعطاه رجلًا من أصحابه يقال له: نَاجِية بن عُمَير بن يعمر بن دارم (١)، وهو سائق بدن رسول الله ﷺ ، فنزل في تلك البئر، فغرَزه في جوفه، فجاش الماء بالريّ، حتَّى صدروا عنه. ويقال: إنّ جارية من الأنصار أقبلت بدلوها، وناجية ﵁ في القليب يَمِيحُ على الناس، فقالت: يا أيّها المايح (٢) دلوي دونكا إنّي رأيت الناس يحمدونكا يُثنون خيرًا ويمجّدونكا أرجوك للخير كلما يرجونكا فقال ناجية ﵁: قد علمت جارية يمانية أنّي أنا المايح واسمي ناجية وطعنة ذات رشاش واهية طعنتها عند صدور العادية (٣)

стр. 12982

قال: فبينما هم كذلك، إذ جاء بُدَيل بن وَرقاءَ الخُزاعي (١) في نفرٍ من قومه، وكانت خزاعة عَيبةَ نُصحِ (٢) رسول الله ﷺ مِن أهلِ تِهامة، فقال: إنّي تركتُ كعب بن لؤي، وعامرَ بن لؤي قد نزَلوا أعَداد مياه الحديبية، معهم العُوذُ المَطافيل، وهم مُقَاتِلوك، وصادّوك عن البيت. فقال النبيّ ﷺ : "إنّا لم نَأتِ لقتال أحدٍ، ولكن جِئنا مُعتَمِرين، وإنّ قريشًا قد نهِكَتهُمُ الحربُ، وأضَرَّت بهم، فإن شاؤوا مادَدناهم مدةً، ويُخَلُّوا بيني وبين الناس، فإن أظهَر، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلاّ فقد حموا (٣) [وإن هم أبوا] (٤) فوالله لأُقاتلنّهم على أمري هذا، حتّى تنفرد سالِفَتي أو ليُنفِذَنّ الله تعالى أمره". فقال بُديل: سنبلغهم ما تقول. فانطلق حتّى أتى قريشًا، فقال: إنّا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نَعرِضَهُ عليكم فَعَلنَا، فقال سُفَهَاؤُهُم: لا حاجة لنا في أن تحدّثنا عنه بشيء، وقال ذَوو

стр. 12983

الرَّأي منهم: هَاتِ ما سَمِعتَهُ يقول. قال: سمِعتُهُ يَقُولُ كَذَا، وَكَذا، فَحَدَّثَهُم بما قال رسول الله ﷺ . فَقَامَ عُروَةُ بن مَسعُودٍ الثقفي، فقال: أي قَومِ، أَلَستُم بالوَالِدِ؟ قالوا: بَلَى، قال: أولَستُ بالوَلَدِ؟ قالوا: بَلَى، قال: فهل تتَّهِمُونِي؟ قالوا: لا. قال: أفلستُم تعلمون أنّي استَنفَرتُ أهل عُكَاظ، فَلَمّا بَلَّحُوا (١) عَلَيَّ جِئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإنّ هذا الرجل، قد عرض عليكم خُطَّةَ رُشدٍ فاقبلوها ودعوني آتِهِ، فقالوا: آته (٢). فَأَتَاهُ (٣)، فجعل يُكلِّمُ النبي ﷺ فقال النبي ﷺ نَحوًا من مقالته لبُديل، فقال عُروةُ عِندَ ذَلِكَ: يا محمّد، أرأيت إن استَأصَلتَ قَومك، فهل سمعت بأحدٍ من العربِ اجتاحَ أصله قَبلك؟ وإن تَكنِ الأُخرى، والله إنّي لأرى وُجُوهًا وأشوابًا (٤) من الناس خَلِيقًا أن يَفرّوا ويَدَعُوكَ. فقال له أبو بكر الصدِّيق ﵁: امصُص بَظرَ (٥) اللاتِ، واللات

стр. 12984

طاغية ثقيف التي كانوا يعبدون (١) -[أنحن] (٢)، نفِرّ ونَدَعُه؟ فقال: مَنْ هذا؟ فقالوا: أبو بكر. فقال: أما والّذي نفسي بيده، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أجزِكَ بها، لأَجَبتُكَ، وجعل يُكلّمُ النبيّ ﷺ فَكُلّما كلّمهُ أخَذَ بلِحيَتِه، والمُغِيرَةُ بن شعبة ﷺ قائِمٌ على رَأسِ رسول الله ﷺ ، ومعَهُ السِّيفُ وعَلَيهِ المِغفَرُ، فكلّما أهوى عُروةُ بيدِهِ إلى لحيةِ النبي ﷺ اضَرَبَ يَدَهُ بِنَعلِ السيفِ، وقال: أخّر يدك عن لِحيته، فرفع عُروةُ رأسَهُ، فقال: مَنْ هذا؟ فقالوا: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غُدَرُ (٣)، أوَلستُ أسعَى في غَدرَتِكَ؟ وكان المغيرة ﵁ قد صحب قومًا في الجاهليةِ، فقتلهُم، وأخذَ أموالهُم، ثمّ جاءَ فأسلَمَ، فقال النبيّ ﷺ : "أمّا الإسلام فقد قبلنا وأمّا المال، فإنّه مال غَدرٍ، ولا حاجة لنا فيه". وإنّ عروة جعل يَرمُقُ أصحاب النبي ﷺ بِعَينه، قال: فوالله إن (٤) يتنخم النبيّ ﷺ نُخامةً إلاّ وقَعَت في كَفِّ رجلٍ منهم، فَدَلَك بها وَجههُ، وجلدَهُ، وإذا أمرهم ابتَدَرُوا أمرهُ، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وَضُوئِهِ، وإذا تكلّموا (٥) خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون النظر

стр. 12985

إليه تعظيمًا له. فرجع عُروةُ إلى أصحابه، فقال: أي قومِ؟ والله لقد وفَدتُ على المُلُوكِ، ووفَدتُ على قيصَرَ، وكِسرى، والنَّجاشي، والله إنْ رَأيتُ مَلِكًا يعظّمُهُ أصحابُهُ ما يُعَظّمُ أصحابُ مُحمّدٍ محمّدًا، والله إن يتنخمُ نخامةً إلاّ وقَعَت في كفّ رجلٍ منهم، فدلك بها وجهه، وجلده، وإذا أمرهُمُ ابتدروا أمرهُ، وإذا توضّأ كادُوا يقتتِلون على وضُوئِهِ، وإذا تكلّموا عنده خفضوا أصواتهم، وما يُحدّون النظر إليه تعظيمًا له، وإنّه قد عرض عليكم خُطةَ رُشدٍ فاقبَلُوها. فقال رجلٌ من كِنَانَةَ: دَعُوني آتِهِ، فقالوا: أتيه، فلمّا أشرَفَ على النبيّ ﷺ وأصحابهِ، قال النبي ﷺ : "هذا فلانٌ، وهو من قومٍ يُعظّمون البُدن، فابعثُوها لَهُ" فَبُعثت له، واستقبَلَهُ قوم يُلبّونَ، فلمّا رأى ذلك، قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصَدّوا عن البيتِ. ثمّ بعثوا إليه الحليس بن علقمة بن زيان، وكان يومئذ سيّد الأحابيش، فلمّا رآه رسول الله ﷺ فقال: "إنّ هذا من قوم يتألهون، فابعثوا بالهدي في وجهه حتّى يراه". فلمّا رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، قد أكل أوتاره من طول الحبس، رجع إلى قريش، ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظامًا لما رأى، فقال: يا معشر قريش، إنّي قد رأيت ما لا يحل صدّ الهدي في قلائده، قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محلّه، فقالوا له: يا حليس، اجلس فإنما أنت رجل أعرابي لا علم لك، فغضب

стр. 12986

الحليس عند ذلك، وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم أن تصدّوا عن بيت (١) الله من جاءه معظّمًا له، والذي نفس الحليس بيده، لتخلنّ بين محمّد، وبين ما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد، فقالوا له: مه، كُفّ عنّا يا حليس حتّى نأخذ لأنفسنا بما نرضى به. فقام رجلٌ منهم يقال له: مِكرَزُ بنُ حَفصٍ (٢)، فقال: دَعُوني آتِهِ، فقالوا: أتيه. فلمّا أشرَفَ عليهم، قال النبي ﷺ : "هذا مِكرَزٌ بن حفص، وهو رَجُل فَاجِرٌ"، فجعل يُكَلّمُ النبيّ ﷺ إِذ جاءَ سُهَيلُ بن عَمرٍو فلمّا رآه النبيّ ﷺ قال: "قد سَهُلَ لَكُم مِن أمرِكم القوم يأتون إليكم بأرحامهم (٣)، وسائلوكم الصلح، فابعثوا الهدي وأظهروا التلبية لعلّ ذلك أن يليّن قلوبهم"، فلبّوا من نواحي العسكر حتّى ارتجّت أصواتهم بالتلبية، فجاءوا، فسألوا الصلح (٤). وقال سهيل: هَاتِ نكتب بيننا وبينك كتابًا، فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ فقال: "اكتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" فقال سهيل: أما الرّحمن فلا أدري ما هو، ولكن اكتب بِاسمكَ

стр. 12987

اللَّهُم، كما كُنتَ تكتب، فقال المسلمون: والله لا نَكتُبُهَا إلاّ بسم الله الرّحمن الرحيم. فقال رسول الله ﷺ لعلي: "اكتبها (١) باسمك اللَّهُم"، ثمّ قال: "اكتب: هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله ﷺ " فقال سهيل: والله لو كُنّا نعلم أنّك رسول الله ما صَدَدنَاك عن البيتِ، ولا قَاتَلناكَ، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال رسول الله ﷺ : "والله إِنّي لَرسولُ الله وإن كَذّبتُمونِي". ثمّ قال لعلي ﵁: "امح رسول الله ﷺ "، فقال علي: والله لا أمحوك أبدًا، فأخذه رسول الله ﷺ وليس يحسن يكتب، فمحاه. ثمّ قال: "اكتب: هذا ما قاضى عليه محمّد بن عبد الله، سهيل بن عمرو"، واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهنّ الناس ويكفّ بعضهم من (٢) بعض، وعلى أنّه من قدم مكّة من أصحاب محمّد ﷺ حاجًّا أو معتمرًا أو يبتغي من فضل الله، فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة من قريش مجتازًا إلى مصر أو إلى الشام يبتغي من فضل الله، فهو آمن على نفسه (٣) وماله، وعلى أنّه من أتى رسول الله ﷺ من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشًا ممّن مع رسول الله ﷺ لم يَرُدُّوه عليه".

стр. 12988

فاشتدّ ذلك على المسلمين، فقال رسول الله ﷺ : "من جاءهم منّا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فلو علم الله الإسلام من قلبه جعل له مخرجًا، وإنّ بيننا عَيبَةً مكفوفة (١)، وإنّه لا إسلَالَ (٢)، ولا إغلال (٣)، وإنّه من أحبّ أن يدخل في عقد محمّد، وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش، وعهدهم دخل فيه". فتواثبت خزاعة، فقالوا: نحن في عقد محمّد وعهده، وتواثبت بنو بكر، فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم. فقال النبي ﷺ : "وعلى أن يخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به"، فقال سهيل (٤): والله لا تتحدّثُ العربُ أنّا أخذتنا ضغطة، ولكن لك ذلك من العام المقبل، فكتب: وعلى أنّك ترجِع عَنّا عامك هذا، فلا تدخل علينا مَكّة، فإذا كان عام قابل خرجنا عنها لك، فدخلتها

стр. 12989

بأصحابك، فأقمت بها (١) ثلاثًا، ولا تدخلها بالسّلاح إلاّ بالسيوف في القرب (٢)، وسلاح الراكب، وعلى أنّ هذا الهدي حيث ما حبسناه محلّه، لا تقدمه علينا، فقال لهم رسول الله ﷺ : "نحن نسوقه، وأنتم تردون وجوهه". قال: فبينا رسول الله ﷺ يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو، إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو (٣)، يَرسُفُ (٤) في قُيودِهِ، قد انفلت، وخرج من أسفلِ مكّة حتّى رَمَى بِنفسِهِ بين أظهُرِ المسلمين، فلمّا رأى سهيل أبا جندل، قام إليه، فضرب وجهه، وأخذ بتلبيبه (٥)، وقال: يا محمّد قد تمّت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، فهذا أوّل من أقاضيك عليه، أن تَرُدَّه إلينا؟ ثمّ جعل يجرّه ليرده إلى قريش،

стр. 12990

وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أُردُّ إلى المشركين، وقد جئت مسلمًا ليفتنوني عن ديني؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في الله تعالى، فقال له رسول الله ﷺ : "يا أبا جندل احتسب، فإنّ الله جاعل لك، ولمن معك من المستضعفين فرجًا، ومخرجًا، إنّا قد عقدنا بيننا، وبين القوم عقدًا، وصُلحًا، وأعطيناهم على ذلك عهدًا، وأعطونا عهدًا، وإنّا لا نغدر". قال: فوثب عمر بن الخطّاب ﵁ إلى أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر يا أبا جندل، فإنّما هم المشركون، وإنّما دم أحدهم دم كلب، ويدني قائم السيف منه، قال: يقول عمر ﵁: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضَنّ (١) الرجل بأبيه. قالوا: وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا، وهم لا يشكّون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ فلمّا رأوا ذلك، دخل الناسَ أمرٌ عظيم حتى كادوا يهلكون، وزادهم أمر أبي جندل ﵁ شرّا إلى ما بهم. وقال عمر ﵁: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبيّ ﷺ ، فقلت: ألست رسول الله؟ قال: "بلى"، قلت: ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟ قال: "بلى"، قلت: فَلِمَ نُعطِي
следующие страницы →