← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 13371–13410 · переход к 13376.

стр. 13371

أُخْرَى﴾ وتقديرها: ولقد رآه نازلا نزلة أخرى، ووصف الله سبحانه بالمكان والنزول الذي هو الانتقال محال؛ ولأنه لم يرو في الحديث أنه ﷺ رآى ربه قبل ليلة المعراج، فيراه تلك الليلة مرة أخرى يدل عليه: [٢٨٩٥] ما أخبرني عقيل بن محمد (١) أنَّ أبا الفرج البغدادي (٢)، أخبرهم عن محمد بن جرير (٣)، قال: حدثنا محمد بن المثني (٤)، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي (٥)، قال: حدثنا داود (٦)، عن عامر (٧)، عن مسروق (٨)، أنَّ عائشة ﵂ قالت: مَن زعم أنَّ محمدًا ﷺ رآى ربَّه، فقد أعظم الفرية على الله سبحانه. قال: وكنت متكئًا فجلستُ فقلتُ: يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني، أرأيت قول الله : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ (٩)، قالت: إنما هو جبريل ﵇ رآه على صورته التي خلق عليها مرتين: مرة حين هبط من السماء إلى الأرض سادًّا عظم خلقه ما بين السماء والأرض، ومرة عند سدرة المنتهى، وأنا أولُ من سأل النبي

стр. 13372

- ﷺ عن هذِه الآية: فقال: "هو جبريل ﵇" (١). ١٤ - وقوله : ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾ ﴿عِنْدَ﴾ من صلة قوله: ﴿رَآهُ﴾ (٢). والسدرة: شجرة النبق (٣)، سميت سدرة المنتهى؛ لأنه إليها ينتهي علم كل عالم (٤)، وقال هلال بن يساف: سأل ابن عباس ﵄ كعبًا، عن سدرة المنتهى، وأنا حاضر، فقال كعب: إنها سدرة في أصل العرش على رؤوس حَملَة العرش وإليها ينتهي علم الخلائق، وأما الذي خلفها فهو غيب لا يعلمه إِلاَّ الله تعالى (٥). وقال ابن مسعود ﵁: سميت بذلك؛ لأنه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها، وما يصعد من تحتها من أمر الله

стр. 13373

سبحانه إذا انتهى ما يصعد من الأرض إليها قبض منها، وإذا انتهى ما يهبط من فوقها إليها قبض منها فسميت المنتهى؛ لأنه ينتهي إليها كل شيء من أمر الله تعالى ولا يعدوها، وإلي هذا القول ذهب الضحاك (١). وقيل: لأنه ينتهي إليها ما يعرج من أرواح المؤمنين (٢). وقيل: لأنه ينتهي إليها كل من مات على سنة رسول الله ﷺ ومنهاجه (٣). وروى الربيع (٤)، عن أبي العالية (٥)، عن أبي هريرة ﵁، قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهي به إلى السدرة، فقيل له: هذِه سدرة المنتهى ينتهي إليها كل أحد خلا من أمتك على سنتك، فإذا هي شجرة تخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن (وأنهار من لبن لم

стр. 13374

يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى) (١)، وإذا هي شجرة يسير الراكب المستريح (٢) في ظلها مائة عام لا يقطعها، والورقة منها تغطي الأمة كلها (٣). [٢٨٩٦] وأخبرني ابن فنجويه (٤)، قال: حدثنا (عبيد الله بن محمد) (٥) بن شنبة (٦)، قال: حدثنا المسوحيُّ (٧)، قال: حدثنا عبيد ابن يعيش (٨)، قال: حدثنا يونس بن بكير (٩)، قال: أخبرنا محمد ابن إسحاق (١٠) عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير (١١)، عن جدَّته أسماء بنت أبي بكر ﵄، قالت: سمعت النبي ﷺ يقول في

стр. 13375

صفة سدرة المنتهى: "يسير الراكب في ظل الفنن (١)، منها مائة عام، ويستظل في الغصن منها مائة ألف راكب يغشاها فراش من ذهب كأنَّ ثمرها القلال" (٢). وقال مقاتل: هي شجرة لو أنَّ ورقة منها وقعت في الأرض لأضاءت لأهل الأرض كما تضيء لهم الشمس، تحمل الحلي، والحلل، والثمار من جميع الألوان ولو أنَّ رجلًا ركب حِقة فطاف بأصلها (٣) لما بلغ المكان الذي ركب منه حتى يبلغه الهرم وهي طوبى التي ذكرها الله في سورة الرعد (٤)، وقد تقصيت وصفها في قصة المسرى في سورة الإسراء. ١٥ - ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾

стр. 13376

(قال الحسن: هي التي يصير إليها المتقون (١)، كقوله: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ (٢)، وقيل: إنها جنة يصير إليها أرواح الشهداء) (٣) (٤). ١٦ - قوله : ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ قال ابن مسعود ﵁ وأصحابه: فراش من ذهب (٥)، وهي رواية الضحاك، عن ابن عباس ﵄، ورفعه إلى النبي ﷺ (٦) , وقال

стр. 13377

الحسن: غشيها نور رب العالمين فاستنارت (١). وقيل: يغشاها الملائكة (٢). وروي أنَّ رسول الله ﷺ قال: "رأيت على كل ورقة منها ملكًا قائمًا يسبح الله " (٣). وروى الربيع (٤)، عن أبي العالية (٥)، عن أبي هريرة ﵁ وغيره (قال) (٦): لما أسري بالنبي ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى فغشيها نور الخلاَّق، وغشيتها الملائكة من تحت عرش الله، أمثال الغِربان

стр. 13378

حين (يقعن) (١) على الشجر، قال: فكلَّمه عند ذلك فقال: "سَلْ تعطه" فقال: "غفرانك ربنا" (٢). وفي بعض الحديث، قال النبي ﷺ : "يغشاها رفرف من طير خضر" (٣). وقال السدي: من الطيور فوقها (٤). وروى أنس ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "انتهيت إلى السدرة وأنا أعرف أنها سدرة، أعرف ورقها وثمرها، وإذا نبقها كأمثال الجرار والقلال، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تحولتْ ياقوتًا وزمردًا حتى ما يستطيع أحد أن ينعتها ولا يصفها" (٥).

стр. 13379

﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ قال ابن عباس ﵄: هي عن يمين العرش، وهي منزلة الشهداء نظيرها: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ (١). [٢٨٩٧] وأخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري (٢) ﵀، قال: حدثنا أبو عبد الله عمر (٣) بن أحمد بن عمر بن محمد بن الحارث القصباني (٤)، قال: حدثنا علي بن العباس المقانعي (٥) , قال: حدثنا ميمون بن الأصبغ (٦)، قال: حدثنا يحيى بن صالح الوُحَاظي (٧)، قال: حدثنا محمد بن سليمان بن ضمرة النصري (٨)، قال:

стр. 13380

حدثنا عبد الله بن أبي قيس (١)، قال: سمعت عبد الله بن الزبير (٢) ﵄ يقرأ هذِه الآية ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾، يعني: جنة المبيت (٣). [٢٨٩٨] وأخبرني ابن فنجويه (٤)، قال: حدثنا طلحة بن محمد (٥) وعبيد الله بن أحمد (٦)، قالا: حدثنا أبو بكر بن مجاهد (٧)، قال: حدثني ابن صدقة (٨) قال: حدثنا أبو الأسباط (٩)، قال: حدثنا

стр. 13381

عبد الرحمن (١) عن علي بن القاسم الكِنْدي (٢) عن موسى بن عبيدة (٣)، قال: سمعت محمد بن كعب القُرظي (٤) يقرأ: ﴿جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ (٥). قال ابن مجاهد: يريد أجنَّه، والهاء في هذِه القراءة كناية عن النبي ﷺ (٦)، قال أبو حاتم: وهي قراءة على وأنس وأبي سبرة الجهني ﵁ ومجاهد، ومحمد بن السميفع، يعني: سترة المبيت (٧). وقال الأخفش: أدركه كما تقول: جَنَّه اللي. أي: ستره وأدركه (٨). قراءة العامة: ﴿جنَّة الْمَأوى﴾ (٩) وهي قراءة سعد بن أبي وقاص وعائشة وابن عباس، وابن مسعود وأبي العالية ﵃، وجميع قرأة

стр. 13382

الأمصار وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. ١٧ - ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ ما عدل يمينًا ولا شمالاً (١) (٢). ﴿وَمَا طَغَى﴾ أي: ما جاوز الذي رأى (٣). وقيل: ما جاوز ما أمر به (٤). ١٨ - ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ أي: الآية الكبرى (٥) قال ابن مسعود ﵁: رأى رفرفًا أخضر من الجنة قد سدَّ الأفق (٦). وقال الضحاك: رأى سدرة المنتهى (٧). وقال عبد الرحمن بن زيد، ومقاتل بن حيان: رأى جبريل ﵇ في

стр. 13383

صورته التي تكون فيها في السموات (١). وقيل: رأى المعراج (٢). وقيل: هو كل ما رأى تلك الليلة في مسراه في عوده وبَدْئه (٣)، ودليله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ (٤). ١٩ - قوله : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ قراءة العامة: (اللات) بتخفيف التاء (٥)، وهي مشتقة من (الله)، أُلحقت بها تاء التأنيث، فأُنثت، كما قيل للذكر: عمرو، ثم قيل للأنثى: عمرة، وكما قيل: عباس وعباسة، فكذلك سمَّى المشركون أوثانهم باسماء الله تعالى فقالوا من الله: اللات، ومن العزيز: العزى (٦).

стр. 13384

قال قتادة ﵀: أما اللات فكانت صخرة بالطائف يعبدونها (١)، قال الشاعر: وفرت ثقيف إلى لاتها ... بمنقلب الخائب الخاسر (٢) (٣) وقال ابن زيد: اللات بيت بنخلة كانت قريش تعبده (٤). وقرأ ابن عباس ﵄، ومجاهد، وحميد، وأبو صالح: (اللاتّ) -بتشديد التاء- قالوا: كان رجلًا يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه (٥). وروى السدي عن، أبي صالح أنه كان رجلا بالطائف، وكان يقوم على آلهتهم ويلت لهم السويق فلما مات عبدوه (٦). وقال مجاهد: أنه كان رجلًا في رأس جبل له غُنَيْمَة يسلأ منها

стр. 13385

السمن، ثم يأخذ منها الأقط، ويجمع رِسلها (١)، ثم يتخذ منه حيسًا (٢) فيطعم الحاج وكان ببطن نخلة، فلما مات عبدوه من دون الله وهو اللات (٣). وقال الكلبي: كان اللات رجلًا من ثقيف، يقال له: صرمة بن غنم كان يَسْلأ السمن فيضعها على صخرة فيأتيه العرب فيلت به أسوقتهم، فلما مات الرجل حولت ثقيف تلك الصخرة إلى منازلهم فعبدوها فهذِه الطائف على موضع اللات (٤). (والعُزى) اختلفوا فيها فقال مجاهد: هي شجرة بنخلة لغطفان يعبدونها (٥) وهي التي بعث إليها رسول الله ﷺ خالدَ بنَ الوليد ﵁ فقطعها وجعل خالد ﵁ يضربها بالفأس ويقول: يا عُزَّ كفرانك لا سبحانك ... إني رأيتُ الله قد أهانكِ (٦)

стр. 13386

فخرجت منها شيطانهٌ ناشرة شَعرها، داعية ويلها، واضعة يدها على رأسها. ويقال: إنَّ خالدًا ﵁ لما هزمهم قطع بعضها وأفسد، ثم رجع إلى النبي ﷺ فقال: قد قطعتها فقال له النبي ﷺ : "فما رأيت؟ " قال: لم أرَ شيئًا. فقال ﷺ : "ما قلعتَ" فعاودها خالد ﵁ ومعه المِعولُ فقلعها فاجتث أصلها، فخرجتْ منها امرأة عريانة فقتلها، ثم رجع إلى النبي ﷺ وأخبره بذلك، فقال: "تلك العُزى ولن تُعبدَ أبدًا" (١). وقال الضحاك: هي صنم لغطفان (٢)، وضعها لهم سعد بن ظالم الغطفاني، وذلك أنه قدِم مكَّةَ فرأى الصفا والمروة والسعي ورأى أهل مكة يطوفون بينهما، فرجع إلى بطن نخلة وقال لقومه: إن لأهل مكة الصفا والمروة وليستا لكم، ولأهل مكة آلهة يعبدونها وليست لكم، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: أنا أصنع لكم كذلك، فأخذ حجراً من الصفا وحجرًا من المروة فنقلهما إلى نخلة، فوضع الذي من الصفا، فقال: هذا الصفا، ثم وضع الذي أخذ من المروة فقال:

стр. 13387

هذِه المروة، ثم أخذ ثلاثة أحجار فأسندها إلى شجرة، وقال: هذا ربكم فاعبدوه، فجعلوا يطوفون بين الحجرين ويعبدون الحجارة حتى افتتح النبي ﷺ مكة فأمر برفع الحجارة وبعث خالد ابن الوليد ﵁ إلى العزى فقطعها (١). (وقال ابن زيد: هي بيت بالطائف كانت ثقيف يعبدونه (٢). وقال ابن إسحاق: كانت العزى بيتًا بنخلة يعظمه هذا الحيُّ من قريش وغطفان وكنانة ومضر كلها وكانت سدنتها وحجَّابُها بني شيبان من سليم فأرسل النبي ﷺ إليها خالدًا ﵁ فلما سمع صاحبها السلمي بسير خالد إليها علق عليها سيفه واستند في الحبل الذي هي فيه وهو يقول: يا عُزى شدي شدة لا شوى لها ... على خالد ألقي القناع وشمَّري يا عُزَّ إنْ لم يقتل المرء خالدًا ... فبوئي بإثم عاجل أو تنصَّري فلما انتهى خالد ﵁ إليها هدمها واستأصلها ثم رجع إلى النبي ﷺ فأخبره) (٣) (٤)

стр. 13388

٢٠ - ﴿وَمَنَاةَ﴾ قرأ ابن كثير، وابن محيصن، وحميد، ومجاهد، والسلمي، والأعشى، عن أبي بكر، عن عاصم: ﴿وَمَنَاءةَ﴾ بالقطع والمدّ (١) وأنشد عاصم ﵀ دليلاً على المد: ألا هَلْ أتى تيَم بنَ عبدِ مَنَاءَةِ ... على الشِّنئ فيما بيننا ابنُ تَمِيمٍ (٢) وقرأ الباقون بالقصر من غير همز، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم (٣). قال الكميت الأسدي: وقد آلَتْ قبائل لا تُولي ... مَنَاةَ ظُهُورَها مُتْحرِّفينا (٤)

стр. 13389

قال قتادة: هي لخزاعة وكانت بِقُديد (١). وقال ابن زيد: هو بيت بالمشلل يعبده بنو كعب (٢). وقال الضحاك: مناة صنم لهذيل وخزاعة يعبدها أهل مكة (٣). قيل: إنَّ اشتقاقها من ناء النجم ينوء نوءًا (٤). وقال بعضهم: اللات والعزى ومناة أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبُدونها (٥). واختلف القراء في الوقف على اللات ومناة فوقف الدوري عن الكسائي، والبزي، عن ابن كثير، ﴿اللَّاتَ﴾ بالهاء (٦). (قال الفراء: أصلها لاه مثل شاه، وهي: من لاهت، أي: اختفت (٧)، قال الشاعر:

стр. 13390

لاهَتْ فما عُرِفَتْ يوما بخارِجةٍ ... يَا ليتَها خرجت حتى رأيناها) (١) (٢) وقف الباقون بالتاء للتفرقة بين اسمها واسم الله تعالى، ولأنه حرف واحد لا نظير له كثر به الكلام حتى صارت التاء فيه أصلية، ولأنها مكتوبة في المصاحف بتاء فيوقف عليها بالتاء نحو ﴿بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ (٣) و ﴿شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ (٤) ونحوها، وما كان مكتوبًا بالهاء فالوقف عليها بالهاء، وقال بعضهم: الاختيار في كل ما لم يضف أن يكون بالهاء نحو: ﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ (٥) ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ﴾ (٦) وما كان مضافًا فجائز فيه على الأصل والتاء اتباعًا لخط المصحف، فالهاء لأنه مفرق يوقف عليه دون الثاني والتاء لأجل الإضافة، فأما ﴿وَمَنَاةَ﴾ فالكسائي وابن كثير، وابن محيصن، يقفون عليه بالهاء على الأصل والباقون يقفون بالتاء اتباعًا لخط المصحف (٧). ﴿الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ العرب لا تقول للثالثة: أخرى، وإنما الأخرى للثانية.

стр. 13391

واختلفوا في وجهها (١): فقال الخليل: إنما قال ذلك لوفاق رؤوس الآي، كقوله: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ ولم يقل أُخر (٢) وقال الحسين بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير مجازها: أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة (٣)، ومعنى الآية: أفرأيتم أيها الزاعمون أنَّ اللات والعزى ومناة بنات الله (٤). ٢١ - ﴿أَلَكُمُ﴾ أي: أتجعلون لكم ﴿الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ ٢٢ - ﴿تِلْكَ إِذًا﴾ يعني هذِه القسمة. ﴿قسمة ضيزى﴾ قراءة العامة من غير همز (٥)، وقرأ ابن كثير برواية

стр. 13392

البزي والقواس ومجاهد، وحميد بن قيس، وابن محَيصن: ﴿ضِئزَى﴾ بالهمز (١)، وهي نعت كقولك: مشية خيلى إذا كان الرجل يتبختر فيها. قال ابن عباس ﵄ وقتادة: يعني قسمة جائرة حيث جعلتم لربكم من الولد ما تكرهونه أنتم لأنفسكم (٢). وقال مجاهد ومقاتل: قسمة عوجاء (٣). وقال الحسن: غير معتدلة (٤). وقال ابن سيرين: غير مستوية أن يكون لكم الذكر ولله الإناث (٥). وقال الضحاك: ناقصة (٦). وقال سفيان: منقوصة (٧).

стр. 13393

وقال ابن زيد: مخالفة (١). قال الكسائي: يقال منه: ضازه يضيزه ضيْزًا، وضاز يَضُوزُ ضوزًا، وضأز يَضأز ضَأزًا إذا ظلم وتعدى وبخَسَ وانتقص (٢) قال الشاعر (٣): ضازَتْ بنو أسدٍ بحكمهمُ ... إذْ يجعلون الرَّأس كالذَّنَبِ (٤) وأنشد الأخفش أيضًا: فإنْ تَنْأ عنَّا ننتقصك وإن تغِبْ ... فَسَهْمُك مَضْؤزٌ وأنْفُكَ راغِمٌ (٥) وتقدير ضيزى من الكلام فُعْلى بضم الفاء لأنها صفة والصفاتُ إنما تكون فُعلى بضم الفاء نحو حُبْلئ وأُنثى وبُشرى، وفعلى -بفتح الفاء- نحو غَضبى وسَكرى وليس في كلام العرب في

стр. 13394

النعوت فِعلى -بكسر الفاء- إنما تكون فعلى في الأسماء نحو ذِفْرى وذِكرى وشِعْرى (١). قال المُؤرج: كرهوا ضمَّ الضاد وخافوا انقلاب الياء واوًا وهي من بنات الواو (٢) فكسروا الضاد لهذِه العلة كما قالوا: في جمع أبيض بيض والأصل بُوض، مثل حُمر وصُفر وخُضر، فأما من قال: ضاز يضوز فالاسم منه ضوزى مثل شُورى (٣). ٢٣ - ﴿إِنْ هِيَ﴾ يعني: هذِه الأوثان (٤). ﴿إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ يعني: نحتُّمُوها وسميتموها آلهة (٥). ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: ما أنزل الله بها حجة ولا برهانًا. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ قراءة العامة بالياء، وقرأ عيسى بن عُمر

стр. 13395

وأيوب وابن السميفع: (تتبعون) بالتاء على الخطاب لقوله: ﴿أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ أي: ما يتبع هؤلاء إلاَّ الظن في تسميتها إياها آلهة وأنها شفعاؤهم (١). ﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ قال ابن عباس ﵄: يقول: إن يتبعون إلاَّ ظنهم وما زين لهم الشيطان (٢). ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ البيان أنها ليست بآلهة، وإن العبادة لا تصلح إلا لله الواحد القهار (٣). ٢٤ - ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤)﴾ اشتهى. أي: ليس ذلك له (٤). (وقيل: أم للإنسان ما تمنى من غير خير يعمله فيجازى به (٥). وقيل: أم للإنسان ما تمنى من النبوة. نزلت في النضر بن الحارث) (٦) (٧). وقيل: في الوليد بن المغيرة (٨).

стр. 13396

وقيل: في سائر الكفار، زعموا أنَّ الأصنام تشفع لهم عند الله تعالى يعني: أتظنون أنَّ ما يتمنونه من شفاعة الأصنام كائن وليس كما ظنوا وتمنوا (١). ٢٥ - ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ يعني: الدنيا يعطي ما يشاء لمن يشاء ويمنع ما يشاء ممن يشاء، لا ما تمنى أحد واشتهى يكون له، بل لله ما شاء أعطى وهذا كقوله : ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ (٢) أي: لا إله إلاَّ الله (٣). وقال ابن زيد: يعني إن كان محمد ﷺ تمنى شيئًا فأعطاه الله إياه فلا تنكروا ذلك فلله الآخرة والأولى يملكها فيعطي من يشاء ويحرم من يشاء (٤). ٢٦ - قوله : ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ممن يعبدهم هؤلاء الكفار ويزعمون أنهم بنات الله ويرجون شفاعتهم عند الله وهو أكرم على الله من الأصنام (٥) ﴿لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ﴾ عن أحد ﴿شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ أي: إلا بإذن الله. ﴿لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ قال الأخفش: الملك مُوحَّد ومعناه الجمع (٦).

стр. 13397

وهو مثل قوله : ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ (١) وقيل: إنما ذكر ملكًا واحدًا لأنَّ (كم) تدل على الجمع (٢) (٣). ٢٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ من الكفار. ﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ أي: كتسمية الأنثى أو بتسميتها وذلك حين قالوا: أنهم بنات الله تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا (٤). ٢٨ - ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ﴾ بذلك بتسميتهم تلك. ﴿مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ بالباطل. ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: من العذاب (٥). ﴿شَيْئًا﴾ نظيره: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٦). وقيل: إنَّ الظن لا يغني من الحق العلم شيئًا (٧). ومعنى قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ يعني: أنها لا تشفع لهم البتة (٨) وليس معناه أنهم يشفعون فلا تغني

стр. 13398

شفاعتهم إلاَّ أن يأذن الله لهم في الشفاعة لمن يشاء ويرضى عن أهل التوحيد. ٢٩ - ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ يعني: القرآن (١). وقيل: الإيمان (٢). وقيل: محمد ﷺ (٣)، والآية منسوخة بآية السيف (٤) (٥) ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ إنزلت في النضر (٦)، وقيل: في الوليد (٧). ٣٠ - ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: عملهم لمعايشهم وتركهم العمل للآخرة) (٨) (٩) قال الفراء:

стр. 13399

صغر بهم وازدرى بهم. أي: ذلك قدر عقولهم ونهاية علمهم أن آثروا الدنيا على الآخرة (١). وقيل: أن جعلوا الملائكة والأصنام بنات الله (٢) (٣). ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾ أي: يعلم. ﴿بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: حاد عن دينه (٤). ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ فيجازي كلًّا بأعمالهم. ٣١ - (قوله : ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ عبيدًا وملكًا. ﴿لِيَجْزِيَ﴾ أي: له الملك ليجزي بالحق لأنه لا يجزي العاملين بالحق إلاَّ من له الملك. وقيل: التقدير: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾: ﴿الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ وهم من ضل عن سبيله. ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ أي: جزاء أعمالهم السيئة. ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ وهم من اهتدى.

стр. 13400

٣٢ - ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ قراءة العامة بالجمع؛ لاتفاقهم في سورة النساء: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ (١)، على الجمع (٢)، وقرأ يحيى، والأعمش، وحمزة، والكسائي، وخلف: (كبير الإثم) على التوحيد (٣)، وفسَّره ابن عباس ﵄: بالشرك (٤). ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾ الزنا (٥)) (٦). ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ اختلفوا في معنى (إلَّا) فقال قوم: هو استثناء صحيح (٧)، واللمم من الكبائر والفواحش: الذنوب الشنيعة، ومعنى الآية: إلاَّ أن يلم بالفاحشة ثم يتوب ويقع الوقعة ثم ينتهي، فيصير بالتوبة في معنى اللمم (٨)، وهو قول أبي هريرة ﵁، ومجاهد،

стр. 13401

والحسن، وأبي صالح (١)، ورواية عطاء، عن ابن عباس ﵄: قال: هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب (٢)، ولفظ اللمم يقتضي أن يكون كالداء الذي لا يكاد أحد يسلم منه، كأنه يشير إلى أنَّ اللمم لا يكاد يسلم منه أحد، قال ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : "إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألمَّا" (٣). وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: اللَّمم ما دون الشرك (٤). (وقال بعض السلف: اللمم حديث النفس للمجتهدين والخطأ والنسيان للمصلين والذاكرين، وكل ما يتوب عنه صاحبه قبل الموت؛ لأنَّ الإنسان يلم بها من غير إقامة ولا إصرار) (٥) (٦). وقال الآخرون: هو استثناء منقطع. أي: لكن اللمم ولم يجعلوا

стр. 13402

اللمم من الكبائر ولا من الفواحش (١)، ثم اختلفوا في معناه: فقال ابن عباس ﵄: هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم به (٢) وذلك أنَّ المشركين قالوا للمسلمين: إنما كنتم بالأمس تعملون معنا كما نعمل. فأنزل الله هذِه الآية، وهذا قول زيد بن ثابت والوالبي عن ابن عباس وزيد بن أسلم، وابنه (٣) كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٤). وقال بعضهم: هو صغار الذنوب مثل النظرة والجَسَّة والقُبلة والغمزة وهو من ألم بالشيء إذا لم يتعمَّق فيه ولم يلزمه، وهو قول ابن مسعود، وحذيفة وأبي سعيد الخدري ﵃، ومسروق والشعبي (٥)

стр. 13403

وطاوس عن ابن عباس ﵄ قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قاله أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "إنَّ الله تعالى كتب على ابن آدم حظَّه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان المنطق، وزنا الشفتين القبلة، وزنا الأذن الاستماع، وزنا اليدين البطش، وزنا الرِجلين المشي، والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه، وأن يقدم فرجه كان زانيًا وإلاَّ فهو اللمم" (١) (لأنَّ اللمم هو مقاربة الشيء من غير إيقاع (٢) قال الشاعر في معناه: بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب ... وقل إنَّ تَمَلِّيَنا فما مَلَّكِ القلب (٣) أي: اقرب) (٤). وقال ابن الزبير، وعكرمة، وقتادة، والضحاك: هو ما بين الحدَّين حدّ الدنيا وعذاب الآخرة وهي رواية العوفي والحكم بن عُيينة، عن ابن عباس ﵄ (٥).

стр. 13404

قال الفراء: أصل اللمم أن يلمَّ بالشيء أي يدنو منه من غير أن يرتكبه يقال: ألمَّ بكذا إذا قاربه من غير أن يخالطه (١)، وقال الكلبي: اللمم على وجهين: كل ذنب لم يذكُرِ الله تعالى عليه حدًّا في الدنيا ولا عذابًا في الآخرة فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس ما لم يبلغ الكبائر والفواحش (٢)، والوجه الآخر هو الذنب العظيم يلم به الإنسان المرة بعد المرة فيتوب منه (٣) وقال مجاهد ومقاتل: اللمم ما بين الحدين من الذنوب (٤)، نزلت في نبهان التَّمار ﵁: وقد مضت القصة في سورة آل عمران، وقال عطاء بن أبي رباح: اللمم عادة النفس الحين بعد الحين (٥). وقال سعيد بن المسيِّب ﵀: هو ما لمَّ على القلب أي خطر (٦). وقال محمد بن الحنفية ﵀: كل ما هممت به من خير أو شر

стр. 13405

فهو لمم (١) ودليلُ هذا التأويل قوله ﷺ : "إنَّ للشيطان لَمَّةً، وللملك لَمة، فلمَّة الشيطان: الوسوسة إيعاد بالشر وتكذيب بالحق، ولَمَّة المَلك الإلهام وهو إيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد لَمَّة الملك فهي من الله تعالى ومن وجد الأخرى فليستعذ بالله من الشيطان" (٢). وقال الحسين بن الفضل: اللمم النظر من غير تعمَّد وهو مغفور فإن أعاد النظر فليس بلَمم وهو ذنب (٣). وقال الفراء: اللممُ المتقارب من صغار الذنوب (٤). وقال الزجاج: أصل اللمم والإلمام هو ما يعمله الإنسان المرَّة بعد المرة والحين بعد الحين ولا يتعمَّق فيه ولا يقيم عليه (٥)، يقال: ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه ويقال: ما فعلتُه إلاَّ لممًا وإلمامًا أي: الحين. وإنما زيارتك إلمام، ومنه إلمام الخيال (٦)، قال

стр. 13406

الأعشى: أَلَمَّ خيالٌ مِنْ قُتيلة بعدما ... وَهَى حَبْلُها منْ حَبلنَا فتصرَّما (١) وقال آخر: أنَّى ألمَّ بك الخيال يطيف ... ومطافه لك فكرة وشغوف (٢) (وعن الزهري أيضًا: اللمم أن يزني ثم يتوب فلا يعود وأن يسرق أو يشرب الخمر، ثم يتوب فلا يعود (٣): ودليل هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية (٤)، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ فضمن لهم المغفرة كما قال ﷺ عقيب اللمم. ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ لمن فعلهما جميعًا الكبائر والفواحش ثم استغفر، قاله ابن عباس ﵄ (٥)) (٦) أي: لا يتعاظمه ذنب، نظيره:

стр. 13407

﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١). [٢٨٩٩] أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن فنجويه (٢)، قال: حدثنا الفضل بن الفضل الكندي (٣)، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن النعمان بن عبد السلام الأصفهاني (٤)، قال: حدثنا محمد بن عاصم (٥)، قال: حدثنا يزيد بن هارون (٦)، قال: أخبرنا العوَّام بن حوشب (٧) عن عمرو بن مرة (٨)، عن أبي وائل (٩) قال: رأى أبو ميسرة عمرو بن شرْحبيل (١٠) - وكان من أفاضل أصحاب عبد الله ﵁ في المنام قال: رأيت كأني أُدخِلْت الجنة فإذا قباب مضروبة فقلتُ: لمنْ هذِه؟ فقالوا: لذي الكلاع وحوشب، وكانا ممَّن قتلا مع معاوية فقلت: وأين عمار وأصحابه؟ فقالوا: أمامك، قلتُ: وقد قتل بعضهم بعضا، وكيف ذلك؟ قالوا: إنهم لقوا الله فوجدوه واسع المغفرة قال أبو خالد: بلغني أنَّ ذا

стр. 13408

الكلاع أعتق اثني عشر ألف بيت (١). ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ منكم بأنفسكم (٢). ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: خلق أباكم آدم من الطين (٣)، ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾ جمع جنين وهو الولد ما دام في البطن سمي جنينًا لاجتنانه (٤)، واستتاره، قال عمرو بن كلثوم: تُرِيكَ إذا دخلتَ على خلاءٍ ... وقد أمِنَتْ عيونَ الكاشحينا ذِراعيّ عَيْطَلٍ أدماء بِكْرٍ ... هِجان اللَّون لم تَقْرأْ جَنينا (٥) (٦)

стр. 13409

روى مسروق عن عائشة ﵂ قالت: كانت اليهود إذا هلك لهم صبي قالوا: هو صدِّيق فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "كذبوا ما من نَسَمةٍ يخلُقها الله تعالى في بطن أمها إلا شقي أو سعيد" فأنزل الله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١). (قال ابن عباس ﵄: فلا تمدحوها (٢)، وعن النبي ﷺ أنه ذكر عنده رجل فقام رجل فقال: يا رسول الله ما رجل بعد رسول الله ﷺ أفضل من ذلك الرجل في كذا، فقال النبي ﷺ : "ويحك قطعتَ ظهرَ أخيك، قطعت عُنق صاحبك، إن المدح هو الذبحُ من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة فليقل أحسب كذا والله حسيبه ولا

стр. 13410

تزكي على الله أحدًا" (١)) (٢). وقال مجاهد وزيد بن أسلم فلا تبرؤوها (٣). وقال الكلبي ومقاتل: كان ناسٌ يعملون أعمالًا حسنة ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وصدقتنا وحجنا، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٤). قال النبي ﷺ : "إذا رأيتم المدَّاحين فاحثوا في وجوههم التراب" (٥) ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ الشرك فآمن بعلم الله السابق فيهم (٦). وقال علي بن أبي طالب ﵁: ﴿مَنِ اتَّقَى﴾ يعني: يعمل حسنة ويرعوي عن سيئة (٧). وقال الحسن: أخلص العمل لله (٨).
следующие страницы →