← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 14036–14075 · переход к 14041.

стр. 14036

اليرموك (١) أطلبُ ابن عم لي ومعي شيء من الماء، وأنا أقول إن كان به رمق سقيتهُ ومسحت به وجهه، فإذا أنا به، فقلت: أسقيك؟ فأشار برأسه أن نعم، فإذا رجل يقول: آه آه، فأشار ابن عمي إليَّ أن انطلق به إليه فجئته، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك، فسمع آخر يقول: آه آه، فأشار هشام أن أنطلق به إليه، فجئته فإذا هو قد مات ثم رجعت إلى هشام، فإذا هو قد مات، ثم رجعت إلى ابن عمي، فإذا هو قد مات (٢). [٣٠٧٢] وسمعت أبا القاسم الحسن (٣) بن محمد النيسابوري (٤)، يقول: سمعت أبا عبد الله الجرجاني (٥)، يقول: سمعت الحسن بن عَلويه الدامغاني (٦) يحكي عن أبي يزيد البسطامي (٧)، يقول: ما غلبني أحد ما غلبني شاب من أهل بَلْخ قدم علينا حاجًّا، فقال لي:

стр. 14037

يا أبا يزيد ما حد الزهد عندكم؟ قلت: إذا أكلنا شكرنا وإذا فقدنا صَبَرنا، فقال: هكذا دأب كلاب بلخ عندنا، فقلت: وما حد الزهد عندكم؟ فقال: إذا فقدنا شكرنا وإذا وجدنا آثرنا (١). [٣٠٧٣] وسمعت أبا القاسم الحبيبي (٢)، يقول: سمعت أبا محمد البلاذري (٣)، يقول: سمعت بكر (٤) بن عبد الرحمن (٥)، يقول: سئل ذو النون المصري (٦) عن علامة الزاهد المشروح صدره، فقال: ثلاث: تفريق المجموع، وترك طلب المفقود والإيثار عند القوت (٧). وقال ابن عباس ﵄: قال: قال رسول الله ﷺ يوم بني النضير للأنصار: "إن شئتم قدمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذِه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم

стр. 14038

وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة "، فقالت الأنصار: بل نقسم لإخواننا من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة ولم نشاركهم فيها فأنزل الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الآية (١). ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ أي: يقيه الله شح نفسه فيؤدي الزكاة المفروضة (٢). ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، والشح في كلام العرب: البخل، ومنع الفضل. يقال: فلان شحيح بيِّن الشُّحِّ والشِّح والشِّحَّةِ والشَّحاحَةِ (٣). قال عمرو بن كلثوم: ترى اللَّحِزَ (٤) الشَّحيحَ إذا أُمِرَّتْ ... عليهِ لِمَالِهِ فيها مُهِيْنًا (٥)

стр. 14039

وفرَّق العلماء من السلف بينهما. [٣٠٧٤] فأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين (١)، قال: حدثنا موسى بن محمد بن علي (٢)، قال: حدثنا إدريس بن عبد الكريم الحداد (٣)، قال: حدثنا عاصم بن علي بن عاصم (٤). [٣٠٧٤/ ٢] وأخبرنا عبد الخالق (بن علي بن عبد الخالق) (٥) , قال: أخبرنا ابن خنب (٦)، قال: حدثنا ابن شاكر (٧)، قال: حدثنا عاصم بن علي (٨)، عن المسعودي (٩)، عن جامع بن شداد (١٠)، عن

стр. 14040

أبي الشعثاء (١)، قال: قال رجل لعبد الله بن مسعود ﵁: يا أبا عبد الرحمن إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ذلك؟ قال: سمعت الله يقول (٢): ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ وأنا رجل شحيح، لا يكاد يخرج من يديَّ شيء، قال: ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن، ولكن الشحَّ أن تأكل مال أخيك ظلمًا، وذاك البخل، وبئس الشيء البخل، ففرق بينهما (٣). وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ قال: يقول: هوى

стр. 14041

نفسه يتبع هواه فلم يقبل الإيمان فذاك الشحيح (١). وقال ابن زيد: من لم يأخذ شيئًا نهاه الله عنه ولم يَدْعُه الشح أن يمنع شيئًا أمره الله به فقد وقاه الله شحَّ نفسه (٢). وقال طاوس: البخل أن يبخل الإنسان بما في (٣) يديه، والشح أن يبخل بما في أيدي الناس (٤). [٣٠٧٥] وأخبرني (أحمد بن أبي الفراتي) (٥)، قال: أخبرنا محمد ابن أحمد بن عبد الله النحوي (٦)، قال: أخبرنا محمد بن حمدون بن خالد (٧)، قال: حدثنا محمد بن عبد الوهاب (٨)، عن أبي تمام العسقلاني (٩)، قال: حدثنا سليمان ابن بنت شرحبيل (١٠)، قال:

стр. 14042

حدثنا إسماعيل بن عياش (١)، قال: حدثنا عمارةُ بن غزية الأنصاري (٢) عن عمه (٣) عن ابن حارثة (٤) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "برئ من الشُّح مَنْ أدى الزَّكاة، وأقرى الضَّيفَ وأعطى في النائِبَة" (٥).

стр. 14043

[٣٠٧٦] أخبرني أبو عبد الله الحافظ (١)، قال: حدثنا أبو حذيفة أحمد بن محمد بن علي (٢)، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن محمد الطائي (٣)، قال: حدثنا عبد الله بن زيد (٤)، قال: حدثنا إبراهيم بن العلاء (٥)، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش (٦)، عن هشام

стр. 14044

ابن الغاز (١)، عن أبان (٢)، عن أنس ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ كان يدعو" اللهم إني أعوذ بك من شح نفسي وإسرافها ووْسواسِها" (٣). [٣٠٧٧] وأخبرني أبو عبد الله الحافظ (٤)، قال: حدثنا هارون بن محمد بن هارون (٥)، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن سنان (٦)، قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي (٧)، قال: حدثنا داود بن قيس الفراء (٨)، عن عبيد الله بن مِقْسَم (٩)، عن جابر بن عبد الله (١٠) ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "اتَّقوا الظلم فإنَّ الظلم ظلمات يوم القيامة، واتَّقوا الشحَّ فإنَّ الشحَّ أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا

стр. 14045

دماءهم واستحلوا محارمهم" (١). وروى سعيد بن جبير عن أبي الهياج الأسدي (٢) (٣) قال: كنت أطوف بالبيت، فرأيت رجلًا يدعو ويقول: اللَّهمَّ قني شُحَّ نفسي، لا يزيد على ذلك، فقلت له، فبيِّنه فقال: إذا وقيتُ شحَّ نفسي لم أسرق، ولم أزن ولم أفعل شرًّا، فإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف ﵁ (٤).

стр. 14046

وقال كسرى لأصحابه ذات يوم: أي شيء أضر بابن آدم؟ قالوا: الفقر، قال كسرى: الشح أضر من الفقر؛ لأنَّ الفقير إذا وجد اتَّسع، وإنَّ الشحيح إذا وجد لم يتسع أبدًا. ١٠ - قوله : ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني: التابعين ومن دخل في الإسلام إلى يوم القيامة (١). قال ابن أبي ليلى ﵀: الناس على ثلاثة منازل: الفقراء المهاجرون، والذين تبوؤوا الدار والإيمان، والذين جاؤوا من بعدهم، فاجهد أن لا تكون خارجًا من هذِه المنازل (٢). وقال بعضهم: كن شمسًا فإن لم تستطع فكن قمرًا، فإن لم تستطع فكن كوكبًا صغيرًا ومن جهة النور لا ينقطع، ومع هذا كن مهاجريًّا، فإن قلت: لا أجد فكن أنصارياً، فإن لم تجد فاعمل بأعمالهم، فإن لم تستطع فأحبهم واستغفر لهم كما أمرك الله تعالى (٣). [٣٠٧٨] أخبرني الحسين بن محمد الدينوري (٤)، قال: حدثنا علي

стр. 14047

بن إبراهيم الموصلي (١)، قال: حدثنا محمد بن مخلد الدوري (٢) قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الحساني (٣)، قال: حدثني أبو يحيى الحماني (٤)، عن الحسن بن عمارة (٥)، عن الحكم بن عُتَيْبة (٦)، عن مِقسم (٧)، عن ابن عباس ﵄ قال: أمر الله بالاستغفار لأصحاب محمد ﷺ -وهو يعلم أنَّهم سيفتنون (٨). [٣٠٧٩] وأخبرنا عبد الله بن حامد (٩)، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله (١٠)، قال: حدثنا محمد بن سليمان (١١)، قال: حدثنا ابن

стр. 14048

نمير (١)، عن أُبي (٢)، عن إسماعيل بن إبراهيم (٣)، عن عبد الملك بن عمير (٤) , عن مسروق (٥) , عن عائشة ﵂ قالت: أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد ﷺ فسَبَّبْتُمُوهم، سمعت نبيكم ﷺ يقول: "لا تذهب هذِه الأمة حتى يلعن آخرها أولها" (٦). [٣٠٨٠] وأخبرني ابن فنجويه الدينوري (٧)، قال: حدثنا عبد الله ابن يوسف (٨)، قال: حدثنا الحسن بن علي الطوسي (٩)، قال:

стр. 14049

حدثنا محمد بن المؤمّل بن الصباح البصري (١)، قال: حدثنا النضر بن حماد العتكي (٢)، قال: حدثنا سيف بن عمر الأسدي (٣)، قال: حدثنا (عبيد الله) (٤) بن عمر (٥)، عن نافع (٦)، عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقولوا: لعن الله أشركم" (٧).

стр. 14050

[٣٠٨١] وأخبرني ابن فنجويه (١)، قال: حدثنا الفضل بن الفضل الكندي (٢)، قال: حدثنا ابن النعمان (٣)، قال: حدثنا هارون بن سليمان (٤)، قال: حدثنا عبد الله -يعني: ابن داود (٥) - قال: حدثنا كثير بن مَرْوان الشامي (٦)، عن عبد الله بن يزيد الدمشقي (٧)، قال: أتيت الحسن (٨) ﵀، فذكر كلامًا، إلَّا أنَّه قال: أدركت ثلاثمائة من أصحاب محمد ﷺ منهم سبعون بدريًّا كلهم يحدثني، أنَّ نبيَّ الله ﷺ قال: "من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" (٩) فالجماعة شأنهم أن لا يسبوا الصحابة

стр. 14051

ولا يماروا في دين الله وألَّا يكفِّروا أحدًا من أهل التوحيد بذنب. قال عبد الله بن يزيد: فلقيت أبا أمامة وأبا الدرداء وواثلة بن الأسْقع وأنس بن مالك ﵃ فكلهم يحدثني عن رسول الله ﷺ بمثل حديث الحسن ﵀. [٣٠٨٢] وأخبرني ابن فنجويه (١)، قال: حدثنا ابن حبش (٢)، قال: حدثنا أبو الفضل صالح بن الأصبع التنوخي (٣)، قال: حدثنا أبو الفضل الربيع بن محمد بن عيسى الكندي (٤)، قال: حدثنا سعيد ابن منصور (٥)، قال: حدثنا شهاب بن خراش (٦)، عن عمه العوام

стр. 14052

ابن حوشب (١)، قال: أدركت من أدركت من صدر هذِه الأمة وهم يقولون: اذكروا محاسن أصحاب محمَّد ﷺ حتى تأتلف عليهم القلوب، ولا تذكروا ما شجر بينهم فتحرشوا الناس عليهم (٢). [٣٠٨٣] وسمعت عبد الله بن حامد (٣)، يقول: سمعت محمَّد بن محمَّد بن الحسن (٤)، يقول: سمعت أبا عبد الله محمد (بن القاسم الخجي العتكي (٥)، قال: ) (٦) سمعت محمَّد بن سمعان المرزوي (٧)، يقول: سمعت أحمد بن إسماعيل المروزي (٨)، عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول (٩)،

стр. 14053

عن أبيه (١)، قال: قال عامر بن شراحيل (٢) الشعبي (٣) ﵀ (قال: حدثنا مالك (٤)، قال: ) (٥) تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة، سُئلت اليهود: مَنْ خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى ﵇، وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: حواري عيسى ﵇، وسئلت الرافضة مَن شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمَّد. أُمروا بالاستغفار لهم فسَبُوهم، فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية ولا تثبت لهم قدم، ولا تجمع لهم كلمة، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها سفك دمائهم (٦)، وتفرق شملهم وادحاض حجتهم أعاذنا الله تعالى وإياكم من الأهواء المضلة (٧).

стр. 14054

وعن جعفر بن محمد بن علي (١)، عن أبيه (٢)، عن جده علي بن الحسين (٣) ﵄ أنَّه جاءه رجل، فقال: يا ابن بنت رسول الله ما تقول في عثمان فقال: يا أخي أنت من قوم قال الله تعالى فيهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآية؟ قال: لا، قال: فأنت من قوم قال فيهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ الآية؟ قال: لا، قال: فوالله لئن لم تكن من أهل الآية الثالثة لتخرجنَّ من الإسلام، وهي قوله : ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الآية (٤). [٣٠٨٤] وأخبرنا أبو الحسن (٥) عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد العدل (٦)، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يونس المقرئ (٧)، قال:

стр. 14055

حدثنا أحمد بن محمد بن سالم (١)، قال: حدثنا سوَّار بن عبد الله القاضي (٢)، قال: حدثنا أبي (٣)، قال: قال مالك بن أنس (٤) ﵃: من يُبغض (٥) أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ أو كان في قلبه عليه غل فليس له حق من فيء المسلمين ثم قرأ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتى أتى على هذِه الآية ثم قرأ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ وحتى أتى هذِه الآية، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فمن تنقصهم أو كان في قلبه عليهم غل فليس له في الفيء حق (٦).

стр. 14056

وقال السدي: هؤلاء الذين هاجروا من بعد. ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: في حال قولهم (١). ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، يعني: من أصحاب محمَّد ﷺ . ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: حقدًا وحسدًا للمسلمين (٢) وفي الآية دليل على محبة الصحابة، لأنَّه جعل لمن بعدهم حظًّا في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ١١ - قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ أي: أظهروا بألسنتهم الإيمان وأسروا الكفر، وهو مأخوذ من نافقاء اليربوع وهو أحد جحريه إذا أخذ عليه أحدهما أخذ في جُحر آخر، فيقال فيه نفق ونافق، فيدخل من باب ويخرج من آخر (٣)، فشبه فعل المنافق بفعل اليربوع، لأنَّه يدخل في الإسلام باللفظ ويخرج منه بالعقد والنفاق، لفظ إسلامي لم تكن العرب تعرفه قبل الإسلام (٤) وهؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه (٥).

стр. 14057

﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جحدوا نبوة محمَّد ﷺ . ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، وهم بنو قريظة والنضير (١). ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ من دياركم (٢). ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾ يعني: محمدًا لا نطيعه في قتالكم (٣). ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ وفيه دليل على صحة نبوة محمَّد ﷺ من جهة علم الغيب، لأنَّهم خرجوا فلم يخرجوا معهم وقوتلوا فلم ينصروهم كما قال تعالى (٤). ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. ١٢ - قوله ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢)﴾ ١٣ - قوله ﴿لَأَنْتُمْ﴾ يا معشر المسلمين (٥). ﴿أَشَدُّ رَهْبَةً﴾ خوفًا وخشية (٦). ﴿فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: يخافون منكم أكثر وأشد مما يخافون

стр. 14058

﴿ذَلِكَ﴾ الخوف (١) ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ويعلمون أنَّ الله يطلع على ضمائرهم فيجازيهم بها (٢). ١٤ - قوله ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ يعني: اليهود (٣). ﴿جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ لا يبرزون لكم بالقتال (٤). ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ يستترون، قراءة العامة ﴿جُدُرٍ﴾ على الجمع، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، لأنَّها نظير قوله في ﴿قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ وذلك جمع. وقرأ ابن عباس ﵄ ومجاهد وحُميد وابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو والجحدري وابن أبي إسحاق (جدار) على التوحيد (٥)، يؤدي عن معنى الجمع (٦). وروي عن بعض المكيين (جَدْر) بفتح الجيم وإسكان الدال وهي

стр. 14059

لغة في الجدار (١). ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ بعضهم فظٌّ على بعض إذا اقتتلوا فيما بينهم، وقيل: عداوة بعضهم لبعض شديدة (٢). وقيل: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ بالوعيد لنفعلن كذا (٣) كأنَّه يقول لما قذف الله تعالى في قلوبهم الرعب لا يبرزون لحربكم، إنَّما يقاتلون متحصنين بالقرى ومن وراء الحيطان والجدران، فهم أجبن خلق الله (٤). ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا﴾ أي: مجتمعين على أمر ورأي (٥). ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ متفرقة مختلفة (٦). قال قتادة: أهل الباطل متفرقة آراؤهم، مختلفة شهاداتهم، مختلفة أهواؤهم فهم مجتمعون في عداوة أهل الحق (٧). وقال مجاهد: أراد أنَّ دين المنافقين مخالف لدين اليهود، وهذا

стр. 14060

لتقوى أنفس المؤمنين عليهم (١). ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ١٥ - قوله : ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: مثل هؤلاء اليهود كمثل الذين من قبلهم وهم مشركو أهل مكة (٢). ﴿قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ يوم بدر (٣)، قال مجاهد، وقال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: بني قَيْنُقاع (٤). وقيل: مثل قريظة كمثل بني النضير -كان بينهما سنتان- ذاقوا وبال أمرهم الجلاء والنفي (٥). وقيل: هم الأمم الماضية من نوح ﵇ إلى محمَّد ﷺ : ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة، ثم ضرب مثلًا للمنافقين واليهود

стр. 14061

في تجادلهم (١) فقال عزَّ من قائل: ١٦ - قوله : ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ [٣٠٨٥/أ] أخبرني ابن فنجويه (٢)، قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرجي (٣)، قال: حدثنا الحسن بن علويه (٤)، قال: حدثنا إسماعيل بن عيسى (٥)، قال: حدثنا إسحاق بن بشر (٦)، قال: حدثنا مقاتل (٧)، عن عطاء (٨)، عن ابن عباس. [٣٠٨٥/ب] وعبد الرحمن بن قبيصة (٩)، عن أبيه (١٠)، عن ابن

стр. 14062

عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ﴾ الآية قال: كان راهب في الفترة يقال له: برصيصا قد تعبّد في صومعة له سبعين سنة، لم يعص الله تعالى فيها طرفة عين، وإنَّ إبليس أعياه في أمر الحيل، فلم يستطع له بشيء، فجمع ذات يوم مردة الشياطين، فقال: ألا أجد منكم من يكفيني أمر برصيصا؟ فقال: الأبيض وهو صاحب الأنبياء وهو الذي قصد النبي ﷺ (١) وجاءه في صورة جبريل ﵇ ليوسوس إليه على وجه الوحي، فجاء جبريل ﵇ حتى دخل بينهما ثم دفعه بيده دفعة هيبته فوقع من دفعة جبريل إلى أقصى أرض الهند، فذلك قوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾ فقال الأبيض لإبليس: أنا أكفيكه، فانطلق. فتزي بزي الرهبان وحلق وسط رأسه ثم مضى حتى أتى صومعة برَصيصا فناداه فلم يُجبه، وكان لا ينفتل من صلاته إلَّا في كل عشرة أيام يومًا، ولا يفطر إلَّا في عشرة أيام يومًا وكان يواصل الصوم الأيام العشرة والعشرين والأكثر، فلما رأى الأبيض أنَّه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل صومعته، فلما انفتل برصيصا من صلاته، اطلع من صومعته فرأى الأبيض قائمًا منتصبًا يصلي في هيئة حسنة من هيئة الرهبان، فلما رأى ذلك من حاله ندم في نفسه حين لهي عنه فلم

стр. 14063

يجبه، فقال: إنَّك ناديتني وكنت مشتغلًا عنك فما حاجتك؟ قال الأبيض: حاجتي أني أحببتُ أن أكون معك وأتأدَّب بأدبك، وأقتبس من علمك، ونجتمع على العبادة، فتدعو لي وأدعو لك، فقال برصيصا: إني لفي شغل عنك، فإن كنت مؤمنًا فإنَّ الله سيجعل لك فيما ادعوه للمؤمنين والمؤمنات نصيبًا إن استجاب لي، ثم أقبل على صلاته وترك الأبيض، فأقبل الأبيض أيضًا إلى الصلاة، فلم يلتفت برصيصا إليه أربعين يومًا بعدها، فلما رآه قائمًا يصلي مع كثرة اجتهاده وكثرة تضرعه وعبادته وابتهاله إلى الله كلَّمه وقال له: ما حاجتك؟ قال: حاجتي أن تأذن لي فارتفع إليك فأذن له فارتفع له في صومعته، فأقام الأبيض معه حولًا يتعبد لا يفطر إلَّا في كل أربعين يومًا يومًا واحدًا، ولا ينفتل عن صلاته إلَّا في كل أربعين يومًا مرةً، وربما مدَّ إلى الثمانين، فلما رأى برصيصا تقاصرت إليه نفسه وأعجبه شأنه، فلما حال الحول قال الأبيض له: إني منطلق وإنَّ لي صاحبًا غيرك (١) ظننت أنَّك أشد اجتهاداً مما أرى، وكان يبلغنا عنك غير (٢) الذي رأيت، قال: فدخل على برصيصا أمرٌ عظيم وكره مفارقته للذي رأى من شدة اجتهاده، فلما ودَّعه، قال له الأبيض: إنَّ عندي دعوات أعلمكها تدعو بهنَّ فهنَّ خير مما أنت فيه، يشفي الله بها السقيم ويُعافي بها المبتلى

стр. 14064

والمجنون، قال: برصيصا إني أكره (١) هذِه المنزلة، لأنَّ لي في نفسي شغلًا، وإني أخاف إن أعلم بهذا الناس فيشغلوني عن العبادة، فلم يزل به الأبيض حتى علَّمه ثم انطلق حتى أتى إبليس اللعين، فقال: قد والله أهلكت الرجل، فانطلق الأبيض فتعرض لرجل فخنقه، ثم جاءه في صورة رجل يتطبب، فقال لأهله: إنَّ بصاحبكم جنونًا أفأعالجه؟ قالوا: نعم، فقال لهم: إني لا أقوى على جنيه، ولكني سأرشدكم إلى من يدعو الله تعالى له فيعافى، فقالوا له: دلنا (٢) قال: انطلقوا واذهبوا به إلى برصيصا، فإنَّ عنده اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب. فانطلقوا به فسألوه ذلك، فقال: نعم. فدعا بتلك الكلمات فذهب عنه الشيطان ثم جعل الأبيض يفعل بالناس مثل هذا الذي فعل بالرجل، ثم يرشدهم إلى برصيصا يدعو لهم فيعافون، فانطلق الأبيض إلى جارية من بنات الملوك بين ثلاثة إخوة، فتعرض لها وكان أبوهم ملكًا، فمات فاستخلف أخاه، وكان عمها ملكا في بني إسرائيل، فعذبها وخنقها ثم جاء إليهم في صورة رجل متطبب فقال لهم: أعالجها؟ قالوا: نعم، فعالجها، فقال: إنَّ الذي عرض لها شيطان مارد لا يطاق، ولكن سأرشدكم إلى رجل تثقون به تدعونها عنده، فإذا جاء شيطانها دعا لها حتى تعلموا أنَّها قد عوفيت وتردونها

стр. 14065

صحيحة قد ذهب شيطانها، قالوا: ومن هو؟ قال برصيصا اذهبوا بها إليه، قالوا: لا يجيبنا إلى هذا هو أعظم شأنًا من ذلك قال: انطلقوا فابتنوا صومعة إلى جانب صومعته (١) حتى تشرفوا عليه، فإن قبلها وإلَّا تضعوها في صومعتها، ثم قولوا له: هي أمانة عندك فاحتسب فيها، قال: فانطلقوا إليه فسألوه ذلك فأبى عليهم، فبنوا صومعة على ما أمرهم الأبيض ووضعوا الجارية في صومعتها، فقالوا: يا برصيصا هذِه أختنا قد عرض لها عدو من أعداء الله، وهي أمانة عندك فاحتسب فيها (٢)، ثم انصرفوا فلما انفتل برصيصا عن صلاته عاين تلك الجارية وما بها من الجمال فسقط في يده ودخل عليه أمر عظيم، فجاءها الشيطان فخنقها فلما رأى برصيصا ذلك انفتل عن صلاته، فدعا بتلك الدعوات فذهب عنها الشيطان، فأقبل على صلاته، فجاءها الشيطان فخنقها، وكان يكشف عنها ويتعرض بها لبرصيصا، وجاء الشيطان، فقال: ويحك واقعها فلا تجد مثلها فتتوب وبعد فتنتك فتدرك بما تريد من الأمر الذي تريد، فلم يزل به حتى واقعها فافترشها فلم يزل على ذلك يأتيها حتى حملت وظهر حملها، فقال له الشيطان: ويحك (٣) قد افتضحت، فهل لك أن تقتل هذِه ثم تتوب فلا تفتضح؟ فإن جاؤوك وسألوك، فقل: جاء شيطانها فذهب بها ولم أقو عليه، ففعل وقتلها برصيصا ثم أنطلق

стр. 14066

بها ودفنها إلى جانب الجبل، فجاءه الشيطان وهو يدفنها ليلًا، فأخذ بطرف إزارها فبقي طرف إزارها خارجًا من التراب، ثم رجع برصيصا إلى صومعته فأقبل إلى صلاته إذ جاء إخوتها، وكانوا يتعاهدون أختهم، وكانوا يجيئون في بعض الأيام يسألون عنها ويطيلون إلى برصيصا ويوصونه بها، فقالوا: يا برصيصا ما فعلت أختنا؟ قال: جاء الشيطان فذهب بها ولم أطقه، فصدقوه وانصرفوا، فلما أمسوا وهم مكروبون جاء الشيطان إلى كبيرهم في المنام، فقال له: ويحك إنَّ برصيصا فعل بأختك كذا وكذا، وإنَّه دفنها في موضع كذا وكذا من جبل كذا وكذا، فقال الأخ: هذا حُلم من عمل الشيطان، برصيصا خير من ذلك، فتتابع عليه ثلاثة ليال فلم يكترث، فانطلق إلى الأوسط بمثل ذلك، وكذلك الأصغر، فقال أصغرهم لأخوته: والله لقد رأيتُ كذا وكذا، وقال الأوسط: أنا والله لقد رأيتُ مثلَه، وقال الأكبر: أنا والله لقد رأيت كذا وكذا، فانطلقوا بنا إلى برصيصا، فأتوه فقالوا: يا برصيصا ما فعلَت أختنا، فقال: أليس قد أعلمتكم بحالها وشيطانها؟ فكأنكم اتَّهمتموني (١)؟ فقالوا: والله لا نتهمك، فاستحيوا منه وانصرفوا عنه، فجاءهم الشيطان، فقال: ويحكم إنَّها لمدفونة في موضع كذا وكذا وإنَّ طرف إزارها خارج من التراب فانطلقوا فوجدوها على ما رأوا في نومهم، فمشوا في مواليهم وغلمانهم معهم الفؤوس والمساحي، فهدموا صومعته

стр. 14067

وأنزلوه وخنقوه وكتفوه وانطلقوا به إلى الملك، فأقرَّ على نفسه، وذلك أنَّ الشيطان أتاه، فقال: تقتلها ثم تكابر، يجتمع عليك أمران، قتل ومكابرة، اعترِفْ فلما اعترف أمر الملك بقتله وصلبه على خشبة، فلما صلب أتاه الأبيض عيانًا وذلك أنَّ إبليس لعنه الله قال للأبيض: وما يغني عنك ما صنعته أن قتل فهو كفارة لما كان منه، فقال الأبيض: أنا أكفيكه فأتاه (١)، فقال: يَا برصيصا أتعرفني؟ قال: لا، قال: أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات فاستجيب لك، ويحك أما أتقيت الله في أمانةٍ خنت أهلها وإنَّك أعبد بني إسرائيل، أما استحييت، أما راقبت الله في دينك، فلم يزل يعيِّره ويوبخه، ثم قال له في آخر ذلك: ألم يكفك ما صنعت حتَّى أقررت على نفسك وفضحت نفسك، وفضحت أشباهك من النَّاس؟ فإن مت على هذِه الحالة لم يفلح أحدٌ من نظرائك بعدك، قال: فكيف أصنع؟ قال: تطيعني في خصلة واحدة حتَّى أنجيك مما أَنْتَ فيه وآخذ بأعينهم وأخرجك من مكانك! قال: وما هي؟ قال: تسجد لي سجدةً، قال: أنا أفعل، فسجد له من دون الله، فقال له: يَا برصيصا هذا الذي أردت منك، صارت عاقبة أمرك إلى أن كفرت بربك: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).

стр. 14068

قال: فضرب الله تعالى هذا المثل ليهود بني النضير والمنافقين من أهل المدينة، وذلك أنَّ الله أمر نبيه ﷺ أن يجلي بني النصير عن المدينة، فدس المنافقون إليهم، فقالوا: لا تجيبوا محمَّدًا إلى ما دعاكم ولا تخرجوا من دياركم، فإن قاتلوكم كنَّا معكم وإن أخرجوكم خرجنا معكم، فأطاعوهم فدبروا على حصونهم وتحصنوا في ديارهم رجاء نصر المنافقين حتَّى جاءهم النَّبِيّ ﷺ ، فناصبوه الحرب يرجون نصر المنافقين، فحاربوا النَّبِيّ ﷺ ، فخذلهم المنافقون وتبرؤوا منهم كما تبرأ الشيطان من برصيصا وخذله (١). قال ابن عباس ﵄: فكانت الرهبان بعد ذلك في بني إسرائيل لا يمشون إلَّا بالتقية والكتمان، وطمع أهل الفجور والفسق في الْأَحبار فرموهم بالبهتان والفسوق والتقبيح حتَّى كان أمر جريج الراهب، فلما برَّأ الله تعالى جريجًا الراهب مما رموه به انبسطت بعده الرهبان وظهروا للنَّاس (٢).

стр. 14069

وقيل المعنى: مثل المنافقين في غرورهم لبني النضير كمثل إبليس إذ قال لكفار مكة: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ (١) الآية، ومعنى قوله: ﴿قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾؛ أغواه حتَّى قال: إنِّي كافر (٢). وعن مجاهد: هو عام في الكفار من النَّاس. وقرأ أبو جعفر وابن محيصن وشيبة والأعرج، والزهري وابن كثير ونافع وحميد ومجاهد وأبو عمرو: (وإن إنِّي أخاف) بفتح (٣) الياء، وأسكنها الباقون (٤). ١٧ - قوله : ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا﴾ أي: آخر أمرهما -يعني: الشيطان وذلك الإنسان (٥). ﴿أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ﴾ أي: دائمين. ﴿فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين الفاسقين. ١٨ - قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾

стр. 14070

في أداء فرائضه واجتناب معاصيه، أي: احذروه (١). ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ يعني يوم القيامة (٢). ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ وقيل: اتقوا الله فيما تقدم نفس لغدٍ، واتقوه فيما يعلمه منكم وليس بتكرير (٣). ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. ١٩ - قوله : ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ أي: نسوا حق الله (٤) وتركوا أمره (٥). ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ حظ أنفسهم أن يقدموا لها خيرًا (٦). وقيل: نَسُوا الله بترك الشكر فأنساهم أنفسهم بالعذاب الذي نسي به بعضهم بعضًا (٧). ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

стр. 14071

٢٠ - قوله : ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ في الآخرة، ثم يبين سبحانه أحوالهم، فقال: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ الذين حصلوا على السعادة الدائمة. ٢١ - قوله : ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ وركبنا فيه العقل (١). ﴿لَرَأَيْتَهُ﴾ على صلابته ورزانته (٢) ﴿خَاشِعًا﴾ ذليلًا خاضعًا (٣). ﴿مُتَصَدِّعًا﴾ متشققًا، أي: قد تطأطأ وتشقق (٤). ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، والخاشع: الذليل، والمتصدع: المتشقق (٥). وقال مقاتل: أمر الله تعالى النَّاس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بخشية وتخشع، فأخبر الله أنَّ من شأن القرآن وعظمة أمره وما تضمنه من الوعد والوعيد والقوارع أنَّه لو جعل في الجبل تمييزًا كما جعله في الإنسان، وأنزل عليه القرآن لخشع وتصدع (٦)، أي: تشقق من مخافة الله وخشيته، وفيه دليل على جواز الألم واللذة كما

стр. 14072

جازت الخشية للجبل جاز الألم واللذة للميت ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١). وقيل: خاشعًالله بما كلفه من طاعته متصدعًا من خشية الله أن يعصيه فيعاقبه (٢)، وقيل: هو على وجه المثل لقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ أي: نبينها ونذكرها لهم ونمثلها (٣). ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: يتدبرون ويتعظون. ثم بيَّن جلاله تعالى وأسماءه الحسنى: ٢٢ - قوله ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا معبود في الحقيقة في السموات والأرض إلَّا هو ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: السِر والعلانية (٤) قاله الحسن. وقيل: الغيب الآخرة والشهادة الدنيا (٥). وقيل: الغيب هو ما غاب من العباد مما لم يعاينوه ولم يعملوه والشهادة ما عملوه وشاهَدوه (٦).

стр. 14073

﴿هُوَ الرَّحْمَنُ﴾ في الدنيا بخلقة كافة يعافي ويرزق ويخلق (١). ﴿الرَّحِيمُ﴾ في الآخرة بالمؤمنين خاصة (٢). قال ابن عباس ﵄ هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر (٣). وقيل: الآية ردٌّ على أول السورة من قوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ٢٣ - قوله ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ﴾ وهو ذو الملك، وقيل: القادر على اختراع الأعيان والإيجاد فلا ملك ولا مالك على الحقيقة إلَّا الله وغيره (٤). ﴿الْقُدُّوسُ﴾ الطاهر من كل عيب المنزَّه عما لا يليق به (٥). وقال قتادة: هو المبارك (٦). وقال ابن كيسان: هو الممجّد، وهو بالسريانية قديسًا (٧). ﴿السَّلَامُ﴾ أي: ذو السلامة من النقائص والعيوب (٨)، وقيل:

стр. 14074

المسلم لأوليائه في الآخرة. وقيل: الذي يسلم عليهم في الجنة (١). ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ قيل: المصدق لرسله بإظهار معجزاته عليهم (٢) ومصدق للمؤمنين ما وعدهم من الثواب ومصدق للكافرين ما أوعدهم من العقاب. وقال ابن عباس ﵄ ومقاتل: هو الذي أمن النَّاس من ظلمه وأمن من آمن (٣) به من عذابه (٤) من الأمان الذي هو ضد التخوف كما قال تعالى: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (﴾ (٥) فهو مؤمن (٦). قال النابغة: والموْمِن العائذاتِ الطيرَ بَمْسَحُهَا ... رُكْبَانُ مكَّةَ بَينَ الغيلِ (٧) والسَّنَدِ (٨) (٩)

стр. 14075

وقال ابن زيد: هو الذي يصدق المُؤْمنين إذا وحَّدوه (١). وقال الحسين بن الفضل: هو الداعي للإيمان والآمر به والموجب لهم اسمه (٢). وقال القرظي: هو المجير كما قال تعالى ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ (٣). وقال مجاهد: المؤمن الذي وحَّد نفسه بقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الآية (٤). وقال أَحْمد بن يحيى: المؤمن المصدق لعباده (٥). وقيل: هو الذي أمِن أولياؤه من أعدائه (٦). قال ابن عباس ﵄: إذا كان يوم القيامة أخرج أهل التوحيد من النَّار فأول من يخرج من وافق اسمه اسم نبي، حتَّى إذا لم يبق فيها
следующие страницы →