стр. 1436
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 18686
تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير
الثعلبي
Полный текст (16 476 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1437
стр. 1438
أُوقِد عليها ألف عام حتى اسودّت، فهي سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها (١)، والذي بعثك بالحق لو أنَّ ثوبًا من ثياب أهل النار أظهر لأهل الأرض لماتوا جميعًا، ولو أنَّ ذنوبًا من شرابها صُبَّ في ماء الأرض جميعًا لقتَل من ذاقَهُ، ولو أنَّ ذراعًا من السلسلة التي ذكرها الله وضع على جبال الأرض جميعًا لذابت وما اشتعلتْ، ولو أنَّ رجلًا دخل النار ثم أخرج منها لمات أهل الأرض من نتنِ ريحه، وتشويه خَلْقِهِ، وعظمِه. فبكى النبي ﷺ ، وبكى جبريل لبكائه، وقال: أتبكي يا محمد وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، فقال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا، ولمَ بكيتَ يا جبريل وأنت الروح الأمين، أمين الله على وحيه؟ " قال: أخاف أن أُبتلى بما (٢) ابتُلي به هاروت وماروت، فهو الذي منعني عن اتكالي على منزلتي عند ربي فأكون قد أمنت مكره، فلم يزالا يبكيان حتى نُوديا من السماء أنْ يا جبريل ويا محمد إنَّ الله قد أمَّنكما أن تعصياه فيعذبكما، ففضل محمد ﷺ على (٣) الأنبياء، كفضل جبريل ﵇ على ملائكة السماء (٤).
стр. 1439
قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ﴾ يعني: الملكين. ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: أحدًا، "من" صلة، أي: لا يعلمان السحر أحدًا (١) ﴿حَتَّى﴾ ينصحاه أولًا وينهياه، ويقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أي: ابتلاء (٢) ومحنة ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ بتعلم السحر.
وأصل الفِتْنَةٌ الاختبار. تقول العرب: فتنتُ الذهب والفضَّة (٣) إذا أدخلتهما (٤) النار؛ لتعرف جودتهما (٥) من ردائتهما (٦)، وفَتنت الشمس الحجر إذا سوَّدته (٧).
وإنَّما وحَّد الفتنة وهما اثنان؛ لأنَّ الفتنة مصدر، والمصادر لا تُثَّنى ولا تُجمع، كقوله ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ (٨).
стр. 1440
وفي مصحف أبي: (وما يُعَلِّم الملكان من أحدٍ حتى يقولا إنما نحن فتنةٌ فلا تكفر سبعَ مرَّات).
وقال السدِّي وعطاء: فإن أبى إلا التعلم قالا له: ائت هذا الرماد فبُل عليه (١)، فيخرج منه نور ساطع في السماء، فتلك المعرفة، ويرى (٢) شيئًا أسود، حتى يدخل مسامعه شبه الدخان، وذلك غضب الله (٣).
قال مجاهد: إنَّ هاروت وماروت لا يصل إليهما أحد، ويختلف فيما بينهما شيطان في كل مسألة (٤) اختلافةً واحدة (٥).
قال يزيد بن الأصمّ (٦): سُئل المختار (٧): هل يرى اليوم
стр. 1441
أحدٌ هاروت وماروت؟ قال: أما منذُ ائتفكت بابل ائتفاكها الآخر لم يرهما أحد (١).
قال قتادة: السحر سحران؛ سحر تعلمُه الشياطين، وسحرٌ يعلمه هاروت وماروت وهو قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾: وهو أن يُؤخذ كل واحدٍ منهما (٢) عن صاحبه، ويُبغَّض كل واحد منهما (٣) إلى صاحبه (٤).
وفي ﴿الْمَرْءِ﴾ أربع قراءات:
قرأ الحسن: (بين المَرِّ وزوجه) بفتح الميم وتشديد الراء، جعله عوضًا من (٥) الهمزة.
وقرأ الزهري: (المُرْءِ) بضم الميم والهمز.
وحكى يعقوب عن جده (المِرْءِ) بكسر الميم والهمز (٦).
стр. 1442
وقرأ الباقون ﴿الْمَرْءِ﴾ بفتح الميم والهمز.
وأمَّا كيفيَّة تعلم (١) السحر، فقد ورد فيه خبرٌ جامع وهو ما:
[٢٨٩] أخبرنا القاضي أبو بكر (٢) أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن حفص الحَرَشي (٣) -بقراءتي عليه- قال: نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأُمَوي (٤) قال: حدثني الربيع بن سليمان (٥) قال: نا عبد الله بن وهب (٦) قال: أخبرني (ابن أبي الزناد) (٧) عن هشام
стр. 1443
стр. 1444
عليَّ امرأةٌ من أهل دُومة الجندل (١) جاءت تبتغي رسول الله ﷺ بعد موته لتسأله (٢) عن شيء دخَلَتْ فيه من أمر السحر ولم تعمل به. قالت عائشة لعروة: يا ابن أختي، فرأيتها تبكي حين لم تجدْ رسول الله ﷺ ، فكانت تبكي حتى إنِّي لأرحمُها، تقول: إنِّي أخاف (٣) أن أكون هلكتُ (٤). قالت: كان لي زوج فغاب عنِّي، فدخلت عليَّ عجوزٌ، فشكوتُ ذلك (٥) إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك به فأجعله يأتيكِ. فلما كان الليل جاءتني بكبشين أسودين، فركبتُ أحدهما، وركِبَتِ الآخر، فلم يكن كثيرٌ حتى وقفنا (٦) ببابل، فإذا برجلين معلَّقين بأرجلهما، فقالا: ما جاء بكِ؟ قلت: أتعلم السحر. قالا: إنَّما نحنُ فتنةٌ فلا تكفري، وارجعي، فأبيتُ، فقلت: لا. قالا: فاذهبي إلى ذلك التنُّور فبُولي فيه، فذهبت، ففزعتُ فلم أفعل، فرجعتُ إليهما، فقالا: فعلتِ؟ قلت: نعم، قالا: هل رأيتِ شيئًا؟ قلت: (لم أر) (٧)
стр. 1445
شيئًا، فقالا: كذبت (١) لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك فلا تكفري، فأبيتُ، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبتُ، فاقشعرَّ جلدي، (فرجعت إليهما) (٢)، فقلت: قد فعلتُ، فقالا: هل (٣) رأيت شيئًا؟ قلت: لم أر شيئًا، فقالا: كذبتِ لم تفعلي، ارجعي إلى بلادكِ فلا تكفري، فإنَّك على رأس أمرك، قالت: فأبيتُ، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبُولي فيه، فذهبت إليه (٤)، فبُلتُ فيه، فرأيتُ فارسًا متقنِّعًا (٥) بحديد خرجَ منِّي حتى ذهب في السماء، وغاب عنِّي حتى ما أراه، فجئتهما، فقلت: قد فعلت، قالا: فما رأيتِ؟ قلت: رأيتُ فارسًا متقنِّعًا (٦) بالحديد خرج منِّي فذهب في السماء حتى ما أراه؟ قالا: صدقتِ، ذلك إيمانكِ خرج منكِ، اذهبي، فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئًا، وما (٧) قالا لي شيئًا، فقالت: بلى، لن تُريدي شيئًا إلا كان، خُذي هذا القمح فابذُري، فبذرتُ، فقلت: أطلعي، فطلعت، فقلت (٨): احقلي (٩) فحقلت، ثم
стр. 1446
стр. 1447
وأمَّا كيفيَّة جواز تعليم السحر على الملائكة، ووجه الآية وحملها على التأويل الصحيح:
فقال بعضهم: إنَّما (١) كانا لا يتعمدان تعليم السحر، ولكنَّهما يصفانه ويذكران بطلانه، ويأمران باجتنابه. و (أعْلَمَ) و (عَلَّمَ) بمعنى واحد، وفي هذا حكمة: وهي (٢) أنَّ المسائل (٣) لو سأل: ما الزنا؟ لوجب أن يُوقَف عليه (٤)، ويُعلم أنَّهُ حرام، فكذلك إعلام الملكين الناس وأمرهما باجتنابه بعد الإعلام والإخبار أنه كفرٌ حرام، فيتعلم الشقي منهما من خلال (٥) صفتهما ويترك موعظتهما ونصيحتهما، ولا يكون على هذا التأويل (تعلم السحر) (٦) كفرًا، وإنَّما يكون العمل به كفرًا، كما أنَّ من عرَّف الزنا لم يأثم، وإنَّما يأثم العامل به.
والقول الآخر -وهو الأصحّ- أنَّ الله تعالى امتحن الناس بالملكين في ذلك الوقت، وجعل المحنة في الكفر والإيمان أن يقبل (٧) القابل تعلُّمَ السحر، فيكفر بتعلمه ويؤمن بترك التعلُّم؛ لأنَّ السحر كان قد كثُر في كلِّ أمة، ويزداد المعلمان عذابًا بتعليمه، فيكون ذلك ابتلاءً للمعلِّم
стр. 1448
والمتعلم. ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء، كما امتحن بني إسرائيل بالنهر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ (١) يدل عليه قوله : ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾. وهذان القولان حكاهما الزجاج واعتمدهما (٢).
قال الله : ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ﴾ أي: بالسحر ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: أحدًا "من" صلة ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بعلمه وقضائه ومشيئته ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ وقرأ عبيد بن عمير: (ما يُضِرُّهم) (٣) من أضرَّ يُضِرُّ. ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ يعني: اليهود ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ اختار السحر ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: في الجنة ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: من نصيب (٤).
وقال الحسن: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: من دين ولا وجه
стр. 1449
عند الله (١).
وقال ابن عباس: من قَوَام (٢). وقيل: من خَلاص (٣).
وقال أمية:
يدْعون بالويلِ فيها لا خلاقَ لهم ... إلا سرابيلَ (٤) من قِطْرٍ وأغلالِ (٥)
أي: لا خلاص لهم.
﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا﴾ أي: باعوا ﴿بِهِ﴾ حظَّ ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ حيث اختاروا السحر الكفر على الدين الحق ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
١٠٣ - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾
بمحمدٍ والقرآن ﴿وَاتَّقَوْا﴾ اليهودية والسحر. ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ أي: لكان ثواب الله إيَّاهم خيرًا لهم ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
стр. 1450
١٠٤ - قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ الآية.
وذلك أنَّ المسلمين كانوا يقولون لرسول الله ﷺ : راعِنا يا رسول الله، وأرْعِنَا سمعَك يعنون من المراعاة. وكانت هذِه اللفظة شيئًا (١) قبيحًا باليهودية (٢). وقيل: كان معناه عندهم: اسمعْ لا سَمِعت. وقيل: هو إلحادٌ إلى الرُّعونة، فلمَّا سمعتها (٣) اليهود اغتنموها وقالوا فيما بينهم: كنّا نسبُّ محمدًا سرًّا، فأعلِنوا له الآن بالشتم، فكانوا يأتونه ويقولون: راعنا يا محمد، ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ ففطن لها -وكان يعرف لغتهم- فقال لليهود: عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده يا معشر اليهود لئن سمعتُها من رجلٍ منكم يقولها لرسول الله ﷺ لأضربنَّ عنقَه فقالوا: أولستم تقولونها، فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ لكي لا يجد اليهود بذلك (٤) سبيلًا إلى شتم رسول الله ﷺ (٥).
стр. 1451
وفي هذِه اللفظة ثلاث قراءات:
قرأ الحسن: (راعِنًا) بالتنوين (١)، أراد: قولًا راعِنًا، أي حُمُقًا، من الرُّعونة، فحذف الاسم وأبقى الصفة، كقول الشاعر:
стр. 1452
ولا مِثلَ يومٍ (في قُذارانَ ظَلْتُهُ) (١) ... كأنِّي وأصحابي على قرنِ أعفَرَا (٢)
أراد قرنَ ظبيٍ أعفَر، فحذف الاسم وأبقى النعت.
وقرأ أبي بن كعب: (راعُونَا) بالجمع (٣).
وقراءة العامة: ﴿رَاعِنَا﴾ بالواحد (٤)، من المراعاة، يُقال: أرعى إلى الشيء وراعاه وأرعاه، إذا أصغى إليه واستمعه، مثل قولهم: عافاه الله وأعفاه.
وقال مجاهد: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ يعني: خلافًا (٥).
стр. 1453
وقال يمان: هُجْرًا (١).
وقال الكناني (٢): شرًّا.
﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ قرأ أبي بن كعب: (أنظرنا) بقطع الألف (٣)، أي: أخِّرنا. وقراءة (٤) العامة موصولة، أي: انظُر إلينا، فحذف حرف التعدية (٥). كقول الشاعر:
ظاهراتُ الجَمَالِ والحُسنِ ينْظُرْ ... نَ كَمَا ينظُرُ الأراكَ الظْباءُ (٦)
أي: إلى الأراك.
وقيل: معناه: انتظِرْنَا وتأنَّ بنا (٧). كقول امرئ القيس:
стр. 1454
فإنَّكما إنْ تُنظراني ساعةً ... من الدهرِ ينفعني لدى أمِّ جُندَبِ (١)
وقال مجاهد: معناه: فَهِّمنا (٢).
وقال يمان: بيِّن لنا (٣).
﴿وَاسْمَعُوا﴾ ما تُؤمرون به (٤). والمراد به: أطيعوا؛ لأنَّ الطاعة تحت السمع.
﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يعني: اليهود.
١٠٥ - قوله : ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية.
وذلك أنَّ المسلمين كانوا إذا قالوا لحلفائهم من اليهود آمِنوا
стр. 1455
بمحمد ﷺ قالوا: ما هذا الذي تدعونا (١) إليه بخيرٍ مما نحن عليه، ولوددنا لو كان خيرًا، فأنزل الله تكذيبًا لهم (٢): ﴿مَا يَوَدُّ﴾ أي: يريد ويتمنى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: اليهود ﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ مجرور في اللفظ بالنَّسَق على مرفوع في المعنى بفعله، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ (٣) ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: خيرٌ، كما تقول: ما أتاني من أحدٍ، (منْ) فيه وفي أخواتها صلة، وهي كثيرة في القرآن (٤). ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ﴾ والاختصاص أوكد من الخصوص؛ لأنَّ الاختصاص لنفسك والخصوص لغيرك ﴿بِرَحْمَتِهِ﴾ أي: بنبوته ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ فخَصَّ بها محمدًا ﷺ . ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
стр. 1456
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
تأليف
أبي إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبي المتوفى سنة ٤٢٧ هـ
أشرف على إخراجه
د/ صلاح باعثمان - د/ حسن الغزالي - أ. د/ زيد مهارش - أ. د/ أمين باشه
[المجلد الرابع]
[سورة البقرة ١٠٦ - ١٨٧]
تحقيق
د/ خالد بن عون العنزي
стр. 1457
السيرة الذاتية للمحقق
د/ خالد بن عون العنزي
أستاذ مشارك بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة طيبة، المدينة المنورة
حصل على درجة الدكتوراه عام ١٤٢١ هـ في تخصص التفسير وعلوم القرآن من جامعة أم القرى.
بعض من المناصب الإدارية التي شغلها:
رئيس قسم الدراسات القرآنية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية.
وكيل كلية المعلمين لشؤون الطلاب.
عضوية الهيئات العلمية منها:
عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه.
له مؤلفات منشورة أهمها:
١ - الندم والنادمون في القرآن الكريم.
٢ - أولو الألباب في القرآن الكريم.
٣ - جهود المباركفوري في التفسير وعلوم القرآن.
٤ - المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.
٥ - البينات في بيان بعض الآيات: للملا على قاري، دراسة وتحقيق
٦ - كشف النقاب عن مضاعفة العذاب في آيات الكتاب.
٧ - الثواب المضاعف في القرآن الكريم، دراسة موضوعية.
٨ - المناسبات عند الواحدي في كتابه الوسيط، جمع ودراسة ومقارنة.
٩ - ادعاء النصيحة، دراسة موضوعية لنماذج قرآنية.
* * *
стр. 1458
الْكَشْفُ وَالْبَيَانُ عَن تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ
[٤]
стр. 1459
جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة
رَقم الْإِيدَاع بدَارِ الْكتب ١٥١٤٤/ ٢٠١٣
الطَّبعَةُ الأولى
١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م
دَار التَّفْسِير
جدة - المملكة الْعَرَبيَّة السَعوديَّة
شَارِع مَحْمُود نصيف - حَيّ الأندلس
ص. ب: ١٢٢٤٩٧ - جدة: ٢١٣٣٢
تلفاكس: ٦٦٨٨٨٢٣ - ٠١٢
стр. 1460
١٠٦ - قوله : ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ الآية.
وذلك أنَّ المشركين قالوا: ألا ترون إلى محمدٍ يأمر أصحابه بأمرٍ، ثمَّ ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولًا ويرجع عنه غدًا؟ ما هذا القرآن إلا كلام محمد تقوَّله (١) من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضه بعضًا، فأنزل الله : ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ (٢)، وأنزل أيضًا: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ. .﴾ بيَّن وجه الحكمة في النسخ بهذِه الآية (٣).
واعلم أنَّ النسخ في اللغة شيئان:
الوجه الأول: بمعنى التغيير والتحويل.
قال الفرَّاء: يقال مسخه الله قردًا، ونسخه قردًا. ومنه نَسْخُ الكتاب، وهو أن يحوَّل من كتابٍ إلى كتاب فيُنقَل ما فيه إليه. قال الله : ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٤) أي: نأمر الملائكة بنسخها (٥).
стр. 1461
стр. 1462
стр. 1463
عن عكرمة (١) عن ابن عباس (٢) قال: أنزل الله تعالى القرآن جُملةً واحدة من (٣) اللوح المحفوظ إلى السماء (٤) الدنيا، ثم أنزله جبريل على محمد ﷺ آيًا بعد آيٍ، فكان فيه ما قال المشركون وردَّ عليهم (٥).
والوجه الثاني: بمعنى (٦) رفع الشيء وإبطاله، يقال: نسخَت الشمسُ الظلَّ، أي: ذهبت به وأبطلتْه، وإيَّاه عنى بقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ
стр. 1464
стр. 1465
والنوع الثاني: أن تُرفع الآية أصلًا، فتكون خارجةً من خطِّ الكتاب، ولفظها (١) من قلوب الرجال أيضًا (٢). والشاهد له ما:
[٢٩٢] أخبرنا محمد بن الحسين (٣)، قال: أنا محمد بن الحسن (٤)، قال: أنا على بن عبد العزيز (٥)، قال: أنا القاسم بن سلام (٦)، قال: نا عبد الله بن صالح (٧)، عن الليث (٨)، عن عُقَيل (٩) ويونس (١٠)، عن ابن شهاب (١١)، قال: أخبرني
стр. 1466
أبو أمامة بن سهل بن حُنيف (١) في مجلس سعيد بن المسيِّب (٢): أنَّ رجلًا كانت (٣) معه سورة (٤)، فقام يقرؤها من الليل، فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرؤها فلم يقدر عليها، (وقام آخر يقرؤها فلم يقدر عليها) (٥)، فأصبحوا فأتوا رسول الله ﷺ فقال بعضهم: يا رسول الله، قمتُ البارحة لأقرأ سورة كذا وكذا، فلم أقدر عليها. وقال الآخر: يا رسول الله، ما جئتُ إلا لذلك. وقال الآخر: وأنا يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : "إنَّها نُسخت البارحة" (٦).
стр. 1467
ثم أعلم أنَّ النسخ إنما يعرض (١) على الأوامر والنواهي دون الأخبار (٢)، لأنَّ الخبر إذا نُسخ صار المخبر كذابًا (٣).
وأبى اليهود جواز (نسخ الشرائع) (٤)، وزعموا أنَّه بَدَاءٌ (٥)، فيقال لهم:
أليس قد أباح الله تزويج (الأخت من الأخ) (٦) ثم حظره، وكذلك بنتُ الأخ وبنت الأخت؟ أليس قد أمَر إبراهيم ﵇ بذبح ابنه ثم قال
стр. 1468
له (١): لا تذبحه؟ أليس قد أمر موسى بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل، ثم أمرهم برفع السيف عنهم؟ أليست نبوةُ موسى ﵇ غير متعبدٍ بها قبل بَعثِه (٢)، (ثُم تُعبِّد بها بعد ذلك) (٣) أليس قد أمر حِزقيل (٤) النبي ﵇ بالختان ثم نهاه عنه؟ فلمَّا لم يلحقه في هذِه الأشياء بَدَادٌ، فكذلك في نسخ الشرائع لا يلحقُه بدادٌ، بل هو نقلُ العباد من عبادةٍ إلى عبادة، ومن (٥) حكمٍ إلى حكم، لضربٍ من المصلحة؛ إظهارًا لحكمته، وكمال مملكته، وله ذلك. وبه التوفيق (٦).
стр. 1469
стр. 1470
أبي حَصين (١) عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي (٢) أنَّ عليَّ بن أبي طالب ﵁ مرَّ بقاصٍّ يقص، فقال له (٣): هل (٤) تعلم الناسخ والمنسوخ؟ فقال: لا. فقال: هلكتَ وأهلكتَ (٥).
فأمَّا معنى الآية:
فقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ قراءة العامة بفتح النون والسين من النسخ، وقرأ ابن عامر بضم النون وكسر السين (٦)، قال أبو حاتم:
стр. 1471
هو غلط (١)، وقال غيره: له وجهان:
أحدهما: تجعله نسخة (٢) من قولك: نسختُ الكتابَ: إذا كتبتُه، وأنسختُه غيري: إذا جعلته نسخةً له، ومعناها: ما نُنسخُكَ.
والوجه الثاني: تجعله (٣) من (٤) جملة المنسوخ، كقولك: طردتُ الرجل:
إذا نفيتُه، وأطردتُه: إذا (٥) جعلتُه طريدًا (٦).
قال الشاعر:
أطَرَدْتَنِي حَذَر الهِجَاءِ حنَقًا ... واللاتِ والأصنامِ ما قالوا (٧)
стр. 1472
﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾: فيه تسع (١) قراءات: قرأ سعيد بن المسيب وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب: ﴿نُنْسِهَا﴾ بضم النون وكسر السين، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، أي: نُنْسها نبيَّنَا، قاله أكثر المفسرين (٢).
قال الحسن: هو ما أنسى الله رسوله (٣).
وقال ابن عباس: أي نتركها لا نبدِّلها (٤). قال الله : ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٥) وقال (٦) تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ (٧) كل (٨) هذا من الترك، كأنَّه جعل أنسى ونَسيَ بمعنى واحد.
стр. 1473
стр. 1474
أي: ولا آمر بتركها.
وقرأ أبي بن كعب: (أو نُنْسِكَ) (١). وقرأ عبد الله: (ما نُنْسِكَ (٢) من آيةٍ أو نَنْسَخْهَا). وقرأ سالم مولى أبي حذيفة (٣) (أو نُنْسِكَهَا). وقرأ أبو رجاء (٤): (أو نُنَسِّهَا) بالتشديد. وقرأ الضحاك: (أو تُنْسَهَا) بضم التاء وفتح السين على المجهول. وقرأ سعد بن أبي وقاص: (أو تَنْسَهَا) بتاء مفتوحة من النسيان (٥).
[٢٩٥] وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي (٦)، قال: نا أبو الحسن
стр. 1475