← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 13931–13970 · переход к 13936.

стр. 13931

فغضب عليها، و (كان امرأً) (١) فيه سُرعة ولمم (٢)، فقال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ثم ندم على ما قال: وكان الظهار والإيلاء من طلاق الجاهلية، فقال لها: ما أظنك إلاَّ وقد حرمت عليَّ، قالت: لا تقل ذلك ائت رسول الله ﷺ فاسأله، فقال: إني أجدني أستحيي منه أن أسأله عن هذا الحديث، قالت: فدعني أسأله، قال: سليه، فأتت النبي ﷺ وعائشة ﵂ تغسل شق رأسه ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إنَّ زوجي أوس بن الصامت تزوَّجني وأنا شابة غنية ذات مال وأهل، حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرق أهلي وكبرت سني ظاهر مني، وقد ندم، فهل من شيء يجمعني وإيَّاه تنعشني به؟ فقال رسول الله ﷺ : "حرمتِ عليه" فقالت: يا رسول الله والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقًا وأنَّه أبُ ولدي وأَحَب الناس إليَّ، فقال رسول الله ﷺ : "حرمتِ عليه" فقالت: أشكوا إلى الله فاقتي ووحدتي ووحشتي وفراق زوجي وابن عمي، قد طالت صحبتي ونفضت له بطني. فقال رسول الله ﷺ : "ما أراك إلاَّ وقد حرمتِ عليه، ولم أؤمر في شأنكِ بشيء" فجعلت تراجع رسول الله ﷺ ويراجعها، وإذا قال لها رسول الله ﷺ : "حرمت عليه"، هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدَّة حالتي، اللَّهم فأنزِل على لسان

стр. 13932

نبيك. وكان هذا أولّ ظهار في الإسلام، فقامت عائشة ﵂ تغسل شق رأسه الآخر، فقالت: انظر في أمري جعلني الله فداك يا نبي الله، فقالت عائشة ﵂: أقصري حديثك ومجادلتكِ، أما تَرين وجه رسول الله ﷺ ؟ وكان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه أخذه مثل السبات فلما قضى الوحي، قال: "ادعي زوجك". فجاء، فتلا عليه رسول الله ﷺ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية (١) يقال: شكوت صاحبي واشتكيته. ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ أي: تراجعكما (٢)، وقيل: إنَّها كانت تقول: تزوجني وأنا شابة مرغوب فيَّ فلمَّا خلا سني وعقر بطني جعلني عليه كأمه فقال: "حرمتِ عليه". فقالت: فإنَّ لي صبية صغارًا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليَّ جاعوا، فقال: "حرمتِ عليه" فنزلت إلى قوله (٣): ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ يسمع ما تقولون ويبصر ما تعملون وعالم بكل شيء (٤) ثم بيَّن حكم الظهار وجعل فيها الكفارة، فقال:

стр. 13933

٢ - ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ قالت عائشة ﵂: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها، إنَّ المرأة لتحاور رسول الله ﷺ وأنا في ناحية البيت أسمع بعض كلامها، ويخفى عليَّ بعضه إذ نزل الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ الآيات (١) وتلاها عليه رسول الله ﷺ قال: "هل تستطيع أن تعتق رقبة"، قال: إذًا يذهب مالي كله، الرقبة غالية وأنا قليل المال، والله يا نبي الله لا أستطيع. قال رسول الله ﷺ : "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا، والله يا رسول الله وإني لم آكل في اليوم -ثلاث مرات- كَلَّ بصري وخشيت أن تعشو عيني، قال: "فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ "، قال: لا والله يا نبي الله إلاَّ أن تعينني على ذلك، فقال رسول الله ﷺ : "إني معينك بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا وأنا دَاعٍ لك بالبرَكَةِ" فأعانه رسول الله ﷺ بخمسة عشر صاعًا. واجتمع لهما أمرهُما (٢).

стр. 13934

وقوله: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾ قرأ ابن عامر، وأبو حيوة والمغيرة بن أبي شهاب ومحمد بن السميفع، والأعمش وحمزة، والكسائي وخلف بفتح الياء وتشديد الظاء وألف (١)، واختاره أبو عبيد. وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة والزهري والأعرج وابن كثير ومجاهد وابن محيصن وحميد وأبو عمرو ويعقوب والجحدري وابن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر، وغيرهم بحذف الألف وتشديد الهاء والظاء وفتح الياء (٢). وقرأ نصر والحسن وأبو العالية وعاصم وزِر بن حُبيش والسلمي (يُظْاهِرون) بضم الياء وتخفيف الظاء وألف وكسر الهاء (٣) وقد تقدم هذا في سورة الأحزاب.

стр. 13935

﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ قراءة العامة بخفض التاء (١) ومحله نصب على خبر ما (٢) كقوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] (وقيل: بأمهاتهم. وقرأ المفضل بضم التاء أي ما هنَّ أمهاتهم) (٣). قيل: نصب بحذف حرف الصفة تقديره ما هن بأمهاتهم (٤). وقرأ أبو معمر والسلمي والمفضل (أمهاتهم) رفعًا على لغة تميم (٥). ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ المعنى: ما الزوجات اللواتي جغلوهنَّ كأمهاتهم بأمهاتهم، إنَّما الأمهات اللاتي ولدنهم (٦). قرأ قالون والمسيبي وخارجة وأبو جعفر وشيبة ويعقوب، وقنبل والأعرج وأيوب والزهري وابن أبي إسحاق بهمزة مختلسة المد (٧). وقرأ ورش وابن محيصن والبزي وحميد وأبو عمرو والجحدري

стр. 13936

وعيسى ياء ساكنة من غير مد ولا همز، إلاَّ أنَّ ورشًا اختلس كسرتها (١). وقرأ الباقون بالمد والهمزة وهو اختيار أبي عبيد، والأوَّل اختيار أبي حاتم، وهذا كله مذكور في سورة الأحزاب. ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: لا يعرف سنة (٢). ﴿وَزُورًا﴾ أى: كذبًا (٣) ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾. ٣ - قوله ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ اعلم أنَّ الألفاظ التي تصير الرجل مظاهرًا على ضربين: صريح وكناية، فالصريح هو أن يقول: أنت على كظهر أمي، ، وأنت مني كظهر أمي، وأنت عندي كظهر أمي (٤)، وأنت معي كظهر أمي، وكذلك: أنت على كبطن أمي، أو كرأس أمي، أو كفرج أمي، ونحوه وهكذا إذا قال: فرجك أو رأسك أو ظهرك أو بطنك أو يديك أو رجلك عليَّ كظهر أمي، فإنَّه يصير مظاهرًا (٥)، مثل قوله: يدكِ أو رِجلكِ أو رأسكِ أو فرجكِ طالق، فإنَّها تطلق (٦)

стр. 13937

والخلاف في هذِه المسألة من الفريقين كالخلاف في الطلاق، ومتى شبهها بأمه أو بإحدى جداته من قبل أبيه أو أمه كان ذلك ظهارًا بلا خلاف، وإن (١) شبهها بغير الأم والجدة من ذوات المحارم اللاتي لا تحل له واحدةٌ منهنَّ كالبنت والأخت والعمة والخالة ونحوها كان مظاهرًا على الصحيح من المذهب بصريح الظهار، وهو أن يشبه زوجته أو عضوًا من أعضائها بعضو من أعضاء أمه أو أخته أو إحدى محارمه. والكناية أن يقول: أنت عليَّ كأمي، أو مثل أمي أو نحوهما فإنه تعتبر فيه نيته، فإن أراد ظهارًا كان مظاهرًا وإن لم ينو الظهار لم يكن مظاهرًا (٢) وكل زوج صحَّ طلاقه صحَّ ظهاره، سواء كان عبدًا أو حرًّا أو ذميًّا، دخل بالمرأة أم لم يدخل بها (٣) وسواء كان قادرًا على جماعها أو عاجزًا عنه، وكذلك يصح الظهار من كل زوجة صغيرة كانت أو كبيرة، أو عاقلة أو مجنونة أو رتقًا أو سليمة أو صائمة أو محرِمة أو ذميَّة أو مسلمة، أو في عدة بملك رجعتها (٤). وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله: لا يصح ظهار الذمي (٥).

стр. 13938

وروي عن مالك أنَّه قال: لا يصح ظهار العبد (١)، وقال بعض العلماء لا يصح ظهار غير المدخول بها (٢). وقال المزني: إذا طلق الرجل امرأته طلقة رجعية ثم ظاهرها فإنَّه لا يصح ظهاره (٣)، وموضع ﴿الَّذِينَ﴾ الأول رفع بالابتداء وخبره ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ و ﴿أُمَّهَاتِهِمْ﴾ نصب بخبر (ما). ﴿وَالَّذِينَ﴾ الثاني رفع بالابتداء وخبره ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٤). ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾. اعلم أنَّ الكفارة تلزم بالظهار والعود جميعًا ولا تلزم بأحدهما دون الآخر كما أنَّ الكفارة في باب اليمين تجب باليمين والحنث معًا (٥) فإن عاد في ظهاره لزمته الكفارة (٦). واختلف الفقهاء في معنى العودة، فقال الشافعي ﵀: العود الموجب للكفارة أن يمسك عن طلاقها بعد الظهار،

стр. 13939

ومضي مدة يمكنه أن يطلقها فيها فلا يطلقها (١). وقال قتادة في قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ إذا أراد أن يغشاها ويطأها بعدما حرمها (٢). وقيل: هو العزم على الوطء (٣) وإليه ذَهبَ أبو حنيفة ﵀ قال: لمن عزم على وطئها فنوى أن يغشاها كان عودًا وتلزمه الكفارة، وإن لم يعزم على الوطء فلا يكون عودًا (٤). وقال الحسن ومالك: إن وطئها كان عودًا وإن لم يطأها لم يكن عودًا (٥). وقيل: العود: إعادة لفظ الظهار ثانية قاله أهل الظاهر، وهو قول أبي العالية قال: وظاهر الآية يشهد له؛ لأنَّه قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ (٦) أي: إلى قول ما قالوا (٧).

стр. 13940

قال الأخفش: قوله: ﴿لِمَا قَالُوا﴾ من صلة التحرير وتقديره: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ وتم الكلام، ثمَّ قال: فتحرير رقبة لما قالوا (١). وقيل: إمساكها بعد الظهار عود قال شيئًا أم لا، وتقديره: ثم يعودون لبعض ما قالوا (٢). وقيل: ثم يعودون العودة التي من أجل القول، فتلك العودة تلزم الكفارة لا لكل عودة (٣). قوله : ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ كاملة (٤) ومن كمالها إسلامها، لأنَّ الله تعالى قيَّد الرقبة بالإيمان في كفارة القتل (٥) وأطلق في هذا الموضع ومن حكم المطلق أن يحل على المقيد (٦). وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ أي: يجامعها (٧) فالجماع نفسه محرَّم على المظاهر حتى يكفر، فإن وطئها قبل التكفير فقد فعل محرمًا أثم وعصى، ولا يسقط عنه التكفير بل يأتي بها على وجه القضاء، كما لو

стр. 13941

أخَّر الصلاة عن وقتها فإنَّه لا يسقط إتيانها، بل يلزمه قضاؤها، وسواء كانت هي كفارة بالعتق أو العموم أو الإطعام، فإنَّه يجب عليه تقديم الكفارة فلا يجوز له أن يطأها قبل الكفارة (١). وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إن كانت كفارته بالإطعام جاز أن يطأ ثم يطعم ولم يخالف في العتق والصيام، فهذا حكم وطء المظاهر قبل التكفير (٢)، فأمَّا غير الوطء من القُبلة والمعاشرة والتلذذ، فإنَّه لا يحرم في قول أكثر العلماء، وهو قول الحسن وسفيان والصحيح من مذهب الشافعي (٣). وقال بعضهم: كل ذلك محرَّم وجميع معاني المسيس؛ لأنَّه عام وهو أحد قولي الشافعي (٤) . ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي: تؤمرون (٥) ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ٤ - ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾

стр. 13942

يعني: الرقبة، ولا ثمنها، أو كان مالكًا لها إلاَّ أنَّه شديد الحاجة إليها لخدمته، أو كان مالكًا لثمنها، إلاَّ أنَّه يحتاج إليه لنفقته، أو كان له مسكن يسكنه ليس له غيره ولا يجد شيئًا سواه (١). ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أي: فله أن يصوم (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: لا يصوم، وعليه أن يعتق الرقبة ولو كان محتاجًا إليها، فإن عجز عن الرقبة فصوم شهرين متتابعين، فإن أفطر في أثنائها بغير عذر قطع التتابع، وعليه أن يستأنف بشهرين متتابعين (٣) وإن أفطر بعذر المرض أو السفر فاختلف الفقهاء فيه، فقال قوم لا ينقطع التتابع، وله أن يبني ويقضي الباقي، وإليه ذهب سعيد بن المسيب والحسن وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار والشعبي وهو أحد قولي الشافعي (٤). وقال آخرون: ليس له أن يبني بل يلزمه أن يستأنف ويبتدئ. وهو قول النخعي وأصحابه (٥)، والأصح من قول الشافعي، وإن تخلل صوم

стр. 13943

الشهرين زمان لا يصح ولا يحل صومه عن الكفارة كالعيدين وأيام التشريق وشهر رمضان، فإنَّ التتابع ينقطع بذلك ويجب الاستئناف (١) ولو وطئ المظاهر في خلال الشهرين نُظِر فإن وطئها نهارًا بطلَ التتابع وعليه أن يبتدئ، وإن وطئها ليلًا لم يبطل التتابع (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: سواء وطئ ليلًا أو نهارًا فإنَّه يبطل التتابع، وعليه أن يستأنف وبه قال مالك (٣). ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ فلو لم يستطع الصيام وعدم الاستطاعة مثل أن يخاف من الصوم والتلف أو لحوق المشقة الشديدة، أو المضرة الظاهرة (٤). ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ مد (٥) من غالب قوت البلد والخلاف فيه بين الفريقين كالاختلاف في زكاة الفطر (٦). ﴿ذَلِكَ﴾ الذي وضعنا من الأحكام (٧).

стр. 13944

﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: لِتُصدِّقوا (١). ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: بين معصيته وطاعته، فمعصيته الظهار، وطاعته الكفارة (٢). ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ أي: لمن لم يصدق بأحكام الله (٣). ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ عذاب جهنم (٤). ٥ - قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: يعاندون ويشاقون ويخالفون ويعادون الله ورسوله (٥). وقيل: إنَّ معناه يكذبون في الحد الذي أخبر عنه الرسول وأوجبه عليه. وقيل: يكون في حد غير الحد الذي فيه أولياؤه ورسوله (٦).

стр. 13945

﴿كُبِتُوا﴾ قال أبو عبيدة: أهلكوا (١). وقال قتادة: أُخزُوا (٢). وقال ابن زيد: عذبوا (٣). وقال السدي: لعنوا (٤). وقال: غِيظُوا يوم الخندق (٥). ﴿كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من قاتل الأنبياء غيرهم (٦) . ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا﴾ إلى محمد ﴿آيَاتٍ﴾ يعني: القرآن (٧) ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ واضحات. وقيل: التقدير، وقد أنزلنا آيات بينات فيمن حاد الله ورسوله من الذين من قبلهم في ما فعلنا بهم (٨). ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ من هذِه الأمة ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ مُذل. ٦ - ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ من قبورهم للقيامة (٩).

стр. 13946

﴿جَمِيعًا﴾ في حالة واحدة (١) ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ أي: يخبرهم (٢) ﴿بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ﴾ عليهم في صحائف أعمالهم (٣). ﴿وَنَسُوهُ﴾ حتى ذكرهم به في صحائفهم ليكون أبلغ في الحجة عليهم (٤). ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مطلع وناظر لا يخفى عليه شيء (٥). ٧ - قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فلا يخفى عليه شيء من سرٍّ ولا علانية. ﴿مَا يَكُونُ﴾ قراءة العامة بالياء لأجل الحائل (٦) بينهما (٧). وقرأ أبو جعفر والأعرج وعيسى (تكون) بتاء لتأنيث الفاعل وهو النجوى، والاختيار الأول وهو الأصح والأفصح (٨).

стр. 13947

﴿مِنْ نَجْوَى﴾ متناجين، والنَّجوى السِّرار. قيل: ما يكون من خلوة (١). ﴿ثَلَاثَةٍ﴾ يسرون شيئًا ويتناجون به (٢). قال الفراء: إن شئت خفضت الثلاثة على أنَّه نعت للنجوى، وإن شئت أضفت النجوى إليها، وإن نصبت على إضمار فعل لكان صوابًا وجاز (٣). ﴿إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ بالعلم ويسمع نجواهم (٤)، يدل عليه افتتاح الآية بالعلم ثم ختمها بالعلم (٥). ﴿وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ﴾ يعني: اثنين (٦). ﴿وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ بعلمه وإحاطته وسمعه تعالى (٧). ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ قراءة العامة ﴿أَكْثَرَ﴾ بفتح الراء، ومحله خفض عطفًا على قوله: ﴿ثَلَاثَةٍ﴾، وإن شئت نصبًا بإضمار فعل (٨).

стр. 13948

وقرأ أبو العالية ونصر، ويعقوب، وعيسى وأبو حاتم بالرفع على محل الكلام قبل دخول مِن، لأنَّ تقديره: ما يكون نجوى ثلاثة (١). وقرأ الزهري وعكرمة (أكبر) بالباء (٢) قال ابن عباس ﵄: نزلت في عتبة بن ربيعة وصفوان بن أُميَّة وحبيب بن عمرو الثقفي، كانوا يتحدثون يومًا، فقال أحدهم: أترون أنَّ الله يسمع ما نقول، فقال الثاني: يعلم بعضًا ولا يعلم بعضًا، يعني: يعلم الجهر دون السر، فقال (٣) الثالث: إن كان يعلم بعضًا فهو يعلمه كله فنزلت (٤). وقال الفراء في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ المعنى غير مصمود والعدد غير مقصود، لأنَّه تعالى إنَّما قصد وهو أعلم أنَّه مع كل عدد قلَّ أو كثر، يعلم ما يقولون سرًّا وجهرًا، ولا تخفى عليه خافية، فَمِن أجل ذلك اكتفى بذكر بعض العدد دون بعض (٥). ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ﴾ يخبرهم. ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ من حسن وسيئ (٦).

стр. 13949

﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ٨ - قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ قال ابن عباس ﵄: نزلت في اليهود والمنافقين وذلك أنَّهم كانوا يتناجون ويتشاورون فيما بينهم دون المؤمنين، وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فإذا رأى المؤمنون نجواهم يقولون لهم: بَلغَهم عن إخواننا وقرابتنا من المهاجرين والأنصار قتل أو مصيبة أو هزيمة، ويسوؤهم ذلك، فكثرت شكواهم إلى النبي ﷺ فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا فنزلت (١): ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. قال مقاتل (٢): كان بين النبي ﷺ وبين اليهود موادعة، فإذا مرَّ بهم رجل من المؤمنين تناجوا بينهم حتى يظن المؤمن شرًّا، فيعرج عن طريقه، فنهاهم النبي ﷺ فلم ينتهوا فنزلت (٣). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان الرجل يأتي النبي ﷺ فيسأله الحاجة ويناجيه والأرض يومئذ حرب، فيتوهمون أنَّه يناجيه

стр. 13950

في حرب أو بلية أو أمر مهم فيفزعون لذلك فنزلت، فكان إبليس يأتي فيقول لهم: إنَّما يتناجون في حرب حضرت أو جمع قد جمع لكم أو أمر مُهم قدْ وقع فأنزل الله تعالى (١) (٢). ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ﴾ الكذب. ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ والظلم (٣). قرأ يحيى والأعمش وحمزة وخلف، ورُويس عن يعقوب (وَيَنْتَجُونَ) (٤) على وزن يفتعلون (٥) وهى قراءة عبد الله ﵁ وأصحابه. وقرأ الباقون ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ﴾ في وزن يتفاعلون (٦) واختاره أبو عبيد

стр. 13951

وأبو حاتم، لقوله تعالى: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ﴾ و ﴿تَتَنَاجَوْا﴾ ﴿وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ حين نهاهم عن النجوى (١). وقرأ الضحاك، ومجاهد، وحميد، (وَمَعْصِيَاتِ الرَّسول) على الجمع فيهما (٢). ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ﴾ يعني: اليهود (٣). ﴿حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ كانوا يدخلون على النبي ﷺ فيقولون: السامُ عليك. ولا يدري بذلك النبي ﷺ فيرد عليهم. السام: الموت، وهي من سؤم الحياة (٤)، أي: ذهابها. ومن قال: السأمُ بالهمز فهو من سئمت، قاله ابن زيد وغيره (٥). وقال قتادة: أيْ تسامون ديونكم (٦). ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ يعني: فإذا قالوا: لو كان نبيًّا لعرف قولنا، واستجيب له فينا، وعذبنا بقولنا السام

стр. 13952

عليكم، ففطنت عائشة ﵂ فقالت: بل عليكم السام والذام (١) واللعنة والدمار، فقال النبي ﷺ : "مَه يا عائشة، فإنَّ الله يحب الرفق في الأمر كله ولا يحب الفحش ولا التفاحش" فقالت: ألم تسمع ما قالوا، فقال: ألم تسمعي ما رددت عليهم، فنزلت، فقال النبي ﷺ : "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم" (٢) قال الله تعالى: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ثم نهى الله تعالى المؤمنين أن يتناجوا فيما بينهم كفعل المنافقين واليهود (٣)، فقال: ٩ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ﴾ أي: تساررتم (٤). ﴿فَلَا تَتَنَاجَوْا﴾ هذه قراءة العامة بالألف (٥) فِي وزن تتفاعلوا (٦) وقرأ

стр. 13953

يحيى بن وثاب ورويس (١) (فلا تَنْتَجوا) من الانتجاء (٢). ﴿بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ كفعل المنافقين واليهود (٣). ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ﴾ أي: بالطاعة (٤). ﴿وَالتَّقْوَى﴾ العفاف عمَّا نهى الله عنه (٥). ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تجمعون في الآخرة (٦). ١٠ - ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى﴾ التي يتناجى بها المنافقون واليهود (٧). ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ﴾ التناجي (٨). ﴿بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: إلاَّ ما أراد الله (٩). وعن ابن عباس ﵄ إلاَّ بأمر الله (١٠).

стр. 13954

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: يكلون أمرهم إليه، ويفوضون جميع شؤونهم إلى عونه ويستعيذون به من الشيطان (١). (وعن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة ﵃ قالوا) (٢) قال النبي ﷺ : "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإنَّ ذلك يحزنه" (٣). ١١ - قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾. قال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبي ﷺ ، فإذا رأوا مقبلًا ضنُّوا بمجالسهم عند النبي ﷺ ، فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض (٤).

стр. 13955

وقال مقاتل (١): كان النبي ﷺ وفي المكان ضيق، وذلك يوم الجمعة، وكان النبي ﷺ يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر فيهم ثابت بن قيس بن شَمَّاس، وقد سُبِقوا في المجلس فقاموا حيال النبي ﷺ فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته فردَّ عليهم (٢) ثمَّ سلموا على القوم فردُّوا عليهم (فقاموا على أرجهلم ينتظرون أن يوسع لهم فعرف النبي ﷺ ما يحملهم على القيام فلم يفسحوا) (٣) فشق قيامهم على النبي ﷺ ، فقال لمن حوله من غير أهل بدر: "قم أنت يا فلان وأنت يا فلان"، بعدد القائمين من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم، وعرف النبي ﷺ ذلك وعرف الكراهة في وجوههم، فغمز المنافقون

стр. 13956

وتكلموا (١)، فنزلت وقد بيناها في سورة الحجرات. قرأ السُّلمي وزِر بن حُبيش وعاصم والحسن والجحدري وابن أبي إسحاق: (في المَجَالِسِ) (٢). وقرأ قتادة: (تفاسَحُوا في المجالس) (٣). وقرأ الباقون: (تَفَسَّحوا في المَجْلِسِ) (٤) يعنون: مجلس النبي ﷺ (٥).

стр. 13957

واختاره أبو عبيد وأبو حاتم فمن جمع فلأن قوله: ﴿تَفَسَّحُوا﴾ ينبئ أنَّ لكل واحد مجلسًا، ومن وحَّد فلأن المجلس جنس يؤدي عن الجمع (١). وقال مجاهد: هو مجلس النبي ﷺ خاصة، يعني أنَّهم كانوا يتنافسون فيه، فقيل لهم: تفسحوا (٢)، أي: توسعوا. [٣٠٥٥] (أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه (٣)، قال: أخبرنا أبو بكر ابن مالك القطيعي (٤)، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل (٥)، قال: حدثني أبي (٦)، قال: أخبرنا عبد الملك بن عمرو (٧)، قال: أخبرنا فليح (٨) قال: أخبرنا) (٩) أيوب بن عبد الرحمن بن صعصعة (١٠)، عن

стр. 13958

يعقوب بن أبي يعقوب (١) عن أبي هريرة (٢) عن النبي ﷺ قال: "لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا يفسح الله لكم" (٣). وقال أبو العالية والقرظي: هذا في مجالس الحرب ومقاعد القتال، كان الرجل يأتي القوم في الصف فيقول لهم: توسعوا فيأبون عليه لحرصهم على القتال، فأنزل الله تعالى يأمرهم أن يفسح بعضهم لبعض (٤)، وهذِه رواية العوفي عن ابن عباس ﵄.

стр. 13959

وقال الحسن ويزيد بن أبي حبيب: كان النبي ﷺ إذا قاتل المشركين تشاح أصحابه على الصف الأوَّل فلا يوسع بعضهم لبعض رغبةً في الجهاد والشهادة فنزلت (١)، فيكون كقوله: ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ (٢). ﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ في قبوركم. وقيل: في قلوبكم، وقيل: يوسع عليكم في الدنيا والآخرة (٣). ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾. قرأ نافع وأبو جعفر وشيبة والزهري وطلحة والأعرج وابن عامر وأبو حيوة والمغيرة بن أبي شهاب المخزومي والسلمي وعاصم: (انشُزُوا) بضم الشين فيهما. وكسر الباقون فيهما (٤)، وهما لغتان مثل ﴿يَعْكُفُونَ﴾ (٥) و ﴿يَعْرِشُونَ﴾ (٦) يعني: وإذا قيل لكم قوموا وتحركوا أو

стр. 13960

ارتفعوا وتوسعوا لإخوانكم فافعلوا (١). وقال أكثر العلماء من المفسرين معناه: وإذا قيل لكم قوموا وانهضوا إلى الصلاة والجهاد والذكر وعمل الخير -أي خير كان- فانشزوا ولا تقصروا (٢). قال مجاهد والضحاك: يعني إذا نودِي للصلاة فقوموا لها وذلك أنَّ رجالًا تثاقلوا عن الصلاة إذا نودي لها؛ فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٣). وقال الحسن: إذا قيل لكم انهدوا إلى عدوكم فانهدوا (٤). وقيل: المعنى وإذا قيل لكم ارتفعوا في المجلس فارتفعوا؛ ولهذا ذكر أهل العلم لأنَّهم أحق بالرفقة (٥).

стр. 13961

وقال ابن زيد: هذا في بيت النبي ﷺ كان كل رجل منهم كان يحب أن يكون آخر عهدًا بالنبي ﷺ ، فقال الله ﵎: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾ عن النبي ﷺ ﴿فَانْشُزُوا﴾ ولا تطيلوا المكث عنده؛ فإنَّ له حوائج (١). ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ بطاعتهم نبيهم ﷺ وقيامهم من مجالسهم وتفسحهم إخوانهم. ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ منهم بفضل علمهِمْ وسابقتهم (٢). ﴿دَرَجَاتٍ﴾ حسنات في الجنة، فأخبر الله أنَّ رسوله ﷺ مصيب فيما أمر، وأنَّ أولئك المؤمنين مثابون فيما ائتمروا به، وأنَّ النفر الذين هم من أهل بدر مستحقون لما عوملوا بهم من الإكرام (٣). ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. [٣٠٥٦] أخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني (٤)، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عامر البلخي (٥) والقاسم بن عباد (٦)، قالا:

стр. 13962

حدثنا صالح بن محمد بن الترمذي (١)، قال: حدثنا المسيب بن شريك (٢) عن أبي بكر الهذلي (٣)، عن الحسن (٤)، قال: قرأ ابن مسعود ﵁ هذِه الآية: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ فقال: يا أيُّها الناس افهموا هذِه الآية؛ لترغبكم في العلم، فإنَّ الله يقول: يرفع الله المؤمن العالم على المؤمن الذي لا يعلم درجات (٥). [٣٠٥٧] وأنبأني عبد الله بن حامد (٦)، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد ابن إسحاق الفقيه (٧)، قال: أخبرنا صالح بن مقاتل (٨)، قال: حدثني

стр. 13963

أبي (١)، قال: حدثنا محمَّد بن الزبرقان (٢)، قال: عن حماد (٣)، عن مقاتل (٤)، عن أبي الزبير (٥)، عن جابر بن عبد الله ﵄: قال: قال رسول الله ﷺ : "فضل العالم على الشهيد درجة، وفضل الشهيد على العابد درجة، وفضل النبي على العالم درجة، وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، وفضل العالم على سائر الناس كفضلي على أدناهم رجلًا" (٦).

стр. 13964

وقال النبي ﷺ : "من جاءَتْه منيته وهو يطلب العلم فبينه وبين الأنبياء (١) درجة واحدة". ١٢ - قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ﴾ ساررتم (٢). ﴿الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ﴾ أمام مناجاتكم (٣). ﴿صَدَقَةً﴾. قال ابن عباس ﵄: بأنَّ الناس سألوا رسول الله ﷺ فأكثروا المسألة عليه وشقوا وأحفوه بالمسألة، فأدبهم الله تعالى وقطع (٤) عن ذلك بهذِه الآية، وأمرهم أن لا يناجوا حتى يقدموا صدقة (٥). وقال مقاتل بن حيان: نزلت في الأغنياء؛ وذلك أنَّهم كانوا يأتون النبي ﷺ ويكثرون مناجاته ويغلبون الفقراء على المجالس، حتى كره النبي ﷺ جلوسهم ومناجاتهم، فأمرهم الله تعالى بالصدقة عند

стр. 13965

المناجاة، فلما رأوا ذلك انتهوا عن مناجاته، فأما أهل العسرة فلم يجدوا شيئًا وأما أهل الميسرة فبخلوا ومنعوا (١) فاشتدَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فنزلت الرخصة (٢). قال مجاهد: نهوا عن مناجاة النبي ﷺ حتى يتصدقوا، فلم يناجيه إلاَّ علي بن أبي طالب ﵁، قدَّم دينارًا فتصدق به، ثم نزلت الرخصة (٣). وعن علي ﵁ قال: صرفته فكنت كما ناجيته تصدقت بدرهم حتى نفد، ثم نزلت الرخصة (٤). وقال علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه، إنَّ في كتاب الله آية ما عمل بها أحدٌ قبلي ولن يعمل بها أحدٌ بعدي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ وإنَّها فُرضت فنُسخت (٥).

стр. 13966

[٣٠٥٨] وأخبرنا عبد الله بن حامد (١) إجازة، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه (٢)، قال: حدثنا علي بن صقر بن نصر (٣)، قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد (٤)، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن الأشجعي (٥)، عن سفيان (٦)، عن عثمان بن المغيرة (٧)، عن سالم ابن أبي الجَعد (٨)، عن علي بن علقمة الأنماري (٩) عن علي بن أبي

стр. 13967

طالب ﵁ قال: لمَّا نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ دعاني رسول الله ﷺ فقال لي: "ما ترى، قال: ترى، دينارًا؟ " قلت: لا يطيقونه، قال: "نصف دينار؟ " قلت: لا يطيقونه، قال: "فكم؟ " قلت: حَبَةً أو شعيرةً، قال: "إنَّك لَزَهِيدٌ" فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ الآية. قال علي ﵁: فبي خفف الله (١) عن هذِه الأمة (٢) ولم ينزل في أحد قبلي، ولم ينزل في أحد بعدي فنسختها (٣). وكذلك قال ابن عباس ﵄: نسخها الله بالآية التي بعدها (٤)

стр. 13968

قال ابن عمر ﵄: لقد كانت لعلي ﵁ ثلاث لو كانت لي منهن واحدة كانت أحب إليَّ من حُمُر النَّعم: تزويجه فاطمة ﵂، وإعطاء النبي ﷺ إياه الراية يوم خيبر وآية النجوى (١). وقيل: نسختها آية الزكاة (٢). ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من إمساكها (٣) ﴿وَأَطْهَرُ﴾ لقلوبكم من المعاصي (٤) ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾ يعني: الفقراء (٥) ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لذنوبكم (٦) ﴿رَحِيمٌ﴾ عفو عنكم. ١٣ - ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ أبخلتم وخفتم بالصدقة من الفاقة والفقر (٧). ﴿أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ تجاوز عنكم فلم يعاقبكم بترك الصدقة (٨).

стр. 13969

وقيل: الواو صلة مجازه: فإذ لم تفعلوا تاب الله عليكم تجاوز عنكم وخفف ونسخ الصدقة (١). قال مقاتل بن حيان: إنَّما كان ذلك عشر ليالٍ، ثم نسخ (٢). وقال الكلبي: ما كان ذلك إلَّا ليلة واحدة وتاب الله عنكم (٣)، أي: نسخ ذلك الحكم. ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾ في الفرائض (٤). ﴿وَرَسُولَهُ﴾ في السنن (٥). ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ بعلمه ولا تخفى عليه خافية. ١٤ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ نزلت في المنافقين تولَّوا اليهود وناصحوهم ونقلوا إليهم أسرار المؤمنين (٦).

стр. 13970

﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ يا معشر المسلمين (١). ﴿وَلَا مِنْهُمْ﴾ يعني: اليهود والكافرين (٢) نظيره ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ (٣). ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ﴾ أنَّهم مؤمنون (٤). ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم كاذبون في ذلك (٥). قال السُّدي ومقاتل: نزلت في عبد الله بن نبتل المنافِق كان يُجالس رسول الله ﷺ في حجرة من حجره، إذ قال: "يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان"، ودخل عبد الله بن نبتل، وكان أزرق أسمر قصيرًا خفيف اللحية، فقال له النَّبيّ ﷺ : "علامَ تشتمني أنت وأصحابك؟ " فحلف بالله ما فعل، فقال له النَّبيّ ﷺ : "فعلت" فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما شتموه، فأنزل الله هذِه الآية (٦).
следующие страницы →