← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 13476–13515 · переход к 13481.

стр. 13476

وَشَبابٍ حسنٍ أوْجُههُمْ ... من إيادِ بنِ نِزَارِ بنِ مَعَدِّ (١) فمن وحَّد فلأنه في معنى الجمع، ومن جمع فلأنه صفات، والصفات أسماء، ومن أنَّث فلتأنيث الجماعة (٢)، وقال آخر: ترمي الفِجاجَ بها الركبان معترضًا ... أعْناق سابقة من حالها (٣) الجُدُلُ (٤) (٥) جمع الجديل وهو الزمام. قال الفراء: ولو قال معترضة أو معترضات أو مرخاة أو مرخيات كان كل ذلك جائزًا (٦). وقرأ الباقون: ﴿خُشَّعًا﴾ بضم الخاء وتشْديد الشين، على الجمع (٧).

стр. 13477

﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ القبور. ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ حيارى (١)، وقال الحسن: متفرق (٢)، وذكر المنتشر على لفظ الجراد نظيرها: ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ (٣). ٨ - ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مسرعين مقبلين عامدين (٤). وقيل: ناظرين لا يردُّون أبصارهم إليهم، ونصبه على الحال أي يخرجون خشعًا مهطعين (٥) (٦). ﴿إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ كثير العسر.

стр. 13478

٩ - قوله : ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أي: قبل أهل مكة (١). ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ وقيل: إنَّ الله أرسله إلى جميع كفار الأرض. ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ نوحًا ﵇. ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ﴾ أي: هذا الرجل مجنون، نظيره: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ الآية (٢). ﴿وَازْدُجِر﴾ أي: زجروه عن دعوته ومقالته (٣)، وقالوا له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ (٤). وقال مجاهد: وازدجر هو من مقالتهم، أي: قالوا: إنه مجنون واستطير جنونًا (٥). وقال ابن زيد: اتهموه وزجروه وتواعدوه لئن لم يكف ليرجمن (٦). ١٠ - ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ﴾ مقهور (٧).

стр. 13479

﴿فَانْتَصِرْ﴾ فانتقم لي منهم (١). [٢٩٣٠] أخبرني ابن فنجويه (٢)، قال: حدثنا ابن يوسف (٣)، قال: حدثنا الوفراوندي (٤)، قال: حدثنا يوسف بن موسى (٥)، قال: حدثنا وكيع (٦)، عن الأعمش (٧)، عن مجاهد (٨)، عن عبيد بن عمير (٩)، قال: إنَّ الرجل من قوم نوح ﵇ ليلقاه فيخنقه حتى يخرَّ مغشيًا عليه، فيفيق حين يفيق وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنَّهم لا يعلمون (١٠).

стр. 13480

(وقيل له ذات يوم: ما أشدُّ ما مرَّ بك في قومك؟ قال: حمل رجل غلامًا له على كتفه، ومرَّ بي، فقال للغلام: يا بني، أرأيت ذلك الشيخ المجنون؟ قال: نعم. قال: يا بنيَّ، كذاك أدركناه وآباؤنا فلا تُصَدِّقه، وابزق في وجهه فإنَّه مجنون. فدعا نوح ﵇ عليهم، وقال: رب ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ (١) (٢). ١١ - قوله ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ منصب مندفق لم يُقلع ولم ينقطع أربعين يومًا (٣)، (قرأ أبو جعفر وابن عامر ويعقوب: ﴿ففتّحنا﴾ مشددة على التكثير، وخفف الباقون (٤). والمنهمر المندفق يقال: همر إذا أكثر الكلام وأسرع (٥)) (٦). وقال ابن عباس ﵄: ففتحنا أبواب السماء بماء من غير سحاب لم يقلع أربعين يومًا (٧).

стр. 13481

وقال القرظي: متفجر من السماء كانفجاره من الأرض (١) (٢). وقال يمان: قد طبق ما بين السماء والأرض (٣). وقال أبو عبيدة: هايل (٤). وقال الكسائي: سائل (٥). قال امرؤ القيس يصف غيثًا: رَاح (٦) تَمْرِيهِ الصَّبَا ثمَّ انْتحَى ... فيه شؤْبُوبُ جنوبٍ مُنْهَمِرْ (٧) وقال سلامة بن جندل يصف فرسًا: فالماء منهمر والسد منحدر ... والقصب مضطمر واللون غربيب (٨)

стр. 13482

١٢ - ﴿وَفَجَّرْنَا﴾ (١) شققنا. ﴿الْأَرْضَ﴾ بالماء. ﴿عُيُونًا﴾ قال عبيد بن عمير: أوحى الله إلى الأرض أن تخرج ماءها، فتفجرت بالعيون، وإنَّ عينًا تأخرتْ فغضب عليها؛ فجُعل مُرَّا أجاجًا إلى يوم القيامة (٢) (٣). ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ يعني: ماء السماء وماء الأرض، وإنما قال: ﴿الْتَقَى الْمَاءُ﴾، والالتقاء لا يكون من واحد وإنما يكون بين اثنين فصاعدًا لأنَّ الماء يكون جمعًا وواحدًا (٤). وقرأ عاصم الجحدري: (فالتقى الماآن) (٥)، وقرأ الحسن: (فالتقى الماوانِ)، فجعل بين (٦) الألفين واوًا بدلًا من الهمزة (٧) (٨)

стр. 13483

﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ قضي عليهم في أم الكتاب (١) وقيل: قدر أنَّ الماءين كان مقدارهما واحدًا (٢). وقيل: قدر من هلكة القوم (٣) وقيل: كان ماء السماء باردًا مثل الثلج، وماء الأرض حارًّا مثل الحميم المغلي (٤) (٥). وقال محمد بن كعب: كانت الأقوات قبل الأجساد، وكان القدر قبل البلاء، وتلا هذِه الآية (٦) (٧).

стр. 13484

١٣ - ﴿وَحَمَلْنَاهُ﴾ يعني: نوحًا ﵇ وَمَنْ آمن به. ﴿عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ ذكر النعت وترك الاسم، مجازه على سفينة ذات ألواح من الخشب (١). ﴿وَدُسُرٍ﴾ يعني: المسامير واحده دِسار ودسير يقال منه: دَسرتُ السفينة إذا شددتها بالمسامير، قاله قتادة والقرظي وابن زيد، ورواهُ الوالبي عن ابن عباس ﵄ (٢) وقال الحسن وشهر بن حوشب: هي: صدر السفينة سميت بذلك؛ لأنها تدسر الماء بجُؤْجُؤِها أي: تدفعه (٣).

стр. 13485

ورواه العوفي، عن ابن عباس، ﵄ قال: الدسر كَلْكَل (١) السفينة (٢)، وأصل الدسر: المخر والدفع، ومنه الحديث في السَّمكة التي تدعى العنبر: "إنما هو شيء دسره البحر"، أي: دفعه ورمى به (٣). وقالى مجاهد: هي: عوارض السفينة (٤). وقالى الضحاك: الألواح جانباها، والدسر أصلها وطرفاها (٥). وروى ليث وابن أبي نجيح عن مجاهد: هو أضلاعها (٦). ١٤ - ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ بمرأى منا (٧).

стр. 13486

وقال مقاتل بن حيان: بحفظنا، ومنه قول الناس للمودَّع: عين الله عليك، أي: حفظه وكلاءته (١). وقال مقاتل بن سليمان: بوحينا (٢). وقال سفيان: بأمرنا (٣). ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ أي: فعلنا ذلك ثوابًا لنوح ﵇، ومجاز الآية: لمن جحد وأنكر وكفر بالله فيه (٤)، وجعل بعضُهم ﴿من﴾ هاهنا بمعنى (ما) وقال معناه: جزاء لما كان كفر من أيادي الله

стр. 13487

ونعمه عند الذين أغرقهم، وإليه ذهب ابن زيد (١)، وقيل: معناه عاقبناهم لله ولأجل كفرهم به (٢). وقرأ مجاهد وحُميد: ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ بفتح الكاف والفاء يعني: كان الغرق جزاء وعقابًا لمن كفر بالله وكذب رسوله، وما نجا من الغرق غير عوج بن عنق، وكان الماء إلى حجزته (٣) وكان السبب في نجاته على ما ذكر أنَّ نوحًا ﵇ احتاج إلى خشب الساج لبناء السفينة فلم يمكنه نقلُها، فحمل عوج تلك الخشبة إليه من الشام، فشكر الله له ذلك ونجاه من الغرق (٤). ١٥ - قوله : ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا﴾ يعني: هذِه الفعلة (٥) أو السفينة (٦).

стр. 13488

﴿آيَةً﴾ عبرة (١)، قال قتادة: أبقاها الله تعالى بباقِرْدى (٢) من أرض الجزيرة بالجودي (٣)، عبرة وآية حتى نظرت إليها أوائل هذِه الأمة نظرًا وكم من سفينة كانت بعدها قد صارت رمادًا (٤). ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ متعظ معتبر وخائف نحو عقوبتهم، (وأصله مذتكر فقلبت التاء دالًا لتوافق الذال بالجهر وأدغمت الذال فيها (٥)) (٦).

стр. 13489

١٦ - ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ إنذاري، قال الفراء: الإنذار والنذُر مصدران (١). وقيل: نذر جمع نذير، ونذير بمعنى الإنذار كنكير بمعنى الإنكار تقول العرب: أنذرت إنذارًا ونُذُرًا كقولك: أنفقت إنفاقًا ونفقةً، وأيقنتُ إيقانًا ويقينًا (٢). ١٧ - ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا﴾ أي: سهلنا وهوَّنا (٣). ﴿الْقُرْآنَ﴾ على الناس، ولولا ذلك لم يستطِع أحد أن يحفظ كلام الله (٤). ﴿لِلذِّكْرِ﴾ أي: ليتذكر ويعتبر ويتفكر فيه، وقال سعيد بن جبير: يسرناه للحفظ ظاهرًا وليس شيء من كتاب الله يقرأ ظاهرًا كله إلَّا القرآن (٥).

стр. 13490

﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ متعظ بمواعظه خائف بزواجره (١). [٢٩٣١] وأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين (٢)، قال: حدثنا موسى بن محمد بن علي (٣)، قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق ابن راهويه (٤)، قال: حدثنا أبو عمير النحاس (٥) ببيت المقدس قال: حدثنا ضمرة بن ربيعة (٦)، عن عبد الله بن شَوْذب (٧)، عن مطر الوراق (٨)، في قول الله : ﴿مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ قال: هل من طالب خير وعلم فيُعان عليه (٩).

стр. 13491

(وقعت ﴿وَنُذُرِ﴾ ستة أحرف في هذِه السورة محذوفة الياء في جميع المصاحف قرأها يعقوب، مثبتة في الحالين، وورش، في الوصل لا غير وحذفها الباقون ولا خلاف في حذف الياء من قوله: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ (١) والواو من ﴿يَدْعُ الدَّاعِ﴾، فأما الياء من ﴿الدَّاعِ﴾ الأول فأثبتها في الحالين ابن محيصن وحميد ويعقوب والبزي، وأثبتها ورش، وإسماعيل وأبو جعفر وشيبة وأبو عمرو وابن أبي إسحاق في الوصل، وحذف الباقون، وأما ﴿الدَّاعِي﴾ الثانية فأثبتها يعقوب وحميد وابن محيصن وابن كثير في الحالين، وأثبتها أبو عمرو وعبد الله بن أبي إسحاق، ونافع وشيبة وأبو جعفر في الوصل، وحذفها الباقون (٢)) (٣). ١٨ - قوله : ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ (نبيهم هودًا ﵇ (٤) ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾.

стр. 13492

١٩ - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ شديدة الصوت (١)، وقال قتادة: شديدة البرد (٢)) (٣). ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ شؤم وشر (٤). ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ شديد ماض على الصغير والكبير، فلم يبق منهم أحد إلَّا أهلكته (من قولك: استمر الحبل إذا قوي (٥)، قال طرفة: مِنْ أمورٍ حَدَثَتْ أمثالُهَا ... تَبتري عُودَ القَويّ المُستَمِرّ (٦) أي: الشديد، يعني: إنه يوم شديد، وكان يوم الأربعاء. قال ابن عباس ﵄: كان آخر أربعاء في الشهر؛ لأنه أفنى صغيرهم وكبيرهم) (٧).

стр. 13493

وقرأ هارون الأعور: (في يوم نحِس) بكسر الحاء (١). وقال ابن عباس: استمر بهم، إلى نار جهنم (٢). وقال الضحاك: كان مُرًّا عليهم (٣). وقال زر بن حبيش: كان أربعاء لا يدور (٤). ٢٠ - ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾ يعني: الريح تقلعهم وترمي بهم على رؤوسهم فتدق رقابهم (٥). وقال ابن إسحاق: لما هاجت الريح قام سبعة نفر من عاد سمي لنا منهم ستة من أشد عاد وأجسمهم منهم: عمرو بن الحلي والحارث بن شداد، والهلقام وابنا تقِن وخلجان بن أسعد فأولجوا العِيال في شعب بين جبلين، ثم اصطفُّوا على باب الشعب ليردُّوا الريح عمَّن في الشعب

стр. 13494

من العيال، فجعلت الريح تخفقهم (١) رجلًا رجلًا فقالت امرأة من عاد تبكيهم: ضَهب الدَّهرُ بعَمْرو بن حُليٍّ والهَينَّاتِ ثمَّ بالحارث والهِلْقَامِ طَلَّاعِ الثَّنيَّاتِ والذي سدَّ مهب الريح أيام البليَّاتِ (٢) [٢٩٣٢] وبإسناد أبي (٣) حمزة الثمالي (٤) قال: حدثني محمد بن سفيان (٥)، عن (محمد بن قرظة) (٦) بن كعب (٧) عن أبيه (٨) قال: قال

стр. 13495

رسول الله ﷺ : "انتزعت الريح الناس من قبورهم" (١). ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ في موضع الحال أي: تنزع الناس مشبهين النخل المنقعر (٢) (٣). ﴿أَعْجَازُ﴾ قال ابن عباس ﵄: أصول (٤). وقال الضحاك: أوراك (٥) (٦). ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ نقلع من مكانه ساقط على الأرض (٧) وواحد الأعجاز عجز، مثل عضد وأعضاد، وإنما قال: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ﴾ وهي

стр. 13496

أصولها التي قُطعت فروعُها؛ لأنَّ الريح تُبين رؤوسَهم من أجسادهم فتبقى أجسادًا بلا رؤوس (١). [٢٩٣٣] سمعت الأستاذ أبا القاسم الحبيبي (٢) يقول: سمعت أبا على الحسن بن أحمد (٣) القاضي البيهقي (٤) يقول: سمعت أبا بكر محمد (٥) بن القاسم بن بشار الأنباري (٦) يقول: سئل المبرَّد (٧) بحضرة إسماعيل بن إسحاق القاضي (٨) عن ألف مسألة هذِه من جملتها: وهو أنَّ المسائل قال: ما الفرق بين قوله: ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ (٩) ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ (١٠) وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ (١١) ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾، فقال: كل ما ورد عليك من هذا الباب فلك أن تردَّ إلى اللفظ تذكيرًا، ولك أن تردَّه إلى المعني

стр. 13497

تأنيثًا (١). وقيل: إنَّ النخل يذكر ويؤنث (٢) (٣). ٢١ - ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ تحذيرًا بعد تحذير مثل سببه لئلا يقع بالمحذر مثل ذلك: ٢٢ - ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ قيل: فائدته تبين ما ينبغي أن يطلب العلم من جهته، وتكريره ليكون حثًّا بعد حث (٤). ٢٣ - قوله : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ أي: بالإنذار ونبيهم صالح ﵇ (٥). ٢٤ - ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا﴾ آدميًّا (٦). ﴿وَاحِدًا﴾ منَّا.

стр. 13498

﴿نَتَّبِعُهُ﴾ ونحن جماعة كثيرة، وهو واحدٌ (١). وقرأ أبو سمَّال العدوي، وأبو الأشهب، ومحمد بن السميفع: (أبشرٌ) بالرفع (واحد) كذلك رفع بالابتداء، والنصب بإعمال ﴿نَتَّبِعُهُ﴾ تقديره: أنتبع بشرًا منا واحدًا، وكلا الوجهين سائغ في عائد الذكر (٢). ﴿إِنَّا إِذًا﴾ إن اتبعناه وتركنا دين أبائنا وهو واحد منَّا آدمي مثلنا (٣). ﴿لَفِي ضَلَالٍ﴾ ذهاب عن الصواب (٤). ﴿وَسُعُرٍ﴾ قال ابن عباس ﵄: يعني وعذاب (٥). وقال الحسن: شدة العذاب (٦). وقال قتادة: عناء (٧).

стр. 13499

وقال سفيان بن عيينه: هو جمع سعير (١). وقال الفراء: جنون يقال: ناقة مسعورة إذا كانت خفيفة الرأس هائمة على وجهها من النشاط (٢). قال الشاعر يصف ناقةً: تخالُ بها سُعُرًا إذا السعرُ هَزَّها ... ذَمِيلٌ وإيقاعُ (٣) منَ السَّيْرِ مُتْعِبُ (٤) وقال مجاهد: ﴿سُعُر﴾ بُعد من الحق (٥) (وقال أبو عبيدة: هو جمع سعيرة (٦). وقال السدي: في احتراق (٧)، قال طرفة:

стр. 13500

أصَحَوْتَ اليومَ أمْ شَاقَتْكَ هِرّ ... ومِنَ الحُبِّ جُنُون مُسْتَعرْ (١) أي: متقد ومحترق. ٢٥ - ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ﴾ أأنزل الوحي (٢). ﴿عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ من بين آل ثمود وخصَّ به دونهم، استفهام منهم معناه: الإنكار (٣) ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ﴾ مكثر الكذب) (٤). ﴿أَشِرٌ﴾ فرح بطر مرح متكبر يريد أن يتعاظم علينا بادعائه النبوَّة (٥)، (يقال: فرس أشر إذا كان مرحًا نشيطًا (٦) قال امرؤ القيس يصف كلبًا:

стр. 13501

فيدركنا فَغم (١) داجِنٌ ... سمِيعٌ بصيرٌ طَلُوبٌ نكِرْ ألصَنُ الضُّرُوسِ حَبيُّ الضُّلُوعِ ... تَبوعٌ أرِيبٌ نَشيطٌ أشِرْ (٢)) (٣) وقال ابن زيد وعبد الرحمن بن حماد (٤): الأشر، الذي لا يبالي ما قال (٥). وقرأ أبو جعفر وأبو قلابة: ﴿أَشَرٌّ﴾ بفتح الشين مع تشديد الراء (٦). وكذلك الأشر: يعني به أشرَّنا وأخبثنا (٧) والأول الصحيح. قال أبو حاتم: لا تكاد العرب تتكلم بالأَشر والأَخير إلَّا في

стр. 13502

ضرورة الشعر (١)، كقول رؤبة: بِلالُ خَيْرُ النَّاسِ وابنُ الأَخْير (٢) وإنما يقولون: هو خير قومه، وشر الناس (٣)، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٤) وقال: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ (٥). وقرأ مجاهد: (أشُر) بفتح الألف وضم الشين وهما لغتان مثل حذِر وحذُر، ويقظ ويقُظ، وعجِل وعجُل، ونجِد ونجُد للشجاع (٦). ٢٦ - ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ عند نزول العذاب بهم. ﴿مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ قرأ ابن عامر وأبو حيوة، والمغيرة، وهبيرة، ويحيى بن وثاب، والأعمش، وحمزة، وخلف: ﴿سَتَعْلَمُونَ﴾ بالتاء على أنه من قول صالح ﵇ على الخطاب، ومن قرأ بالياء فهو من قول الله (٧) وهو إخبار منه تعالى لصالح ﵇ عنهم، وهو الاختيار؛ لأنَّ ما بعده يدل على ضمير الغائب، وهو اختيار

стр. 13503

أبي عبيد، وأبي حاتم، ومعنى الكلام في الغد القريب، على عادة الناس في قولهم للعواقب: إنَّ مع اليوم غدًا، وإنَّ مع اليوم أخا غدٍ (١) (كما قال الشاعر: للمَوتِ فينا سِهامٌ غير مُخْطِئَةٍ ... مَنْ لم يكن مَيِّتًا في اليوم ماتَ غدا (٢) وقال أبو الطمَّاح (٣): إلا عَللاني قبلَ نَوحِ النَّوائح ... وقبْلَ اضْطرابِ النَّفسِ بين الجَوائح وقبل غدٍ يا لَهْفَ نفسي على غدٍ ... إذا راحَ أصحابي ولستُ برائح (٤) إنما أراد وقت الموت، ولم يرد غدًا بعينه) (٥). وقرأ أبو قلابة، (من الكذاب الأشَرّ) بفتح الشين وتشديد الراء (٦). ٢٧ - ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ (أي: باعثوها ومخرجوها من الهضبة، التي سألوا كما

стр. 13504

سألوها" (١) (٢). ﴿فِتْنَةً﴾ مِحنة ﴿لَهُمْ﴾ ليختبرهم (٣). ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ فانتظرهم ما يصنعون (٤). ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ على ارتقابهم وأذاهم، وأصل الطاء في (اصطبر) تاء فتحولت طاء لتكون موافقة للصاد في الإطباق (٥). ٢٨ - ﴿وَنَبِّئْهُمْ﴾ أي: أخبرهم عن الله. ﴿أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين آل ثمود وبين الناقة، لها يوم ولهم يوم، وإنما قال: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ لأنَّ العرب إذا أخبرت عن بني آدم مع

стр. 13505

البهائم غلَّبوا بني آدم على البهائم (١). ﴿كُلُّ شِرْبٍ﴾ أي: حظ ونصيب من الماء. ﴿مُحْتَضَرٌ﴾ يحضره من كانت نوبته، فإذا كان يوم الناقة حضرت شربها، وإذا كان يومهم حضروا شربَهم (٢). وقال قتادة ومجاهد: يعني يحضرون الماء إذا غابت الناقة، فإذا حضرت فالماء لها، ويحضرون اللبن (٣). ٢٩ - ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ﴾ قُدَار بن سالف: أعقر هذِه الناقة. وكان أشقر، فلذلك قيل له: أحمر ثمود (٤).

стр. 13506

قال زهير: فَتُنَتجْ لكُمْ غِلمان أشْأمَ كُلُّهُمْ ... كأحْمرِ عادٍ ثمَّ تُرضِعْ فتفطَمِ (١) (٢) يريد الحرب وكني عن ثمود بعاد. ﴿فَتَعَاطَى﴾ فتناول الناقة بسيفه (٣). ﴿فَعَقَرَ﴾، ولذلك سمَّت العربُ الجزار قُدَارًا تشبيهًا بقدار بن سالف مشوم آل ثمود (٤)، قال الشاعر: إنَّا لنضْرِبُ بالسُّيُوفِ رُؤسَهم ... ضربَ القُدَارِ بِقيعةَ القُدَّام (٥) ٣٠ - ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ ثم بين عذابهم فقال عزَّ من قائل: ٣١ - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾

стр. 13507

قام جبريل في ناحيتهم، فصاح صيحة فخمدوا جميعًا موتى (١) (٢)، ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ وقرأ الحسن، وقتادة، وأبو العالية: (المحتظَر) بفتح الظاء أرادوا الحظيرة (٣). وقرأ الباقون بكسر الظاء، أرادوا صاحب الحظيرة (٤). قال ابن عباس ﵄: هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشجر والشوك [دون السباع] (٥) فما سقط من ذلك فداسَتْه الغنم فهو الهَشيم (٦).

стр. 13508

وقال قتادة: يعني كالعظام النخرة المحترقة (١). وهي رواية العوفي وأبي ظبيان عن ابن عباس ﵄ (٢)، وعنه أيضًا: كحشيش تأكله الغنم (٣). وقال سعيد بن جبير: هو التراب يتناثر من الحيطان (٤). وقال ابن زيد: هو الشجر البالي الذي تهشمَ حتى ذرَّتْه الريحُ (٥)، والعرب تسمِي كل شيء كان رطبًا إذا يبس هشيمًا، والمحتظر: الذي يحظر على غنمه من الحظر، وهو المنع، فكانت الحظيرة تمنع ضررًا يدخل للغنم، وتمنع الغنم من الخروج (٦).

стр. 13509

٣٢ - ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ٣٣ - قوله : ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ أي: بالرسالة والإنذار. ٣٤ - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ ريحًا ترميهم بالحصباء، وهي الحصي (١). وقال بعضهم: هو الحجر نفسه (٢). وقال الضحاك: يعني صغار الحصى (٣). والحاصب والحَصب والحصباء: هو الحجر الذي دون ملء الكف، والمحصَّب: الموضع (٤) الذي ترمى فيه الجمار (٥)، قال الشاعر: ولم أر ليلى غير موقف ساعة ... ببطن منى ترمي جمار المحصَّب (٦)

стр. 13510

وقال سعيد بن المسيب: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأهل المدينة: حصبوا المسجد. أي صبُّوا فيه الحجارة (١). وقال أبو العباس: الحاصب: الريح فيها الحجارة (٢)، وكل ما ألقي في شيء إلقاءً عنيفًا فقد حصب به، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (٣). ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ أي: من تبعه على دينه وأهله وأمته، قيل: ولم يكن إلَّا ابنتاه (٤)، ﴿نجيناهم﴾ من العذاب ﴿بسَحَرٍ﴾. قال الأخفش: إنما أجراه لأنه نكرة ومجازه بسحرٍ من الأسحار، ولو أراد سحر يوم بعينه لقال: (بسحرَ) غير مجرى، ونظيره قوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ (٥) لما نكَّرهُ صرفه، فلما عُرِّف في قوله: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٦) لم يجره (٧).

стр. 13511

٣٥ - ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: رحمة على آل لوط حيث أنجيناهم، ونصب ﴿نِعْمَةً﴾ لأنه مفعول من أجله، أي: جعلنا ذلك لنعمتنا عليهم (١). ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما جزينا لوطًا وأهله وأنجيناهم فكذلك ﴿نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ آمن بالله وأطاعه. ٣٦ - قوله : ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ﴾ حذرهم وخوفهم لوط. ﴿بَظشَتَنَا﴾ أي: أخذتنا إياهم بالعقوبة والعذاب قبل حلولها بهم (٢) ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ فكذبوا بإنذاره شكًّا منهم فيه (٣)، وهو تفاعلوا من المِرْية. ٣٧ - ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ أي: طالبوه وسألوه أن يخلي بينهم وبين الملائكة الأضياف

стр. 13512

للفاحشة (١)، والعرب تقول: راده يروده، وارتاده يرتاده، وراوَده يراوده. ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ (٢). ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ أعميناها وصيرناها كسائر الوجه لا يرى لها شق، وذلك أنَّ جبريل ﵇ لطمهم بجناحه، والسبب أنهم لما قصدوا دار لوط ﵇ وعالجوا بابه ليدخلوا قالت الرسل: يا لوط، خل بينهم وبين الدخول، فإنا رسل ربك لن يصلوا إليك. فدخلوا الدار فاستأذن جبريل ﵇ ربه في عقوبتهم، فأذن له، فصفقهم بجناحه، فتركهم عُميًا لا يبصرون، يترددون، فأخرجهم لوط ﵇ عُمْيًا، قاله أكثر المفسرين (٣). وقال الكلبي: رفع جبريل ﵇ قبضة من تراب الأرض، وأذراها في أعينهم، فوصلت لمن قرُب منهم وبعُد، فاشتعلت في أعينهم نارًا، ففقأت أبصارهم وأعمتها (٤).

стр. 13513

وقال الضحاك: طمس الله على أبصارهم فلم يروا الرسل، فقالوا: لقد رأيناهم حين دخلوا البيت، فأين ذهبوا؟ فلم يروهم ورجعوا (١). ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. ٣٨ - ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ﴾ جاءهم العذاب وقت الصبح (٢). ﴿بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ دائم عام، استقرَّ فيهم حتى يفضي بهم إلى عذاب الآخرة (٣). وقيل: حق (٤). وقيل: استقر بهم إلى يوم القيامة (٥). وبكرة هنا نكرة فلذلك صرفت (٦) (٧).

стр. 13514

٣٩ - ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ العذاب الذي نزل بهم من طمس الأعين غير العذاب الذي أهلكوا به؛ فلذلك حسن التكرير (١). ٤٠ - ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ﴾ سهلناه. ﴿لِلذِّكْرِ﴾ ليتذكر به متذكر. ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ متذكر، وقد تقدم بيانه، فذكرهم الله تعالى عقيب كل قصة، قال طرفة: ظَلَّ في عَسْكَرةٍ من حُبِّها ... ونأتْ شَحطَ مَزَارِ المُدَّكِر (٢) (٣) ٤١ - قوله : ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ﴾ يعني قومه ومن عمل كعمله. ﴿النُّذُرُ﴾ موسي وهارون ﵉ (٤). ٤٢ - ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ معجزاتنا الدالة على توحيدنا ونبوة أنبيائنا، وهي التسع: (العصا، واليد، والسِّنون، والطمس، والطوفان، والجراد، والقمل،

стр. 13515

والضفادع، والدم (١)) (٢). ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ بالعذاب. ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ﴾ لا يغالبه شيء (٣). ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ قادر على ما أراد (٤). ثم خوف سبحانه أهل مكة فقال: ٤٣ - ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ الكفار الذين أحللت بهم نقمتي من قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وآل فرعون لما كذبوا رسلي (٥).
следующие страницы →