← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

هو غلط (١)، وقال غيره: له وجهان: أحدهما: تجعله نسخة (٢) من قولك: نسختُ الكتابَ: إذا كتبتُه، وأنسختُه غيري: إذا جعلته نسخةً له، ومعناها: ما نُنسخُكَ. والوجه الثاني: تجعله (٣) من (٤) جملة المنسوخ، كقولك: طردتُ الرجل: إذا نفيتُه، وأطردتُه: إذا (٥) جعلتُه طريدًا (٦). قال الشاعر: أطَرَدْتَنِي حَذَر الهِجَاءِ حنَقًا ... واللاتِ والأصنامِ ما قالوا (٧)

стр. 1472

﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾: فيه تسع (١) قراءات: قرأ سعيد بن المسيب وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب: ﴿نُنْسِهَا﴾ بضم النون وكسر السين، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، أي: نُنْسها نبيَّنَا، قاله أكثر المفسرين (٢). قال الحسن: هو ما أنسى الله رسوله (٣). وقال ابن عباس: أي نتركها لا نبدِّلها (٤). قال الله : ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٥) وقال (٦) تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ (٧) كل (٨) هذا من الترك، كأنَّه جعل أنسى ونَسيَ بمعنى واحد.

стр. 1473

[٢٩٤] وسمعتُ أبا القاسم الحبيبي (١) يقول: سمعتُ أبا منصور الأزهري (٢) يقول: معناه: أو نأمُرُ بتركها (٣) يقال: أنسيتَ الشيء: إذا (٤) أمرتَ بتركه (٥). قال الشاعر: إن عليَّ عُقبةً أقضِيها ... لستُ بناسيها ولا منسيها (٦)

стр. 1474

أي: ولا آمر بتركها. وقرأ أبي بن كعب: (أو نُنْسِكَ) (١). وقرأ عبد الله: (ما نُنْسِكَ (٢) من آيةٍ أو نَنْسَخْهَا). وقرأ سالم مولى أبي حذيفة (٣) (أو نُنْسِكَهَا). وقرأ أبو رجاء (٤): (أو نُنَسِّهَا) بالتشديد. وقرأ الضحاك: (أو تُنْسَهَا) بضم التاء وفتح السين على المجهول. وقرأ سعد بن أبي وقاص: (أو تَنْسَهَا) بتاء مفتوحة من النسيان (٥). [٢٩٥] وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي (٦)، قال: نا أبو الحسن

стр. 1475

الكارزي (١) قال: أنا على بن عبد العزيز (٢) قال: أنا أبو عبيد (٣) قال: نا هُشيم (٤) قال: أنا يعلى بن عطاء (٥) عن القاسم بن ربيعة بن قانف (٦) قال: سمعتُ سعد بن أبي وقاص (٧) يقرأ: (ما ننسخ من آية أو تَنْسَهَا). قال: فقلت له (٨):

стр. 1476

إنَّ سعيد بن المسيب يقرأ (١): ﴿نُنْسِهَا﴾، فقال: إنَّ القرآن لم ينزل على آل المسيب، قال الله تعالى لنبيِّه ﷺ : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ (٢) ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (٣).

стр. 1477

وقرأ مجاهد: (أو نَنْسَهَا) بفتح النون مخفَّفًا (١)، أي: نتركها. وقرأ عمر بن الخطاب وابن عباس وعبيد بن عمير وعطاء وابن كثير وأبو عمرو والنخعي (٢) (أو نَنْسَأهَا) بفتح النون الأولى، وفتح السين مهموزة، أي: نؤخِّرها فلا نبدِّلها ولا ننسخها. يقال: نسأَ الله في أجله، وأنسَأَ الله في (٣) أجله، ومنه: النسيئة في البيع (٤). وقال أبو عبيدة: ننسأها مجازهُ: نُمضِيها (٥). وقال طرفة يذكر ناقته:

стр. 1478

أمُونٍ كأَلْواحِ الإرانِ نَسأْتُها ... على لاحِبٍ كأنَّه ظَهرُ برجُدِ (١) أي: سقتها وأمضيتها. وقال سعيد بن المسيب وعطاء (٢): أمَّا ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ فهو ما قد نزل من القرآن" جعلاه (٣) من النُّسخة (أو ننسأها) أي: نؤخرها فلا يكون، وهو ما لم ينزل (٤). ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ أي: بما هو أجدى وأنفع لكم، وأسهل عليكم، وأكثر لأجركم (٥)، لا (أنَّ آيةً) (٦) خيرٌ من آية؛ لأنَّ كلام الله

стр. 1479

واحد، وكلُّه خير. ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾: في المنفعة والمثوبة. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من النسخ والتبديل ﴿قَدِيرٌ﴾ أي: قادر. قال الزجاج: لفظُهُ (١) استفهام، ومعناه (٢) تفهيم (٣) وتقرير (٤). ١٠٧ - قوله : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ﴾ يا معشر الكفار عند نزول العذاب ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾: قريب وصديق ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾: ناصر يمنعكم من العذاب. ١٠٨ - قوله : ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس: نزلت في عبد (٥) الله بن أبي (٦) أمية المخزومي

стр. 1480

ورهطٍ من قريش، قالوا: يا محمد، اجعل لنا الصفا ذهَبًا، ووسِّع لنا أرض مكة، وفجِّر الأنهار خلالها تفجيرًا، نؤمن بك. فأنزل الله : ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ (١). يعني: أتريدون، والميم صلة، لأنَّ (أمْ) إذا كان بمعنى العطف لا يكون ابتداءً، ولا تأتي إلا مردودةً على استفهام قبلها. وقيل: معناه: بل تريدون (٢)، كقول (٣) الشاعر: بَدَتْ مثلَ قرنِ الشمسِ في رونقِ الضُّحى ... وصورتها أم أنتِ في العين أملحُ أي: بل أنتِ. ﴿أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ محمدًا ﵇ ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ سأله قومه ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (٤).

стр. 1481

قال مجاهد: لما قالت قريش هذا لرسول ﷺ قال: "نعم، وهو (١) كالمائدة لبني إسرائيل، إنْ لم تؤمنوا عذِّبتم"، فأبوا ورجعوا (٢). والصحيح -إن شاء الله- أنَّها نزلت في اليهود حين قالوا: يا محمد، ائتنا بكتاب نزل (٣) من السماء جُملةً كما أتى موسى بالتوراة جملة (٤). لأنَّ هذِه السورة (٥) مدنيَّة. وتصديق هذا القول: قوله : ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ (٦). وفي ﴿سُئِلَ﴾ ثلاث قراءات: ﴿سُئِلَ﴾ بالهمز، وهي قراءة العامة. و(سُيِل) بتليين الهمز، وهي قراءة أبي جعفر. و(سِيلَ) مثل: قيل، وهي قراءة الحسن (٧). قوله : ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ يعني: ومن يستبدل الكفر بالإيمان ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أخطأ وسط الطريق.

стр. 1482

١٠٩ - قوله : ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية. نزلت في نفرٍ من اليهود، منهم فِنْحَاص بن عازورا (١)، وزيد بن قيس، وذلك أنهم قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر (٢) بعد وقعة أحد: ألم تَرَيا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هُزمتم، فارجعا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل، ونحن أهدى منكم سبيلًا، فقال لهم (٣) عمار: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديد. قال: فإنِّي قد (٤) عاهدت أن لا أكفر بمحمد ما عشت. فقالت اليهود: أمَّا هذا فقد صبأ. وقال حذيفة: وأمَّا أنا فقد رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمدٍ نبيًّا، وبالإسلام دينًا، وبالقرآن إمامًا، وبالكعبة قبلةً، وبالمؤمنين إخوانًا. ثمَّ أتيا رسول الله ﷺ فأخبراه بذلك، فقال: "أصبتما الخير

стр. 1483

وأفلحتما"، فأنزل الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (١). أي: تمنى وأراد كثير من اليهود ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ (٢) يا معشر المؤمنين ﴿مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ في انتصابه وجهان: قيل: بالرد، وقيل: بالحال. وقوله: ﴿حَسَدًا﴾ في نصبه -أيضًا- وجهان:

стр. 1484

قيل: على المصدر، أي: يحسدونكم حسدًا. وقيل: بنزع حرف الصفة، تقديره: للحسد (١). وأصل الحسد في اللغة: الإلظَاظ بالشيء حتى يحسده، ومنه قيل للمسحاة: مِحْسَد (٢)، وللقراد: حسدل، زيدت فيه اللام؛ كما يقال للعبد: عبدل (٣). وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: لم يأمركم (٤) الله بذلك ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ في التوراة أنَّ قول محمد صدق ودينه حق ﴿فَاعْفُوا﴾: فاتركوا ﴿وَاصْفَحُوا﴾ وتجاوزوا ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: بعذابه؛ القتل والسبي لبني قريظة، والجلاء والنفي لبني النضير، قاله ابن عباس (٥).

стр. 1485

وقال قتادة: هو أمره بقتالهم في قوله (١): ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢). وقال ابن كيسان: بعلمه وحكمه (٣) فيهم، حَكم لبعضهم بالإسلام، ولبعضهم بالسبي والقتل والجزية (٤). وقيل: أراد به يوم (٥) القيامة فيجازيهم بأعمالهم (٦) ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ١١٠ - وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا﴾ تُسلفوا (٧) ﴿لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ أي: طاعة وعمل صالح ﴿تَجِدُوهُ﴾ تجدوا ثوابه ونفعه ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ وقيل: أراد بالخير المال، كقوله ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (٨)، ومعناه: وما تقدِّموا لأنفسكم من زكاةٍ وصدقة تجدوه عند الله، التمرة واللقمة مثل أحد (٩) ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.

стр. 1486

وفي الحديث: "إذا مات العبد قال الناس: ما خلَّف؟ وقالت الملائكة: ما قدَّم" (١). [٢٩٦] وأخبرنا أبو محمد الحسن بن على بن أبي جعفر السِّجْزِي (٢) قال: نا أبي (٣) قال: نا أبو الحسن بن حرزاد (٤) قال: نا محمدبن عبد الله بن خنبس (٥) قال: نا محمد بن عبد الملك الواسطي (٦)، قال: نا يزيد بن هارون (٧)،

стр. 1487

قال: أنا حُميد الطويل (١) عن أنس بن مالك (٢) قال: لما ماتت فاطمة بنتُ رسول الله ﷺ دخل علي بن أبي طالب ﵁ الدار، وأنشأ يقول: لكلِّ اجتماعٍ مِن خليلَين فُرقةٌ ... وكلُّ الذي دونَ الفراقِ قليلُ وإنَّ افتقادي واحدًا بعد واحدٍ ... دليلٌ على أن لا يدومَ خليلُ ثم دخل المقابر فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، أموالكم قُسمت، ودُوركم سُكنت، ونساؤكم نُكحت، وهذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندَكم؟ فهتَف هاتفٌ: وعليكم السلام، ما أكلنا رَبِحْنَا، وما قدمنا وجدنا، وما خلَّفنا خسِرنا (٣).

стр. 1488

١١١ - قوله : ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ قال الفراء: أراد: يهودًا، فحذف (١) الياء الزائدة ورجع إلى الفعل من اليهودية (٢). وقال الأخفش: الهُود: جمع هائد، مثل: عائذ وعُوذ، وحائل وحُول، وعائط وعُوط (٣). وفي مصحف أُبي: (إلا من كان يهوديًّا أو نصرانيًّا) (٤). ومعنى الآية: وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديًّا ولا دين إلا دين (٥) اليهودية، وقال النصارى: لن يدخل إلا من كان نصرانيًّا ولا دين إلا النصرانيَّة. قال الله : ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ أي: شهواتهم التي اشتهوها

стр. 1489

وتمنوها على الله بغير الحق. وقيل: أباطيلهم، بلغة قريش (١). ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿هَاتُوا﴾ أصله: ﴿ءَاتَواْ﴾ فقلبت الهمزة هاء (٢). ﴿بُرْهَانَكُمْ﴾ حجتكم على ذلك، وجمعه: براهين، مثل: قربان وقرابين، وسلطان وسلاطين ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ثم قال ردًّا عليهم وتكذيبًا لهم: ١١٢ - ﴿بَلَى﴾ أي: ليس كما قالوا، بلى (٣) يدخل الجنة ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ قال مقاتل: أخلص دينه (٤) لله. وقيل: فوَّض أمره إلى الله. وقيل: خضع وتواضع لله (٥). وأصل الإسلام: الاستسلام والخضوع (٦) والانقياد، وإنما خصَّ الوجه لأنه إذا جاد بوجهه في السجود لم يبخل بسائر جوارحه. قال

стр. 1490

زيد بن عمرو بن نفيل (١): أسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ ... له الأرض تحملُ صخرًا ثِقالًا وأسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ ... له المزن تحملُ عذْبًا زُلالًا (٢) وقوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ يعني: في عمله. وقيل: مؤمن، وقيل: مخلص (٣) ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤). ١١٣ - وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾ نزلت (هذِه الآية) (٥) في يهود أهل المدينة ونصارى أهل (٦)

стр. 1491

نجران، (وذلك أنَّ وفد نجران) (١) لما قدموا على رسول الله ﷺ أتاهم أحبار اليهود، فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت لهم (٢) اليهود: ما أنتم على شيء من الدين، فكفروا بعيسى والإنجيل، وقالت لهم النصارى: ما أنتم على شيء (من الدين) (٣)، فكفروا بموسى والتوراة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ (٤) أي: من الدين، ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ وكلا الفريقين يقرءون الكتاب. [٢٩٧] سمعتُ أبا القاسم بن حبيب (٥) يقول: سمعت أبا بكر بن عبدوس (٦) يقول: كان سفيان الثوري (٧) إذا قرأ هذِه الآية قال: صدقوا جميعًا والله (٨).

стр. 1492

﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: آباءهم الذين مضوا ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾. وقال مقاتل (١): يعني مشركي العرب، كذلك قالوا في نبيهم محمد وأصحابه: ليسوا على شيء من الدين (٢). وقال ابن جريج: قلت لعطاء ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ من هم؟ قال: أمم كانت قبل اليهود والنصارى، مثل: قوم نوح وهود وصالح (٣) ولوط وشعيب ونحوهم، قالوا في نبيهم: إنَّه ليس على شيء، وإنَّ الدين ديننا (٤). ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾: يقضي بين المحق والمبطل ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من الدين.

стр. 1493

١١٤ - قوله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ الآية. نزلت في طَطُوس بن استبانوس (١) الرومي وأصحابه، وذلك أنَّهم غزوا بني إسرائيل، فقتلوا مقاتلتهم (٢)، وسبوا ذراريهم، وحرَّقوا التوراة، وخرَّبوا بيت المقدس، وقذفوا فيه (٣) الجيف، وذبحوا فيه الخنازير، فكان خرابًا إلى أن بناه المسلمون في أيام عمر بن الخطاب ﵁ (٤). وقال قتادة والسدي: هو بُختُنَصَّر وأصحابه، غزوا اليهود وخرَّبوا بيت المقدس، فأعانتهم (٥) على ذلك النصارى: ططوس الرومي، وأصحابه من أهل الروم. قال السدي: من أجل أنهم قتلوا يحيى بن

стр. 1494

زكريا. وقال قتادة: حملهم بغض اليهود على معاونة بختنصَّر (١). فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَن أَظْلَمُ﴾ أي: أكفر وأعتى ﴿مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ يعني: بيت المقدس ومحاربيه (٢). ﴿أَن﴾ في محل نصب (٣) بالمفعول الثاني؛ لأن المنع يتعدى إلى مفعولين (٤)، فتقديره: ممَّن منع مساجد الله الذِّكرَ، وإن شئت جعلته نصبًا بنزع حرف الصفة، أي: من أن يُذكر (٥). ﴿وَسَعَى﴾ أي: عمل ﴿فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا

стр. 1495

خَائِفِينَ﴾ وفي مصحف أُبي: (إلا خُيَّفًا) (١). قال ابن عباس: لم يدخلها بعد عمارتها رُوميٌّ إلا خائفًا، لو عُلم به قُتل (٢). وقال قتادة ومقاتل (٣): لا (٤) يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكِّرًا مُسَارقةً، لو قدروا (٥) عليه عُوقب ونُهِك ضربًا (٦). وقال السدي: أُخيفوا بالجزية (٧). وقال أهل المعاني: هذا خبر فيه معنى الأمر يقول: أجهضوهم

стр. 1496

بالقتال (١)، كي لا يدخلها أحد منهم إلا خائفًا من القتل والسبي (٢). نظيره قوله : ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ (٣) نهاهم على (٤) لفظ الخبر، فمعنى الآيتين: ما ينبغي لكم ولهم، وهذا وجه الآية. ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ أي: عذاب وهوان. قال قتادة: هو القتل للحربي، والجزية للذمي (٥). وقال مقاتل والكلبي: فتحُ مدائنهم الثلاث: روميَة (٦)،

стр. 1497

وقسطنطينيَّة (١)، وعمُّورية (٢). وقال السدي: هو أنه (٣) إذا قام المهدي فُتحت قسطنطينية، فقُتل مقاتلتهم، وسُبي ذراريهم، فذلك خزيهم في الدنيا (٤). ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو النار. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد الطبراني (٥) بها قال: نا

стр. 1498

محمد بن حمدويه (١) قال: نا أبو المُوجّه (٢)، قال: نا عبدان (٣)، عن أبي حمزة (٤) عن إسماعيل (٥) عن أبيه (٦)،

стр. 1499

عن أبي هريرة (١) قال: "لا تقوم الساعة حتى تُفتَح مدينة هرقل ويؤذن فيها المؤذنون، ويُقسم فيها المال بالتِّرَسَة (٢)، فيُقبلون بأكثر أموالٍ رآها الناس قط، فبينا هم كذلك، إذ أتاهم صريخ أنَّ الدجال خلفكم في أهليكم، فيُلقون ما في أيديهم، ويجيئونه فيقاتلونه" (٣). وقال عطاء وعبد الرحمن بن زيد: نزلت هذِه الآية في مشركي مكة، وأراد بالمساجد: المسجد الحرام، منعوا محمدًا ﷺ وأصحابه (٤) من حجِّهِ والصلاة فيه، وإذا منعوا من يعمره بذكر الله فقد سعوا في خرابه، يدل عليه قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ الآية (٥).

стр. 1500

﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ يعني: أهل مكة، يقول: أفتحها عليكم حتى تدخلوها وتكونوا أولى بها منهم، ففتحها الله عليهم، وأمر رسولُ الله ﷺ مناديًا فنادى (١): "ألا لا يَحُجَّنَّ بعد هذا العام مشرك ولا يطوفنَّ بالبيت عريان" (٢). فطفق المشركون يقولون: اللهم إنَّا قد منعنا أن نبركَ، فهذا خوفهم. ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ الذل والقتل والسبي والنفي ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣).

стр. 1501

١١٥ - قوله : ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ الآية. اختلفوا في سبب نزولها: فقال ابن عباس: خرج نفرٌ من أصحاب رسول الله ﷺ في سفر، وذلك قبل تحويل القبلة إلى الكعبة، فأصابهم الضباب وحضرتِ الصلاة، فتحرَّوا القبلة وصلوا، فمنهم من صلي قِبل المشرق، ومنهم من صلي قِبل المغرب، فلما ذهب الضباب استبان لهم أنهم لم يصيبوا، فلما قدموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فنزلت هذِه

стр. 1502

الآية (١). وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة (٢) [عن أبيه] (٣): كنَّا مع رسول الله ﷺ في ليلةٍ سوداء مظلمة، فنزلنا منزلًا، فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدًا يصلي فيه، فلما (٤) أصبحنا إذا نحن قد (٥) صلينا إلى غير القبلة، فقلنا: يا رسول الله، لقد صلينا ليلتنا هذِه لغير (٦) القبلة، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٧).

стр. 1503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1504

وقال عبد الله بن عمر: نزلت هذِه الآية (١) في صلاة المسافر، يصلي حيث ما توجهت به راحلته تطوعًا، كان رسول الله ﷺ يصلِّي على راحلته جائيًا من مكة إلى المدينة (٢). [٢٩٩] أخبرنا أبو محمد المطوعي (٣)،

стр. 1505

وأبو على السيوري (١) وأبو عبد الله الضبِّي (٢)، قالوا: حدثنا أبو العباس الأموي (٣) قال: أنا الربيع بن سليمان (٤) قال: أنا الشافعي (٥) قال: نا مالك (٦)، عن عبد الله بن دينار (٧)، عن ابن عمر (٨) قال: كان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته في السفر حيثما (٩) توجهت به (١٠).

стр. 1506

وقال عكرمة: نزلت في تحويل القبلة لمَّا حولت إلى الكعبة، أنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ وجوهكم أيها المؤمنون في سفركم وحضركم ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (أي: وجهة الله) (١) التي (٢) وجهكم إليها، فاستقبلوها. يعني: الكعبة (٣). وقال أبو العالية: لمَّا صرفت القبلة إلى الكعبة عيَّرت اليهود المؤمنين في انحرافهم من بيت المقدس، فأنزل الله تعالى هذِه الآية جوابًا لهم (٤).

стр. 1507

وقال عطاء (١) وقتادة: نزلت في النجاشي (٢)، وذلك أنه تُوفي فأتى جبريل ﵇ فقال: "إنَّ أخاكم النجاشي قد مات فصلُّوا عليه"، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : كيف نصلِّي على رجل مات (٣) وهو يصلي إلى غير قبلتنا، وكان النجاشي يصلي إلى بيت المقدس حتى مات، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٤). وقال مجاهد والحسن والضحاك: لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٥) قالوا (٦): أين ندعوه؟ فنزلت ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾

стр. 1508

مِلكًا وخلقًا ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ أي: تحولوا وجوهكم، فهناك (١) ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ " (٢). قال الكلبي والقتيبي: معناه: فثمَّ الله يعلم ويرى، والوجه صِلةٌ، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ (٣) أي: يريدونه بالدعاء، قوله (٤): ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٥) أي: إلا هو، وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ (٦) أي: يبقى ربك، وقوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ (٧) أي: الله (٨).

стр. 1509

وقال الحسن ومجاهد (١) وقتادة ومقاتل بن حيان: فثَمَّ قبلة الله، أضافها إلى نفسه تخصيصًا وتفضيلًا، كما يقال: بيتُ الله، وناقة الله، والوجه والجهة والوجهة: القبلة (٢).

стр. 1510

﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ قال الكلبي: يعني: واسمع المغفرة لا يتعاظم (١) مغفرتَه ذنبٌ (٢). دليله قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (٣). وقال أبو عبيدة (٤): الواسع: الغنيّ، يقال: (يعطي من سَعَةٍ) (٥)، أي: من غنى، قال الله : ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٦) (٧). وقال الفراء: الواسع الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء (٨). دليله:
следующие страницы →