← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 14001–14040 · переход к 14006.

стр. 14001

[٣٠٦٢] أخبرنا عبد الله بن حامد (١)، قال: أخبرنا محمَّد بن الحسن (٢)، قال: حدّثنا محمَّد بن يَحْيَى (٣) وعبد الرحمن بن بشر (٤)، وأبو الأزهر (٥)، وحمدان السلمي (٦)، قالوا: حدّثنا عبد الرَّزاق (٧)، قال: أخبرنا ابن جريج (٨)، قال: أخبرني موسى بن عقبة (٩)، عن نافع (١٠)، عن ابن عمر ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قطع نخل بني النضير وحرق، ولها يقول حسَّان ﵁: تفاقَدَ مَعْشَر نصَرُوا قُرَيْشًا ... وَلَيْسَ لَهُمْ بِبَلْدتهِمْ نَصِيْرُ هُمُ أُوتُوا الكِتَابَ فَضَيَّعُوهُ ... وَهُمْ عُمْيٌ عنْ التَّورَاةِ بُورُ كَفَرْتُمْ بِالقُرْآن وَقدْ أبيْتُمْ ... بِتَصْدِيْقِ الذي قالَ النَّذِيْرُ

стр. 14002

وَهَانَ عَلى سَرَاة بني لُؤيّ (١) ... حَرِيْقٌ بِالبُوَيْرَةِ (٢) مُسْتَطِيرُ (٣) فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: أدام الله ذلك من صنيع ... وحرَّق في نواحيها السَّعِيرُ ستعلم أننا منها بنزْه ... وتعلم أي أرْضنا نصير فلو كان النخيل بها ركابًا ... لقالوا لا مقام لكم فسيروا (٤)

стр. 14003

[٣٠٦٣] وأخبرنا أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله (١) وأبو محمَّد إسحاق بن إبراهيم (٢) وأبو علي الحسين بن محمَّد (٣) وأبو القاسم الحسن بن محمَّد (٤) وأبو العباس الأصم (٥)، قالوا: أخبرنا الرَّبيع ابن سليمان (٦)، قال: حدّثنا الشَّافعي (٧)، عن مالك (٨)، عن نافع (٩)، عن ابن عمر ﵄ أنَّ النبيَّ- ﷺ أمر بإحراق نخل بني النضير

стр. 14004

فقال فيه حسَّان بن ثابت: وهَانَ على سَرَاةِ بَنِي لُؤي ... حَرِيقُ بِالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ (١) وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. واختلفوا فيها، فقال قوم هي: ما دون العجوة من النخل، والنخل كله لينة ما خلا العجوة (٢)، وهو قول عكرمة ويزيد بن رومان وقتادة ورواية باذان عن ابن عباس ﵄ قالوا: كان النَّبيّ ﷺ أمر بقطع نخلهم إلَّا العجوة (٣) وأهل المدينة يسمون أصناف التمر ما خلا العجوة من التمر، الألوان واحدها لون ولينة أصلها لِوْنَة فقُلِبَت الواو ياءً لَكسْرَةِ ما قبلها (٤).

стр. 14005

وقال الزُّهريّ: اللينة ألوان النخلة كلها إلَّا العجوة والبَرْنِيةُ (١) (٢). وقال مجاهد وعطية وابن زيد: هي النخلة والنخل كلُّها من غير استثناء (٣). وروى العوفي عن ابن عباس ﵄: هي لون من النخل (٤). [٣٠٦٤] وأخبرنا عبد الله بن حامد (٥)، قال: أنبأنا أحمد بن عبد الله المزني (٦)، قال: أخبرنا الحضرمي (٧)، قال: حدّثنا

стр. 14006

جعفر بن حميد (١)، قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك (٢)، عن عثمان (٣) (٤)، عن عطاء (٥)، عن أبيه (٦)، عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ النخلة والشجرة (٧). وقال سفيان: هي كرام النخل (٨).

стр. 14007

وقال مقاتل: هي ضرب من النخل يقال لثمرها: اللون وهو شديد الصُّفرة، يرى نواه من خارج يغيب فيه الضرس، وكان من أجود تمرهم وأعجبها إليهما (١) وكانت النخلة الواحدة منها من وَصِيْف هي أحب إليهم من وصيف وأمثالها من غير ذلك المصنف، فلما رأوا ذلك الضرب يقطع شق عليهم مشقة عظيمة. وقالوا للمؤمنين: تزعمون أنَّكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون وتخربون وتقطعون الشجر دَعُوا هذِه النخل فإنَّما هي لِمَنْ غلبها (٢). وقيل: هي النخلة القريبة من الأرض. وأنشد الأخفش: قد شجاني الحمام حين تَغَنَّى ... بفراق الأحباب من فوق لِينَة (٣) والعرب تسمي ألوان النخيل كلها لينة. قال ذو الرمَّة غيلان بن عقبة التميمي: كأَنَّ قَتودي (٤) فوقها عُشُّ طائِر ... علَى لِيْنَةٍ عدوًا تهفو جنوبها (٥)

стр. 14008

وقال أيضاً: طِرَاقُ (١) الخَوافي (٢) واقعٌ فَوْقَ لِينة ... نَدى ليلة في ريشه يترقرق (٣) وجمع اللينة لين، وقيل: لِيان (٤). قال امرؤ القيس يصف عنق فرسه: وسالِفَهُ (٥) كسَحُوقِ (٦) اللِّيانِ ... أَضْرَمَ فِيها الغَوِيُّ السُّعُرْ (٧) ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ سوقها.

стр. 14009

﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فلم تقطعوها إلَّا بإذن الله. وقرأ عبد الله ﵁: (ما قطعتم من لينة ولا تركتموها قوما على أصولها). أي: قائمة على سوقها. وقرأ الأعمش: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قوما على أصولها). المعنى: لم تقطعوها فبإذن الله، أي: بأمره (١). ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: وليذل اليهود الكفار به وبنبيِّه وكتبه ويغيظهم (٢). ٦ - قوله ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾ أي: ردَّ الله (٣). ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾ فرجع إليه ومنه في الظل منهم، أي: من بني النضير من الأموال (٤). ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ أي: أوضعتم (٥).

стр. 14010

﴿عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ والوجيف دون القريب من السير (١). يقال: وَجَفَ الفرسُ يجف وجيفًا وأوجفتُه أنا إيجافًا والركاب الإبِلُ (٢). يقول: لم تقطعوا إليها شُقَّة، ولم تنالوا منها مشقَّة، ولم تكلفوا مؤنة، ولا لقيتم حربًا، وإنَّما كانت من المدينة على مِيلَين قاله الفراء (٣)، فَمشَوا إليها مشْيًا، ولم يركبوا خيلًا ولا إبلًا، إلَّا النَّبيّ ﷺ فإنَّه ركب جملًا، فافتتحها صلحًا وأجلاهم عنها وخزن أموالهم، فسأل المسلمون النَّبيّ ﷺ القسمةَ فنزلت (٤) ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية، فجعل أموال بني النضير خاصة لرسول الله ﷺ يضعها حيث يشاء، فقسمها النَّبيّ ﷺ بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئًا إلَّا ثلاثة نفر منهم كانوا محتاجين، وهم: أبو دُجانة سِماك بن خَرَشةَ، وسهل بن حُنيف، والحارث بن الصِّمَّة (٥) ولم يسلم من بني النَّضير إلَّا رجلان:

стр. 14011

أحدهما: سفيان بن عمير بن وهب. والثاني: سعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحرزاها (١). [٣٠٦٥] أخبرنا (عبد الله بن حامد (٢)، قال: حدَّثنا حامد بن محمَّد (٣)، قال: حدّثنا بشر بن موسى (٤)، قال: حدّثنا الحميدي (٥)، قال: أخبرنا) (٦) سفيان (٧)، قال: حدّثنا عمرو بن دينار (٨)، ومعمر ابن راشد (٩)، عن ابن شهاب الزُّهريّ (١٠) أنَّه سمع مالك بن أوس بن الحدثان النصري (١١) ﵁ يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: إنَّ أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يُوجف المسلمون عليه بِخَيْلٍ ولا رِكاب، فكانت لرسول الله ﷺ خالصًا، فكان رسول الله ﷺ ينفق على أهله منه نفقة سنة، وما بقي جعله في

стр. 14012

الكُرَاع والسلاح عُدةً في سبيل الله (١). [٣٠٦٦] وأخبرنا محمَّد بن عبد الله بن حمدون (٢)، قال: حدّثنا أحمد بن محمَّد بن الحسن (٣)، قال: حدّثنا محمَّد بن يَحْيَى (٤)، قال: حدّثنا محمَّد بن يوسف (٥)، قال: حدّثنا ابن عيينة (٦)، عن معمر (٧)، عن الزُّهريّ.

стр. 14013

[٣٠٦٧] وأُخبرتُ عن محمَّد بن جرير (١) قال: حدّثنا ابن عبد الأعلى (٢) قال: حدّثنا ابن (٣) ثور (٤)، عن الزُّهريّ (٥)، عن مالك بن أوس بن الحَدثان (٦) ﵁ قال: أرسل إليَّ عمر بن الخطاب ﵁: فدخلت عليه، فقال أنَّه قد حضر أهل أبيات من قومك وإنا قد أمرنا لهم برضح فاقسمُه بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين، مُر بذلك غيري. قال: اقبضه أيها المرء. فبينا أنا كذلك إذ جاءني مولاه، فقال: عبد الرحمن بن عوف والزبير (٧) وسعد ﵃ يستأذنون، فقال: ائذن لهم ثم مكث ساعة ثم جاء، فقال: هذا علي والعباس ﵄ يستأذنَانِ، فقال: ائذن لهما فلما دخل العباس، قال: يا أمير المؤمنين: اقض بيني وبين أهل هذا الغادر الفاجر الخائن (٨) وهما حينئذٍ يختصمان

стр. 14014

فيما أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير، فقال القوم: اقضِ بينهما يا أمير المؤمنين وأرح كل واحد منهما من صاحبه، فقد طالت خصومتهما، فقال: أنشدكم بالله الذي تقوم السماء والأرض بأمره (١)، أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث ما تركنا صدقه". قالوا: قد قال ذلك. قال لهما: أتعلمان أنَّ رسول الله ﷺ قال ذلك؟ قالا: نعم قال: فأنا أخبركم بهذا الفيء، إنَّ الله تعالى خصَّ نبيَّه بشيء (٢) لم يعطه غيره فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ فكانت هذِه لرسول الله ﷺ خاصَّة، فوالله ما اختارها دونكم ولا استأثر بها عليكم، ولقد قسمها عليكم حتَّى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله ﷺ ينفق على أهله سنتهم ثم يجعل ما بقي في مال الله (٣).

стр. 14015

﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ قال مجاهد: أعلمهم الله تعالى وذكرهم أنَّه إنَّما نصر رسوله ونصرَهم بغير كُراع ولا عُدة، ولكن الله يسلط رسله على من يشاء (١)، أي: ينصرهم على من يشاء من أعدائه. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ٧ - قوله ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ يعني: من أموال الكفار أهل القرى (٢). قال ابن عباس ﵄: هي قريظة والنَّضير، وهما بالمدينة وفدك، وهي من المدينة على ثلاثة أميال وخيبر، وقرى عُرَيْنَة (٣) وينبع (٤) جعلها الله تعالى لرسوله ﷺ يحكم فيها ما أراد فاحتواها كلها (٥).

стр. 14016

﴿فَلِلَّهِ﴾ قيل: معناه فلله أَنْ يأمركم فيها بما أراد تعالى (١). ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ لما فتح الله عليه وادي القرى قال ناس من أصحابه: هلَّا قسمتها فنزلت: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآية (٢). ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ قرابة رسول الله ﷺ بني هاشم (٣) وبني المطلب (٤) (٥). واختلف الفقهاء في وجه استحقاقها قسمتهم من مال الفيء والغنيمة. فقال قوم: إنَّهم يستحقون ذلك بالقرابة؛ لأنَّهم مُنعوا الزكاة، ولا

стр. 14017

تعتبر فيهم الحاجة وعدم الحاجة (١) وإليه ذهب الشافعي وأصحابه ﵏. وقال آخرون إنَّما يستحقون ذلك بالحاجة لا بالقرابة، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه ﵏ فإذا قسم ذلك بينهم فضل الذكور على الإناث كالحكم في الميراث، فيكون للذكر سهمان وللأنثى سهم (٢). وقال محمَّد بن الحسن: بل سوى بينهم ولا يفضل الذكران على الإناث. ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ذكر حكم هاتين الآيتين: اختلف العلماء فيه: فقال بعضهم: أراد بقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الغنائم التي يأخذها المسلمون من أموال الكفار في ابتداء الإسلام عنوة وغلبة لهؤلاء الذين سماهم الله تعالى في سورة الحشر، دون الغانمين الموجفين (٣) عليها، ثم نسخ الله ذلك بقوله في سورة الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٤) هذا قول يزيد بن رومان وقتادة.

стр. 14018

وقال بعضهم: الآية الأولى بيان حكم أموال بني النضير خاصةً لقوله، ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ والآية الثانية حكم سائر الأموال التي أصيبت بغير قتال ولا إيجاف عليها بالخيل والجمال (١). وقال الآخرون هما واحد، والآية الثانية حكم قسم المال الذي ذكر الله تعالى في الآية الأولى. واعلم أنَّ جملة الأموال التي للأئمة والولاة فيها مدخل على ثلاثة أضرب: أحدها: ما أخذ من المسلمين على طريق التطهير لهم كالصدقات والزكوات. والثاني: الغنائم، وهو ما يحصل في أيدي المسلمين من أموال الكافرين بالحرب والقهر والغلبة. والثالث: الفَيء: وهو ما رجع للمسلمين من أموال الكافرين عفوًا صفْوًا من غير قتال ولا إيجاف خيل وركاب، مثل مال الصلح والجِزية والخراج والعشور التي تؤخذ من تجار الكفار إذا دخلوا دار الإسلام، ومثل أن يهرب المشركون ويتركوا أموالهم، أو يموت منهم في دار الإسلام أحد لا وارث له، فأمَّا الصدقات فمصرفها ما ذكر الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ الآية (٢). وقد مضى البيان على أهل السهمان (٣)، وأما الغنائم فإنَّها كانت

стр. 14019

في صدر الإسلام لرسول الله ﷺ يصنع فيها ما يشاء كما قال تعالى في الأنفال: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) ثم نُسخ ذلك بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية (٢)، فجعل الله أربعة أخماسها للغانمين تقسم بينهم فأما ما كان من النقود والعروض والأمتعة والثياب والكراع والدواب، فإنَّها تقسم بينهم ولا تحبس عليهم، فأما العقار فاختلف الفقهاء فيه: فقال مالك ﵀: للإمام أن يحبس الأراضي عنهم ويجعلها وقفًا على مصالح المسلمين (٣). وقال أبو حنيفة ﵀: الإمام مخيَّر بين أن يقسمها بينهم وبين أن يحبسها عليهم ويجعلها وقفًا على مصالح المسلمين. وقال الشافعي ﵀: ليس للإمام حبسها عنهم بغير رضاهم وحكمها حكم سائر الأموال، وهو الاختيار (٤)، لأنَّ الله أخرج الخمس منها بعدما أضاف إليهم الجميع بقوله: ﴿غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ فدلَّ على أنَّ الباقي لهم وحقهم، وأما الخمس الباقي فينقسم

стр. 14020

على خمسة أسهم، سهم لرسول الله ﷺ وسهم لذوي القربى وسهم لليتامى، وسهم للمساكين وسهم لأبناء السبيل (١)، وأما الفيء فإنَّه كان يقسم في عهد النبي ﷺ على خمسة وعشرين سهمًا أربعة أخماسها وهي عشرون سهمًا لرسول الله ﷺ يفعل بها ما شاء، ويحكم فيها بما أراد. والخمس الباقي يقسم على ما يقسم عليه خمس الغنيمة وأما بعد وفاته ﷺ فقد اختلف الفقهاء في الأربعة الأخماس التي كانت له ﷺ من الفيء. فقال قوم: إنها تصرف إلى المجاهدين المترصدين للقتال في الثغور (٢)، وهو أحد قولي الشافعي ﵀. وقال آخرون: تصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر (٣) ونحوها، يبدأ بالأهم فالأهم، وهو القول الآخر للشافعي (٤) ﵁ وأما السهم الذي كان لرسول الله ﷺ من خمس الفيء وخمس الغنيمة فإنه يصرف بعد وفاته إلى مصالح المسلمين بلا خلاف، كما قال النبي ﷺ "ليس لي من غنائمكم إلَّا الخمس، والخمس مردود فيكم" وكذلك ما خلفه من المال غير

стр. 14021

موروث عنه، بل هو صدقة تصرف عنه إلى مصالح المسلمين، كما قال ﷺ : "إنَّا لا نورث ما تركنا صدقة" (١) فكانت صفايا رسول الله ﷺ من مال الفيء الذي خصه الله به له ينفق منه على أهله نفقة سنة، فما فضل يجعل في الكراع والسلاح في سبيل الله كما ذكرنا (٢) فلما توفي رسول الله ﷺ وُليها أبو بكر ﵁ فجعل يفعل فيها كما فعل رسول الله ﷺ ، ثم وليها عمر ﵁ على ما ولي رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ فلما استخلف عثمان ﵁ وليها على سبيل ما وليها النبي ﷺ وصاحباه، ثم وليها علي بن أبي طالب ﵁ على سبيل التولية وجعله القيم فيها، فجعل يليها على ما وليها رسول الله ﷺ وصاحباه (٣)، وبالله التوفيق. [٣٠٦٨] وأخبرني عقيل بن محمد الجرجاني (٤)، أنَّ أبا الفرج البغدادي (٥) أخبرهم عن محمد بن جرير (٦)، قال: حدثنا ابن عبد الأعلى (٧)، قال: حدثنا ابن ثور (٨)، عن معمر (٩) (عن

стр. 14022

أيوب) (١) عن عكرمة بن خالد (٢)، عن مالك بن أوس بن الحدثان (٣) ﵃ قال: قرأ عمر بن الخطاب ﵁ هذِه الآية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ حتى بلغ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فقال: هذِه لهؤلاء ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٤) فقال: هذِه لهؤلاء ثم قرأ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتى بلغ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ثم استوعبت هذِه للمسلمين عامة فليس أحد إلَّا له فيه حق ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي وهو يسير وحمير (٥) نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه (٦).

стр. 14023

قال قتادة: كان الفيء للمذكورين في قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾ الآية، ثم نسخ بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) فجعل الخمس لمن كان له الفيء وما بقي من الغنيمة لمن قاتل (٢). وقيل: إنَّ سورة الحشر، نزلت بعد سورة الأنفال، فمن المحال أن ينسخ المتقدم المتأخر (٣). وقال ابن أبي نجيح: المال ثلاثة: مَغنم أو فَيء أو صدقة، وليس منه درهم إلَّا قد بيَّن الله تعالى موضعه، وهذا أشبه (٤) ومذهب الشافعي ﵀: أنَّ سبيل خمس الفيء سبيل خمس الغنيمة، وأنَّ أربعة أخماسه كانت للنبي ﷺ ، وهي بعده لمصالح المسلمين. وله قول آخر أنَّها بعده للمرصدين أنفسهم للقتال بعده خاصة (٥). قوله : ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ قراءة العامة: ﴿يَكُونَ﴾ بالياء ﴿دُولَةً﴾ بالنصب (٦) أي: كي لا يكون الفيء دُولة (٧) وقرأ أبو جعفر

стр. 14024

والأعرج وهشام وأبو حيوة (تكون) بالتاء (دُولَةٌ) بالرفع (١) أي: لا تكون الغنيمة والأموال، ورفع (دولة) على اسم كان وجعل الكينونة بمعنى الوقوع وحينئذٍ لا خبر له (٢). وقراءة العامة على ضم الدال من قوله: ﴿دُولَةً﴾، وقرأها أبو عبد الرحمن السُّلمي وأبو حيوة دَولةً بنصب الدال (٣). قال عيسى بن عُمر: هما لغتان بمعنى واحد (٤). وفرق الآخرون بينهما فقالوا: الدَّوْلَة بفتح الدال الظَّفَر والغلبة في الحرب وغيرها، وهي مصدر (٥) والدُّولة بالضم اسمٌ للشيء الذي يتداوله الناس من الأموال بينهم (٦).

стр. 14025

وقال أبو عبيدة: الدولة اسم الشيء الذي يتداول والدُّولة الفِعل (١). ﴿بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ معنى الآية: كي لا يكون الفيء دولة بين الرؤساء والأغنياء والأقوياء دون الفقراء والضعفاء، وذلك أنَّ أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا غنيمةً أخذ الرئيس رُبعَها لنفسه، وهو المِرْباع، ثم يصطفي منها أيضًا بعد المرْباع ما شاء (٢). وفيه يقول شاعرهم (٣): لك المربَاع منها والصَّفايَا (٤) ... وحُكمكَ والنَّشيطة (٥) والفُضولُ (٦) (٧)

стр. 14026

يقول لئلا يعمل فيها كما كان يعمل في الجاهلية فجعل الله تعالى هذا لرسول الله ﷺ يقسمه في المواضع التي أمر بها ليس فيها خمس، فإذا جاء خمس بين المسلمين جميعًا (١). ﴿وَمَا آتَاكُمُ﴾ أعطاكم (٢). ﴿الرَّسُولُ﴾ من الفيء والغنيمة (٣). ﴿فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ من الغلول وغيره (٤). ﴿فَانْتَهُوا﴾ قال الفراء: نزل في الرؤساء فرضوا (٥). وقيل: هو عام (٦). قال الحسن: في هذِه الآية يؤتيهم الغنائم ويمنعهم الغلول (٧).

стр. 14027

[٣٠٦٩] أخبرني ابن فنجويه (١)، قال: حدثنا أبو حذيفة أحمد بن محمد (بن علي) (٢)، قال: حدثنا أبو محمد عبيد بن أحمد بن عبيد الصفار الحمصي (٣)، قال: حدثنا عطية بن بقية بن الوليد (٤)، قال: حدثني عيسى بن أبي عيسى (٥) , قال: حدثنا موسى بن أبي حبيب (٦)، قال: سمعت الحكم بن عمير الثمالي (٧) ﵃ وكانت له

стр. 14028

صُحبة- يقول: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ هذا القرآن صعبٌ مُستصعب عسير على (١) من تركه يسير على من طلبه واتبعه وحديثي صعب مستصعب وهو الحكم فمن استمسك بحديثي وحفظه نجا (٢) مع القرآن، ومن تهاون بالقرآن وبحديثي خسر الدنيا والآخرة، وأُمِرْتُم أن تأخذوا بقولي وتكتنفوا أمري وتتبعوا سنتي، فمن رضي بقولي فقد رضي بالقرآن ومن أسْتَهْزَأ بقولي فقد اسْتَهْزَأ بالقرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ " (٣). [٣٠٧٠] وأخبرنا (الحسين بن محمد الفنحوي (٤)، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن شنبة (٥)، قال: أخبرنا) (٦) جعفر (٧) بن محمد الفريابي (٨) وعبيد الله بن أحمد الكسائي (٩)، قالا: حدثنا أبو بكر بن

стр. 14029

أبي شيبة (١)، قال: حدثنا معاوية بن (٢) هشام (٣)، قال: حدثنا سفيان الثوري (٤)، عن الأعمش (٥)، عن إبراهيم (٦)، عن (عبد الرحمن بن يزيد) (٧) قال: لقي عبد الله بن مسعود ﵁ رجلًا محرمًا وعليه ثيابه فقال: انزع عنك هذا. فقال الرجل أتقرأ على هذا آية من كتاب الله؟ قال: نعم قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٨) . ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٨ - قوله : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ يعني: كي لا يكون هذا الفيء دولة بين الأغنياء منكم، ولكن يكون للفقراء المهاجرين (٩). ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ قال قتادة: هؤلاء المهاجرون

стр. 14030

الذين تركوا الديار والأموال والأهلين والعشائر والأوطان حبًّا لله ورسوله، واختاروا الإسلام على ما كانت فيه من شدة، حتى ذُكر لنا أنَّ الرجل منهم كان يعصب الحجر على بطنه، ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة (١) في الشتاء ما له دثار غيرُها (٢). وروى جعفر بن أبى (٣) المغيرة، عن سعيد بن جبير وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، قالا: كان ناس من المهاجرين لَيْسَ لأحدهم الدار والزوجة والعبد والناقة يحج عليها ويغزو، فنسبهم الله تعالى إلى أنَّهم فقراء وجعل لهم سهمًا في الزكاة وهم الذين أخرجهم أهل مكة من ديارهم وأموالهم، كانوا مائة رجل (٤). ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي: رزقًا في الجنة (٥). ﴿وَرِضْوَانًا﴾ أي: مرضاة ربهم (٦). ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الجهاد في سبيل الله.

стр. 14031

﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ في إيمانهم (١). ٩ - قوله : ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ أي: اتَّخذوا المدينة دارًا والهجرة (٢). ﴿وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وهم الأنصار أسلموا في ديارهم وابتنوا المساجد قبل أن يهاجر النبي ﷺ بسنتين فأحسن الله الثناء عليهم، ونظم الآية: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ أي: توطنوا من قبل قدوم النبي ﷺ وأصحابه من المؤمنين عليهم وقد آمنوا (٣). ﴿يُحِبُّونَ﴾ يعني: الأنصار (٤). ﴿مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾ أي: حزازة وغيظًا (٥)، وقيل: حسدًا (٦). ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ أي: مما أعطي المهاجرون من الفيء، وذلك أنَّ

стр. 14032

رسول الله ﷺ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين ولم يعطِ الأنصار منها شيئًا إلَّا ثلاثة نفر كما ذكرناهم فطابت أنفس الأنصار بذلك (١). ﴿وَيُؤْثِرُونَ﴾ إخوانهم من المهاجرين. ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ بأموالهم ومنازلهم (٢). ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ فاقة وحاجة إلى ما يؤثرون به، ذلك أنَّهم قاسموهم ديارهم وأموالهم (٣). [٣٠٧١] وأخبرنا أبو محمد الشيباني (٤)، قال: أخبرنا أبو العباس الثقفي (٥)، قال: أخبرنا (محمود بن خداش) (٦) وسمعته يقول: ما أخذت ميزانًا قط. قال حدثنا محمد بن الحسن الشيباني (٧)، قال:

стр. 14033

أخبرنا الفضيل (١) بن غزوان (٢)، عن أبي حازم (٣)، عن أبي هريرة ﵃ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ وقد أصابه الجهد، فقال يا رسول الله: إِني جائع فأَطعِمْني، فبعث رسول الله ﷺ إلى أزواجه: "هل عندكنَّ شيئًا؟ " فكلُّهن قالت: والذي بعثك بالحق ما عندنا إلَّا الماء، فقال رسول الله ﷺ : (٤) " ما عند رسول الله ما يطعمك هذِه الليلة" -ثم قال-" من يضيف ضيف رسول الله هذا هذِه الليلة ﵀؟ " فقام رجل من الأنصار، فقال: أنا يا رسول الله، فأخذه فانطلق به وأتى منزله، فقال لأهله: هذا ضيف رسول الله ﷺ ، فأكرميه ولا تدَّخري عنه شيئًا، فقالت: والله ما عندنا إلَّا عيش الصبية وقوتَهم،

стр. 14034

قال: قومي فعلِّليهم عن قوتهم حتى يناموا ولا يطعموا شيئًا ثم أسرجي وأبرزي، فإذا أخذ الضيف ليأكل قومي كأنَّك تصلحين السراج، فاطفئيه، وتعالَي نمضغ ألسنتنا لضيف رسول الله ﷺ حتى يشبع ضيفه، فقامت إلى الصبية فعللتُهم حتى ناموا عن قوتهم، ولم يَطعموا شيئًا ثم قامت فأبرزت وأسرجت، فلما أخذ الضيفُ ليأكل قامت كأنَّها تصلح السراج فأطفأته وجعلا يمضغان ألسنتهما، والضيف يظن أنَّهما يأكلان معه حتى شبع ضيف رسول الله ﷺ وباتا طاوَييْن (١)، فلما أصبحا غَدَوَا على رسول الله ﷺ ، فلما نظر إليهما تبسم ثم قال: "لقد عجب الله تعالى من فلان وفلانة ومن صنيعهما بضيفهما هذِه الليلة" فأنزل الله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الآية (٢).

стр. 14035

وقال أنس بن مالك ﵁ أُهْديَ لِرجل من الصحابة رأسُ شاةٍ مشوية وكان مجهودًا فوجَّه به إلى جارٍ له، فتداولته سبعة أنفس في سبعة أبيات حتى عاد إلى الأولى، فأنزل الله ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١). ويحكى عن أبي الحسين الأنطاكي أنَّه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلًا بقرية بقرب الرَّي (٢) ومعهم أرغفة معدودة لم تسع بجميعهم، فكسروا الرغفان وأطفؤوا السراج وجلسوا للطعام فلما رفع فإذا الطعام بحاله لم يأكل منهم أحد إيثارًا لصاحبه على نفسه (٣). ويحكى عن (أبي الجهم بن) (٤) حذيفة العدوي، قال: انطلقتُ يوم

стр. 14036

اليرموك (١) أطلبُ ابن عم لي ومعي شيء من الماء، وأنا أقول إن كان به رمق سقيتهُ ومسحت به وجهه، فإذا أنا به، فقلت: أسقيك؟ فأشار برأسه أن نعم، فإذا رجل يقول: آه آه، فأشار ابن عمي إليَّ أن انطلق به إليه فجئته، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك، فسمع آخر يقول: آه آه، فأشار هشام أن أنطلق به إليه، فجئته فإذا هو قد مات ثم رجعت إلى هشام، فإذا هو قد مات، ثم رجعت إلى ابن عمي، فإذا هو قد مات (٢). [٣٠٧٢] وسمعت أبا القاسم الحسن (٣) بن محمد النيسابوري (٤)، يقول: سمعت أبا عبد الله الجرجاني (٥)، يقول: سمعت الحسن بن عَلويه الدامغاني (٦) يحكي عن أبي يزيد البسطامي (٧)، يقول: ما غلبني أحد ما غلبني شاب من أهل بَلْخ قدم علينا حاجًّا، فقال لي:

стр. 14037

يا أبا يزيد ما حد الزهد عندكم؟ قلت: إذا أكلنا شكرنا وإذا فقدنا صَبَرنا، فقال: هكذا دأب كلاب بلخ عندنا، فقلت: وما حد الزهد عندكم؟ فقال: إذا فقدنا شكرنا وإذا وجدنا آثرنا (١). [٣٠٧٣] وسمعت أبا القاسم الحبيبي (٢)، يقول: سمعت أبا محمد البلاذري (٣)، يقول: سمعت بكر (٤) بن عبد الرحمن (٥)، يقول: سئل ذو النون المصري (٦) عن علامة الزاهد المشروح صدره، فقال: ثلاث: تفريق المجموع، وترك طلب المفقود والإيثار عند القوت (٧). وقال ابن عباس ﵄: قال: قال رسول الله ﷺ يوم بني النضير للأنصار: "إن شئتم قدمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذِه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم

стр. 14038

وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة "، فقالت الأنصار: بل نقسم لإخواننا من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة ولم نشاركهم فيها فأنزل الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الآية (١). ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ أي: يقيه الله شح نفسه فيؤدي الزكاة المفروضة (٢). ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، والشح في كلام العرب: البخل، ومنع الفضل. يقال: فلان شحيح بيِّن الشُّحِّ والشِّح والشِّحَّةِ والشَّحاحَةِ (٣). قال عمرو بن كلثوم: ترى اللَّحِزَ (٤) الشَّحيحَ إذا أُمِرَّتْ ... عليهِ لِمَالِهِ فيها مُهِيْنًا (٥)

стр. 14039

وفرَّق العلماء من السلف بينهما. [٣٠٧٤] فأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين (١)، قال: حدثنا موسى بن محمد بن علي (٢)، قال: حدثنا إدريس بن عبد الكريم الحداد (٣)، قال: حدثنا عاصم بن علي بن عاصم (٤). [٣٠٧٤/ ٢] وأخبرنا عبد الخالق (بن علي بن عبد الخالق) (٥) , قال: أخبرنا ابن خنب (٦)، قال: حدثنا ابن شاكر (٧)، قال: حدثنا عاصم بن علي (٨)، عن المسعودي (٩)، عن جامع بن شداد (١٠)، عن

стр. 14040

أبي الشعثاء (١)، قال: قال رجل لعبد الله بن مسعود ﵁: يا أبا عبد الرحمن إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ذلك؟ قال: سمعت الله يقول (٢): ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ وأنا رجل شحيح، لا يكاد يخرج من يديَّ شيء، قال: ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن، ولكن الشحَّ أن تأكل مال أخيك ظلمًا، وذاك البخل، وبئس الشيء البخل، ففرق بينهما (٣). وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ قال: يقول: هوى
следующие страницы →