стр. 13756
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 18686
تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير
الثعلبي
Полный текст (16 476 стр.). Показаны 13756–13795 · переход к 13761.
стр. 13757
﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ أي: يوم الجزاء (١)، وقرأ ابن أبي إسحاق والجَحْدَرِي وعباس: (نزلهم) بإسكان الزاي (٢).
٥٧ - ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا﴾ أي: فهلَّا (٣).
﴿تُصَدِّقُونَ﴾ بالبعث كما تعلمون إنَّ الله خالقكم (٤).
٥٨ - قوله : ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨)﴾
ما تصبون في الأرحام من المنيّ (٥) وقرأ أبو السَّمّال، ومحمد بن
стр. 13758
السَميفع وأشهب العقيلي: (ما تَمْنُون) بفتح التاء، وهما لغتان (١).
٥٩ - ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تصورون منه الإنسان (٢).
﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ المقدرون المصورون (٣).
٦٠ - ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا﴾
قرأ مجاهد، وحميد، وابن مُحيصِنْ، وابن كثير (قدرنا) مخففا (٤)، وشدَّد الباقون، أي: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا﴾ (٥).
стр. 13759
﴿بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ فمنكم من يعيش إلى أن يبلغ الهرم، ومنكم من يموت شابًّا وصبيًّا وصغيرًا (١)، وعن الضحاك ساوى بين أهل السماء وأهل الأرض (٢).
وقيل: كتبنا على مقدار سواءٍ لا زيادة فيه ولا نقصان (٣).
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ بمغلوبين عن إهلاككم وإبدالكم بأمثالكم (٤) فذلك قوله:
٦١ - ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ﴾ ونخلقكم.
﴿فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من الصور (٥).
قال مجاهد: في أي خلق نشاء، يقول: نغير خلقكم كيف نشاء (٦)
стр. 13760
وقيل: نبعثكم في وقت لا تعلمون به (١).
وقال سعيد بن المسيب: في قوله: ﴿فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني: في حواصل طير سود، تكون ببرَهُوتُ (٢) كأنَّها الخطاطيفُ (٣) وبرهُوت وادٍ باليَمَن (٤).
وقال الحسن: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)﴾ أي: نبدل صفاتكم، ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم (٥).
وقال السدي: ونخلقكم في سوء خُلقكم (٦).
وقيل: هذا على النشأة الثانية يقول: نعيدكم في الآخرة لا تعلمون كيفية ذلك (٧).
стр. 13761
٦٢ - ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ خلق آدم (١).
وقيل: النشأة الأولى الخلقة الأولى، نطفة ثم عَلَقَة ثم مضغة، ولم تكونوا شيئًا (٢).
﴿فَلَوْلَا﴾ أي: فهلَّا (٣) ﴿تَذَكَّرُونَ﴾.
قراءة العامة: ﴿النَّشْأَةَ﴾ بالقصر (٤).
وقرأ الحسن، ومجاهد، وابن كثير، وحميد، وابن محيَصِنْ، وأبو عمرو، والجَحْدَري ﴿النَّشْأَةَ﴾ بالمد (٥)، وقد تقدم هذا.
وقوله: ﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: فهلا تتدبَّرون وتتفكرون أني قادر على إعادتكم كما كنت قادرًا على إبدائكم (٦).
وقال الحسين بن الفضل في هذا الوجه: وهذِه وإن كانت غير مردودة فالذي عندي في هذِه الآية: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)﴾
стр. 13762
من كيفية ذلك، ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ أي: نخلقكم للبعث بعد الموت من حيث لا تعلمون كيف شئتُ، وذلك أنّكم علمتم النشأة الأولى كيف كانت في بطون الأمهات، إنَّا أنشأناكم وقدرناكم وصوَّرناكم ونقلناكم من حالة إلى حالة، فليست النشأة الأخرى بأعجب من الأولى، وفيه دليل على صحة القياس، لأنَّه علَّمهم الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الأخرى (١).
٦٣ - قوله : ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾
أي: تثيرون الأرض وتعملون فيها وتطرحون من البذر (٢).
٦٤ - ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أي: تُنبتونه (٣).
﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ أي: المنبتون له (٤).
[٣٠١٣] أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين (٥)، قال: حدثنا عمر (٦) بن محمد بن علي، الزيات، حدثنا أبو عبد الله أحمد
стр. 13763
ابن عبد الرحمن بن مرزوق (١)، قال: حدثنا مسلم بن أبي مسلم الجرميّ (٢)، قال: حدثنا مخلد بن الحسين (٣)، عن هشام بن حسان (٤)، عن محمد ابن سيرين (٥)، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يقولنَّ أحدكم: زرعتُ وليقل: حرثتُ؛ فإنَّ الزارع الله"، قال أبو هريرة ﵁: ألم تسمعوا قول الله : ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ (٦).
٦٥ - ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ هشيمًا لا ينتفع به في مطعم ولا غذاء (٧).
стр. 13764
وقال مُرة الهمداني: نبتًا لا قمح فيه (١) (فظلتم) قراءة العامة بفتح الظاء، وقرأ عبد الله (فَظِلْتُم) بكسرها (٢)، والأصل: ظلَلتُمْ، فحذف إحدى اللامين تخفيفًا (٣) فمن فتح فعلى الأصل، ومن كسر فعلى نقل حركة اللام المحذوفة إلى الظاء (٤).
﴿تَفَكَّهُونَ﴾ قال يمان: تندمون على نفقاتكم (٥).
دليله: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ (٦)، وقال قتادة: تتعجبون مما نزل بكم (٧).
стр. 13765
стр. 13766
وقال الفراء: تفكَّهون وتفَكَّنُونَ (١)، والحد (٢) والنون لغة عكل (٣).
وقيل: التفكُّه: التكلم فيما لا يعنيك، ومنه قيل للمزاح فُكَاهة (٤).
٦٦ - ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦)﴾
قرأ المفضَّل وأبو بكر (أإنا) بهمزتين على الاستفهام (٥)، ورواه عاصم عن زر بن حُبيش. وقرأ الباقون بهمزة واحدة على الخبر، أي: ويقولون: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ (٦).
стр. 13767
стр. 13768
وقال مُرَّة الهمْداني: محاسبون (١).
٦٧ - ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾
أي: محدودون ممنوعون معناه رزقنا محارَفُون (٢) والمحروم ضد المرزوق (٣)، وعن أنس ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ مرَّ بأرض للأنصار فقال: "ما يمنعكم من الحرث بها" قالوا: الجذوبة، قال: "فلا تفعلوا فإنَّ الله يقول: أنَّا الزارع إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعتُ بالريح، وإن شئت زرعتُ بالبذر". ثم تلا: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ (٤).
٦٨ - قوله : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨)﴾ يعني: المطر (٥).
٦٩ - ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ يعني: السحاب، واحدها مرنة (٦).
стр. 13769
قال الشاعر:
فنحنُ كماءِ المُزن ما في نِصابِنا ... كَهَامٌ (١) ولا فينا يُعدُّ بخيلُ (٢)
﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ الماء من السحاب (٣).
٧٠ - ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ (٤).
قال ابن عباس ﵄: شديد الملوحة (٥).
وقال الحسن: مُرًّا زعاقًا (٦).
﴿فَلَوْلَا﴾ أي: فهلَّا. ﴿تَشْكُرُونَ﴾ الَّذي صنع ذلك بكم (٧).
стр. 13770
٧١ - قوله : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)﴾
أي: تقدحونَ وتَستخرجون من زَنْدكم (١) يقال: أوْريت النَّار إذا قدحتها، وورى الزَّنْدُ يَري: إذا انقدح منه النار (٢).
٧٢ - ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ﴾ خلقتم.
﴿شَجَرَتَهَا﴾ التي تقدح منها النار وهي المرْخُ (٣) والعَفَار (٤) (٥).
﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ المخترعون الخالقون (٦).
٧٣ - ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا﴾ يعني: نار الدنيا (٧).
стр. 13771
﴿تَذْكِرَةً﴾ للنار الكبرى (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "ناركم هذِه التي يُوقد بنو آدم جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم"، فقالوا: يا رسول الله ﷺ : إن كانت لكافيةً، قال: "فإنَّها فضلت عليها بتسعة وستين جُزءا كلهنَّ مثل حرِّها" (٢).
﴿وَمَتَاعًا﴾ بُلغة ومنفعة (٣).
﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ للمسافرين (٤)، سمُّوا بذلك لنزولهم في الأرض
стр. 13772
стр. 13773
وقال عنترة:
حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تقَادَمَ عَهْدُهُ ... أقْوى وأقْفَر بَعد أُمِّ الهَيْثَم (١)
قاله أكثر المفسرين (٢).
وقال مجاهد: (للمقوين) للمستمتعين بها من الناس أجمعين المسافرين والحاضرين يستضاء بها في الظلمة، ويصطلي بها في البرد، وينتفع بها في الطبخ والخبز (٣) والاصطلاء والإضاءة، ويتذكر بها نار جهنم فيستجار بالله منها (٤).
وقال ابن زيد: للجائعين (٥).
стр. 13774
يقول العرب: ما أقويت منذ كذا وكذا أي: ما أكلت شيئاً (١).
وقال الربيع والسدي: للمنزلين المقترين (٢) المرملين الذين لا زاد معهم، يعني: ناراً يوقدون فيختبزون بها، وهي رواية العوفي عن ابن عباس ﵄ (٣).
وقال قُطرب: المُقْوِي من الأضداد، يكون بمعنى الفقر، وبمعنى الغنى (٤) يقال: أقوى الرجل إذا لم يكن معه زاد، وأقوى إذا قويت دوابه وكثر ماله (٥).
وقيل: الذين ذهبت أزوادهم (٦).
٧٤ - ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾
أي: نزه ربك وبرئه مِمَّا يقول هؤلاء فيه تعالى (٧).
стр. 13775
٧٥ - قوله : ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾
أي: فأقسم (١) و (لا) صلةٌ قاله أكثر المفسرين (٢)، وتصديقه قراءة عيسى بن عُمر، وحُميد (فلأُقْسِمُ) على التحقيق (٣)، وقال بعض أهل العربية: (لا) نفيٌ معناه: ليس الأمر كما يقول هؤلاء، ثمَّ أستأنف القسم، فقال: أُقْسِمُ (٤) ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ قال ابن عباس ﵄: هي نجوم القرآن لأنَّه نزل على رسول الله ﷺ نجوماً (٥).
وقال قتادة: يعني بمساقط النجوم ومغايبها (٦).
стр. 13776
وقال عطاء بن أبي رباح: منازلها (١).
وقال الحسن: انكدراها وانتثارها يوم القيامة (٢).
قرأ عبد الله بن مسعود ﵁ وإبراهيم والأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وخلف وابن محيصن وحميد وابن أبي إسحاق، ورُويس عن يعقوب: ﴿بِمَوْقِعِ﴾ على التوحيد (٣)، وقرأ الباقون: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ على الجمع (٤)، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم فمن وحَّد فلأنَّ ذلك يؤدي عن الجمع، ومن جمع فلأنَّه أشيع وأليق،
стр. 13777
بما جاء فيه عن المفسرين (١).
٧٦ - ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ لحلف.
﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ كبير لو علمتم قدر ما أقسم الله به (٢).
٧٧ - ﴿إِنَّهُ﴾ هذا الكتاب وهو جواب القسم (٣).
﴿لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ حسن مكرم عزيز (٤).
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: غير مخلوق (٥).
وقيل: سمي كريماً، لأنَّ يسره يغلب عسره (٦).
٧٨ - ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾
مصون عند الله (٧) محفوظ عن الشياطين وعن جميع ما يشين (٨).
стр. 13778
стр. 13779
[٣٠١٤] أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمَّد الأصبهاني (١) قراءة عليه في شهور سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمَّد بن الحسن بن الشرقي (٢)، قال: حدثنا محمَّد بن الحسين بن طرخان (٣)، قال: حدثنا سعيد بن منصور (٤)، قال: حدثنا أبو الأحوص (٥)، عن عاصم الأحول (٦)، عن أنس ﵁ في قوله تعالى ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قال: الملائكة (٧).
[٣٠١٥] وأخبرنا أبو بكر بن عبدوس (٨)، قال: حدثنا أبو الحسن بن محفوظ (٩)، قال: حدثنا عبد الله بن هاشم (١٠)،
стр. 13780
قال: حدثنا عبد الرحمن (١)، عن سفيان (٢)، عن الربيع (٣)، عن سعيد بن جبير (٤) ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قال: الملائكة الذين في السماء (٥).
وقال أبو العالية وابن زيد: ليسوا أنتم أصحاب الذنوب، وإنَّما هم الذين طُهِّروا من الذنوب؛ كالرسل من الملائكة، والرسل من بني آدم، فجبريل النازل به مطهر ﵇، والرسل الذين يجيئهم بذلك مُطهَّرون (٦).
وقال ابن عباس ﵄: لا يمسه إلاَّ المطهرون من الشرك (٧).
стр. 13781
وقال عكرمة: هم حَملَةَ التوراة والإنجيل (١).
قال قتادة: لا يمسه إلا المطهرون عند الله تعالى، فأمَّا في الدنيا فيمسه الكافر النجس والمنافق النجس (٢).
وروى حيان عن الكلبي: هم السَّفرَة الكرام البرَرة (٣).
وقال محمَّد بن فضيل: عنه لا يقرؤه إلَّا الموحِّدون (٤).
وقال عكرمة: كان ابن عباس ﵄ ينهى أن يُمَكَّنَ أحدٌ من اليهود والنصارى من قراءة القرآن (٥).
وقال الفرَّاء: لا يجد طعمه ونفعه إلَّا من آمن به (٦).
وقال الحسين بن الفضل: لا يعرف تفسيره وتأويله إلَّا من طهَّره الله من الشرك والنفاق (٧).
وقال أبو بكر الورَّاق: لا يوفق للعمل به إلَّا السُّعداء (٨).
стр. 13782
وقال أبو العباس بن عطاء: لا يفهم حقائق القرآن ودقائقه إلَّا من طهر سِرُّه عند الأبرار من الأقذار (١).
وقال الجنيد: هم الذين طَهُرَ سرهم عما سوى الله (٢).
وقيل: لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث والجنايات والنجاسات (٣) وردوا الهاء في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ إلى القرآن (٤).
وقالوا: أراد بالقرآن: المصحف، وسمَّاه قرآناً على قرب الجوار والاتساع (٥).
كما روي في الخبر الصحيح، أنَّ رسول الله ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم (٦).
وظاهر الآية نفي، ومعناها نهي، كقوله تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ
стр. 13783
بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ (١) ونحو هذا، واستدلوا بهذِه الآية على منع الجنب والحائض والمحدث من مس المصحف وحمله، وقالوا: لا يجوز لأحدٍ حمل المصحف ولا مسُّه حتى يكون على صفة تجوز له الصلاة.
وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء (٢)، وقاله على وسعد بن أبي وقَّاص، وسعيد بن زيد، وابن مسعود ﵃، وعطاء والزهري، ومالك، والشافعي ﵏، إلَّا أنَّ أبا حنيفة ﵀ لم يمنع من حمله بعلَّاقة أو مسّه بحائل، والاختيار أنَّه ممنوع منه، لأنَّه إذا حمله بجلده فإنَّما حمله بحائل ومع هذا يمنع منه (٣).
وذهب الحكم، وحمَّاد، وداود بن علي إلى أنَّه لا بأس يحمل المصحف ومسه على أي صفة كانت، سواء كان طاهراً أو غير طاهر مؤمناً كان أو كافراً (٤)، إلَّا أنَّ داود قال: لا يجوز للمشرك حمل المصحف (٥).
والدليل على أنَّه لا يحمل المصحف ولا يمسه إلَّا طاهر: ما روى
стр. 13784
стр. 13785
وروى سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا تمس القرآن إلَّا وأنت طاهر" (١)، ولأنَّه إجماع الصحابة ﵃.
روي أنَّ عليًّا ﵁ سُئل: أيمس المحدث المصحف؟ فقال: لا (٢)، وروي أنَّ مصعب بن سعد بن أبي وقاص كان يقرأ من المصحف فأدخل يده فَحَلَّ ذَكَرَه، فأخذ أبوه المصحف من يدِه، وقال: قم فتوضأ ثمَّ خذه (٣)، ولا مخالف لهما في الصحابة.
стр. 13786
وقال عطاء: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قال: لا يقلب الورق من المصحف إلَّا المتوضئ (١).
واستدل المبيحون بكتاب رسول الله ﷺ إلى قيصر وفيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية.
واختار الفقهاء ذلك إذا دعت ضرورة إليه وحمله عذر عليه فلا حجة فيه (٢)، وأما مسّ الصبيان إياه فلأصحابنا فيه وجهان:
أحدهما: أنَّهم يمنعون منه كالبالغين اعتباراً لهم.
والثاني: لا يُمنعون لمعنيين.
أحدهما: أنَّ الصبيَّ لو منع من ذلك أدى أن لا يتلقن القرآن ولا يتعلَّمه ولا يحفظه، لأنَّ وقف تعلمه وحفظه حال الصغر.
والثاني: أنَّ الصبيَّ وإن كانت له طهارة فليست بكاملة؛ لأنَّ النيَّة لا تصح منه، وإذا جاز أن يحمله على طهر غير كامل جاز أن يحمله محدثاً (٣) والله أعلم.
٨٠ - قوله : ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أي: منزل.
﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فسمي المنزَّل: تنزيلاً على اتساع اللغة، كما
стр. 13787
تقول المقدور: قَدَرٌ، والمخلوق خَلْق (١)، وهذا الدرهم ضَرْبُ الأميرِ (٢)، ووزن سبعة دراهم ونحوها ..
وقيل: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ صفة لقوله: ﴿لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾.
قيل: هو تنزيل (٣).
٨١ - ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني: القرآن (٤).
﴿أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾. قال ابن عباس ﵄ وعطاء: مكذبون (٥).
وقال مقاتل بن سليمان، وقتادة: كافرون (٦)، ونظيره: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (٧).
стр. 13788
قال ابن كيسان: المدهن الذي لا يفعل ما يحق عليه ويدفعه بالعلل (١).
وقال المؤرِّج؛ المُدهِن المنافق الذي يُليِّن جانبه ليُخفِي كفره (٢).
وأدْهَنَ وَدَاهَن واحد، وأصله من الدَّهَن (٣).
وقال مجاهد: يريدون أن تمالئوهم فيه، وتركنوا إليهم (٤).
وقال بعض أئمة اللغويين: مُدهِنُون، تاركون للحزم في قبول القرآن والتهاون بأمره، ومداهنة العدو وملاينته فيما يجب من مغالظته، وأصله من اللين والضعف (٥).
قال أبو قيس بن الأسلت: الحزم والقوة خير من الإدْهَان والعهد والهاع (٦).
стр. 13789
٨٢ - ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي: حظكم ونصيبكم من القرآن (١).
﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾.
قال الحسن: في هذِه الآية خسر عبدٌ لا يكون حظه من كتاب الله تعالى إلا التكذيب به (٢).
وقال آخرون: هذا في الاستسقاء بالأنواء (٣).
قال عطاء: كانوا يمطرون فيقولون مطرنا بنوء كذا، وصدق نوء كذا (٤).
[٣٠١٦] أنبأني عبد الله بن حامد (٥)، قال: حدثنا محمَّد بن الحسين (٦)، قال: حدثنا أحمد بن يوسف (٧)، قال: حدثنا النَّضر بن
стр. 13790
محمَّد (١)، قال: حدثنا عكرمة (٢)، قال: حدثنا أبو زميل (٣)، قال: حدثنا ابن عباس ﵄ قال: مُطر الناسُ على عهد النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر، فمنهم من يقول: هذِه رحمة وضعها الله حيث شاء، ومنهم من يقول: صدق نوء كذا وكذا" قال: فنزلت هذِه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (٤).
وشرح قول ابن عباس ﵄ في سبب نزول هذِه الآية، ما روي عنه أنَّ النبي ﷺ خرج في سفر فأصابهم العطش وليس معهم ماء، فذكروا ذلك للنبيَّ ﷺ فقال: "أرأيتم إن دعوت الله لكم فسقُيتم فلعلَّكم تقولون: سقينا هذا المطر بنوء كذا وكذا" فقالوا: يا رسول الله: ما
стр. 13791
هذا بحين الأَنْواء، قال: فصلى ركعتين ودعا ربَّه، فهاجت ريحٌ ثمَّ هاجت سحابة، فمُطرنا حتى سالت الأودية، وملؤوا الأسقية، ثمَّ ركب النبي ﷺ فمرَّ ومعه عصابة من أصحابه برجل يغترف بقدح له، وهو يقول: سُقينا بنوء كذا وكذا، ولم يقل هذا من رزق الله، فأنزل الله : ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ (١) أي: شكركم الله على رزقه إياكم أنَّكم تكذبون بالنعمة (٢)، ويقولون: سُقينا بنَوء كذا وكذا، وهذا كقول القائل: جعلت إحساني إليك إساءة منك إليَّ، وجعلت شكر إكرامي لك أنَّك اتَّخذتني عدوًّا (٣)، فمجاز الآية: وتجعلون شكر رزقكم، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٤) ونحوها (٥).
قال الشاعر:
فكأنَّ شكر القوم عند المُنَى ... كيُّ الصحيحات وفقْءُ الأعينِ (٦)
стр. 13792
стр. 13793
وعن الهيثم بن عدي أنَّه قال: إنَّ من لغة أَزْد شَنُوءَة، ما رزقُ فلان؟ أي: ما شُكْرُ (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله : ما أنعمت على عبادي من نعمة إلَّا أصبح فريقٌ منهم بها كافرين"، قالوا: وكيف يا رسول الله؟ قال: "ينزل الله الغيث، فيقولون بعضهم: مُطرنا بنوء كذا، وصدق كوكب كذا" (٢).
وروى أبو هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ قالا: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحُدَيبية (٣) في أثَر سماء كانت من الليل، ثمَّ التفت إلينا، فقال: "أتدرون ماذا قال ربكم"؟ قلنا: الله ورسوله
стр. 13794
أعلم، قال: "قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر، فمن قال: مُطرنا بنوء كذا فذلك كافرٌ بي ومؤمنٌ بالكوكب، ومن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمنٌ بي وكافرٌ بالكوكب" (١).
[٣٠١٨] وأنبأني عقيل (٢)، قال: حدثنا المعافى بن المبتلى (٣)، قال: أخبرنا محمَّد بن جرير (٤)، قال: حدثني بشر بن يونس (٥)، قال: حدثنا سفيان (٦)، عن محمَّد بن إسحاق (٧)، عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي (٨)، عن أبي سلمة (٩)، عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله ليصبح عباده بالنعمة، أو
стр. 13795
يمسيهم بها فيصبح قوم كافرين يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا" (١).
[٣٠١٨/ ٢] قال محمَّد (٢): فذكرت هذا الحديث لسعيد بن المسيب (٣)، فقال: ونحن قد سمعنا من أبي هريرة، قد أخبرني من شهد عمر بن الخطاب ﵁ -وهو يستسقي، فلما استسقى التفت إلى العباس ﵁ فقال: يا عم رسول الله كم بقي من نَوء الثريا؟ فقال: العلماء يزعمون أنَّها تعترض في الأفق سبعاً بعد سقوطها، قال: فما مضت سابعة حتى مُطروا، فقال عمر ﵁: الحمد لله هذا بفضل الله ورحمته (٤).
[٣٠١٩] أخبرنا عبد الله بن حامد (٥)، قال: أنبأنا محمَّد بن