← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

لغتان، مثل يَعْرُشُون، ويعرِشون، ويعكُفُون ويعكِفُون (١). وقرأ أبو مجلز (٢): (تُسَفِّكُونَ) بالتشديد على التكثير (٣). قال ابن عباس وقتادة: معناه: لا يسفك بعضهم (٤) دم بعض بغير حق (٥). وإنَّما قال: ﴿دِمَاءَكُمْ﴾ لمعنيين: أحدهما: أنَّ كل قوم اجتمعوا على دين واحد فهم كنفس واحدة. والآخر: هو أنَّ الرجل إذا قتل غيره فكأنَّما قتل نفسه، لأنَّه يُقاد ويُقتصُّ منه (٦).

стр. 1367

﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾: أي لا يُخرج بعضكم بعضًا من داره. ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾: بهذا العهد أنَّه حق. ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ اليوم على ذلك يا معشر اليهود. ٨٥ - ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾: يعني: يا هؤلاء، فحذف حرف النداء للاستغناء، بدلالة الكلام عليه، كقوله: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا﴾ (١). وهؤلاء: للتنبيه، وهو مبني على الكسرة (٢)، مثل: أمسِ (٣). ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾: قراءةُ العامَّة بالتخفيف من القتل. وقرأ الحسن: (تُقتِّلُون): بالتثقيل من التقتيل (٤). ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾: قراءةُ (٥) أهل العالية (وهم أهل الحجاز) والشام (٦) وأبو عمرو ويعقوب:

стр. 1368

(تَظَّاهَرون) بتشديد الظاء، واختاره أبو حاتم، ومعناه: تتظاهرون، فأدغم التاء في الظاء، مثل ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ (١) ﴿ادَّارَكُوا﴾ (٢). وقرأ عاصم والأعمش وحمزة وطلحة والحسن وأبو عبد الرحمن وأبو رجاء والكسائي: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ بتخفيف الظاء، واختاره أبو عبيد. ووجه هذِه القراءة: أنَّهم حذفوا تاء التفاعل، وأبقوا تاء الخطاب، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا﴾ (٣) ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾ (٤). وقال الشاعر: تعاطَسُون جميعًا حول حِلَّتكم. . . فكُلكُم يا بني حمَّان مزكُومُ (٥) وقرأ [مجاهد] (٦) وقتادة: (تَظَهَّرُون) مشدَّدة بغير ألف، أي:

стр. 1369

وتتظهَّرون. ومعناه (١) جميعًا: تتعاونون (٢)، والظهير: العون، سُمِّي بذلك لاستناد ظهره إلى ظهر صاحبه. وقال الشاعر: تكثَّر من الإخوان ما استطعتَ إنَّهم. . . عمادٌ إذا استنجدتهم وظهيرُ وما بكثيرٍ ألفُ خِلٍّ وصاحبٍ. . . وإنَّ عَدُوًّا واحدًا لكثيرُ (٣) وقوله تعالى: ﴿بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ أي: بالمعصية والظلم. ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ قرأ أبو عبد الرحمن السلمي ومجاهد وابن كثير وابن محيصن وحُميد وشِبل والجحدري وأبو عمرو وابن عامر: ﴿أُسَارَى﴾ بالألف، (تَفْدُوهم) بغير ألف. وقرأ الحسن (أسْرى) بغير ألف ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ بالألف. وقرأ النخعي وطلحة والأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق (أسرى تفْدُوهُمْ) كلاهما بغير ألف. وهو اختيار أبي عبيد. وقرأ أبو رجاء وأبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم وقتادة والكسائي

стр. 1370

ويعقوب ﴿أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ كلاهما بالألف واختاره أبو حاتم (١). والأسرى: جمع أسير، مثل: جريح وجرحى، ومريض ومرضى، وصريع وصرعى. والأسارى: جمع: أسير -أيضًا- مثل: كُسَالى وسكارى (٢)، ويجوز أن يكون جمعُ أسرى، نحو قولك: امرأةٌ سكْرى، ونساءٌ سُكَارى، ولم يفرِّق بينهما أحد من العلماء الأثبات، إلا أبو عمرو: [٢٨٠] فأخبرني طاهر بن علي (٣) قال: أنا أحمد بن الحسين (٤) قال: أنا محمد بن الحسن (٥) قال: نا أحمد بن سعيد (٦)، عن أبي هشام (٧)، عن حسين الجُعفي (٨)، عن أبي عمرو (٩) قال: ما قد أُسِر فهو أُسَارى، وما لم يُؤسَر فهو أسْرى (١٠).

стр. 1371

ورُوي عنه من وجه آخر قال: ما صاروا في أيديهم فهم أسارى، وما جاء مستأسرًا فهم أسرى. [٢٨١] وسمعت ابن عِصْمَة (١) يقول: سمعت ابن مهران (٢) يقول: سمعت أبا بكر النقاش (٣) يقول: سمعت أحمد بن يحيى ثعلبًا (٤) وقد قيل له هذا الكلام عن أبي عمرو قال: هذا كلام المجانين، يعني: لا فرق بينهما (٥). [٢٨٠] وسمعت أبا القاسم بن حبيب (٦)، سمعت أبا بكر محمد بن المنذر الضرير (٧) يحكي عن أبي سعيد الضرير (٨) أنَّه قال: المقيَّدون

стр. 1372

المُشَدَّدون أسارى، والأسرى هم المأسورون غير المقيَّدين (١). فأمَّا قوله: (تَفْدُوهم) فمعناه: تفدوهم بالمال، وتفدوهم بفدية، أي: بشيء آخر. ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ تبادلوهم، أراد مفاداة الأسير بالأسير. و(أسْرى): في محل النصب بالحال (٢). فأما معنى الآية: فقال السدي: إنَّ الله أخذ على بني إسرائيل في التوراة أنْ لا يقتل بعضهم بعضًا، ولا يُخرج بعضهم بعضًا من ديارهم، وأيُّما عبدٍ أو أمَةٍ وجدتموه في (٣) بني إسرائيل أسيرًا (٤) فاشتروه بما قام من (٥) ثمنه فأعتقوه، فكانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرْب سُمَير (٦)، فيقاتل

стр. 1373

بنو قريظة مع حلفائهم النضيرَ وحلفاءَهم، وإذا غلبوا خرَّبوا (١) ديارهم وأخرجوهم منها، فإذا أسِرَ رجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتى يفدوه، فتعيِّرهم العرب بذلك وتقول: كيف تقاتلونهم وتفدونهم، فيقولون: إنَّا قد أمرنا أن نفديهم، وحُرِّم علينا قتالُهم، قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحيي أن تُستَذلَّ حلفاؤنا، فذلك حين عيَّرهم الله تعالى فقال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢). وفي الآية تقديم وتأخير نظمها: وتُخرجون فريقًا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم با لإثم والعدوان، وهو محرَّم عليكم إخراجهم، وإنْ يأتوكم أسرى تفدوهم. فكأن الله تعالى أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة عليهم مع أعدائهم، وفداء أسراهم. فأعرضوا عن كلِّ ما أُمروا إلى الفداء، فقال الله : ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ فإيمانهم:

стр. 1374

الفداء، وكفرهم: القتل والإخراج. وقال مجاهد: يقول: إنْ وجدته في يد غيرك فديتَه، وأنت تقتله بيدك (١). وقيل: معناه: تستعملون البعض، وتتركون البعض، تفادون أسرى قبيلتكم، وتتركون أسرى أهل ملتكم فلا تفادونهم (٢). قال الله : ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ يا معشر اليهود ﴿إِلَّا خِزْيٌ﴾ عذاب وهوان ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فكان خزي قريظة القتل والسبي، وخزي بني النضير الجلاء والنفي عن منازلهم وديارهم (٣) إلى أذرعات وأريحا (٤) من الشام. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ وهو عذاب النار وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو رجاء والحسن: (تُرَدُّون) بالتاء، لقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ (٥).

стр. 1375

(وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ): بالياء مدني، وأبو بكر ويعقوب، والباقون بالتاء (١). ٨٦ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ أي: استبدلوا ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ﴾ يهوَّن ويرفَّه ﴿عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: يُمنَعُون مِن عذاب الله. ٨٧ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ أي: أعطينا ﴿مُوسَى الْكِتَابَ﴾ أي: التوراة جملةً واحدة. ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ أي: وأردفنا وأتبعنا ﴿مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ رسولًا بعد رسول، يقال: قَفَا أثرَه، وقَفَّى غيرَه في التعدية، وهو مأخوذ من قَفَا الإنسان، قال الله : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٢). وقال أميَّة بن أبي الصلت: قالت لأختٍ لهُ قُصِّيهِ عن جُنُب. . . وكيف تقفو ولا سهلٌ ولا جَددُ (٣)

стр. 1376

﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ أي: العلامات الواضحات، والدلالات اللائحات، وهي التي ذكرها الله تعالى في سورة آل عمران والمائدة (١). ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ وقويناه وأعنَّاه، من الآد، والأيد، وهما القوة. وقرأ مجاهد: (آيدْنَاهُ) بالمد (٢)، وهما لغتان: مثل: أكْرَمَ وكَرَّمَ ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ خفَّف ابن كثير (الْقُدْس) كل القرآن، وثقَّلها الآخرون (٣). وهما لغتان مثل: الرُّعْب والرُّعُب (٤)، والسُّحْت والسُّحُت (٥)، ونحوهما. واختلفوا في ﴿رُوحِ الْقُدُسِ﴾: فقال الربيع وغيره: هو الروح الذي نفخ فيه، أضافهُ إلى نفسِه تكريمًا وتخصيصًا نحو: بيت الله، وناقة الله، وعبد الله، ونحوها (٦)، والقدس هو الله (٧)، يدل عليه

стр. 1377

قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ (١)، وقوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ (٢). وقال الآخرون (٣): أراد بالقدس الطهارة، يعني: الروح الطاهرة، سَمَّى روحَه قدسًا؛ لأنه لم تتضمنه أصلاب الفحولة، ولم تشتمل عليه أرحام الطوامث، إنَّما كان أمرًا من أمر الله (٤). وقال السدي والضحاك وقتادة وكعب: روح القدس جبريل ﵇ (٥). وقال الحسن: القدس هو الله وروحه جبريل (٦).

стр. 1378

وقال السدي: القدس البركة (١). وقد أعظم الله بركة جبريل، إذ أنزل وحيه (٢) إلى أنبيائه على لسانه، وتأييد عيسى بجبريل ﵉ هو أنه كان قرينه يسير معه حيثما سار، والآخر أنه صعد به إلى (٣) السماء. ودليل هذا التأويل قوله : ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٤). وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وعبيد بن عمير: هو اسم الله الأعظم، وبه كان يُحيي الموتى، ويُرِي الناس تلك العجائب (٥). وقال ابن زيد: هو الإنجيل، جُعل له روحًا كما جُعل القرآن

стр. 1379

لمحمدٍ روحًا (١) يدل عليه قوله : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ الآية (٢). فلما سمعت اليهود بذكر عيسى قالوا: يا محمد لا مثل عيسى كما تزعم عملت، ولا كما تقص علينا من الأنبياء فعلتَ، فأتنا بما أتى به عيسى إن كنت صادقًا (٣)، فقال الله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ يا معشر اليهود ﴿بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ﴾ أي: بما لا تُحب ولا توافق أنفسكم، ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ تكبرتم وتعظمتم عن الإيمان به، ﴿فَفَرِيقًا﴾ أي: طائفة، سميت بذلك لأنها فُرِّقت من الجملة ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ عيسى ومحمدًا ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ أي: قتلتم زكريا ويحيى وشعيبًا وسائر من قُتلوا من الأنبياء. * * *

стр. 1380

٨٨ - قوله ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: اليهود ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. قرأ ابن محيصن بضم اللام، وقرأ الباقون بجزمه (١)، فمن خفَّف فهو جمع الأغْلَف، مثل: أصفَر وصُفْر، وأحمَر وحُمْر ونحوه، الذي عليه غشاوة وغطاء، بمنزلة الأغلف غير المختون. والأغلف والأقلف واحد، ومعناه: عليها غشاوة فلا تَعِي ولا تفقَه ما تقول يا محمد. قاله مجاهد وقتادة (٢). نظيره ودليله قوله : ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ (٣). ومن ثقَّل فهو جمع: غِلاف، مثل: حجاب وحُجُب، وكتاب وكُتُب، ومعناه: قلوبنا أوعية لكل علم فلا نحتاج إلى علمك وكتابك، قاله عطاء وابن عباس (٤).

стр. 1381

وقال الكلبي: يريدون: أوعية لكل علم، فهي لا تسمع حديثًا إلا وعتْه، إلا حديثك لا تعِيه ولا تعقله، فلو كان فيه خير لفهمتْه ولوعتْه (١). قال الله : ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾: وأصل اللعن: الطرد والإبعاد، تقول العرب: شأوٌ لعين، أي: بعيد (٢). قال الشمَّاخ (٣): ذعرتُ به القَطَا ونفيتُ عنهُ. . . مقام الذئبِ كالرجلِ اللعينِ (٤) فمعنى قوله: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ طردهم (٥) وأبعدهم من كل خير. وقال النضر بن شُميل: الملعون المُخزى والمُهلك. (قال الزجاج: المعنى، بل طبع الله عليها (٦).

стр. 1382

ثم أخبر أنَّ ذلك مجازاةً منه لهم على كفرهم) (١) ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال قتادة: معناه: ما (٢) يؤمن منهم إلا قليل (٣). لأنَّ من آمن من المشركين أكثر ممن آمن من اليهود. وعلى هذا القول (ما) صلة، معناه: فقليلًا يؤمنون. ونصب (قليلًا) على الحال (٤). وقال معمر: معناه: لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم، ويكفرون بأكثره (٥). وعلى هذا القول يكون ﴿قَلِيلًا﴾ منصوبًا بنزع حرف الصفة، و ﴿مَا﴾ صلة، أي: فبقليل يؤمنون. وقال الواقدي وغيره: معناه: لا يؤمنون قليلًا أو كثيرًا (٦). وهذا كقول الرجل للآخر: ما أقلَّ ما تفعل كذا وكذا، يريد: لا تفعله البتة.

стр. 1383

وقال الفراء عن الكسائي: تقول العرب: مَررْنا بأرضٍ قلَّ ما تُنبت الكُرَّاث والبصل، يريدون لا تُنبتُ شيئًا (١). ٨٩ - قوله ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: يعني: القرآن. ﴿مُصَدِّقٌ﴾ (أي: موافق) (٢). ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾ يعني: التوراة. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة (مصدقًا) بالنصب على الحال (٣). ﴿وَكَانُوا﴾ يعني: اليهود. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل بعث محمد ﷺ ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾: يستنصرون، قال الله : ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (٤). وفي الحديث: أنَّ النبي ﷺ كان يستفتح بصعاليك المهاجرين (٥) (٦).

стр. 1384

﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (مشركي العرب) (١) وذلك أنهم كانوا يقولون إذا حزبهم أمر ودهمهم (٢) عدو: اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان، الذي نجد نعته وصفته في التوراة. وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: أظلَّ (٣) زمانُ نبي يخرج بتصديق ما قلنا (٤) فنقتلكم معه قتل عاد وإرَم (٥). ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ يعني: محمدًا ﷺ من غير بني إسرائيل، وعرفوا نعته وصفته. ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ بغيًا وحسدًا. ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.

стр. 1385

٩٠ - ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ بئس ونعم: فعلان ماضيان وُضعا للمدح والذم لا يتصرَّفان تصرف الأفعال (١). ومعنى الآية: (بئسما الذي) (٢) اختاروا لأنفسهم حتى استبدلوا الباطل بالحق والكفر بالإيمان. وقيل: معناه: بئسما الذي (٣) باعوا به حظَّ أنفسهم (٤). ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يعني: القرآن ﴿بَغْيًا﴾ بالبغي، وأصل البغي: الفساد، يقال: بغى الجرح إذا أمدَّ وفَسَد. ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الكتاب والنبوة. ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ محمد ﷺ . ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ (أي: مع غضب) (٥). قال ابن عباس: الغضب الأول بتضييعهم التوراة، والغضب الثاني لكفرهم بهذا النبي الذي أحدث الله فيهم (٦).

стр. 1386

وقال قتادة وأبو العالية: (الغضب الأول بكفرهم بعيسى والإنجيل، والثاني بكفرهم بمحمد والقرآن) (١). وقال السدي: الغضب الأول بعبادتهم العجل، والثاني بكفرهم بمحمد ﷺ وتبديل نعته (٢).

стр. 1387

﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ أي: وللجاحدين نبوة محمد من الناس كلهم ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ يُهانون فيه ولا يُعَزون. ٩١ - قوله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يعني: القرآن. ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ يعني: التوراة. ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ أي: بما سواه وبعده. كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١) وقوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِك﴾ (٢) أي: سواه. ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ يعني: القرآن. ﴿مُصَدِّقًا﴾ نصب على الحال. ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾ لهم يا محمد ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ أي: قتلتم ﴿أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ فَلِمَ: أصله: لِمَا، حُذفت (٣) الألف فرقًا بين الخبر والاستفهام، كقولهم: فَيمَ، وبِمَ، وممَّ، وعلامَ، وحتَّامَ (٤). وهذا جواب لقولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ فقال الله جلَّ وعز: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بالتوراة وقد نُهيتم فيها عن قتل الأنبياء. * * *

стр. 1388

٩٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالدلالات اللائحات، والعلامات الواضحات ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾. ٩٣ - قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾ أي: استجيبوا وأطيعوا، سميت الطاعة سمعًا على المجاورة؛ لأنه سبب الطاعة والإجابة، ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده، أي: أجابَه. وقال: دعوتُ الله حتى خِفْتُ ألا. . . يكون الله يسمعُ ما أقولُ (١) أي: لا (٢) يجيب. ﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾ قولك ﴿وَعَصَيْنَا﴾ أمرَك. قال أهل المعاني: إنهم لم يقولوا هذا بألسنتهم، ولكنهم لما سمعوا الأمر وتلقوه بالعصيان نُسب ذلك منهم إلى القول اتّساعًا (٣)،

стр. 1389

كقول الشاعر: ومَنْهَلٍ ذُبَابه في غَيْطَلِ. . . يقُلْنَ للرَّائدِ أعْشَبْتَ انْزِلِ (١) قوله : ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ أي: حُبَّ العجل، كقوله : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢). وقال النابغة: وكيف يُواصَل (٣) من أصبحتْ. . . خلالتُه كأبي مرْحبِ (٤) أي: كخلالة أبي مرحب. ومعناه: أدخِل في قلوبهم حبُّ العِجل وخالطها ذلك كإشراب اللون لشدة الملازمة.

стр. 1390

﴿بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ أن تعبدوا العجل من دون الله. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بزعمكم، وذلك أنهم قالوا: نؤمن بما أنزل علينا فكذَّبهم الله تعالى. ٩٤ - قوله : ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً﴾ الآية. قال المفسِّرون: سبب نزول هذِه الآية أنَّ اليهود ادَّعوا دعاوى باطلة حكاها الله عنهم في كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ (١) ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ (٢) وقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (٣) فكذَّبهم الله وألزمهم الحجة (٤)، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهم ﴿إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ يعني الجنة ﴿خَالِصَةً﴾ أي: خاصةً، كقوله تعالى: ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ (٥) وقوله: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٦) وقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧) أي: خاصة من دون النَّاس. ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ أي:

стр. 1391

فأرِيدوه واسألوه، لأنَّ من علم أنَّ الجنة مآبه (١) حنَّ إليها، ولا سبيل إلى دخولها إلا بعد الموت، فاستعجلوه بالتمنِّي ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم، محقين في دعواكم، وقيل: في قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ أي: ادعوا (٢) على الفرقة الكاذبة. فروى ابن عباس عن رسول الله ﷺ أنه (٣) قال: "لو تمنَّوا الموت لغصَّ كل إنسان منهم بريقه، وما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات" (٤).

стр. 1392

٩٥ - فقال الله : ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ لعلمهم (١) في دعواهم أنهم كاذبون. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ يعني: اليهود، وهذا من إعجاز القرآن؛ لأنه تحدَّاهم، ثم أخبر أنهم لا يفعلون قبل أن قال لهم هذِه المقالة، فكان على ما أخبر (٢).

стр. 1393

٩٦ - قوله : ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ اللام لام القسم، والنون تأكيد القسم، تقديره: والله لتجدنهم (يا محمد) (١) يعني: اليهود ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ وفي مصحف أبي: (على الحياة) (٢). ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ قيل: إنَّه متصل بالكلام الأول، معناه: وأحرص من الذين أشركوا. قال الفراء: وهذا كما تقول (٣): هو أسخى الناس ومن حاتم. أي: وأسخى من حاتم (٤). وقيل: هو ابتداء، وتمام الكلام عند قوله: ﴿عَلَى حَيَاةٍ﴾ ثم ابتدأ بواو الاستئناف وأضْمَرَ لـ ﴿يَوَدُّ﴾ اسمًا تقديره: ومن الذين أشركوا من (٥) يود أحدهم (٦)، كقول ذي الرُّمَّة: فظَلُّوا ومنهم دمعُهُ سابقٌ لهُ ... وآخرُ تُذرِي دمعَةَ العينِ بالهَمْلِ (٧) أراد: منهم من دمعه سابق له، وأراد بالذين أشركوا المجوس.

стр. 1394

﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ يريد ويتمنَّى. ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾ أنْ يُعمَّر، تقديره: تعميرَ ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال المفسرون: هو تحية المجوس فيما بينهم: عِشْ ألف سنة، وكُل ألف نيروز ومهرجان (١). قال الله : ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ بمباعده من النار. ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ أي: تعميره، يقال: زحزحته فتزحزح، أي: باعدته (٢) فتباعد، يكون لازمًا ومتعديًا (٣). قال ذو الرُّمَّة في المتعدِّي: يا قابِضَ الروحِ منْ نفسِي إذا احتُضرتْ ... وغافرَ الذنبِ زحْزِحني عن النارِ (٤) وقال الآخر في اللازم: خَليليَّ ما بالُ الدُّجى لا يُزحْزَخُ ... وما بالُ ضَوء الصُّبْحِ لا يتوضَّحُ (٥)

стр. 1395

﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. ٩٧ - قوله ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية. قال ابن عباس: إنَّ حبرًا من أحبار اليهود من فَدَك (١)، يقال له: عبد الله بن صوُريا حاجَّ النبي ﷺ وسأله عن أشياء، فلمَّا اتَّجهت الحجة عليه قال: أيّ ملَكٍ يأتيك من السماء، قال: جبريل ﵇ ولم يبعث الله تعالى نبيًّا قط (٢) إلا وهو وليُّه، قال: ذلك (٣) عدونا من الملائكة، ولو كان ميكائيل مكانه لآمنَّا بك، إنَّ جبريل ينزل بالعذاب والقتال والشدة، وإنَّه عادانا مرارًا كثيرةً، وكان أشدَّ ذلك علينا أنَّ الله تعالى أنزل على نبيّنا أنَّ بيت المقدس سيخرب على يدي (٤) رجل يقال له: بُخْتُنَصَّر، فأخبرنا بالحين الذي يخرُب فيه، فلما كان وقته بعثنا رجلًا من أقوياء بني إسرائيل في طلب بُخْتُنَصَّر ليقتله، فانطلق يطلبه حتى لقيه ببابل غلامًا مسكينًا ليست له قوة، فأخذه صاحبنا ليقتله، فدَفع عنه

стр. 1396

جبريل، وقال لصاحبنا: إن كان ربكم هو الذي أذن في هلاككم فلن تُسَلَّط عليه، وإن لم يكن هذا فعلى أي حق تقتله؟ فصدَّقه صاحبنا، ورجع إلينا، وكَبُر بُخْتُنَصَّر وقَوِي وغزانا، وخرَّب بيت المقدس، فلهذا نتخذه عدوًّا. فأنزل الله هذِه الآية (١).

стр. 1397

وقال مقاتل: نزلت في اليهود، وذلك أنهم قالوا (١): إنَّ جبريل عدوُّنا، أُمِر أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا، فأنزل الله

стр. 1398

هذِه الآية (١). وقال قتادة وعكرمة والسدي: كان لعمر بن الخطاب ﵁ أرضٌ بأعلى المدينة، وممرُّها على مِدْراسِ (٢) اليهود، وكان عمر إذا أتى أرضه يأتيهم ويسمع منهم ويكلمهم، فقالوا له: يا عمر، ما في أصحاب محمد أحب إلينا منك، إنَّهم يمرون بنا فيؤذوننا، وأنت لا تؤذينا، وإنَّا لنطمع فيك. فقال عمر ﵁: والله ما أُحبُّكم لحبكم إياي (٣)، ولا أسألكم لأني شاكٌّ في ديني، وإنَّما أدخل إليكم (٤) لأزداد بصيرةً في أمر محمد ﷺ وأرى آثاره في كتابكم، فقالوا: مَن صاحب محمد الذي يأتيه من الملائكة؟ فقال: جبريل ﵇ قالوا (٥): ذاك عدوُّنا، يُطْلع محمدًا على سرِّنا، وهو صاحب كلِّ عذاب وخسفٍ وسَنَةٍ وشدَّة، وإنّ ميكائيل إذا جاء جاء بالخصب والسِّلم. فقال لهم عمر: أتعرفون جبريل وتُنْكرون محمدًا؟ قالوا: نعم. قال: فأخبروني عن منزلة جبريل وميكائيل من الله . قالوا: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وميكائيل عدوٌّ، لجبريل. فقال

стр. 1399

عمر: فإنِّي أشهد أنَّ من كان عدوًّا لجبريل فهو عدو لميكائيل، ومن كان عدوًّا لميكائيل فهو عدوٌّ لجبريل، ومن كان عدوًّا لهما فإنَّ الله عدوٌّ له. ثم رجع عمر إلى رسول الله ﷺ فوجد جبريل قد سبقه بالوحي، فقرأ عليه رسول الله ﷺ هذِه الآيات، وقال: "لقد وافقك ربك يا عمر" فقال عمر ﵁: لقد رأيتني في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر (١). قال الله تعالى تصديقًا لقول عمر: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾. وفي ﴿وَجِبْرِيلَ﴾ سبعُ قراءات (٢): (جَبْرَئيلَ) مهموز مُشبَع مفتوح الجيم والراء. وهي (٣) قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر وخلف، واختيار أبي عبيد. وقال: رأيتُ في

стр. 1400

مصحف عثمان -الذي يقال له: الإمام- بالياء في (جبريل) و (ميكائيل)، وإثبات الياء يدل على الهمز. وقال الشاعر: شهِدْنا فما تَلْقَى لنا من كتيبةٍ ... مَدى الدهرِ إلا جَبْرَئيلُ أَمامهَا (١) و(جَبْرائِيلْ) ممدود مهموز مشبع على وزن (جبراعيل)، وهي قراءة ابن عباس وعلقمة وابن وثاب (٢). و(جَبْرائِل) ممدود مهموز مختلس، على وزن (جَبْراعِل)، وهي قراءة طلحة بن مصرِّف (٣). و(جَبْرئِل) مقصور مهموز (مختلس، على وزن جبرعل) (٤) وهي

стр. 1401

قراءة يحيى بن آدم (١) (٢). و(جبْرَئلَّ) مهموز مقصور مشدَّد اللام من غير ياء. وهي قراءة يحيى ابن يَعْمر وعيسى بن عمر والأعمش (٣). و(جَبْرِيل) بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز، وهي قراءة ابن كثير (٤)، وأنشد: وجبريل رسولُ الله فينا ... وروحُ القدس ليس (له كفاءُ) (٥)

стр. 1402

و ﴿وَجِبْرِيلَ﴾ بكسر الجيم والراء من غير همز، وهي قراءة على بن أبي طالب، وأبي عبد الرحمن، وأبي رجاء، وأبي العالية، وسعيد بن المسيب، والحسن، وعُظمِ أهل البصرة، والمدينة وحفص (١) واختيار أبي حاتم (٢). وقد رُوي ذلك عن النبي ﷺ : [٢٨٣] أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن عثمان (٣) قال: أخبرنا أبو بكر بن مجاهد (٤) قال: حدثني الحسين بن بشر (٥) قال: نا روح بن عبد المؤمن (٦)،

стр. 1403

عن محمد بن صالح (١)، عن شبل (٢)، عن عبد الله بن كثير (٣) قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام وهو يقرأ: ﴿وَجِبْرِيلَ﴾ بكسر الجيم والراء من غير همز، فلا أقرؤها إلا هكذا (٤). قلت: والصحيح المشهور عن (٥) ابن كثير ما تقدَّم (٦)، والله أعلم.

стр. 1404

وأما التفسير: فقال العلماء: (جبْر) و (ميك): هما العبد بالسُّريانية، و (إِيْل) هو الله سبحانه (١) يدل عليه ما: [٢٨٤] أخبرنا محمد بن أحمد بن عبدوس (٢) قال: أنا محمد بن محمد بن الحسن (٣) قال: أنا على بن عبد العزيز (٤) قال: أنا أبو عبيد (٥) قال: نا أبو معاوية (٦) عن الأعمش (٧) عن إسماعيل بن رجاء (٨) عن معاوية (٩) يرفعه قال: "إنما جبريل وميكائيل كقولك (١٠): عبد الله وعبد الرحمن" (١١).

стр. 1405

وقيل: (جبريل) مأخوذ من جبروت الله، و (ميكائيل) من ملكوت الله. وقوله: ﴿فَإِنَّهُ﴾: يعني: جبريل: ﴿نَزَّلَهُ﴾ يعني: القرآن، كنايةٌ عن غير مذكور، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (١) يعني: الأرض، وقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٢) يعني: الشمس. ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾: يا محمد. ﴿بإِذْنِ اللَّهِ﴾، بأمر الله ﴿مُصَدِّقًا﴾ موافقًا ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (لما قبله) (٣) من الكتب ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. ٩٨ - وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾: أفردهما (٤) بالذكر عن (٥) جملة الملائكة وهما منهم على جهة التفضيل، كقوله : ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ (٦). وفي ﴿وَمِيكَالَ﴾ أربع لغات: ممدود ومهموز مُشبع، على وزن (مِيكاعِيل) وهي قراءة أهل مكة
следующие страницы →