← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 14071–14110 · переход к 14076.

стр. 14071

٢٠ - قوله : ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ في الآخرة، ثم يبين سبحانه أحوالهم، فقال: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ الذين حصلوا على السعادة الدائمة. ٢١ - قوله : ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ وركبنا فيه العقل (١). ﴿لَرَأَيْتَهُ﴾ على صلابته ورزانته (٢) ﴿خَاشِعًا﴾ ذليلًا خاضعًا (٣). ﴿مُتَصَدِّعًا﴾ متشققًا، أي: قد تطأطأ وتشقق (٤). ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، والخاشع: الذليل، والمتصدع: المتشقق (٥). وقال مقاتل: أمر الله تعالى النَّاس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بخشية وتخشع، فأخبر الله أنَّ من شأن القرآن وعظمة أمره وما تضمنه من الوعد والوعيد والقوارع أنَّه لو جعل في الجبل تمييزًا كما جعله في الإنسان، وأنزل عليه القرآن لخشع وتصدع (٦)، أي: تشقق من مخافة الله وخشيته، وفيه دليل على جواز الألم واللذة كما

стр. 14072

جازت الخشية للجبل جاز الألم واللذة للميت ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١). وقيل: خاشعًالله بما كلفه من طاعته متصدعًا من خشية الله أن يعصيه فيعاقبه (٢)، وقيل: هو على وجه المثل لقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ أي: نبينها ونذكرها لهم ونمثلها (٣). ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: يتدبرون ويتعظون. ثم بيَّن جلاله تعالى وأسماءه الحسنى: ٢٢ - قوله ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا معبود في الحقيقة في السموات والأرض إلَّا هو ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: السِر والعلانية (٤) قاله الحسن. وقيل: الغيب الآخرة والشهادة الدنيا (٥). وقيل: الغيب هو ما غاب من العباد مما لم يعاينوه ولم يعملوه والشهادة ما عملوه وشاهَدوه (٦).

стр. 14073

﴿هُوَ الرَّحْمَنُ﴾ في الدنيا بخلقة كافة يعافي ويرزق ويخلق (١). ﴿الرَّحِيمُ﴾ في الآخرة بالمؤمنين خاصة (٢). قال ابن عباس ﵄ هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر (٣). وقيل: الآية ردٌّ على أول السورة من قوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ٢٣ - قوله ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ﴾ وهو ذو الملك، وقيل: القادر على اختراع الأعيان والإيجاد فلا ملك ولا مالك على الحقيقة إلَّا الله وغيره (٤). ﴿الْقُدُّوسُ﴾ الطاهر من كل عيب المنزَّه عما لا يليق به (٥). وقال قتادة: هو المبارك (٦). وقال ابن كيسان: هو الممجّد، وهو بالسريانية قديسًا (٧). ﴿السَّلَامُ﴾ أي: ذو السلامة من النقائص والعيوب (٨)، وقيل:

стр. 14074

المسلم لأوليائه في الآخرة. وقيل: الذي يسلم عليهم في الجنة (١). ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ قيل: المصدق لرسله بإظهار معجزاته عليهم (٢) ومصدق للمؤمنين ما وعدهم من الثواب ومصدق للكافرين ما أوعدهم من العقاب. وقال ابن عباس ﵄ ومقاتل: هو الذي أمن النَّاس من ظلمه وأمن من آمن (٣) به من عذابه (٤) من الأمان الذي هو ضد التخوف كما قال تعالى: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (﴾ (٥) فهو مؤمن (٦). قال النابغة: والموْمِن العائذاتِ الطيرَ بَمْسَحُهَا ... رُكْبَانُ مكَّةَ بَينَ الغيلِ (٧) والسَّنَدِ (٨) (٩)

стр. 14075

وقال ابن زيد: هو الذي يصدق المُؤْمنين إذا وحَّدوه (١). وقال الحسين بن الفضل: هو الداعي للإيمان والآمر به والموجب لهم اسمه (٢). وقال القرظي: هو المجير كما قال تعالى ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ (٣). وقال مجاهد: المؤمن الذي وحَّد نفسه بقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الآية (٤). وقال أَحْمد بن يحيى: المؤمن المصدق لعباده (٥). وقيل: هو الذي أمِن أولياؤه من أعدائه (٦). قال ابن عباس ﵄: إذا كان يوم القيامة أخرج أهل التوحيد من النَّار فأول من يخرج من وافق اسمه اسم نبي، حتَّى إذا لم يبق فيها

стр. 14076

من يوافق اسمه اسم نبي قال الله تعالى لباقيهم: أنتم المسلمون وأنا السلام، وأنتم المؤمنون وأنا المؤمن فيخرجهم من النَّار ببركة هذين الاسمين (١). ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ قال ابن عباس ﵄: ومجاهد وقتادة هو الشَّهيد (٢). وقال الضحاك: هو الأمين (٣). وقال ابن زيد: هو المصدق (٤).

стр. 14077

وقال ابن كيسان: هو اسم من أسمائه تعالى في كتبه، الله أعلم بتأويله (١). وقال عطاء: هو المأمون على خلقه (٢). وقال الخليل: هو الرقيب (٣). وقال يمان: هو المطلع (٤). وقال سعيد بن المسيّب: هو القاضي (٥). وقال المبرد: هو الحفيظ الشَّهيد (٦). وقال عكرمة: هو الدال خلقه على منافعهم. قال أبو عبيدة: هي خمسة أحرف في كلام العرب على هذا الوزن المهيمن المسيطر المُبيطر المبيقر، وهو الذاهب في الأرض، والمجَيَمر اسم جبل، وأما القدوس ودرَّوج واحد الدراريج (٧). قال الكسائي: وسمعت أَبا الدنيا -أعرابيًّا فصيحًا- يقرأ:

стр. 14078

(القَدوس) بفتح القاف ولعلها لغة (١). ﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يوجد له نظير، يقال: عز ضيف كذا، إذا قلَّ وجوده. وقيل: هو الغالب من قولك: من عزيز، وقيل: هو الذي يُعز أولياءه فله العزَّة ﴿الْجَبَّارُ﴾ قال ابن عباس ﵄: هو العظيم، وجبروت الله عظمته (٢)، وهو على هذا القول صفة ذات، من قولهم: نخلة جبَّارة (٣). قال امرؤ القيس: سوامق (٤) جبَّار أثيث (٥) فروعُه ... وعالين قنوانًا من البُسْرْ (٦) أحمرا (٧)

стр. 14079

يعني: النخل التي فاتت اليَدَ، فكان هذا الاسم يدل على عظمة الله وتقدسه عن أن تناله النقائص وصفات الحدث (١). وقيل: هو من الجبْر وهو الإِصْلاح (٢)، يقال: جبرت العظم فجبَر، إذا أصلحته بعد الكسر، وجبرت الأمر فانجبر وجبرته فجبر يكون لازمًا ومتعديًّا (٣). قال العجاج: قد جبر الدين الإله فجبر (٤)، ونظيره في كلام العرب: دلع لسانه فدلع فغر فاه ففغر، وعمر الدار فعمرت (٥). وقال السدي: هو الذي يقهر الخلق ويجبرهم على ما أراد (٦). [٣٠٨٦] أخبرنا ابن فنجويه (٧) (٨)، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن

стр. 14080

يوسف (١)، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز البَغَوِيّ (٢)، قال: حَدَّثَنَا محمَّد بن بكار بن الريان (٣)، قال: حَدَّثَنَا أبو معشر (٤)، عن محمَّد بن كعب (٥)، قال: إنَّما سمي الجبار؛ لأنَّه جبر الخلق على ما أراد، والخلق أرق شأنًا من أن يعصوا ربهم طرفة عين إلَّا بما أراد (٦). وقال الحسن: هو العالي الذي تفوت أيدي الخلق وتفوت النقائص أن تناله. وقيل: هو العزيز الممتنع الذي لا يغلبه شيء (٧). وقال قتادة: هو العزيز في نقمته (٨). وسُئل بعض العلماء عن معنى الجبار، فقال: هو القهار الذي إذا

стр. 14081

أراد أمرًا فعله وحكم فيه بما يريد لا يحجزه عنه حاجز (١) ولا يفكر فيمن دونه أنَّ آدم اجتبي من غير طاعة وأنَّ إبليس لعن [لمعصيته مع كثرة طاعته السابقة لله] (٢). ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ عن كل سوء (٣) المتعظم عما لا يليق به من صفات الحدث والذم (٤). وأصل الكبر والكبرياء الامتناع وقلة الانقياد (٥). قال حميد بن ثور: عَفَتْ (٦) مثلَ ما يعْفُو الفصيل فأصْبَحَتْ ... بها كِبْرياءُ الصَّعْبِ وَهي رَكُوبُ (٧)

стр. 14082

وقيل: المتكبر الذي يكبر عن ظلم عبادة (١). وروى أبو هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال فيما يرويه عن ربه ﵎ أنَّه قال: "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدًا منهما ألقيته في النَّار" (٢) ثم نزه سبحانه نفسه فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي: تنزيهًا لجلاله وعظمته (٣). ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ٢٤ - قوله ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ﴾ المقدر المقلب للشيء بتدبيره إلى غيره (٤) كما قال: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ (٦) الآية أي: قدرنا وصوَّرنا وقلبنا (٧)،

стр. 14083

وقال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ (١). ﴿الْبَارِئُ﴾ الخالق أتبع النعت مثله لاختلاف اللفظين كما يقال لبيب عاقل (٢). وقيل: البارئ: المنشئ للأعيان من العدم إلى الوجود المخرج لها والخالق المقلب لأنواع المخلوقات (٣) كما ذكرنا. ﴿الْمُصَوِّرُ﴾ في الأرحام كيف يشاء (٤). وقيل: الممثل للمخلوقات كلها بالعلامات المتميزة والصور المفترقة الهيئات المتباينة. حتَّى يتميَّز بعضها من بعض يقال: هذا صورة الأمر، أي: مثاله (٥)، وصورت الأمر إذا بيَّنته بيانًا شافيًا، وقيل: البارئ: المنشئ ابتداء، والخالق المقدر المقلب، والمصور المميز للمخلوقات انتهاءً (٦). [٣٠٨٧] أخبرنا أَحْمد (٧) بن محمَّد بن يعقوب الفقيه (٨) بالقصر،

стр. 14084

قال: حَدَّثَنَا إسماعيل بن محمَّد بن إسماعيل (١) ببغداد، قال: حَدَّثَنَا الحسن بن عرفة (٢)، قال: حَدَّثَنَا محمَّد بن صالح الواسطيّ (٣)، عن سليمان بن محمَّد (٤) عن (٥) عمر بن نافع (٦)، عن أَبيه (٧) قال: قال عبد الله بن عمر ﵄: رأيتُ (٨) النبيَّ ﷺ قائمًا على هذا المنبر يعني: منبر رسول الله ﷺ وهو يحكي عن ربّه تعالى، قال: "إذا كان يوم القيامة جمع الله السموات السبع والأرضين السبع في قبضته ثم قال: هكذا -وشدَّ قبضته ثم بسطها- ثم يقول: أنا الله، أنا الرَّحْمَن، أنا الرَّحِيم، أنا الملك، أنا القدوس، أنا السلام، أنا المؤمن، أنا المهيمن، أنا العزيز، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الذي بدأت الدنيا, ولم تك شيئًا، وأنا الذي أعيدها، أين الملوك! وأين الجبابرة؟ ! أين الذين يأكلون رزقي ويمشون على أرضي ويعبدون غيري؟ ! سبحاني عمَّا يشركون" (٩).

стр. 14085

﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ سمى بها نفسه (١). ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ينزهه ويقدسه. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. [٣٠٨٨] أخبرنا ابن فنجويه الدينوري (٢)، قال: حَدَّثَنَا ابن حمدان (٣) قال: حَدَّثَنَا أبي (٤)، قال: محمَّد بن يونس الكديمي (٥)، قال: حَدَّثَنَا عمرو بن عاصم (٦)، قال: حَدَّثَنَا أبو الأشهب (٧)، عن يزيد بن أَبان (٨) عن أنس بن مالك زجبه قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ آخر سورة الحشر غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" (٩).

стр. 14086

[٣٠٨٩] وأخبرني ابن فنجويه (١)، قال: حَدَّثَنَا ابن شنبة (٢)، قال: حَدَّثَنَا ابن وهب (٣)، قال: حَدَّثَنَا أَحْمد بن أبي شريح (٤)، وأَحمد بن منصور الرمادِي (٥)، قالا: حَدَّثَنَا أبو أَحْمد الزُّبيريّ (٦)، قال: حَدَّثَنَا خالد بن طهمان (٧)،

стр. 14087

قال: حَدَّثني نافع بن (١) أبي نافع (٢)، عن معقل بن يسار (٣) ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العلم من الشيطان الرجيم، وقرأ الثلاث آيات من آخر سورة الحشر وكَّلَ الله به سبعين أَلْف ملك يصلون عليه حتَّى يمسي، فإن مات في ذلك اليوم مات شهيدًا، ومن قال حين يمسي كان بتلك المنزلة" (٤). [٣٠٩٠] وأخبرني محمَّد بن القاسم (٥)، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن

стр. 14088

محمَّد (١)، قال: حَدَّثَنَا السَّرَّاج (٢)، قال: حَدَّثَنَا أَحْمد بن الفرج (٣)، قال: حَدَّثَنَا أبو عثمان (٤) -يعني: المؤذن- قال: حَدَّثَنَا محمَّد بن (٥) زياد، قال: سمعت أَبا أُمامة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ خواتم الحشر في ليل أو نهار فقبض في ذلك اليوم أو الليلة فقد أوجب الله له الجنة" (٦).

стр. 14089

[٣٠٩١] وأخبرني ابن القاسم (١)، قال ابن بختيار (٢)، قال: حَدَّثَنَا مكي بن عبدان (٣)، قال: [حدثنا] إبراهيم بن عبد الله (٤)، قال: حَدَّثَنَا عمرو بن عاصم (٥)، قال: حَدَّثَنَا أبو الأشهب (٦)، قال: حَدَّثَنَا يزيد الرَّقاشيّ (٧)، عن أنس ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من قرأ آخر سورة الحشر إلى آخرها: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ فمات من ليلته مات شهيدًا" (٨). [٣٠٩٢] وأخبرني أبو عثمان بن أبي بكر الحيري (٩)، قال: حَدَّثَنَا

стр. 14090

(أبو الحسين) (١) محمَّد بن محمَّد الحجاجي (٢)، قال: أخبرنا عبد الله ابن أَبان بن شداد (٣)، أنَّ إسماعيل بن محمَّد الحيري (٤) حدثهم، قال: حَدَّثَنَا علي بن رزيق (٥)، قال: حَدَّثَنَا هشام (٦)، عن زيد بن أسلم (٧) عن عطاء بن يسار (٨)، عن أبي هريرة ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن اسم الله الأعظم، فقال: "يَا أباهريرة عليك بآخر سورة الحشر فأكثر قراءتها، فأعدت عليه، فأعاد عليَّ، فأعدت عليه، فأعاد عليَّ" (٩).

стр. 14091

٦٠ - سُورَة الممتحنة

стр. 14092

سورة الممتحنة مدنية (١)، وهي: ثلاث عشرة آية (٢) ليس فيها اختلاف. وعدد كلماتها ثلاثمائة وثمان وأربعون كلمة. وعدد حروفها أَلْف وخمسمائة وعشرة أحرف (٣). [٣٠٩٣] وأخبرنا الخبازي (٤)، قال: حَدَّثَنَا ابن حيان (٥)، قال: حَدَّثَنَا الفرْقديُّ (٦)، قال: حَدَّثَنَا إسماعيل بن عمرو (٧)، قال: حَدَّثَنَا يوسف بن عطية (٨)، عن هارون بن كثير (٩)، قال: حَدَّثَنَا زيد بن

стр. 14093

أسلم (١) ، عن أَبيه (٢)، عن أبي أُمامة (٣)، عن أُبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة الممتحنة كان المؤمنون والمؤمنات شفعاء له يوم القيامة" (٤). ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ١ - قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ نزلت في حاطب بن أبي بَلْتعَة، وذلك: أنَّ سارةَ مولاة أبي عمرو ابن صَيْفي بن هاشم بن عبد مناف، أتت رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة بعد بدر بسنتين ورسول الله ﷺ يتجهَّزُ لفتح مكة، فقال رسول الله ﷺ "أمسلمةً جئتِ؟ " قالتْ: لا، قال: "أفمهاجرة جئت؟ " قالت: لا، قال: "فما حاجتكِ؟ " قالت: إنَّكم كنتم الأهل

стр. 14094

والعشيرة والموالي وقد ذهبت الموالي واحتجت حاجة شديدة، فقدِمت عليكم لتعطوني وتكسوني وتحملوني، قال: لها النَّبِيّ ﷺ : "فأين أنتِ من شباب مكة؟ " وكانت مغنية ونائحة. فقالت: ما طُلِبَ مِني شيء بعد وقعة بدر، فحثَّ رسول الله ﷺ عليها بني عبد المطَّلب وبني هاشم، فأعطوها، وكَسَوْها وحملوها نفقة، فأتاها حاطب بن أبي بلتعة ﵁ حليف بني عبد العزى (١)، فكتب معها إلى أهل مكة كتابًا، وأعطاها عشرة دنانير. هذِه رواية باذان (٢) عن ابن عباس ﵄، وقال مقاتل: أعطاها عشرة دراهم وكساها برُدًا على أن توصل الكتاب إلى مكة، وكتب في الكتاب: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، أنَّ النبيَّ ﷺ يريدكم، فخذوا حِذْركم، فخرجَتْ سارة، فنزل جبريل ﵇، فأخبر النَّبِيّ ﷺ بما فعل حاطب، فبعث رسول الله ﷺ عليًّا وعمارًا وعمر، والزُّبير، وطلحة، والمِقْداد بن الأسود وأبا مَرْثد ﵃، وكلُّهمِ كانوا فرسانًا، وقال لهم: "انطلِقُوا حتَّى تأتُوا رَوْضَة خاخ (٣) فإنَّ بها ظعِينَةً معها كتابٌ من حاطبٍ بن أبي بلتعة إلى المشركين فخذوه منها، وخلُّوا سبيلها، وإن لم تدفع لكم فاضربوا عنقها".

стр. 14095

قال: فخرجوا حتَّى أدركوها في ذلك المكان الذي قال رسول الله ﷺ ، فقالوا لها: أين الكتاب، فحلفت بالله ما معها كتاب، فبحثوا وفتشوا متاعها، فلم يجدوا معها كتابًا، فهمُّوا بالرجوع، فقال علي ﵁: والله ما كذبنا ولا كُذّب بنا وسلَّ سيفه، وقال لها: أخرجي الكتاب وإلَّا والله الذي لا إله إلَّا هو لأضربنَّ عنقَكِ، فلما رأت الجِدَّ أخرَجتْه من ذؤابتها (١) قد خبأته في شعرها فخلَّوا سبيلها, ولم يتعرضوا لها ولا لما معها، ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله ﷺ . فأرسل رسول الله ﷺ إلى حاطب بن أبي بلتعة ﵁: فأتاه، فقال له النَّبِيّ ﷺ : "يَا حاطب هل تعرفُ هذا الكتاب؟ " قال: نعم، فقال عمر ﵁: يَا رسول الله دعني أضرب عنقه فإنَّه منافق، فقال: "مهلًا يَا عمر"، ثم قال: "يَا حاطب ما حَمَلك على ما صنعتَ؟ " قال حاطب: والله يَا رسول الله ما كفرت منذ أسلمتُ، ولا غشيت منذ نصحتُ، ولا أحببتهم منذ فارقتهم؛ ولكن: لم يكن أحد من المهاجرين إلَّا وله بمكة قرابة يمنعون عشيرته، وكنت غريبًا فيهم، وكان أهلي بين ظَهْرَانيهِم، فخشيتُ على أهلي منهم، فأردت أن أتَّخذ عند المشركين يدًا بكتاب، وقد علمتُ أنَّ الله يُنزلُ بهم بأسه، وإنَّ كتابي لا يغني

стр. 14096

عنهم شيئًا، فصدَّقه رسول الله ﷺ ، ثم التفت إلى عمر ﵁، فقال: "يَا عمر ما يدريك لعلَّ الله اطَّلع على أهل بدر اطلاعة، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟ " وكان حاطب ﵁ ممن شهد بدرًا (١). [٣٠٩٤] وأخبرني عبد الله بن حامد (٢)، قال أخبرنا أَحْمد بن إسحاق (٣)، قال: حَدَّثَنَا محمَّد بن غالب (٤)، قال: حَدَّثَنَا عبد الصمد (٥)، قال: حَدَّثَنَا ليث (٦)، عن أبي الزُّبير (٧)، عن جابر (٨)

стр. 14097

- ﵁ أنَّ عبدًا لحاطب جاء يشتكي حاطبًا إلى النَّبِيّ ﷺ ، فقال: يَا رسول الله ليدخلنَّ حاطب إلى النَّار، فقال النَّبِيّ ﷺ : "كذبت لا يدخلها أبدًا؛ لأنَّه قد شهد بدرًا والحديبية" وأنزل الله في شأن حاطب ومكاتبته المشركين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (١). ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ أي: المودة، والباء صلة، كقولك أريد أن أذهب، وبأن أذهب فدخول الباء وإسقاطها سواء (٢) قاله الفراء. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ (٣) أي: إلحادًا ومنه قول

стр. 14098

الشَّاعر (١): لما رجت (٢) بالشُّربِ هزَّ لها (٣) العَصَا ... شحِيحٌ لَهُ عِنْدَ الإِزاء (٤) يهيمُ (٥) أي: هزها وتلقون من صلة الأولياء كقولك: لا تتخذه دخلًا تلقي إليه كل ما عندك من الشر (٦). وقيل: الباء أصلية تقديره تلقون إليهم أسرار النَّبِيّ ﷺ وأخباره بالمودة (٧). ﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾ واو الحال (٨) ﴿بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٩) القرآن (١٠).

стр. 14099

﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ من مكة (١). وقيل: المعنى أحوجوه إلى الخروج وعرضوه له، كما تقول قتلت فلانًا، أي: حملته على ما يقتل (٢). قال ابن عباس ﵄: وكان حاطب ممن أخرج مع النَّبِيّ ﷺ من مكة (٣). ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا﴾ أي: لأنْ آمنتم (٤). ﴿بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ أي: أخرجوكم لإيمانكم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ في الكلام تقديم وتأخير ونظم الآية ومجازها: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي﴾ (٥)، والمعنى يخرجونكم لأنْ آمنتم وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ شرط وجوابه مقدم، المعنى: إن كنتم خرجتم في سبيلي فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياءَ، ونصب ﴿جِهَادًا﴾ و ﴿ابْتِغَاءَ﴾ , لأنَّه مفعول له (٦).

стр. 14100

﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ﴾ ما أسرَّه النَّبِيّ ﷺ عنهم. ﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾ وقيل: المعنى تسرون إليهم بالكتاب إليهم (١). ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾ أضمرتم (٢) . ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ أظهرتم (٣)، قال ابن عباس ﵄: وأنا أعلم بما أخفيتم في صدوركم وما أظهرتم بألسنتكم من الإقرار والتوحيد (٤). ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ﴾ أي: من يسر إليهم ويكاتبهم منكم بعد هذا (٥). ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: أخطأ قصد الطريق (٦). ٢ - قوله : ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾ يلقوكم ويصادفوكم، ومنه المثاقفة، أي: طلب مصادفة الغِرَّة والمسايفة وشبهها (٧). ﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾ باليد واللسان والقلب والدين.

стр. 14101

﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ الأيدي بالقتل والألسنة بالشتم يقول: فكيف ينفعكم التقريب إليهم وحالهم معكم هذِه (١). ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ بمحمَّد فلا تناصحوهم فإنَّهم لا يناصحوكم (٢). ٣ - قوله : ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ أي: لا يَدْعونَّكم قراباتكم منهم ولا أولادكم التي بمكة إلى خيانة رسول الله ﷺ والمؤمنين وترك مناصحتهم وموالات أعدائهم ومظاهرتهم فلن ينفعكم أرحامكم ولا أولادكم الذين عصيتم الله لأجلهم (٣). ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ فيدخل أهل طاعته والإيمان به الجنة، ويدخل أهل معصيته والكفر به النَّار (٤). واختلفت القراءة في ﴿يَفْصِلُ﴾ فقرأ السلمي وزر بن حبيش وعاصم والجحدري ويعقوب وعيسى ﴿يَفْصِل﴾ بفتح الياء وكسر الصاد مخففة على الفعل الواقع (٥) واختاره أبو حاتم، وقرأ إبراهيم النَّخَعيّ

стр. 14102

والشعبي ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلف (يُفصِّل) بضم الياء وكسر الصاد مشددًا على الفعل المسمَّى بالفاعل (١) وقرأ الحسن وابن عامر والأعرج والمغيرة ويحيى بن الحارث (يُفصَّل) كذلك مشددًا إلَّا أنَّه على ما لم يسم فاعله (٢). وقرأ طلحة والنخعي بالنُّون وكسر الصاد مشددة (٣) وروي عن علقمة كذلك مخففة، وقرأ أبو حيوة وقتادة (يُفصِل) بضم الياء وكسر الصاد مخففًا من أفصل يفصل (٤) وقرأ الباقون (يُفصَل) بياء مضمومة وتخفيف الفعل وفتح الصاد على الفعل المجهول واختاره أبو عُبيد، فمن خفَّف فلقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ (٥)، وقوله: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ (٦).

стр. 14103

ومن شدَّد فلأنَّ ذلك أبين في الفعل الكثير المكرر المتردِّد، ومن أتى به على ما لم بسم فاعله فلأنَّ الفاعل معروف، كقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ (١) ومن أتى به مسمَّى الفاعل فقد ردَّ الضمير إلى الله والياء المختارُ لقوله: ﴿عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ﴾. ومن قرأ بالنُّون فهو على التعظيم (٢). [٣٠٩٥] أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان (٣)، قال: حَدَّثَنَا مكي بن عبدان (٤) قال: أخبرنا عبد الله بن هاشم (٥)، قال: حَدَّثَنَا عبد الرَّحْمَن ابن مهدي (٦)، قال: حَدَّثَنَا سفيان (٧)، عن سهيل بن (٨) أبي صالح (٩)، عن (عطاء بن يزيد) (١٠)، عن تميم الداري (١١) ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ

стр. 14104

قال: "ألا إنَّ الدين النصيحة" ثلاث مرات، قالوا لمن يَا رسول الله؟ . قال؟ : "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" (١). ٤ - قوله : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ﴾ قدوة (٢). ﴿حَسَنَةٌ﴾ قال ابن عباس ﵄: أي: سنة صالحة (٣). وقراءة العامة بكسر الهمزة (٤) من إسوة، وضمها يحيى والأعمش

стр. 14105

وعاصم وهما لغتان (١). ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الخليل ﵇ (٢). ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ على دينه من أهل الإيمان (٣). وقال ابن زيد: هم الأنبياء ﵈ (٤). ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ المشركين (٥). ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ جمع بريء (٦) مثل ظريف وظرفاء، وقراءة العامة على وزن فُعلَاء غير مُجرى، وقرأ عيسى وابن أبي إسحاق (بِراء) بكسر الباء بالإجراء على وزن فِعال مثل قصير وقِصار وطويل وطِوال وطريف وطِراف، يقول تعالى: كونوا في العداوة لمن حارب الله ورسوله كإبراهيم ﵇ والذين آمنوا به إذ قالوا لقومهم الكفار المشركين إنَّا برآء منكم (٧). ﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من أوثانكم التي تعبدونها (٨).

стр. 14106

﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ أي: جحدناكم وأنكرنا دينكم (١). ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ﴾ باللسان. ﴿وَالْبَغْضَاءُ﴾ بالقلب (٢). ﴿أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ (٣). يقول: تأسوا بقول إبراهيم ﵇ كله وشأنه وشأن من آمن معه إلَّا في استغفاره لأبيه نهوا أن يتأسوا به في هذِه خاصة فيستغفروا للمشركين فإنَّه كان عن موعدة منه له (٤). وقيل: إنَّ إبراهيم ﵇ عاداهم وهجرهم في كل شيء إلَّا في قوله: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ ثم بيَّن عذره في سورة التوبة، وفي هذِه الآية دلالة بينة على تفضيل نبينا محمَّد ﷺ على سائر الأنبياء ﵈ لأنا حين أُمِرْنا بالاِقْتِداء به أُمرنا أمرًا مطلقًا ولم يستثن فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥) وحين أمر بالاقتداء بإبراهيم ﵇

стр. 14107

استثنى بعض أفعاله (١). ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ إن عصيته. ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ أي: قولوا أنتم هذا القول. وقيل: من قول إبراهيم ﵇ ومن معه. ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ أي: اعتمدنا. ﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ أي: رجعنا. ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ لك الرجوع في الآخرة (٢). ٥ - قوله : ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: لا تظهرهم علينا فيظنوا أنَّهم على حق فيفتتنوا بذلك (٣) وقيل: لا تسلطهم علينا فيفتنونا ويعذبونا (٤). ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ٦ - قوله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ﴾ يعني: في إبراهيم ومن معه من الأنبياء والأولياء (٥).

стр. 14108

﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ وأعاد ذكر الأسوة؛ لأنَّه منعقد بغير المعنى الذي انعقد به الأول (١). ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ يعرض عن الإيمان (٢). ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ أي: لم يتعبَّدهم لحاجة إليهم (٣). ﴿الْحَمِيدُ﴾ في سلطانه عند خلقه، فلما نزلت هذِه الآية عادى المؤمنون أقرباءهم من المشركين في الله وأظهروا لهم العداوة والبراءةَ، فعلم الله تعالى شدَّة وجد المُؤْمنين في ذلك (٤) فأنزل قوله: ٧ - قوله : ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ أيها المؤمنون. ﴿وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ﴾ من مشركي مكة (٥) ﴿مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقيل: معناه ليجعلن الله تعالى ذلك. وقيل: كونوا على رجاء من ذلك.

стр. 14109

وقيل: المودة أنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّج أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب (١). وقيل: بإسلام من يسلم منهم، ففعل الله ذلك بأن أسلم كثير منهم فصاروا أولياءهم وإخوانهم وخالطوهم وناكحوهم، وتزوج رسول الله ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄ وكانت تحت (عبيد الله) (٢) بن جحش بن رئاب وكانت هي وزوجها من مهاجرة الحبشة، فأما زوجها فتنصَّر وسأل عنها أن تتابعه على دينه فأبَتْ وصبرت على دينها، ومات زوجها على النصرانية، فبعث النَّبِيّ ﷺ إلى النَّجاشيّ فيها ليخطبها عليه، فقال النَّجاشيّ لأصحابه: من أولاكم بها، قالوا: خالد بن سعيد بن العاص، قال: فزوِّجها من نبيكم ﷺ ، ففعل وأمهرها النَّجاشيّ ﵀ من عنده أربعمائة دينار وساق إليها مهرَها (٣). وقيل: خطبها النَّبِيّ ﷺ إلى عثمان بن عفان ﵁ فلما زوَّجه إيَّاها بعث إلى النَّجاشي فيها فساق عنه المهر وبعث بها إليه، فبلغ ذلك أَبا سفيان وهو يومئذٍ مشرك، فقال: ذاك الفحل لا يقدع (٤) أنفه، ثم رخَّص

стр. 14110

الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا المُؤْمنين ولم يقاتلوهم ولا يخرجوهم من جميع الكافرين (١) فقال: ٨ - ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ أي: تعدلوا فيهم بالإحسان والبر أن تبروهم (٢) ﴿أَنْ﴾ في موضع جر على البدل من ﴿الَّذِينَ﴾، أي: لا ينهاكم الله عن أن تبرُّوا الذين لم يقاتلوكم (٣). ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ اختلف العلماء فيمن نزلت هذِه، فقال ابن عباس ﵄: نزلت في خزاعة (٤) منهم هلال بن عويمر وخزيمة وسراقة ابن مالك بن جعشم وبنو مدلج (٥) وكانوا صالحوا النَّبِيّ ﷺ على
следующие страницы →