٤ - ﴿ثُمَّ ارْجِعٍ﴾ رد ﴿الْبَصَرِ﴾ وكرر النظر.
﴿كَرَّتَيْنِ﴾ مرتين (مرة على إثر مرة، تنظر وتتميز، هل ترى في السماء شيئًا) (١) ﴿يَنْقَلِبُ﴾ وينصرف ويرجع (٢) ﴿إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾ خاشعًا، ذليلا، مبعدا (٣) ﴿وَهُوَ حَسِيرُ﴾ يعني: كليل منقطع، لم يدرك ما طلب (٤).
قال الشاعر:
نظرتُ إليها بالمحصِّب من منى ... فعاد إلى الطرفُ وهو حسير (٥)
стр. 14492
[٣١٩٧] أخبرنا ابن فنجويه (١)، حدثنا موسى بن محمد (٢)، حدثنا الحسن بن عَلُّويه (٣)، حدثنا إسماعيل بن عيسى (٤)، حدثنا المسيّب (٥)، حدثنا إبراهيم البكري (٦)، عن صالح بن حيّان (٧)، عن عبد الله بن بريدة (٨)، عن أبيه (٩).
[٣١٩٨] قال المسيب (١٠): وحدثني أبو جعفر (١١)، عن الربيع (١٢)،
стр. 14493
عن كعب (١) قالا: سماء الدنيا موج مكفوف، والثانية: مرمرة بيضاء، والثالثة: حديد، والرابعة: صفر، أو قال: نحاس، والخامسة: فضة، والسادسة: ذهب، والسابعة: ياقوتة حمراء وبين السماء السابعة إلى الحجب السبعة؛ صحارى من نور. واسم صاحب الحجب: فيطاطروس (٢).
٥ - قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾
أي: الكواكب، واحدها مصباح، وهو السراج.
﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ في الدنيا ﴿رُجُومًا﴾ مرامي (٣) ﴿لِلشَّيَاطِينِ﴾ إذا استرقوا السمع (٤).
стр. 14494
﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ في الآخرة (١) ﴿عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ مع ما جعلنا لهم في الدنيا من الشهب.
٦ - ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أيضًا.
﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
٧ - ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾ صوتا كصوت الحمار (٢).
﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ تزفر وتغلي بهم كما تغلي القدر (٣). وقال مجاهد: تفور بهم، كما يفور الحَب القليل في الماء الكثير (٤).
стр. 14495
٨ - ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾
يتفرق بعضها من بعض على أهلها، غيظًا (١)، وانتقاما لله (٢).
﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ قوم. ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ رسول في الدنيا.
٩ - ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا﴾ لرسوله (٣) ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾
١٠ - ﴿وَقَالُوا﴾ في النار ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾
من النذر ما جاؤونا به ﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾ عنهم.
قال ابن عباس ﵄: لو كنا نسمع الهدى، أو نعقله؛ فنعمل به (٤).
стр. 14496
﴿مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾
١١ - ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا﴾ (١).
وقال سعيد بن جبير: هو واد في جهنم (٢) ﴿لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.
وثقَّله أبو جعفر، والكسائي بروايتيه الدوري، وقتيبة، بخلاف عنهما (٣).
وخفّفه الآخرون. وهما لغتان، مثل: الرعب والرعب، والسحت
стр. 14497
والسحت (١).
[٣١٩٩] أخبرنا عبد الله بن حامد (٢)، أخبرنا محمد بن خالد (٣)، أخبرنا داود بن سليمان (٤)، حدثنا عبد بن حميد (٥)، حدثنا (عبيد الله) (٦) ابن موسى (٧)، عن إسرائيل (٨)، عن أبي يحيى (٩)، عن مجاهد (١٠)، عن ابن عباس ﵄: قال: إن الرجل ليُجر إلى النار فتنزوي، وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: مالك؟ فتقول (١١): إنه كان يستجير مني. فيقول: أرسلوا عبدي. وإن العبد ليجر إلى
стр. 14498
النار فيقول: يا رب، ما كان هذا الظن بك. قال: فما كان ظنك؟ قال: كان ظني أن تسعني رحمتك. فيقول: أرسلوا عبدي، (وإن الرجل ليجر إلى النار) (١) فتشهق النار إليه شهيق البغلة إلى الشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف (٢).
* * *
стр. 14499
١٢ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾
قال ابن عباس ﵄: نزلت في المشركين، كانوا ينالون من رسول الله ﷺ ، فيخبره جبريل بما قالوا فيه، ونالوا منه، فيقول بعضهم لبعض: أَسرُّوا قولكم، حتى لا يسمع إله محمد ﷺ (١).
وقال أهل المعاني (٢): إن شئت جعلت (مَنْ) في قوله: ﴿مَنْ خَلَقَ﴾ اسمًا للخالق، فقلت: ألا يعلم الله الخالق ما في الصدور، وهو اللطيف الخبير.
وإن شئت جعلته اسمًا للمخلوق، فقلت: ألا يعلم الله مخلوقه (٣).
стр. 14500
[٣٢٠٠] أخبرنا الفنجوي (١)، حدثنا موسى (٢)، حدثنا الحسن بن عَلُّويه (٣)، حدثنا إسماعيل بن عيسى (٤)، عن المسيب (٥) قال: بينا رجل واقف بالليل في شجر كثير، وقد عصفت الريح، فوقع في نفس الرجل فقال: أترى الله تعالى يعلم ما يسقط من هذا الورق؟ فنودي من خلفه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ (٦).
وروى محمد بن فضيل عن زر بن أبي أسماء أن رجلًا دخل
стр. 14501
غيضة (١)، فقال: لو خلوت هاهنا بمعصية، من كان يراني؟
قال: فسمع صوتًا ملأ ما بين لابتي الغيضة: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ (٢).
١٥ - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ سهلا مسخرة لا تمتنع (٣).
﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ قال ابن عباس ﵄ (٤)، وقتادة (٥): في جبالها (٦).
وقال الضحاك: في أكمامها (٧).
وقال مجاهد: في طرقها وفجاجها (٨).
стр. 14502
وقال الكلبي: أطرافها (١).
وقال الفراء: في جوانبها (٢).
وقال مقاتل: نواحيها (٣).
وقال الحسن: سبلها (٤). حيث أردتم فقد جعلها لكم ذلولًا لا تمتنع (٥).
وأصل المنكب: الجانب، ومنه منكب الرجل، والريح النكباء، وتنكب فلان (٦).
стр. 14503
﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ الحلال (١) ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾.
١٦ - قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾.
قال ابن عباس ﵄: أأمنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه (٢)؟ وقيل معنى الآية: (آمنتم (٣) من في السماء) قدرته وسلطانه وعرشه
стр. 14504
ومملكته (١).
وقيل: إنما قال ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، لأنهم كانوا يعترفون بأنه إله السماء، ويزعمون أن الأصنام آلهة الأرض، وكانوا يدعون الله من جهة السماء، وينتظرون نزول أمره بالرحمة والسطوة منها (٢).
وقال المحققون: معنى قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ أي: فوق السماء، كقوله: ﴿فَسِيحُواْ فِى الأَرْضِ﴾ (٣) أي: فوقها (٤)،
стр. 14505
لا بالمباينة (١) والتحيز، ولكن بالقهر والتدبير (٢).
وقيل معناه: على السماء، كقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوْعِ الْنَّخْلِ﴾ (٣)
стр. 14506
ومعناه: أنه مالكها، ومدبرها، والقائم عليها (١)، كما يقال: فلان على العراق والحجاز، وفلان على خراسان، وسجستان (٢)، يعنون: أنه واليها وأميرها.
واعلم أن الآيات والأخبار الصحاح في هذا الباب كثيرة، وكُلُّها إلى العلو مشيرة، ولا يدفعها إلا ملحد جاحد، أو جاهل معاند.
والمراد بها -والله أعلم- توقيره وتعظيمه، وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلو والعظمة، دون أن يكون موصوفًا بالأماكن والجهات، والحدود والحالات، لأنها صفات الأجسام، وأمارات الحدث، والله كان ولا مكان فخلق الأمكنة غير محتاج إليها، وهو على ما لم يزل عليه.
ألا ترى أن الناس يرفعون أيديهم في حال الدعاء إلى السماء، مع إحاطة علمه وقدرته ومملكته بالأرض وغيرها، أحاطته بالسماء، إلا أن السماء مهبط الوحي، ومنزل القطر، ومحلَّ القدس، ومعدن المطهرين المقربين من ملائكته، وإليها ترفع أعمال عباده، وفوقها عرشه وجنته، وبالله التوفيق (٣).
﴿أَنْ يَخْسِفَ﴾ يغور (١) ﴿بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾.
قال الحسن: تتحرك بأهلها (٢). وقال الضحاك: تدور بهم وهم في قعرها (٣). وقال ابن كيسان: تهوي بهم (٤).
١٧ - ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾
ريحًا ذات حجارة، كما فعل بقوم لوط، وأصحاب الفيل (٥). ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ كيف إنذاري بالعذاب.
١٨ - ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨)﴾ إئكاري (٦).
стр. 14509
وأثبت بعض القراء الياء في هذه الحروف وأخواتها على الأصل (١). وحذفها بعضهم على الخط (٢).
١٩ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾
أجنحتها وهي تطير، وتقبض أجنحتها بعد انبساطها (٣).
﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ ما يحبسهن في حال القبض والبسط أن يسقطن (٤)، ﴿إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾.
٢٠ - ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ﴾
قال ابن عباس ﵄: منعة لكم. ﴿يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ فيدفع عنكم ما أراد بكم (٥) ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾.
стр. 14510
٢١ - قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ﴾
تمادٍ في الضلال (١) ﴿وَنُفُورٍ﴾ تباعد من الحق (٢).
٢٢ - ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾
راكبًا رأسه في الضلالة والجهالة، أعمى القلب والعين، لا يبصر يمينًا ولا شمالًا، وهو الكافر (٣).
وقال قتادة: هو الكافر أكبّ على معاصي الله في الدنيا، فحشره الله يوم القيامة على وجهه.
﴿أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو المؤمن (٤).
وقوله: ﴿مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ فعل غريب؛ لأن أكثر اللغة في التعدي واللزوم، أن يكون أفعلته ففعل، وهذا على ضده، يقال: كببت فلانا على وجهه فأكب. قال الله تعالى: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ (٥).
стр. 14511
وقال النَّبي ﷺ : "وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على مناخرهم إلا حصائدُ ألسنتهم" (١).
فنظيره في الكلام قولهم: قشعتِ الريحُ السحاب فأقشعت، ونشرته فأنشر (١).
قوله: ﴿مُكِبًّا﴾ فعل واقع (٢). قال الأعشى:
مُكبًا على روقيه يحفر عرقه ... على ظهر عريان الطريقة أهيما (٣)
٢٣ - ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦)﴾
٢٧ - ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ يعني: العذاب في الآخرة، عن أكثر المفسرين (٤).
стр. 14515
وقال مجاهد: يعني العذاب ببدر (١).
﴿زُلْفَةً﴾ قريبا (٢)، وهو اسم وصف مصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث، والواحد والاثنان والجميع (٣).
﴿سِيئَتْ﴾ أخزيت ﴿وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فاسودت وعلتها الكآبة والغبرة (٤).
تقول العرب: سؤته فسيء. ونظيره: سررته فسُرَّ، وشغلته فشُغل (٥). ﴿وَقِيلَ﴾ أي: وقال لهم الخزنة (٦).
стр. 14516
﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أن نعجله لكم (١).
وقرأ العامة: ﴿تَدَّعُونَ﴾ بتشديد الدال، تفتعلون من الدعاء عن أكثر العلماء. أي: تتمنون وتسألون (٢).
وقال الحسن: معناه: تدَّعون ألا جنة ولا نار (٣).
وقرأ الضحاك، وقتادة، ويعقوب: خفيفة الدال، أي: يدعون الله أن يأتيهم به. وهو قولهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية (٤).
стр. 14517
٢٨ - ﴿قُلْ﴾ محمد لمشركي مكة،
الذين يتمنون هلاكك، ويتربصون بك ريب المنون.
﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ فأماتني ﴿وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا﴾ أبقانا وأخرَّ في آجالنا.
﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، فإنه واقع بهم لا محالة (١).
وهذا اختيار الحسين بن الفضل (٢)، ومحمد بن جرير (٣).
وقال بعضهم: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ فعذبني ﴿وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا﴾ غفر لنا ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ونحن مع إيماننا خائفون من عذابه؛ لأن له أن يأخذنا بذنوبنا، ويعاقبنا ويهلكنا؛ لأن حكمه جارٍ، وأمره نافذ، وفعله واقع في ملكه، فنحن مع إيماننا خائفون من عذابه، فمن يمنعكم من عذاب الله وأنتم كافرون، وهذا معنى قول ابن عباس (٤)، واختيار عبد العزيز بن
стр. 14518
يحيى (١)، وابن كيسان (٢).
٢٩ - ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ﴾ بالياء.
الكسائي، رواه عن علي ﵁ (٣)، الباقون بالتاء (٤).
﴿مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ نحن أم أنتم.
٣٠ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾
غائرا ذاهبا نابضا في الأرض (٥) لا تناله الأيدي والدلاء (٦).
стр. 14519
قال الكلبي (١) ومقاتل (٢): يعني ماء زمزم، وبئر ميمون الحضرمي. وهي بئر عادية قديمة (٣).
﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ ظاهر تناله الدلاء (٤).
وقال عطاء، عن ابن عباس ﵄: جار (٥).
سورة القلم
مكية (١)، وهي ألف ومائتان وستة وخمسون حرفًا، وثلاثمائة كلمة، واثنتان وخمسون آية (٢).
[٣٢٠١] أخبرنا محمد بن القاسم (٣)، أخبرنا محمد بن مطر (٤)، حدثنا إبراهيم بن شَريك (٥)، حدثنا أحمد بن عبد الله (٦)، حدثنا سلاّم (٧)، حدثنا هارون (٨)، عن زيد بن أسلم (٩)، عن أبيه (١٠)، عن
стр. 14523
أبي أمامة (١)، عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة نون والقلم أعطاه الله تعالى ثواب الذين حسن أخلاقهم" (٢).
стр. 14524
قوله :
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
١ - ﴿ن﴾ اختلف القراء فيه:
فأظهر بعضهم نونه (١)، وأخفاها الآخرون.
فأدغم النون الثانية من هجائها في الواو أبو بكر، والمفضل، وهبيرة، وورش، وابن محيصن، وابن عامر، والكسائي، ويعقوب (٢). وقرأ ابن عباس ﵄: (نون) بكسر النون على إضمار حرف القسم (٣).
وقرأ عيسى بن عمر: بالفتح، على إضمار الفعل (٤).
стр. 14525
واختلف المفسرون في معناه:
فقال مجاهد (١)، ومقاتل (٢)، ومُرَّة الهَمْداني (٣)، وعطاء الخراساني (٤)، والسدي (٥)، والكلبي (٦): هو الحوت الذي يحمل الأرض.
وهي رواية أبي ظبيان، عن ابن عباس ﵄ قال: أول ما خلق الله تعالى القلم، فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء فخلق منه السموات، ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهر النون، فتحرك
стр. 14526
النون، فمادت الأرض، فأثبتت بالجبال فإن الجبال لتفخر على الأرض، ثم قرأ ابن عباس: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ (١).
واختلفوا في اسمه:
فقال الكلبي (٢)، ومقاتل (٣): يهموت (٤).
стр. 14527
وقال أبو اليقظان (١) والواقدي (٢): ليوثا.
وقال كعب: لوثوثا.
وقال علي ﵁: بلهوت (٣).
وقال في بعض أراجيزه (٤):
ما لي أراكم كلكم سكوتا ... والله ربي خلق البلهوتا (٥).
قالت الرواة: لما خلق الله تعالى الأرض، وفتقها؛ بعث الله تعالى من تحت العرش ملكًا، فهبط إلى الأرض حتى دخل تحت الأرض السبع، فوضعها على عاتقه إحدى يديه بالمشرق، والأخرى
стр. 14528
بالمغرب، باسطتين قابضتين على الأرضين السبع، حتى ضبطها، فلم يكن لقدمه موضع قرار، فأهبط الله تعالى من الفردوس ثورا له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة، وجعل قرار قدم الملك على سنامه فلم تستقر قدماه فأحدر الله تعالى ياقوتة حمراء (١) من أعلى درجة في الفردوس، وغلظها مسيرة خمسمائة عام، فوضعها بين سنام الثور إلى أذنيه، فاستقرت عليها قدماه، وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض، ومنخراه في البحر، فهو يتنفس كل يوم نفسا، فإذا تنفس مد البحر، وإذا مد نفسه، جزر، فلم يكن لقوائم الثور موضع قرار، فخلق الله تعالى صخرة خضراء كغلظ سبع سموات وسبع أرضين، فاستقرت قوائم الثور عليها، وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ (٢) فلم يكن للصخرة مستقر. فخلق الله تعالى نونًا، وهو الحوت العظيم. فوضع الصخرة على ظهره، وسائر جسده خال والحوت على البحر، والبحر على متن الريح، والريح على القدرة، يقل الدنيا كلها بما عليها حرفان من كتاب الله تعالى، قال لها الجبار: كوني. فكانت (٣).
стр. 14529
وقال كعب الأحبار: إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض كلها، فوسوس إليه وقال له: أتدري ما على ظهرك يالويثا من الأمم والدواب، والشجر والجبال وغيرها؟ لو لفظتهم ألقيتهم عن ظهرك أجمع.
قال: فهم لويثا أن يفعل ذلك، فبعث الله تعالى دابة، فدخلت منخره، ووصلت إلى دماغه، فضج (١) الحوت إلى الله تعالى منها، فأذن لها فخرجت.
قال كعب: والذي نفسي بيده، إنه لينظر إليها، وتنظر إليه، إن هم بشيء من ذلك عادت إليه كما كانت (٢).
وقال بعضهم: هي آخر حروف الرحمن.
وهي رواية عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿الر﴾ (٣)، ﴿حم (١)﴾ (٤)، ﴿ن﴾ حروف الرحمن ﵎ مقطعة (٥).
стр. 14530
وقال الحسن (١)، وقتادة (٢)، والضحاك (٣): النون: الدواة (٤).
وهي رواية ثابت [البناني] (٥) عن ابن عباس ﵄ (٦).