← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 13126–13165 · переход к 13131.

стр. 13126

(وفي الحديث: "كيف بك يا عبد الله إذا كنت في قوم مرِجت عهودهم وأما ناتهم، واختلفوا، فكانوا هكذا" وشبك بين أصابعه (١)) (٢). ٦ - قوله : ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ نظر اعتبار وتفكر (٣). ﴿كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ فرفعناها بلا عمد (٤). ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ بالنجوم (٥). ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ شقوق وفتوق، واحدها فرْج (٦). وقال ابن زيد: الفرج الشيء المشقوق (٧) بعضه من بعض (٨).

стр. 13127

وقال الكسائي: ليس فيها تفاوت ولا اختلاف ولا فتوق (١) (٢). ٧ - ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ بسطناها على وجه الماء (٣). ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيْهَا﴾ نصبنا (٤). ﴿رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: من كل صنف ولون (٥) (٦). ﴿بَهِيجٍ﴾ حسن كريم يُبْهَج به، أي: يسر بنظره، والبهجة: السرور (٧) (٨) . ٨ - ﴿تَبْصِرَةً﴾ أي: جعلنا ذلك تبصرة (٩). وقال أبو حاتم: نُصبَ على المصدر، يعني: جعلنا ذلك تبصيرًا

стр. 13128

وتنبيهًا على قدرتنا (١). ﴿وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ يرجع إلى الله ويتفكر في قدرته (٢)؛ لأنَّ من كان قادرًا على خلق السموات والأرض والنبات قادر على بعثهم، ونظير التبصرة من المصادر: التذكرة، والتكملة والتفضلة، ومن المضاعف: التجلَّة والتعزَّة. ٩ - ﴿وَنَزّلْنَا مِنَ الْسَّمَاءِ﴾ يعني: السحاب (٣) (٤). ﴿مَاءً﴾ المطر (٥). ﴿مُبَارَكًا﴾ سمي مباركًا لأنه يحيي الأرض ويزيل جدبها (٦) (٧). ﴿فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ بساتين في الأرض وكروم (٨) (٩). ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ يعني البر والشعير وسائر الحبوب التي تحصد وتدخر وتقتات، وأضاف الحب إلى الحصيد وهما واحد لاختلاف

стр. 13129

اللفظين كما يقال: مسجد الجامع، وربيع الأول، وحق اليقين، وحبل الوريد، ونحوها قاله الفراء (١). ١٠ - ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ نصب النخل ردًّا على قوله: (وَحَبَّ الْحَصِيدِ) (٢) (٣). قال مجاهد وعكرمة وقتادة: الباسقات (٤) الطوال (٥) وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: بسوقها: استقامتها في الطول (٦). وقال سعيد بن جبير: مستويات (٧). وقال الحسن والفراء: مواقير: حوامل، يقال للشاة إذا ولدت: بسقت (٨)، ومحلها نصب على الحال والقطع.

стр. 13130

[٢٨٢٠] أخبرنا الحسين بن محمد الدينوري (١)، قال: حدثنا عمر ابن أحمد بن القاسم النهاوندي (٢)، قال: حدثنا عبيد بن صبيح الكناني (٣)، قال: حدثنا هشام بن يونس النهشلي (٤)، قال: حدثنا سفيان بن عيينة (٥)، عن زياد بن (٦) عِلاقة (٧)، عن قطبة بن مالك

стр. 13131

- ﷺ (١) قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ: (والنخل باصقات) بالصاد (٢) (٣). (لَهَا طَلْعٌ) ثمر وحمل؛ سمي بذلك لأنه (يطلع (٤)) (٥) (٦). إنَضِيدٌ) متراكب متراكم، قد نضد بعضه على بعض (٧) قال مسروق بن الأجدع: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها

стр. 13132

أمثال القلال (١) والدلاء (٢) وأنهارها تجري في غير أخدود (٣). وقيل: منضود مرصوص بعضه فوق بعض، وذلك ما دام في أكمامه، فإذا خرج فليس بنضيد (٤) (٥). ١١ - ﴿رِزْقًا﴾ أي: جعلناها (٦) وقيل: الماء جعلناه رزقًا (٧) (٨). ﴿لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [٢٨٢١] وأخبرني ابن فنجويه (٩)، قال: حدثنا ابن صقلاب (١٠)، قال: حدثنا ابن أبي الخصيب (١١)، قال: حدثني ابن أبي الحواري (١٢)،

стр. 13133

قال: حدثنا عتيق بن يعقوب (١)، عن إبراهيم بن قدامة (٢)، عن أبي عبد الله الأغر (٣)، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا جاءهم المطر، وفي لفظ إذا رأى المطر (٤) وسالت الميازيب قال: "لا محل عليكم العام" يعني: الجدب (٥). قوله : ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أي أخصبنا به بلدة جدبة (٦) (٧).

стр. 13134

﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ من القبور، (أي كما أحيا الله سبحانه هذِه الأرض الميتة فكذلك يخرجكم أحياءً بعد موتكم، ثم ذكرهم بنبأ من كان قبلهم من المكذبين، وخوفهم ما أخذهم) (١) فقال (٢): ١٢ - ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ فأهلكوا بالغرق. ﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ قيل: هم قوم باليمن، وقد ذكرنا قصصهم في سورة الفرقان (٣). ﴿وَثَمُودُ﴾ كذبوا صالحًا ﵇ فأهلكوا بالدمدمة (٤) (٥). ١٣ - ﴿وَعَادٌ﴾ كذبوا هودًا ﵇ فأهلكوا بالريح العقيم (٦). ﴿وَفِرْعَوْنُ﴾ كذب موسى ﵇ فأغرقه الله تعالى ومن معه جميعًا (٧). ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ إنما سماهم إخوانه لأنهم كانوا معه في بلده، نحو قوله ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ كذبوا نبيهم فقلب الله بهم الأرض (٨).

стр. 13135

١٤ - ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ (يعني: الغيضة (١)، قوم شعيب كذبوا شعيبًا ﵇ فأخذهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة) (٢) ﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو كان ملكًا باليمن. وقال ابن عباس ﵁ كان نبيًّا (٣). وسمي تبعًا لكثرة من تبعه وكان يعبد النار فأسلم ودعى قومه إلى الإسلام، وهم حِمْير فكذبوه فسلط الله عليهم الحبشة (٤) (٥) وكان من خبره وخبر قومه: [٢٨٢٢] ما أخبرنا عبد الله بن حامد (بن محمد) (٦) الأصفهاني (٧). قراءةً عليه، قال: أخبرني أبو علي إسماعيل بن سعدان (٨)، قال: أخبرني علي بن أحمد (٩)، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن جرير

стр. 13136

الطبري (١) ح. [٢٨٢٣] وأخبرني عقيل بن محمد بن أحمد الجرجاني (٢)، أنَّ أبا الفرج البغدادي القاضي (٣)، أخبرهم عن محمد بن جرير الطبري (٤)، قال: حدثنا ابن حُميد (٥)، قال: حدثنا سلمة (٦)، قال: حدثنا محمد بن إسحاق (٧)، قال: كان تبَّع الآخر وهو أسعد أبو كرب بن ملكيكرب، حين أقبل من المشرق وجعل طريقه على المدينة، وقد كان حين مرَّ بها لم يهج (٨) أهلها وخلف بين أظهرهم ابنا له فقتل غيلة (٩) فقدِمَها وهو مُجمِعٌ لإخرابها، واستئصال أهلها، وقطع نخلها، فجمع (١٠) هذا

стр. 13137

الحي من الأنصار على قتاله حين سمعوا ذلك من أمره ليمتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ (١) عمرو ابن طلحة (٢) أخو بني النجار ثم أحد بني عمرو فخرجوا لقتاله، وكان تبع نزل بهم قبل ذلك فقتل رجل منهم من بني عدي بن النجار يقال له: أحمر رجلًا من أصحاب تبَّع وجده في عَذْق (٣) له يجذّه (٤)، فضربه بمِنْجَله (٥) فقتله، وقال: إنما التمر لمن أبَّره (٦) ثم ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة يقال لها: ذات تومان، فزاد ذلك تبعًا (٧) حَنقًا (٨) عليهم، فبينا تبع على ذلك من حربهم يقاتلهم ويقاتلونه قال: فيزعم الأنصار إنهم كانوا يقاتلونه

стр. 13138

بالنهار ويقْرونه بالليل، فأعجبه ذلك، ويقول: إنَّ قومنا هؤلاء والله لكِرامٌ، إذ جاءه حبْران من أحبار يهود بني قريظة عالمان راسخان فكانا ابنيْ عم وكانا أعلم أهل (١) زمانهما، فجاءا تبعًا حين سمعا ما يريد من إهلاك المدينة وأهلها، فقالا له: أيها الملك لا تقاتلهم (٢) ولا تفعل، فإنك إن أبيت إلَّا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم نأمن عليك العقوبة عاجلًا، فقال لهما: ولمَ ذاك؟ قالا: هي مُهاجَرُ نبي يخرج من هذا الحي من قريش في آخر الزمان يقال له: محمد ﷺ تكون هي داره وقراره (وفيها قبرُه، فتناهى وكف عنهم) (٣) لقولهما عما كان يريد بالمدينة، ورأى أن (٤) لهما علمًا أعجبه ما سمع منهما. (وقال غيره: إنَّ تبعًا سألهما آيةً فقالا: انظر إلى مكان كذا ليلة الجمعة، وهو موضع قبر رسول الله ﷺ فنظر فرأى على ذلك المكان نورًا من الأرض حتى بلغ السماء، فانصرف عن قتالهم، وصدق الحبرين فيما قالا له. قال ابن إسحاق) (٥): ثم إنهما دعواه إلى دينهما، فاتبعهما على دينهما، (لأنه كان دين الحق يومئذ) (٦) وقال تبع في ذلك:

стр. 13139

ما بال نومك مثل نوم الأرمد (١) ... أرقًا كأنك لا تزال تُسهَّد (٢) حنقًا (٣) على سبطين حلا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد ولقد هبطنا يثربا وصدورنا ... تغلي بلابلها (٤) بغيظ محصد (٥) ولقد حلفت يمين صبر موليا ... قسمًا لعمرك ليس بالمتردد إن جئتُ يثرب لا أغادر وسطها ... عذقًا (٦) ولا بسراً (٧) بيثرب يخلُدِ

стр. 13140

حتى أتاني من قريظة عالمٌ ... حَبْرٌ لعمرك في اليهود مسود قال انزجر عن قرية محفوظة ... لنبي مكة من قريش مَهتد فعفوت عنهم عفوَ غير مُتَرِّب (١) ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد وتركتهم لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الجحيم الموقَدِ ولقد تركت بها له من قومنا ... نفرا أولي حسب وناس يُحمد نفرًا يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب رب محمد فلما أجابهما تبع إلى دينهما أكرمهما، وانصرف عن المدينة وخرج بهما إلى اليمن. قال (٢) قتادة وابن إسحاق: ذم الله قوم تبع ولم يذم تبعًا فقصد مكة لهدم البيت، فقيل له: إنَّ لهذا البيت ربًّا يحميه، فندم وتاب وأحرم ودخل مكة وطاف بالبيت وكساه الحبر، وهو أول من كسى الكعبة (قالت سبيعة بنت الأحب النضرية لابنها (٣) تذكره حق مكة

стр. 13141

شرفنا الله وإياكم يا أهل الإسلام بزيارتها: أبُنيَّ لا تظلم بمكة لا الصغير ولا الكبير واحفظ محارِمها بُنىَّ ولا يغرنك الغرور أبُنيَّ من يظلم بمكة يلق أطراف الشرور أبُنيَّ يُضربُ وجهه ويلُح بخدَّيه السعير أبُنَيَّ قد جَّربتُها فوجدت ظالمها يَبور الله أمَّنها وما بُنيتْ بعرصتها قصور واللهُ أمَّن طيرَها والعُصْمُ تأمن في ثبير ولقد غزاها تبع فكسا بَنِيَّتها الحرير وأذلَّ ربي ملكه فيها فأوفى بالنذور يمشي إليها حافيًا بفنائها ألفا بعير ويظل يُطعم أهلَها لحم المهاري والجَزور يَسْقِيهم العسل المصفى والرَّخيص من الشعير والفيلُ أهلك جيشه يُرمون فيها بالصخور والملك في أقصى البلاد وفي الأعاجم والجزير فاسمع إذا حُدِّثت وافهم كيف عاقبة الأمور (١) ثم رجع تبع إلى اليمن) (٢) فلما دنا من اليمن ليدخلها

стр. 13142

حالت حمير (١) بينه وبين ذلك وقالوا: لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم، قالوا: حاكِمْنا إلى النار، وكانت باليمن نار في أسفل جبل يقال لها: برا (٢) يتحاكمون إليها فيما يختلفون فيه، فتحكم بينهم، تأكل الظالم ولا تضر المظلوم، فلما قالوا ذلك لتبع قال: أنصفتم، فخرج قومه بأصنامهم وما يتقربون به (٣) في دينهم، وخرج الحَبْرانِ، بمصاحفهما في أعناقهما متقلدين بهما (٤) حتى قعدوا للنار عند مخرجها التي تخرج منه، فخرجت النار إليهم، فلما أقبلت نحو حمير حادوا عنها وهابوها فذمَّهم من حضرهم (٥) من الناس وأمروهم بالصبر لها فصبروا حتى غشيتهم، فأكلت الأوثان وما قرَّبوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحَبْران بمصاحفهما في أعناقهما يقرآن (٦) التوراة، تعرق جباههما لم تضرهما النار ونكصت النار حتى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه فأصفقت حمير عند ذلك على دينهما، فمن هناك أصل اليهودية باليمن، وكان لهم بيت يعظمونه وينحرون (٧) عنده ويُكلَّمون منه، إذ كانوا على شركهم يقال

стр. 13143

له: رئام، طاغية لهم، فقال الحبران القرظيان، واسمُهما كعب وأسد لتبع: إنما هو شيطان يفتنهم ويلعب بهم فخل بيننا وبينه، فقال تبع: فشأنكما بالبيت. فدخلاه فاستخرجا منه كلبًا أسود، فذبحاه وهدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم باليمن كما ذكر لي. روى ابن دريد (١) عن أبي حاتم (٢) عن (٣) الرياشي (٤) قال: كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة، آمن بالنبي ﷺ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال في ذلك شعرًا له: شهدت على أحمد أنَّه ... رسولٌ من الله باري النسم فلو مُدَّ عمري إلى عمره (٥) ... لكنت وزيرًا له وابنَ عَم (٦) (قال ابن إسحاق: وتبع هذا اسمه حسان بن تبانَ أسعد أبي كرب، وتبان أسعد تبع للآخر بن كلكترب بن زيد، وزيد تبع الأول ابن عمرو

стр. 13144

ذي الأذعار بن أبرهة ذي المنار بن الرائش بن عدي بن عدي بن صيفي ابن سبأ الأصغر بن كعب كهف الظلم بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس ابن معاوية بن جُشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أنس بن الهميسع بن العرنجح حمير بن سبأ الأكبر بن يعرُب بن يَشْجُب (١) بن قحطان بن شالَخ بن عَابر (٢) بن أرفَخْشد (٣) بن سام بن نوح ﵇، قال: وأما الحبران فهما: من قرنطَّه وقريظة والنضير وعمرو وهو وَهَدَل والنحام أخوة بنو الخزرج بن الصريح بن التَّومان بن السمط بن اليسع بن سعد بن لاوي بن خير بن النحام بن تخوم بن عازَر بن عزر بن هارون بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم خليل الله على أنبيائه السلام) (٤) (٥).

стр. 13145

قوله : ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ من هذِه الأمم المكذبة (١) (٢). ﴿فَحَقَّ﴾ وجب عليهم (٣). ﴿وَعِيدِ﴾ (٤) عقابي لهم وعذابي (٥)، يخوف كفار مكة (٦). ١٥ - ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ وهذا توبيخ لهم (٧) يقول: أعجزنا عن هذا الخلق؟ أتعذر علينا فنعيا بالإعادة والخلق الثاني؟ (بل ما عجزنا عن ذلك، وقدرنا عليه، فنحن أقدر على الخلق الثاني (٨)). ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ﴾ أي: شك ومرية (٩) (١٠).

стр. 13146

﴿مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهُو البعث (١)، يقال: لبس الله عليه الأمر، يَلْبِسه لَبْسًا (٢) (٣). ١٦ - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ يعني: الناس. وقيل: آدم ﵇ (٤) (٥). ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (يختلج في قلبه، وسره، وضميره فلا يخفى علينا سرائره وضمائره، والوسوسة: حديث النفس بمنزلة الكلام الخفي، قال الأعشى: تسمَعُ للحَلْي وَسْوَاسًا إذَا أنْصرَفَتْ ... كَما اسْتَعانَ بِريحٍ عِشْرِقٌ زَجِلُ (٦) وقال رؤبةُ:

стр. 13147

وَسوس يدعو مخلصًا رب الفلق ... سرًّا وقد آذن باز من عقق (١)) (٢) ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ أي: أعلم به وأقدر عليه (٣). ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ لأنَّ أبعاضه وأجزاءه يحجب بعضُها بعضًا، ولا يَحْجُب علم الله عن جميع ذلك شيء، وحبل الوريد: عرق العنق (٤)، وهو عرق بين الحلقوم والعِلبَاوَين (٥) وجمعه أوردة (٦). وقيل: هو عرقان (٧)، والحبل هو الوريد، فأضيف لنفسه لاختلاف اللفظين (٨). قال الشاعر:

стр. 13148

فقرِّب للفخار مجَاشعيا ... إذا ما جاش وانتفخ الوَريدُ وقال الحسن: الوريد: الوتين، وهو عرق معلق بالقلب (١). ١٧ - قوله ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ أي: يتلقن ويأخذ الملكان الموكلان عليك: يتلقيان عملك ويثبتانه (٢) (٣) وكَّل الله تعالى بالإنسان مع علمه بأحواله ملكين بالليل وملكين بالنهار يحفظان عمله ويكتبان أثره إلزامًا للحجة، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيئات، فذلك قوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ وإنما قال: قعيد ولم يقل: قعيدان. قال البصريون: لأنه أراد عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فاكتفى بأحدهما عن الآخر كقول الشاعر (٤): نحن (٥) بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأي (٦) مختلف (٧)

стр. 13149

وقول الفرزدق: إني ضَمنت لمن (١) أتاني مَا جَنى ... وَأبى وكان وكنت غير غَدور (٢) ولم يقل غدورين، والقعيد: القاعد كالسميع والسامع والعليم والعالم والقدير والقادر، والشهيد والشاهد وقيل: قعيد بمعنى مقاعد مثل أكيل ونديم بمعنى مؤاكل ومنادِم (٣) (٤). وقال الكوفيون: أراد قعودًا فردَّه إلى الجنس فوضع الواحدَ موضع الجمع كالرسول للواحد والاثنين والجمع، قال الله في الاثنين: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) , وقال الشاعر في الجمع: ألِكْنى إليها وخيرُ الرسول ... أعلَمُهُم بنواحي الخَبَرْ (٦)

стр. 13150

[٢٨٢٤] أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري (١)، قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن سلم (٢) الختُّلي (٣)، قال: حدثنا أحمد بن أيوب الرجاني (يعني: المرجاني) (٤)، قال: حدثنا جميل بن الحسن (٥)، قال: حدثنا أرطاةُ بنُ الأشعث العدوي (٦)، عن جعفر بن محمد (٧)، عن أبيه (٨)، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ مقعد ملائكتك على ثنيتيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري (٩) فيما لا يعنيك فلا تستحي من الله ولا

стр. 13151

منهما" (١). [٢٨٢٥] وقال أبو الحسين بن محمد (٢)، قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان (٣)، قال: حدثنا الفضل بن عباس بن مهران (٤)، قال: حدثنا طالوت (٥)، قال: حدثنا حماد بن سلمة (٦)، قال: أخبرنا جعفر بن الزبير (٧)، عن القاسم بن عبد الرحمن (٨)، عن أبي

стр. 13152

أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيئات على يساره، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنةً كتبها صاحب اليمين عشرًا، وإذا عمل سيئةً قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دَعْه سبع ساعات لعله يسبِّح أو يستغفر" (١). وقال الحسن: إنَّ الملائكة يجتنبون الإنسان على حالتين: عند غائطه وعند جماعه (٢)، وقال أبو الجوزاء ومجاهد: يكتبان عليه كل شيء، حتى أنينه في مرضه (٣). وقال عكرمة: لا يكتبان عليه إلَّا ما يؤجر أو يؤزر عليه (٤).

стр. 13153

وقال الضحاك: مجلسهما تحت الثغر على الحنك (١)، ومثله روى عوف عن الحسن قال: وكان الحسن يعجبه أن ينظف عَنْفَقته (٢) (٣). وقال عطية ومجاهد: القعيد: الرصيد (٤). [٢٨٢٦] أخبرنا الأستاذ أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب (٥) قراءةً عليه سنة ست وثمانين وثلاثمائة، قال: حدثنا أبو محمد أحمد بن محمد بن إبراهيم البلاذري (٦)، قال: حدثنا محمد بن أيوب الرازي (٧)، قال: حدثنا أبو التقى هشام بن عبد الملك (٨)، قال: حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي (٩)،

стр. 13154

عن تمام بن نَجيح (١)، عن الحسن (٢)، عن أبي هريرة، وأنس ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "ما من حافظين يرفعان إلى الله تعالى ما حفظا فيرى الله في أول الصحيفة خيرًا وفي آخرها خيرًا إلا قال الله تعالى للملائكة اشهدوا أني قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة" (٣). [٢٨٢٧] وأخبرنا الأستاذ أبو سهل عبد الملك بن محمد بن أحمد ابن حبيب (٤) بقراءتي عليه قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن موسى (٥)،

стр. 13155

قال: حدثنا زنجويه بن محمد (١)، قال: حدثنا إسماعيل بن قتيبة (٢)، قال: حدثنا يحيى بن يحيى (٣) قال: حدثنا عثمان بن مطر الشيباني (٤) عن ثابت (٥)، عن أنس ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله تعالى وكل بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله، فإذا مات قال الملكان: ربنا قد مات فلان فائذنْ لنا أن نصعَد إلى السماء. فيقول الله تعالى: إنَّ سمواتي مملوءة من ملائكتي يسبحونني، فيقولان: ربنا فنقيم في الأرض، فيقول الله : إنَّ أرضي مملوءة من خلقي يسبحونني، فيقولان: يا رب فأين نكون، فيقول الله تعالى: قُوْمَا على قبر عبدي، فكبراني وهلِّلاني واذكراني (٦) واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم القيامة، (قالا: وإن كان كافرًا؟ قال: قُومَا على قبر عبدي والعناه إلى يوم القيامة) (٧) " (٨).

стр. 13156

١٨ - ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ أي: يتكلم به. ﴿إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ حافظ (١). ﴿عَتِيدٌ﴾ حاضر، ثابت لازم (٢) وهو بمعنى المعتد من قوله: اعتدنا (٣) والعرب تعاقب بين التاء والدال لقرب مخرجيهما فتقول: اعتدت واعددت، وهَرد ثوبه وهرت، وكبد وكبت (٤)، قال الشاعر: لئن كنت مني في العيان مغيَّبًا ... فذكرك عندي في الفواد عتيد (٥) وقال علي ﵁: إنَّ لله تعالى ملائكة، معهم صحف بيض، فأملوا في أولها خيرًا، وفي آخرها خيرًا يغفر لكم ما بين ذلك (٦).

стр. 13157

١٩ قوله : ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ أي: غمرته وشدته كالسُّكر (الذي يغلب على فهم الإنسان من النوم والشراب (١)) (٢). ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالحقيقة من أمر الموت (٣). وقيل: بالحق من أمر الآخرة حتى يتبينه الإنسان، ويراه بالعيان (ويعرفه صاحبه (٤)) (٥). وقيل: بما يؤول إليه أمر الإنسان من الشقاوة والسعادة (٦). وفي قراءة أبي بكر وابن مسعود ﵄: (وجاءت سكرة الحق بالموت) (٧). قال الفراء على معنى نعت السكرة: أي وجاءت السكرة الحقُّ بالموت (٨) لأنَّ السكرة هي الحق فأضيفت إلى نفسها؛ لاختلاف اللفظين.

стр. 13158

وقيل: الحق هو الله تعالى، مجازه: وجاءت سكرة أمر الله بالموت (١). [٢٨٢٨] وأنبأني عقيل (٢)، قال: أخبرنا المعافى (٣)، قال: أخبرنا محمد بن جرير (٤)، قال: حدثنا ابن المُثنى (٥)، قال: حدثنا محمد بن جعفر (٦)، قال: حدثنا شعبةُ (٧)، عن واصل (٨)، عن أبي وائل (٩) قال: لما كان أبو بكر ﵁ يقضي نحبه قالت عائشة ﵂ تتمثل: لعمرك ما يُغني الثراءُ عنِ الفَتَى ... إذا حَشْرَجَت يَوْمًا وضاق بها الصَّدرُ (١٠)

стр. 13159

فقال أبو بكر ﵁: يا بنية لا تقولي ذلك ولكن قولي كما قال الله تعالى: (وجاءت سكرة الحق بالموت) (١)) (٢). ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي: تكره، قاله ابن عباس ﵄ (٣). (وقال الحسن: تهرب (٤). وقال الضحاك: تروغ (٥). وقال عطاء الخراساني: تميل (٦). وقال مقاتل بن حيان: تنكص (٧) وأصل الحيد: الميل، يقال: حِدْت عن الشيء أحيد حيدًا ومحيدًا وحيدودةً، إذا ملت عنه (٨).

стр. 13160

قال طَرَفَة: أبا منذر رمت الوفاء فهبته ... وحِدت كما حاد البعير عن الدحض (١) (٢) ٢٠ قوله ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ أي: نفخة البعث، وهي النفخة الأخيرة (٣). ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ الذي وعده الله تعالى للكفار أن يعذبهم فيه. ٢١ - ﴿وَجَاءَتْ﴾ دْلك اليوم. ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ﴾ يسوقها إلى المحشر. ﴿وَشَهِيدٌ﴾ يشهد عليها بما عملت في الدنيا من خير أو شر. ويروى أن عثمان بن عفان ﵁ خطب فقرأ هده الآية فقال: السائق يسوقها إلى أمر ربها، والشاهد يشهد عليها بما عملَتْ (٤). وقال الضحاك: السائق من الملائكة والشهيد من أنفسهم: الأيدي والأرجل (٥). ورواه العوفي عن ابن عباس ﵁ (٦).

стр. 13161

قال أبو هريرة ﵁: السائق الملك والشهيد العمل (١) (٢). وقال الباقون: هما جميعًا من الملائكة (٣). وقال ابن مسلم: السائق قرينها من الشياطين، وسمي سائقًا لأنه يتبعها وإن لم يحثها (٤) فيقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ﴾ يا ابن آدم (٥). ٢٢ - ﴿فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ يعني: البعث (٦). ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ فرفعنا عنك عَماك وجلينا عنك سترك حتى عاينته ببَصرك (٧). ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ قويٌّ نافذ ثاقب ترى ما كان محجوبًا عنك. وروى عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ يعني: نظرك إلى لسان ميزانك حتى توزن حسناتُك وسيئاتُك (٨).

стр. 13162

وقيل: عَنى بالبصر العِلم (١) أي: علم حين لم ينفعه البصر. وقرأ نصر بن عاصم وعاصم الجحدري: (لقد كنْتِ) بكسر التاء وبكسر الكافات، من: (عنكِ)، و (غطاءكِ)، (فبصركِ)، رد الكنايات إلى النفس (٢). ٢٣ - ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ يعني: الملك الموكل به (٣). ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ﴾ أي: هذا ما عندي من كتابة عمله (٤). ﴿عَتِيدٌ﴾ معد محفوظ محضر (٥) قال مجاهد: يقول هذا الذي وكلتني به من بني آدم قد أحضرته وأحضرت ديوان عمله (٦). فيقول الله تعالى لقرينه:

стр. 13163

٢٤ ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ (قال الخليل والأخفش: هذا كلام العرب الصحيح أن يخاطب الواحد بلفظ الاثنين، وهو جيِّد حسن فيقول الرجل: ويلك أرحلاها، وازجراها، وخذاه، وأطلقاه، للواحد (١). قال الفراء: تقول العرب للواحد: قوما هاهنا، وأصل ذلك أنَّ أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه ورفقته في سفره اثنان، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ومنه قولهم للواحد في الشعر: خليليَّ ثم تقول: أصاح (٢). قال امرؤ القيس: خَلِيْليَّ مُرَّا بي على أمِّ جُنْدَبِ ... نُقضِّي لُبانَاتِ الفُؤَادِ المُعذَّبِ (٣) وقال أيضًا:

стр. 13164

قفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرى حَبيبٍ وَمَنْزِلِ ... بسَقْطِ اللوى بيْنَ الدَّخُولِ فَحوْمَلِ (١) وقال: قِفَا نَبكِ من ذِكرى حبيبٍ وعِرْفَانِ (٢) وقال آخر (٣): قلتُ لصاحِبيّ: لا تحبسَانَا ... بِنَزع أُصُولهِ واجْتَزَّ شِيحَا (٤) وقال الفراء: أنشدني أبو ثروان (٥): فإنْ تَزْجُرَانى يا ابن عفَّانَ أنْزَجِرْ ... وإنْ تَدَعَانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا (٦)

стр. 13165

وقال المبرد: تثنية على التوكيد عنى به تكرار القول فيه فكأنه يقال: ألقِ ألقِ، فناب ألقيا مناب التكرار) (١) ويجوز أن يكون ألقيا تثنية على خطاب الحقيقة ويكون الخطاب للمتلقيين الملكين معًا والسائق والشهيد معًا (٢). (وقرأ الحسن: (ألقينْ) بنون التأكيد الخفيفة (٣)، نحو قوله: ﴿وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (٤)، وقوله: (لنسفعا) (٥). ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾ لنعم الله) (٦). ﴿عَنِيدٍ﴾ قال مجاهد وعكرمة: مجانب للحق معاند لله (٧).
следующие страницы →