← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 13896–13935 · переход к 13901.

стр. 13896

ما فاتهم منه (١). وعن ابن مسعود ﵁: أنَّ نبيَّ الله ﷺ قال: "لا يجِد أحدُكم طعم الإيمان حتى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه"، ثم قرأ: ٢٣ - ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ (٢). أي: لا تحزنوا على شيء فاتكم من الدنيا، فإتَّه لم يقدر لكم، ولو قدر لكم لم يفتكم، ﴿وَلَا تَفْرَحُوا﴾ وهو الفرح الذي يختال فيه صاحبه (٣) بدليل قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: ذو خيلاء وكبر، والفخور الذي يعدد ما فيه كبر أو تطاولٌ (٤). وقيل: الفرح البَطَرُ والأَشَرُ (٥) وقوله: ﴿بِمَا آتَاكُمْ﴾ قراءة

стр. 13897

العامة بمد الألف (١)، أي: الذي أعطاكم من الدنيا، لأنَّه لم يكن يزويه عنكم، واختاره أبو حاتم (٢). وقرأ أبو العالية ونصر (٣) بن عاصم وأبو عمرو ﴿آتَاكُمْ﴾ بقصر الألف (٤). الذي، أي: جاءكم، واختاره أبو عبيد ليكون الفعل للغائب والآتي، ويتفق الكلام بعضه بعضًا، وتصديقه في آل عمران (٥) ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ (٦)، ولأنَّ الفعل في قوله: ﴿عَلَى مَا

стр. 13898

فَاتَكُمْ﴾ مردود على ﴿مَا﴾ فكذلك في هذا، ألا تراه قال: ﴿فَاتَكُمْ﴾ ولم يقل أفاتكم (١). وقال عكرمة عن ابن عباس ﵄: ليس أحد إلاَّ وهو يفرح ويحزن فاجعلوا الفَرح شكرًا والحزن صبرًا (٢). ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ متكبر بما أوتي من الدنيا فخور به على الناس (٣). وعن ابن مسعود ﵁ أنَّه قال: لأن أجلس على جمَرةٍ أحرقت ما أحرقت وأبقت ما أبقت، أحب إليَّ من أن أقول لشيء كان ليته لم يكن أولشيءلم يكن ليته كان (٤). وقال جعفر الصادق بن محمد ﵀: يا ابن آدم تأسى وتأسف على مفقود لا يردّه إليك الفوت وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت (٥).

стр. 13899

وقيل لبزرجمهر (١): أيها الحكيم! ما لك لا تحزن على ما فات (٢) ولا تفرح بما هو آتٍ؟ قال: لأن الفائت لا يتلافى بالعَبْرَةِ، والآتي لا يستدام بالحَبْرةِ (٣) (٤). وقال الفضيل بن عياض ﵀ في هذا المعنى: الدنيا مُفيد ومُبيد فما أباد فلا رجعة له، وأما أفاد فقد أذن بالرحيل (٥). وقال الحسين بن الفضل: حمد الله المؤمنين بهذِه الآية على مضض الصبر على الفائت وترك الفرح بالآتي والرضا بقضائه تعالى في الحالين جميعًا (٦). وقال قتيبة بن سعيد: دخلت على بعض أحياء العرب فإذا أنا بفضاء (٧) من الأرض مملوءة من الإبل الموتى والجيف بحيث لا أحصي عددها، فسألت عجوزًا: لمن كانت هذِه الإبل؟ فأشارت إلى شيخ على تلٍّ يغزل الصوف، فقلت له: يا شيخ ألك كانت هذِه الإبل؟ قال: كانت باسمي، قلت: فما أصابها؟ قال: ارتجعها الذي أعطاها، وهي له وأنا له، قلت: فهل قلت في ذلك شيئًا (٨)، قال:

стр. 13900

نعم وأنشد: لا وَالَّذي أنا عبْدٌ من خلائقه ... وَالمَرْء في الدَّهر نَصْبَ الرُّزْءِ والمحن ما سرني أن إبلي في مَبَارِكها ... وما جرى من قضاء الله لم يكن (١) وقال سلام الخواص: من أراد أن يأكل الدارين فليدخل في مذهبنا عامين، فيضع الله تعالى بالدنيا والآخرة بين يديه. قيل: وما مذهبكم؟ قال: الرضا بالقضاء ومخالفة الهوى (٢). وأنشد: لا تطيل الحزن على فائت ... فقل ما يجدي عليك الحزن سيان محزون على ما مضى ... ومظهرٌ حزنًا لما لم يكن (٣) وقيل: المختال الذي ينظر إلى نفسه، والفخور الذي ينظر إلى الناس بعين الاستحقار، وكلاهما شرك خفي. والفخور بمنزلة المُصَرَّاةِ يُشَد أخلافها ليجتمع فيها اللبن، فيتوهم

стр. 13901

المشتري إنْ ذلك معتاد وليس كذلك، وكذلك الذي يرى من نفسه حالًا وزينةً، وهو في ذلك مدع فهو الفخور (١). ٢٤ - ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ قيل: هو في محل الخفض نعتًا للمختال (٢). وقيل: رفع الابتداء وخبره فيما بعده (٣). ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ قيل: هم رؤساء اليهود بخلوا أن يبينوا (٤) صفة النبي ﷺ في كتبهم، لئلا يؤمن به الناس فيذهب ملكهم (٥)، وأمروا قومهم بكتمانها (٦) يدل عليه قوله : ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ويجوز أن يكون لما حثَّ على الصدقة أعلمهم أنَّ الذين يبخلون بها ويأمرون الناس بالبخل بها فإنَّ الله غني عنهم (٧).

стр. 13902

قراءة العامة ﴿بِالْبُخْلِ﴾ بضم الباء وإسكان الخاء (١) وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ أنس وعبيد بن عُمير ويحيى بن يعمر ومجاهد، وحميد، وابن محيصن وحمزة والكسائي وخلف، والمفضل: (بالبَخَل) بفتحتين وهي لغة الأنصار (٢). وقرأ أبو العالية وابن السَّميْفع: (البَخْل) بفتح الباء وسكون الخاء. وروي عن نصر بن عاصم، بضمتين وكلها لغات مشهورة وقد ذكر هذا. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ عن طاعة الله وطاعة الرسول وبيان ما أنزل الله والنفقة في مرضاته تعالى (٣). ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. قرأ نافع وأبو جعفر وشيبة والأعرج والزهري وغيرهم من أهل المدينة وابن عامر وأبو حيوة والمغيرة وغيرهم من أهل الشام (فإنَّ الله الغني) بإسقاط هو وكذلك هو في مصاحفهم (٤).

стр. 13903

وقرأ غيرهم من أهل الكوفة والبصرة ومكة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لأنَّه كذلك في مصاحفهم (١) والزيادة فمن أسقط جعل ﴿الْغَنِيُّ﴾ خبر إنَّ و ﴿الْحَمِيدُ﴾ نعته، ومن أثبت فله مذهبان إما أن يكون ﴿هُوَ﴾ فصلًا أو مبتدأ و ﴿الْغَنِيُّ﴾ خبره والجملة خبر إنَّ (٢). ٢٥ - قوله : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالدلالات الواضحات (٣)، وقيل: الإخلاص لله تعالى في العبادة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلى ذلك دعت الرسل، نوح ﵇ فمن دونه إلى محمد ﷺ (٤). ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ أوحينا إليهم خبر ما كان قبلهم (٥). ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ العدل (٦).

стр. 13904

وقال ابن زيد: هو ما يوزن به ويتعامل (١). ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ليعمل الناس بينهم بالعدل (٢). ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ قال ابن عباس ﵄: نزل آدم ﵇ من الجنة ومعه من الحديد خمسة أشياء من آلة الحدادين السِّنْدَانَ (٣)، والكَلْبَتَان (٤)، والمِيقَعة (٥) والمِطْرَقة (٦) والإِبْرَة (٧) (٨). وقال الحسن: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ خلقناه (٩).

стр. 13905

وقال أهل المعاني: معناه أخرج لهم الحديد من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه (١). وقال قطرب: هذا من النُّزل كما تقول: أنزل الأمير على فلان نُزُلًا حسنًا، فمعنى الآية: أنَّه جعل ذلك نزلًا لهم (٢)، ومثله قوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ (٣) ودليل تأويل السلف من المفسرين. [٣٠٤٨] ما أخبرنا أبو سفيان الحسين بن عبد الله الدهقان (٤)، قال: حدثنا الحسن بن إسماعيل بن خلف الخياط (٥)، قال: حدثنا أبو بكر محمد (٦) بن الحسن بن الفرج المعدل (٧) محمد (٨)، قال:

стр. 13906

حدثنا محمد بن عبد الملك (١) قال: حدثنا سفيان بن محمد (٢)، قال: حدثنا سيف بن محمد أبو محمد بن أخت سفيان الثوري (٣)، عن عبد الملك بن مالك التيمي (٤) عن عبد الله بن خليفة (٥)، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض؛ الحديد، والنار، والماء، والملح" (٦). ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ قوة شديدة، يعني: السلاح والكُراع والجُنَّةُ (٧).

стр. 13907

﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ مما يستعملونها في مصالحهم ومعايشهم (١) مثل السكين والفأس ونحوه، ولأنَّه آلة لكل صنعة (٢). ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ أي: أرسلنا رسلنا، وأنزلنا معهم الكتب وهذِه الأشياء ليتعامل الناس بالحق والعدل وليرى الله (٣). ﴿مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ أي: دينه (٤) ﴿وَ﴾ ينصر. ﴿وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال ابن عباس: ﵄: ينصرونهم لا يكذبونهم ويؤمنون بهم ﴿بِالْغَيْبِ﴾، أي: وهم لا يرونهم ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ في أخذه ﴿عَزِيزٌ﴾ أي منيع غالب (٥). * * *

стр. 13908

٢٦ - قوله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ يعني: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. وقال ابن عباس ﵄: الكتاب الخط بالقلم (١). ﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي: من ائتم بإبراهيم ونوح، وقيل: من ذريتهما (٢). ﴿مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ كافرون خارجون عن الطاعة (٣). ٢٧ - ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا﴾ أي: أتبعنا. ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ أي: من بعدهم. ﴿بِرُسُلِنَا﴾ موسى وإلياس ويونس وداود وسليمان، وغيرهم (٤). ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ أتبعنا. ﴿بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾. روي أن الله تعالى آتى عيسى ابن مريم ﵇ الإنجيل جملةً واحدة (٥). ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ على دينه (٦). ﴿رَأْفَةً﴾ وهي أشد الرحمة (٧).

стр. 13909

﴿وَرَحْمَةً﴾ أي: يحب بعضهم بعضًا (١). قال ابن جُريج: هم المؤمنون من أتباع عيسى ﵇ (٢). وقال قتادة: هاتان من الله، ولله فيهما رضًى (٣). ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ من قبل أنفسهم، وهي اسم مبني من الرهبة لما أفرط فيه وهو ما نهى الله عنه حيث يقول: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم والبدعة ما لم تتقدم مقال إمام (٤). وعن قتادة: الرهبانية التي ابتدعوها رفض النساء واتخاذ الصوامع (٥) وفي خبر مرفوع: هي لحاقهم بالبراري والجبال (٦). ﴿مَا كَتَبْنَاهَا﴾ ما فرضناها (٧). ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ولا أمرناهم بها (٨) قاله ابن زيد.

стр. 13910

﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ أي: ما أمرناهم إلاَّ بما يرضي الله (١) قاله ابن مسلم. قال الزجاج: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ معناه لم نكتب عليهم البتَّة شيئًا، ويكون ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ بدلًا من الهاء والألف في ﴿كَتَبْنَاهَا﴾ والمعنى ما كتبنا عليهم إلاَّ ابتغاء رضوان الله (٢). وقيل: كان عليهم إتمام ما ألزموه كما كان على المبتدئ بحج التطوع أن يتمه، ففرض الله عليهم الرهبانية بعد ما ابتدعوها (٣). وقيل: إلاَّ ابتغاء معناه: لكنَّهم ابتغوا بتلك الرهبانية رضوان الله (٤). ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أي: قصروا مما التزموه أنفسهم (٥). وقيل: فما رعوا تلك الرهبانية حق رعايتها حين لم يؤمنوا بالنبي ﷺ (٦).

стр. 13911

ودليله قوله : ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ أي: الذين آمنوا بالنبي ﷺ (١). ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ كافرون (٢). وقيل: فآتينا الذين آمنوا منهم وهم أهل الرأفة والرحمة والرهبانية التي ابتدعوها طلبًا لمرضاة الله، ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ الذين لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها وكفروا بدين عيسى ﵇ وتهودوا (٣) وتنصروا وبنحو ما فسرنا ورد فيه الآثار (٤). قال ابن مسعود ﵁ كنت رديف رسول الله ﷺ على حمار فقال لي: "يا ابن أم عبد، هل تدري من أين اتَّخذت بنو إسرائيل الرهبانية"؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى" ﵇ يعملون بمعاصي الله، فغضب عليهم أهل الإيمان فقاتلوهم، فانهزم أهل الإيمان ثلات مرات، فلم يبق منهم إلاَّ قليل، فقالوا: إنَّ ظهر هؤلاء أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه، فتعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي ﷺ الأمي الذي وعدنا عيسى ابن مريم، يعنون محمدًا ﷺ ، فتفرقوا في غيران الجبال، وأحدثوا رهبانية، فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر، ثم تلا هذِه الآية: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا

стр. 13912

عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ﴾ يعني من تبتوا عليها ﴿أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ " ثم قال النبي ﷺ : "يا ابن أم عبد أتدري ما رهبانية أمتي؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "الهجرة والجهاد، والصوم والصلاة، والحج، والعمرة، والتكبير على التلاع" (١). [٣٠٤٩] وأنبأني عبد الله بن حامد (٢)، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني (٣)، قال: حدثنا (محمد بن عبد الله بن سليمان) (٤)، قال: حدثنا شيبان بن فروخ (٥)، قال: حدثنا الصعق بن حَزْن (٦)،

стр. 13913

عن عقيل الجعدي (١)، عن أبي إسحاق (٢)، عن سويد بن غفلة (٣)، عن ابن مسعود ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ فقال: "يا ابن مسعود اخْتَلَف من كان قبلكم من اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فنجا منها فرقة وهلك سائرهم، واختلف من كان قبلكم من النصارى على اثنتين وسبعين فرقة فنجا منها ثلاث، وهلك سائرهم فهذِه فرقة، والثانية ناوت الملوك وقاتلوهم على دين عيسى ﵇، فأخذوهم وقتلوا على دين عيسى وفرقة لم يكن لهم طاقة بمناوأة (٤) الملوك ولا بأن يقيموا بين أظهرهم يدعون إلى الله تعالى ودين عيسى، فساحوا في البلاد وترهبوا وهم الذين قال الله تعالى: فيهم ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ الآية. قال النبي ﷺ : "فمن آمن بي وصدَّقني واتَّبعني فقد رعاها حقَّ رعايتها، ومن لم يؤمن بى فأولئكم هم الفاسقون" (٥) أي: الهالكون.

стр. 13914

وروى الضحاك وعطية عن ابن عباس ﵄ قال: كتب الله عليهم القتال من قبل أن يبعث محمَّدًا ﷺ ، فلما استخرج أهل الإيمان، ولم يبق منهم إلاَّ قليل، وكثر أهل الشرك، وذهبت الرسل وقهروا، آعتزلوا في الغيران، فلم يزل بهم ذلك حتى كفرت طائفة منهم، وتركوا أمر الله تعالى ودينه وغيَّروا دين الله، وأخذوا بالبدعة واليهودية والنصرانية، فلم يرعوها حقَّ رعايتها، وثبتت طائفة على دين عيسى ﵇ حتى جاءتهم البينات، وبعث الله محمَّدًا ﷺ رسولًا، وهم كذلك، فهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). [٣٠٥٠] وأخبرنا عبد الله بن حامد (٢)، قال: أخبرنا محمد بن جعفر (٣)، قال: حدثنا علي بن حرب (٤)، قال: حدثنا ابن

стр. 13915

فضيل (١)، قال: حدثنا عطاء (٢)، عن سعيد بن جُبير (٣)، عن ابن عباس ﵄. [٣٠٥١] وحدَّثت عن محمد بن جرير (٤)، قال: حدثنا (الحسين بن حريث) (٥) (٦)، قال: حدثنا الفضل بن موسى (٧)، عن سفيان (٨)، عن عطاء بن السائب (٩)، عن سعيد بن جبير (١٠)، عن ابن عباس ﵄ قال: كانت ملوكٌ بعد عيسى ﵇ بدَّلوا التوراة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل ويدعونهم إلى دين الله ، ويأمرونهم بتقوى الله، فقيل لملكهم: لو جمعت هؤلاء الذين شقوا (١١) عليكم وآذوكم فقتلتموهم وإلا أقروا بما قروا به وأدخلوا فيما نحن فيه، فدعاهم ملكهم وجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها، فقال المؤمنون: ما

стр. 13916

تريد منَّا نحن نكفيكم أنفسنا. فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أُسطوانة ثم ارفعونا إليها (١) وأعطونا شيئًا نرفع به طعامنا، وشرابنا، ولا نرد عليكم، وقالت طائفة: دعونا نهيم في الأرض ونسيح ونشرب كما يشرب الوحوش في البرية، فإن قدرتم علينا بأرض فاقتلونا، وقالت طائفة: ابنوا لنا دُورًا في الفيافي (٢) ونحتفر الآبار ونحترث البقول فلا نرد عليكم ولا نمر بكم فلا تروننا، وليس أحذ من أولئك إلا وله حميم منهم، ففعلوا ذلك بهم، فمضى أولئك على منهاج عيسى ﵇، وخلف قوم من بعدهم ممن قد غيَّر الكتاب، فجعلوا يقولون: نكون في مكان كذا فنتعبد كما يتعبد أولئك ونسيح كما يسيح فلان ونتخذ دورًا كما اتَّخذ فلان، وهم على شركهم لا إيمان لهم بإيمان من تقدَّم من الذين اقتدوا بهم، فذلك قوله : ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية يعني: ابتدعها هؤلاء الصالحون ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ يعني: المتأخرين ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: ابتدعوها أولًا ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ الذين جاؤوا من بعدهم، قال: فلما بعث الله محمَّدًا ﷺ ولم يبق منهم إلا قليل جاؤوا من الكهوف والصَّوامع والغيران فآمنوا برسول الله ﷺ وصدقوه (٣). فذلك قوله :

стр. 13917

٢٨ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ وقيل: يا أيها الذين آمنوا بالتوراة والإنجيل وآمنوا بمحمَّد ﷺ (١). ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ أي: أجرَيْن لإيمانكم بعيسى ﵇ والإنجيل وبمحمَّد ﷺ (٢) ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ والكفل: الحظ والنصيب، وهو في الأصل: كساء يكتفل به الراكب؛ ليحفظه السقوط (٣) قاله ابن جرير. وقال أبو موسى الأشعري ﵁: ﴿كِفْلَيْنِ﴾ ضعفين بلسان الحبشة (٤).

стр. 13918

يقول: يحصنكم هذا العمل من العذاب كما يحصن الكفل الراكب من السقوط، لأنَّها تحصن الحق، وعن ابن زيد: ﴿كِفْلَيْنِ﴾ أجر الدنيا والآخرة (١). وقيل: لما نزلت: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ (٢) افتخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي ﷺ فنزلت هذِه الآية (٣). ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ يعني: القرآن (٤) قاله ابن عباس ﵄. وقيل: ضياء (٥). وقيل: هدى وبيانًا -قاله مجاهد- تمشون به في الناس وعلى الصراط (٦). ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبكم ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 13919

٢٩ - ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ الذين يتشبهون بهم. ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ المعنى فعل الله ذلك بكم كما فعل من آمن من أهل الكتاب بأن يعملوا و (لا) صلة زائدة مؤكدة (١)، وقيل: آنقطع الكلام عند قوله: ﴿وَرَحْمَةً﴾ وثم ابتدأ فقال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾، وذلك أنَّهم تركوا الحق وأكلوا لحم الخنزير وشربوا الخمر، ولم يتوضؤوا ولم يغتسلوا من جنابة وتركوا الختان ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ يعني: الملة والطاعة، كناية عن غير مذكور. ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ يعني: أهل الرأفة والرحمة ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ يعني: أهل الرهبانية والبدعة، قاله مجاهد (٢). ومعنى قوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ على هذا التأويل ما كتبنا عليهم إلاَّ ابتغاء رضوان الله وما أمرناهم إلا بذلك وما أمرناهم بالترهب، أو يكون وجه الابتغاء بزعمهم، وعند ربهم والله أعلم. وقال أبو أمامة: معناه: لم نكتبها عليهم البتة، ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله. وقاله أكثر العلماء (٣).

стр. 13920

وقال سعيد بن جبير: النبي ﷺ جعفر بن أبي طالب ﵁ في تسعين راكبًا إلى النجاشي يدعوه فقدم عليه، فدعاه فاستجاب له وآمن به، فلما كان انصرافه، قال ناس ممن قد آمن به من أهل مملكته، وهم أربعون رجلًا للنجاشي: ائذن لنا، نأت هذا النبي (فنسلم عليه) (١) فقدموا مع جعفر على النبي ﷺ وهو قد تهيَّأ لوقعة أُحد، فلما رأوا ما بالمسلمين من الخَصاصة وشدَّة الحال استأذنوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنَّ لنا أموالًا، ورأينا ما بالمسلمين من الخصاصة فائذن (٢) لنا ننصرف، ونجيء بأموالنا فنواسي المسلمين بها، فأَذِنَ لهم، فانصرفوا فجاؤوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين، فأنزل الله فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ (٣) إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٤) فكانت تلك النفقة نفقتهم التي واسَوْا بها المسلمين (٥) فلمَّا سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ (٦) فخروا على

стр. 13921

المسلمين، فقالوا: يا معشر المسلمين، أما من آمن مثا بكتابنا وكتابكم فله أجره مرَّتين ومن لم يؤمن بكتابكم منَّا فله واحد كأجوركم، فما فضلكم علينا؟ فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ فجعل لهم أجرين وزادهم النورَ والمغفرة (١). ثم قال: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ وهكذا قرأها سعيد بن جبير (٢) روى حبان عن الكلبي: كان هؤلاء أربعة وعشرين رجلًا قدموا من اليمن على رسول الله ﷺ وهو بمكة لم يكونوا يهودًا ولا نصارى، وكانوا على دين الأنبياء فأسلموا، فقال لهم أبو جهل: بئس القوم أنتم والوفد لقومكم، فردوا عليه: وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق. فجعل الله لهم ولمؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه ﵃ أجرين اثنين، فجعلوا يفخرون على أصحاب رسول الله ﷺ ، وقالوا: نحن أفضل منكم لنا أجران ولكم أجرٌ واحد، فأنزل الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ الآية (٣). [٣٠٥٢] أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه (٤) قال: حدثنا أبو بكر بن

стр. 13922

مالك القطيعي (١) (٢)، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل (٣)، قال: حدثني أبي (٤)، قال: حدثنا عبد الرحمن (٥)، عن سفيان (٦)، عن صالح (٧)، عن الشعبي (٨)، عن أبي بردة (٩)، عن أبي موسى (١٠) ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "ثلاثة كلهم لهم أجران: رجلٌ كانت له أمة فعلمها فأحسن تعليمها وأدَّبها فأحْسَنَ تأْدِيبها، ثُمَّ أعتقَها فتزوَّجها فله أجران، وعبدٌ مملُوك أدى حق الله وحق مواليه فله أجران، ورجلٌ من أهل الكتاب آمَنَ بما جاء به عيسى وما جاء به محمَّد فله أجران" (١١).

стр. 13923

وقال قتادة: حسد أهل الكتاب المسلمين، فأنزل الله : ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (١). وقال مجاهد: قالت اليهود: يوشك أن يخرج منَّا نبي يقطع الأيدي والأرجل فلما خرج من العرب كفروا به فنزلت: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ أي: ليعلم و (لا) صلة (٢) ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾ يعني: أنهم لا يقدون (٣) كقوله: ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ (٤). وأنشد الفراء: إني كفيل يا (نوَيْقَةُ) (٥) ... إن نَجوت إلى الصباح

стр. 13924

وسلمت من عرض الحتوف ... من الغُدوّ إلى الرواح أن تهبطين بلاد قوم ... يرفعون من الصلاح (١) أي: أنَّك تهبطين على شيء من فضل الله، قيل: الإسلام، وقيل: الثواب. ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وقيل: المعنى ليعلموا أنَّهم لا يقدرون على شيء من فضل الله إن لم يؤمنوا لم يؤتهم الله تعالى شيئًا مما ذكر، وأنَّ الفضل ليس بأيديهم فيصرفوا النبوة عن محمد إلى من يحبون، وأنَّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء (٢). ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ المن الكبير. [٣٠٥٣] أخبرنا ابن فنجويه (٣)، قال: حدثنا (أبو بكر) (٤) ابن خرجة (٥)، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي (٦)، قال: حدثنا الحسن بن السكن البغدادي (٧)، قال: حدثنا أبو زيد

стр. 13925

النحوي (١)، عن قيس بن ربيع (٢)، عن الأعمش (٣)، عن عطية (٤)، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله قسم العمل وقسم الأجر، فتكيل لليهود: اعملوا فعملوا إلى نصف النهار فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم قيل للنصارى: اعملوا فعملوا إلى نصف النهار إلى صلاة العصر فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم قيل للمسلمين: اعملوا فعملوا من صلاة العصر إلى غروب الشمس فأعطوا قيراطين قيراطين، فغضب اليهود والنصارى في ذلك وقالوا: رأيناهم أقل منَّ أعمالنا فأعطيتهم الأكثر أكثر منَّا، قال الله تعالى: هل ظلمتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء، ونزل: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ﴾ (٥) إلى آخر الآية" (٦).

стр. 13926

٥٨ - سُورَة المُجَادَلَةِ

стр. 13927

سورة المجادلة مدنية (١)، وهي إحدى وعشرون آية في المدني الأخير والمكي (٢) واثنتان في عدد الباقين (٣). اختلفوا في آية من عددها عدَّ الكوفي والبصري والمدني الأول والشامي (٤) ﴿أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ (٥). وعدد كلماتها أربعمائة وثلاث وسبعون كلمة وعدد حروفها ألف وسبعمائة واثنان وتسعون حرفًا (٦).

стр. 13928

[٣٠٥٤] أخبرنا أبو الحسين (علي بن محمد) (١) بن الحسن المقرئ (٢) غير مرة، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الجرجاني (٣) وأبو الشيخ عبد الله بن محمد الأصبهاني (٤)، قالا: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن شريك الكوفي (٥)، قال: حدثنا أحمد بن يونس اليربوعي (٦)، قال: حدثنا سلام بن سليم (٧) المدائني (٨)، قال: حدثنا هارون بن كثير (٩)، عن زيد بن أسلم (١٠)، عن أبيه (١١)، عن أبي أمامة (١٢)، عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة المجادلة من حزب الله يوم القيامة" (١٣).

стр. 13929

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ١ - قوله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ تخاصمك وتحاورك وتراجعك (١). ﴿فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾. وهي امرأة من الأنصار ثم من الخزرج واختلفوا في اسمها ونسبها (٢). فقال ابن عباس ﵄: هي خَوْلَة بنت خُويلد الخزرجية (٣). وقال أبو العالية: خُويلة بنت (الدُيلَجِ) (٤).

стр. 13930

وقال قتادة: خُويلة بنت ثعلبة (١). وقال المقاتلان: خولة بنت ثعلبة بن مالك بن حرام (٢) الخزرجية من بني عمرو بن عوف. وقال عطية عن ابن عباس ﵄: خولة بنت الصامت (٣) (٤). وروى هشام بن عروة (٥) عن أبيه (٦) عن عائشة ﵂: أنَّ اسمها جميلة وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت (٧). قال ابن عباس ﵄: وذلك أنَّها كانت حسنة الجسم فرآها زوجها ساجدة في صلاتها فنظر إلى عجيزتها، فلما انصرفت أرادها فأبت عليه

стр. 13931

فغضب عليها، و (كان امرأً) (١) فيه سُرعة ولمم (٢)، فقال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ثم ندم على ما قال: وكان الظهار والإيلاء من طلاق الجاهلية، فقال لها: ما أظنك إلاَّ وقد حرمت عليَّ، قالت: لا تقل ذلك ائت رسول الله ﷺ فاسأله، فقال: إني أجدني أستحيي منه أن أسأله عن هذا الحديث، قالت: فدعني أسأله، قال: سليه، فأتت النبي ﷺ وعائشة ﵂ تغسل شق رأسه ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إنَّ زوجي أوس بن الصامت تزوَّجني وأنا شابة غنية ذات مال وأهل، حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرق أهلي وكبرت سني ظاهر مني، وقد ندم، فهل من شيء يجمعني وإيَّاه تنعشني به؟ فقال رسول الله ﷺ : "حرمتِ عليه" فقالت: يا رسول الله والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقًا وأنَّه أبُ ولدي وأَحَب الناس إليَّ، فقال رسول الله ﷺ : "حرمتِ عليه" فقالت: أشكوا إلى الله فاقتي ووحدتي ووحشتي وفراق زوجي وابن عمي، قد طالت صحبتي ونفضت له بطني. فقال رسول الله ﷺ : "ما أراك إلاَّ وقد حرمتِ عليه، ولم أؤمر في شأنكِ بشيء" فجعلت تراجع رسول الله ﷺ ويراجعها، وإذا قال لها رسول الله ﷺ : "حرمت عليه"، هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدَّة حالتي، اللَّهم فأنزِل على لسان

стр. 13932

نبيك. وكان هذا أولّ ظهار في الإسلام، فقامت عائشة ﵂ تغسل شق رأسه الآخر، فقالت: انظر في أمري جعلني الله فداك يا نبي الله، فقالت عائشة ﵂: أقصري حديثك ومجادلتكِ، أما تَرين وجه رسول الله ﷺ ؟ وكان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه أخذه مثل السبات فلما قضى الوحي، قال: "ادعي زوجك". فجاء، فتلا عليه رسول الله ﷺ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية (١) يقال: شكوت صاحبي واشتكيته. ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ أي: تراجعكما (٢)، وقيل: إنَّها كانت تقول: تزوجني وأنا شابة مرغوب فيَّ فلمَّا خلا سني وعقر بطني جعلني عليه كأمه فقال: "حرمتِ عليه". فقالت: فإنَّ لي صبية صغارًا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليَّ جاعوا، فقال: "حرمتِ عليه" فنزلت إلى قوله (٣): ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ يسمع ما تقولون ويبصر ما تعملون وعالم بكل شيء (٤) ثم بيَّن حكم الظهار وجعل فيها الكفارة، فقال:

стр. 13933

٢ - ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ قالت عائشة ﵂: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها، إنَّ المرأة لتحاور رسول الله ﷺ وأنا في ناحية البيت أسمع بعض كلامها، ويخفى عليَّ بعضه إذ نزل الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ الآيات (١) وتلاها عليه رسول الله ﷺ قال: "هل تستطيع أن تعتق رقبة"، قال: إذًا يذهب مالي كله، الرقبة غالية وأنا قليل المال، والله يا نبي الله لا أستطيع. قال رسول الله ﷺ : "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا، والله يا رسول الله وإني لم آكل في اليوم -ثلاث مرات- كَلَّ بصري وخشيت أن تعشو عيني، قال: "فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ "، قال: لا والله يا نبي الله إلاَّ أن تعينني على ذلك، فقال رسول الله ﷺ : "إني معينك بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا وأنا دَاعٍ لك بالبرَكَةِ" فأعانه رسول الله ﷺ بخمسة عشر صاعًا. واجتمع لهما أمرهُما (٢).

стр. 13934

وقوله: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾ قرأ ابن عامر، وأبو حيوة والمغيرة بن أبي شهاب ومحمد بن السميفع، والأعمش وحمزة، والكسائي وخلف بفتح الياء وتشديد الظاء وألف (١)، واختاره أبو عبيد. وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة والزهري والأعرج وابن كثير ومجاهد وابن محيصن وحميد وأبو عمرو ويعقوب والجحدري وابن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر، وغيرهم بحذف الألف وتشديد الهاء والظاء وفتح الياء (٢). وقرأ نصر والحسن وأبو العالية وعاصم وزِر بن حُبيش والسلمي (يُظْاهِرون) بضم الياء وتخفيف الظاء وألف وكسر الهاء (٣) وقد تقدم هذا في سورة الأحزاب.

стр. 13935

﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ قراءة العامة بخفض التاء (١) ومحله نصب على خبر ما (٢) كقوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] (وقيل: بأمهاتهم. وقرأ المفضل بضم التاء أي ما هنَّ أمهاتهم) (٣). قيل: نصب بحذف حرف الصفة تقديره ما هن بأمهاتهم (٤). وقرأ أبو معمر والسلمي والمفضل (أمهاتهم) رفعًا على لغة تميم (٥). ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ المعنى: ما الزوجات اللواتي جغلوهنَّ كأمهاتهم بأمهاتهم، إنَّما الأمهات اللاتي ولدنهم (٦). قرأ قالون والمسيبي وخارجة وأبو جعفر وشيبة ويعقوب، وقنبل والأعرج وأيوب والزهري وابن أبي إسحاق بهمزة مختلسة المد (٧). وقرأ ورش وابن محيصن والبزي وحميد وأبو عمرو والجحدري
следующие страницы →