стр. 1401
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 18686
تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير
الثعلبي
Полный текст (16 476 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1402
و ﴿وَجِبْرِيلَ﴾ بكسر الجيم والراء من غير همز، وهي قراءة على بن أبي طالب، وأبي عبد الرحمن، وأبي رجاء، وأبي العالية، وسعيد بن المسيب، والحسن، وعُظمِ أهل البصرة، والمدينة وحفص (١) واختيار أبي حاتم (٢).
وقد رُوي ذلك عن النبي ﷺ :
[٢٨٣] أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن عثمان (٣) قال: أخبرنا أبو بكر بن مجاهد (٤) قال: حدثني الحسين بن بشر (٥) قال: نا روح بن عبد المؤمن (٦)،
стр. 1403
стр. 1404
وأما التفسير:
فقال العلماء: (جبْر) و (ميك): هما العبد بالسُّريانية، و (إِيْل) هو الله سبحانه (١) يدل عليه ما:
[٢٨٤] أخبرنا محمد بن أحمد بن عبدوس (٢) قال: أنا محمد بن محمد بن الحسن (٣) قال: أنا على بن عبد العزيز (٤) قال: أنا أبو عبيد (٥) قال: نا أبو معاوية (٦) عن الأعمش (٧) عن إسماعيل بن رجاء (٨) عن معاوية (٩) يرفعه قال: "إنما جبريل وميكائيل كقولك (١٠): عبد الله وعبد الرحمن" (١١).
стр. 1405
وقيل: (جبريل) مأخوذ من جبروت الله، و (ميكائيل) من ملكوت الله.
وقوله: ﴿فَإِنَّهُ﴾: يعني: جبريل: ﴿نَزَّلَهُ﴾ يعني: القرآن، كنايةٌ عن غير مذكور، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (١) يعني: الأرض، وقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٢) يعني: الشمس.
﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾: يا محمد. ﴿بإِذْنِ اللَّهِ﴾، بأمر الله ﴿مُصَدِّقًا﴾ موافقًا ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (لما قبله) (٣) من الكتب ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
٩٨ - وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾:
أفردهما (٤) بالذكر عن (٥) جملة الملائكة وهما منهم على جهة التفضيل، كقوله : ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ (٦).
وفي ﴿وَمِيكَالَ﴾ أربع لغات:
ممدود ومهموز مُشبع، على وزن (مِيكاعِيل) وهي قراءة أهل مكة
стр. 1406
والكوفة والشام (١).
و(مِيكَائِل) ممدود مهموز مختلس، مثل: (ميكاعِل) وهي قراءة أهل المدينة (٢).
و(مِيْكَئلْ) مهموز مقصور على وزن (مِيكَعِل) (٣) وهي قراءة الأعمش وابن محيصن (٤). و (مِيْكَال) على وزن (مِفْعَال) وهى قراءة أهل البصرة (٥).
قال الشاعر:
ويومَ بدرٍ لقيناكم لنا مَدَدٌ ... فيهِ مع النصرِ جبريلٌ ومِيكالُ (٦)
وقال جرير:
стр. 1407
عبدوا الصّليبَ وكذَّبوا بمحمدٍ ... وبجَبْرئيل وكذَّبوا ميكالًا (١)
ومعنى الآية: من كان عدوًّا لأحدِ هؤلاء، فإنَّ الله عدوٌّ له، الواو فيه بمعنى (أو)، كقوله : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ الآية (٢)، لأنَّ الكافر كافرٌ بالكل.
فقال ابن صوريا: يا محمد، ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آيةٍ بينة فننتقل لها (٣). فأنزل الله :
٩٩ - ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾
واضحات مفصَّلات بالحلال والحرام، والحدود والأحكام.
﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ الخارجون عن أمر الله تعالى.
стр. 1408
١٠٠ - قوله : ﴿أَوَكُلَّمَا﴾
واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام كما تدخل على الفاء في قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ (١) ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ (٢)، وعلى ﴿ثُمَّ﴾ كقوله: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ (٣) ونحوها (٤).
وقرأ (أبو السمال) (٥) العدوي: ساكنةَ الواو على النَّسقَ (٦).
و﴿كُلَّمَا﴾ نصب على الظرف ﴿عَاهَدُوا عَهْدًا﴾: يعني اليهود.
قال ابن عباس: لمَّا ذكر رسول الله ﷺ ما (٧) أخذ الله عليهم وما عهد إليهم فيه، قال مالك بن الصيَّف (٨): واللهِ ما عُهد إلينا في محمد عهد ولا ميثاق. فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٩).
стр. 1409
يوضِّحه: قراءة أبي رجاء العُطاردي: (أوَ كما عوهدوا عهدًا) جعلهم مفعولِين (١).
ودليل هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ الآية (٢).
وقال بعضهم: هو أن اليهود عاهدوا: لئن خرج محمد لنؤمننَّ به، ولنكوننَّ معه على مشركي العرب، وينفونهم عن بلادهم، فلما بُعث (٣) نقضوا العهد وكفروا به (٤). ودليله (٥) قوله : ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ الآية (٦).
وقال عطاء: هي العهود التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين اليهود فنقضوها، كفعل قريظة والنضير (٧). دليله قوله : ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ ٥٦] الآية (٨).
стр. 1410
﴿نَبَذَهُ﴾ طرحَه ونقضَه (١). يدل عليه قراءة عبد الله (٢): (نقضَه). ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ طوائف من اليهود. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
١٠١ - وقوله تعالى:
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾
وأصل النَّبْذ: الرمي والرفض. وأنشد الزجاج:
نظَرتَ إلى عُنوانه فَنبَذْتَه ... كنَبْذِكَ نَعْلًا أخْلَقَتْ مِن نعالِكا (٣)
وهذا مثل يُضرب (٤) لمن يستخف بالشيء فلا يعمل به، تقول العرب:
اجْعل هذا خلفَ ظهرك، ودبُر أذنك، وتحتَ قدمِك (٥) أي: اتركه وأعرض عنه. قال الله تعالى: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ (٦).
стр. 1411
стр. 1412
١٠٢ - قوله : ﴿وَاتَّبَعُوا﴾
يعني: اليهود. ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ أي: ما تَلَتْ، كقول الشاعر:
وإذا مررتَ بقبرِه فاعقِرْ به ... كُومَ الهِجان وكلّ طرفٍ سابحِ
وانْضَح جوانبَ قبرِه بدمائِها ... فلقد يكونُ أخا دَمٍ وذبائحِ (١)
أي: فلقد كان.
[٢٨٥] وسمعت أبا القاسم بن حبيب (٢) يقول: سمعتُ أبا بكر بن عبدوس (٣) يقول حاكيًا عن الحسين بن الفضل (٤) أنَّه سُئل عن هذِه الآية، فقال: هو مختصر مضمَر تقديره: واتبعوا ما كانت تتلوا الشياطين، أي: ما (٥) تقرؤه (٦).
стр. 1413
وقال ابن عباس: تَتَّبع وتعملُ به (١). وقال عطاء وأبو عبيدة: تحدِّث وتتكلَّم به (٢).
وقال يمان: ترويه (٣). وقرأ الحسن: (الشياطون) بالواو في موضع الرفع كلَّ (٤) القرآن (٥).
[٢٨٦] وسمعتُ أبا القاسم الحبيبي (٦) يقول: لسمعت أبا حامد الخارْزنْجِي (٧) يقول: وسُئل عن قراءة الحسن فقال: هو لَحْنٌ فاحش عند أكثر أهل الأدب، غير أنَّ الأصمعيَّ زعم أنَّه سمع أعرابيًّا يقول: بستانُ فلان حوله بساتون (٨).
стр. 1414
﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أي: في ملكه وعهده. كقول أبي النَّجم:
فهي على الأفْقِ كعينِ الأحولِ (١)
أي: في الأفق.
والمُلْك: تمام القدرة واستحكامها. قاله الزجَّاج.
قصَّة الآية:
هي أنَّ الشياطين كتبوا السحر والنيرنجيَّات (٢) على لسان آصَف (٣): هذا ما علَّم آصفُ بن بَرْخيا سليمان الملك، ثم دفنوها تحت مصلاه حين نزع الله تعالى ملكه، ولم يشعر بذلك سليمان.
فلمَّا مات سليمان ﵇ استخرجوها من تحت مصلاه، وقالوا للناس: إنما ملَكَكُم سليمان بهذا فتعلَّموه، فأما علماء بني إسرائيل وصلحاؤهم فقالوا: معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان، وإن كان هذا علمه لقد هلك سليمان، وأما السَّفلة فقالوا: هذا علم سليمان، وأقبلوا على تعلمه، ورفضوا كتب أنبيائهم، وفشت الملامة لسليمان، فلم تزل هذِه حالهم حتى بعث الله محمدًا ﷺ فأنزل
стр. 1415
عُذرَ سليمان على لسانه وأظهر براءته ممَّا رُمي به فقال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ الآية، هذا قول الكلبي (١).
وقال السدي: كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتقعُد منها مقاعد للسمع، فيسمعون (٢) كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت أو غيره، فيأتون الكهنة ويخلطون بما سمعوا كذِبًا وزورًا في كل كلمة سبعين كذبة، ويخبرونهم بذلك، فاكتتب الناس ذلك، وفشا في بني إسرائيل أنَّ الجنَّ تعلم الغيب، فبَعث سليمان ﵇ في الناس، وجَمع تلك الكتب وجعلها في صندوق ودفنها تحت كرسيه وقال: لا أسمع أحدًا يقول: إنَّ (الشياطين تعلم) (٣) الغيب إلا ضربتُ عنقه، فلما مات سليمان ضل الناس (٤) وذهب العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان ودفنَه الكتب، وخلف من بعدهم خلْفٌ، تمثَّل شيطان على صورة إنسان، فأتى نفرًا من بني إسرائيل وقال:
стр. 1416
هل أدلكم على كنزٍ لا تأكلونه أبدًا؟ قالوا: نعم، قال: فاحفروا تحت الكرسي، وذهب معهم فأراهم المكان، وقام ناحية، فقالوا: ادنُ، فقال: لا، ولكنِّي هاهنا، فإن لم تجدوه فاقتلوني، وذلك أنه لم يكن أحدٌ من الشياطين، يدنو من الكرسي إلا احترق، فحفروا فوجدوا تلك الكتب، فلمَّا أخرجوها قال الشيطان: إنَّ سليمان كان يضبط الجنَّ والإنس والشياطين والطير بهذا، ثم طار الشيطان وذهب، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرًا، واتَّخذ بنو إسرائيل تلك الكتب، فلذلك أكثر ما يوجد السحر في اليهود، فلما جاء محمد ﷺ خاصمته اليهود (١) فبرَّأ الله تعالى سليمان من (٢) ذلك وأنزل هذِه الآية (٣).
وقال عكرمة: كان سليمان ﵇ لا يُصبح يومًا إلا ينبُتُ (٤) في محرابه ببيت المقدس شجرة فيسألها ما اسمكِ؟ فتقول (٥):
стр. 1417
اسمي كذا، وكذا فيقول: لأيِّ داءٍ أنتِ؟ فتقول: لكذا وكذا، فيأمر (١) بها فتُقطع وتُرفعُ في الخزانة، وَيغْرِسُ منها (٢) في البساتين، حتى نبتت الخرنوبة (٣) الشاميَّة فقال لها: ما أنتِ؟ قالت: أنا الخرنوبة. قال: لأي شيءٍ نبتِّ؟ قالت: لِخراب مسجدك. قال سليمان ﵇ ما كان الله ليُخربه وأنا حيٌّ، أنتِ الذي (٤) على وجهكِ هلاكي وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائطه (٥)، فلم يلبث أن تُوفي، فجعل الناس يقولون (٦) في مرضاهم: لو كان لنا (٧) مثل سليمان، فكتبت الشياطين كتابًا وجعلوه في مصلى سليمان، فقالوا للناس (٨): نحنُ ندلكم على ما كان سليمان يُداوي به، فانطلقوا فاستخرجوا ذلك الكتاب، فإذا فيه سحرٌ ورُقى، فأنزل الله عُذر سليمان وفعلَ
стр. 1418
الشياطين واليهود على نبيِّه محمد ﷺ (١).
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ بالسحر، فإنَّ السحر كُفرٌ ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾: قرأ أهل الكوفة والشام غير عاصم (٢) بتخفيف النون ورفع الشياطين. وكذلك في الأنفال ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٣)، والباقون: بالتشديد، ونصب ما
стр. 1419
بعدَه (١).
﴿وَلَكِنَّ﴾: كلمة لها معنيان: نفي الخبر الماضي وإثبات الخبر المستقبل، وهي مبنَّية من (٢) ثلاث كلمات (٣): لا، كَ، إنْ: (لا) نفْيٌ، والكاف: خطاب، و (إنْ): إثباتٌ وتحقيقٌ، فذهبت الهمزة استثقالًا، وهي تُثقَّل وتُخفَّف، فإذا ثقَّلتَ نَصَبت بها (٤) ما بعدها من الأسماء كما تنصب بـ (إنَّ) الثقيلة وإذا (٥) خففتها رفعتَ بها، كما ترفع بـ (إنْ) الخفيفة (٦).
﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾: قال بعضهم: السحر: العلم والحذق بالشيء، قال الله : ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ (٧) أي: العالم.
وقال بعضهم: هو التمويه بالشيء حتى يتوهَّم المتوهم أنَّه شيءٌ، ولا حقيقة له، كالسَّراب غرَّ من يراه (٨)، وأخْلَفَ من رَجاه. قال الله
стр. 1420
تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (١).
﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ محل: (ما) نصبٌ بإيقاع التعليم عليه، معناه: ويعلِّمون الذي أُنزل على الملكين، أي: علمًا وإلهامًا، ويجوز أن يكون نصبًا بالاتباع وتقديره: واتبعوا ما أُنزل على الملكين، وجعل بعضهم (ما) جحدًا، وحينئذ لا محل له، يعني: ولم ينزل السحرُ على الملكين كما تزعم اليهود، وإنَّما يعلمونه من ذات أنفسهم، والقول الأول أصحُّ (٢).
وقرأ ابن عباس والحسن والضحاك ويحيى بن أبي كثير: (الملِكين) -بكسر اللام (٣) -، قال (٤): وهما رجلان ساحران (كانا ببابل) (٥)، لأنَّ الملائكة لا يعلِّمون الناس السحر (٦).
стр. 1421
وفسَّرها (١) الحسن فقال: عِلجان كانا (٢) ببابل (٣).
وهي بابل العراق، وسُمِّيت: بابل؛ لتبلبل الألسنة بها عند سقوط صرح نمروذ أي: تفرّقها.
قال الخليل بن أحمد: إنَّما سمِّيت: بابل، لأنَّ الله تعالى حين أراد أن يخالف بين ألسنة بني آدم بحث ريحًا فحشرتهم من كلِّ أفق إلى بابل، فبلبل الله ألسنتهم، فلم يدر أحدٌ (٤) ما يقول الآخر، ثم فرقتهم تلك الريح في البلاد، وهو لا ينصرف؛ لأنه اسم موضع عجَمي (٥) معروف (٦).
стр. 1422
стр. 1423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1424
أنَّ الملائكة رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة وذنوبهم الكثيرة، وذلك في زمن إدريس، فعيَّروهم بذلك ودعَتْ عليهم، وقالوا: هؤلاء الذين جعلتهم في الأرض واخترتَهم فهم يعصونك! قال الله لهم: لو أنزلتكم إلى (١) الأرض، وركَّبت فيكم ما ركَّبتُ فيهم لارتكبتم ما ارتكبوا. فقالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نعصيك، قال الله تعالى: فاختاروا ملَكين من خياركم أُهبطهما إلى الأرض، فاختاروا هاروت وماروت وكانا من أصلح الملائكة وأعبدهم.
стр. 1425
قال الكلبي: قال الله تعالى لهم: اختاروا ثلاثة (فاختاروا عزًّا (١) وهو هاروت، وعزايا وهو ماروت -وغُيِّر اسمهما لمَّا قارفا الذنب، كما غُيِّر اسم إبليس- وعزائيل، فركَّب الله فيهم الشهوة التي ركَّبها في بني آدم، وأهبطهم إلى الأرض وأمرهم أنْ يحكموا بين الناس، ونهاهم عن الشرك والقتل بغير حق والزنا وشرب الخمر، فأمَّا عزائيل فإنه لما وقعت الشهوة في قلبه استقال ربَّه وسأله أن يرفعه إلى السماء، فأقاله ورفعه، فسجد أربعين سنة، ثم رفع رأسه ولم يزل بعد) (٢) ذلك مطأطئًا رأسه حياءً من الله تعالى. وأما الآخران: فإنَّهما ثبتا على ذلك، وكانا يقضيان بين الناس يومهما، فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء.
قال قتادة: فما مرَّ عليهما أشهر (٣) حتى افتتنا.
قالوا جميعًا: وذلك أنه اختصم إليهما ذات يوم الزُّهْرة، وكانت من أجمل النساء. قال على ﵁: وكانت من أهل فارس (٤)، وكانت
стр. 1426
ملكةً في بلدها، فلما رأياها أخذت بقلوبهما (١)، فراوداها عن نفسها، فأبت، وانصرفت، ثم عادت في اليوم الثاني ففعلا مثل ذلك، فأبت، وقالت: لا إلا أن تعبدا ما أعبد وتصلِّيا لهذا الصنم، وتقتلا النفس، وتشربا الخمر، فقالا: لا سبيل إلى هذِه الأشياء، فإنَّ الله نهانا عنها، فانصرفت ثم عادت في اليوم الثالث ومعها قدح من خمر، وفي أنفسهما من الميل إليها ما فيها، فراوداها عن نفسها، فعَرَضت عليهما ما قالت بالأمس، فقالا: الصلاة لغير الله عظيم، وقتل النفس عظيم، وأهون الثلاثة شرب الخمر، فشربا الخمر (٢)، فانتشيا (ووقعا بالمرأة) (٣) وزنيا، فلمَّا فرَغَا، رآهما إنسان فقتلاه. قال الربيع بن أنس: وسجدا للصنم، فمسخ الله الزهرة كوكبًا.
وقال على بن أبي طالب والسدي والكلبي: إنَّها قالت لهما: لن تدركاني حتى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء، فقالا: باسم الله الأكبر، قالت: فما أنتما مدركاني حتى تعلمانيه، فقال أحدهما لصاحبه: علِّمها، فقال: إنِّي أخاف الله، قال الآخر: فأين رحمة الله، فعلماها ذلك، فتكلمت به وصعدت إلى السماء فمسخها الله كوكبًا.
فعلى قول هؤلاء هي الزهرة بعينها. وقيَّدوها فقالوا: هي هذِه الكوكبة الحمراء، واسمها بالفارسيَّة: ناهيذ وبالنبطيَّة: بَيْدُخْت يدل
стр. 1427
стр. 1428
стр. 1429
стр. 1430
стр. 1431
وروى أبو عثمان النهدي، عن ابن عباس أنَّ المرأة التي فُتِنَ بها الملكان مُسخت، فهي هذِه الكوكبة الحمراء، يعني: الزهرة (١). قال: وكان يسميها بَيْدُخْت (٢).
وأنكر الآخرون هذا القول، وقالوا: إنَّ الزُّهرة من الكواكب السبعة السيارة التي جعلها الله تعالى قِوامًا للعالم، وأقسمَ بها، فقال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ (٣) وإنما كانت هذِه التي فتنت هاروت وماروت امرأةً كانت (٤) تُسمى زُهرة من جمالها، فلما بغت مسخها (٥) الله شهابًا، فلمَّا رأى رسول الله ﷺ الزهرة ذكر هذِه المرأة لموافقة الاسمين فلعنها، وكذلك سُهيل العَشَّار كان
стр. 1432
стр. 1433
قالوا: فلمَّا أمسى هاروت وماروت بعدَ مَا قارَفا الذنب همَّا بالصعود إلى السماء فلم تطاوعهما أجنحتهما، فعلِمَا ما حلَّ بهما، فقصدا إدريس النبي ﵇ وأخبراه بأمرهما، وسألاه أن يشفع لهما إلى الله ، وقالا له (١): إنا رأيناك يصعد لك من العبادة مثل ما يصعد لجميع أهل الأرض، فاستشفع لنا إلى ربك، ففعل ذلك إدريس ﵇ فخيَّرهما الله بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، إذ علما أنَّه ينقطع، فهما ببابل يُعذَّبان (٢).
стр. 1434
واختلف العلماء في كيفية عذابهما.
فقال عبد الله بن مسعود: هما (١) معلقان بشعورهما إلى قيام الساعة (٢).
وقال قتادة: كُبلا من أقدامهما إلى أصول أفخاذهما (٣). وقال مجاهد: إن جُبًّا مُلئت نارًا فجعلا فيها (٤).
وقال خصيف: معلقان منكَّسان في السلاسل (٥). وقال عمير بن سعد (٦): منكوسان يضربان بسياط الحديد (٧).
ويُروى (٨): أن رجلًا أراد تعلم السحر، فقصد هاروت وماروت
стр. 1435
فوجدهما معلقين بأرجلهما مزرقةً أعينهما، مسودة جلودهما (١) ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلا قدر أربع أصابع، وهما يعذَّبان بالعطش، فلمَّا رأى (٢) ذلك هاله مكانهما فقال: لا إله إلا الله، وقد نُهي عن ذكر الله ، فلما سمِعَا كلامه قالا (٣): من أنتَ؟ قال: رجل من الناس.
قالا: ومن أيِّ أمَّةٍ أنت؟ قال: من أمَّة محمد ﷺ ، قالا: وقد بُعث (٤) محمد؟ قال: نعم، قالا: الحمد لله، وأظهرا الاستبشار، قال الرجل: وممَّ استبشاركما؟ قالا: إنَّه نبي الساعة، وقد دَنا انقضاء عذابنا (٥).
قالوا: ومِن ثمَّ استغفار الملائكة لبني آدم.
[٢٨٨] أخبرنا أبو المكارم ناصر بن محمد الأنصاري (٦) قال: نا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطَّار (٧)،
стр. 1436
стр. 1437
стр. 1438
أُوقِد عليها ألف عام حتى اسودّت، فهي سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها (١)، والذي بعثك بالحق لو أنَّ ثوبًا من ثياب أهل النار أظهر لأهل الأرض لماتوا جميعًا، ولو أنَّ ذنوبًا من شرابها صُبَّ في ماء الأرض جميعًا لقتَل من ذاقَهُ، ولو أنَّ ذراعًا من السلسلة التي ذكرها الله وضع على جبال الأرض جميعًا لذابت وما اشتعلتْ، ولو أنَّ رجلًا دخل النار ثم أخرج منها لمات أهل الأرض من نتنِ ريحه، وتشويه خَلْقِهِ، وعظمِه. فبكى النبي ﷺ ، وبكى جبريل لبكائه، وقال: أتبكي يا محمد وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، فقال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا، ولمَ بكيتَ يا جبريل وأنت الروح الأمين، أمين الله على وحيه؟ " قال: أخاف أن أُبتلى بما (٢) ابتُلي به هاروت وماروت، فهو الذي منعني عن اتكالي على منزلتي عند ربي فأكون قد أمنت مكره، فلم يزالا يبكيان حتى نُوديا من السماء أنْ يا جبريل ويا محمد إنَّ الله قد أمَّنكما أن تعصياه فيعذبكما، ففضل محمد ﷺ على (٣) الأنبياء، كفضل جبريل ﵇ على ملائكة السماء (٤).
стр. 1439
قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ﴾ يعني: الملكين. ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: أحدًا، "من" صلة، أي: لا يعلمان السحر أحدًا (١) ﴿حَتَّى﴾ ينصحاه أولًا وينهياه، ويقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أي: ابتلاء (٢) ومحنة ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ بتعلم السحر.
وأصل الفِتْنَةٌ الاختبار. تقول العرب: فتنتُ الذهب والفضَّة (٣) إذا أدخلتهما (٤) النار؛ لتعرف جودتهما (٥) من ردائتهما (٦)، وفَتنت الشمس الحجر إذا سوَّدته (٧).
وإنَّما وحَّد الفتنة وهما اثنان؛ لأنَّ الفتنة مصدر، والمصادر لا تُثَّنى ولا تُجمع، كقوله ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ (٨).
стр. 1440
وفي مصحف أبي: (وما يُعَلِّم الملكان من أحدٍ حتى يقولا إنما نحن فتنةٌ فلا تكفر سبعَ مرَّات).
وقال السدِّي وعطاء: فإن أبى إلا التعلم قالا له: ائت هذا الرماد فبُل عليه (١)، فيخرج منه نور ساطع في السماء، فتلك المعرفة، ويرى (٢) شيئًا أسود، حتى يدخل مسامعه شبه الدخان، وذلك غضب الله (٣).
قال مجاهد: إنَّ هاروت وماروت لا يصل إليهما أحد، ويختلف فيما بينهما شيطان في كل مسألة (٤) اختلافةً واحدة (٥).
قال يزيد بن الأصمّ (٦): سُئل المختار (٧): هل يرى اليوم