من قومه، وقرأها عليه، فقال الحارث: إنك والله ما علمت لصدوق، وإن رسول الله ﷺ لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة. فرجع الحارث إلى المدينة، فأسلم وحسن إسلامه.
١٦ - يورد الحديث للتدليل على عرض الأحكام الفقهية المستنبطة عند تفسيره لآيات الأحكام ومن الأمثلة على ذلك:
عند تفسيره لقول الله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]: قال: اعلم أن شروط وجوب الحج تسعة: البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، لقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يتنبه"، ولقوله ﷺ : "أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى".
وقال في نفس الباب: وأما النفقة: فإن كان ذا أهل وعيال يجب عليه نفقتهم فلا يلزمه الحج، حتى يكون واجدًا نفقتهم مدة غيبته لذهابه ورجوعه، لأن هذا الإنفاق فرض على الفور، والحج فرض على التراخي، فكان تقديم الإنفاق على العيال أولى وأهم، وقد قال النبي ﷺ : "كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت".
١٧ - يورد الحديث للتدليل على ما أداه إليه نظره فيما اتفق العلماء على جوازه، وهو: استنباط واستخراج الحكم والإشارات وما شاكل ذلك من كل ما لا يمتنع استنباطه من القرآن واستخراجه منه لمن كان أهلاً
стр. 177
لذلك:
ومن الأمثلة على ذلك:
- عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]: قال: أخبرنا الحسن بن أحمد بن محمد المخلديّ. .، ثم ساق بسنده عن أبي أمامة الحارثي: أن رسول الله ﷺ قال: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة" فقال رجل: وإن كان يسيرًا؟ ، قال: "وإن كان قضيبًا من أراك".
- وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]: قال: وفي الحديث: "ما من جرعة أحمد عاقبة من جرعة غيظ مكظوم"، وساق بسنده عن معاذ بن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من كظم غيظًا وهو يقدر على أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء".
جـ - تفسير القرآن بأقوال الصحابة
يعتبر تفسير الصحابة هو المصدر الثالث من مصادر تفسير القرآن، بعد القرآن والسنة، ذلك لأنَّ الصحابة رضوان الله عليهم شاهدوا التنزيل، وأخذوا القرآن غضًا طريًّا من في رسول الله ﷺ ، ولذلك كانوا هم أعلم الناس بعد رسول الله ﷺ بألفاظ القرآن ومعانيه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا لم تجد التفسير في القرآن، ولا في السنة، رجعت في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما
стр. 178
شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح (١).
وتفسير "الكشف والبيان" يُعدُّ من أبرز التفاسير بالمأثور، قد حوى عددًا وافرًا من مأثور أقوال الصحابة في تفسير القرآن الكريم، حتى أصبح ذلك معلمًا واضحًا فيه، يدركه لأول وهلة كل من طالع هذا التفسير، ونظر فيه. ولم يقتصر اعتماد الثعلبي على أقوال الصحابة في جانب أو جانبين، بل كان اعتماده عليها في نواحٍ عديدة ومجالات شتى. إذ كان يعتمد أقوال الصحابة في توضيح وتفسير معنى الآية، وفي القراءات، وفي الأحكام، وفي القصص، وغير ذلك، وفْق منهج سار عليه الثعلبي، وتحددت معالمه في الأمور الآتية:
١ - يروي الثعلبي أحيانًا أقوال الصحابة بإسناده، وأحيانًا يذكر قول الصحابي بإسناد معلَّق، وأحيانًا يذكرها من دون إسناد .
٢ - ذكر قراءات الصحابة:
ويروي الثعلبي هذِه القراءات أحيانًا بالإسناد، وأحيانًا يذكرها دون إسناد.
مثال ذلك:
- عند ذكر القراءات في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤]، نسب قراءة (ملِك) من دون ألف إلى خمسة من الصحابة.
- عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]،
стр. 179
استشهد بقراءة أبيّ (وأكْفلها زكريا) بالألف لكونها تعين على التأويل، أي ضمّها الله زكريا، أي ضمّها إليه.
(زكريا) فيه لغتان: (زكريا) مقصور، وهي قراءة ابن مسعود.
وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿تَأْمَنْهُ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وفي حرف ابن مسعود ﵁: (مالك لا تيْمنا).
- عند قول الله تعالى: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ قال: وقرأ الحسن (ولا أدرأتكم به)، وهي لغة بني عقيل. . .، إلى أن قال: وقرأ ابن عباس ﵄ (ولا أنذرتكم به) من الإنذار، وهو دليل قراءة الحسن.
- وقال في قول الله تعالى: ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ هكذا قراءة العامة، وتصديقها قراءة عبد الله بن مسعود ﵄ (وتزينت).
- ومثله قوله عند قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ قال: قراءة العامة (السحرُ) على الخبر بغير مدّ. . .، ودليل قراءة العامة قراءة ابن مسعود ﵄ (ما جئتم به سحر).
٣ - الاستدلال بأقوال الصحابة في تفسير الآية وبيان معناها:
ومن الأمثلة عليه:
- روى الثعلبي بسنده عن ابن عباس: في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾. قال: فاتحة الكتاب.
- ويروي بسنده عن ابن مسعود: في قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. قال: يحلُّون حلاله، ويحرِّمون حرامه، ويقرؤونه كما أنزل، ولا يحرِّفونه عن مواضعه.
стр. 180
عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ [آل عمران: ٤٩]؛ ذكر الاختلاف في معنى (الأكمه) إلى أن قال: وقال ابن عباس: هو الذي ولد أعمى ولم يبصر ضوءًا قط، وقول ابن عباس هو الراجح.
وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]: ذكر الاختلاف في معنى (ربانيين) إلى أن قال: فقال عليّ وابن عبّاس: كونوا فقهاء علماء. وقد جمع عليّ ﵁ هذِه الأقاويل فقال: هو الذي يرب علمه بعمله.
وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١]؛ ذكر الاختلاف في المعنى بهذِه الآية إلى أن قال: وقال بعضهم: إنما أخذ الميثاق على النبيّين وأممهم، فاكتفى بذكر الأنبياء عن ذكر الأمم، لأن في أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على الأتباع، وهذا معنى قول ابن عباس ﵁، وهو أولى بالصواب.
وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]: ذكر أوجه التأويل في المعنى بهذِه الآية، فقال: قال ابن عباس ﵁: تمسكوا بدين الله وساق بسنده عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: الجماعة.
وذكر عن ابن مسعود أنه قال: أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وما تكرهون في الطاعة والجماعة خير مما تحبّون في الفرقة. وساق بسنده عن على بن أبي طالب ﵁ مرفوعًا أنه: كتب الله. وروى بسنده عن ابن مسعود ﵁-
стр. 181
مرفوعًا: أن هذا القرآن هو حبل الله. وساق بسنده عن زيد ابن أرقم ﵁ مرفوعًا أنه كتاب الله هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة.
وعند تفسيره لقوله الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]: ذكر العلَّة الجالبة لهذِه المغفرة فقال: قال ابن عباس ﵄: سارعوا إلى الإسلام. وقال على بن أبي طالب ﵁: إلى أداء الفرائض. وقال عثمان بن عفّان ﵁: الإخلاص.
وقال أنس بن مالك ﵁: التكبيرة الأولى.
٤ - نقل بعض القصص المتعلقة بتفسير الآية عن الصحابة:
مثال ذلك: ذكره لقصة إبراهيم وابنه إسماعيل وأمه هاجر، وبناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة.
وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣]: روى عن ابن عبّاس ﵄ قال: أقبل يعقوب ﵇ من حرّان، فذكر معالجة يعقوب والملك وما أصاب يعقوب ﵇ من بلاء وشدة فحلف يعقوب ﵇ لئن شفاه الله لا يأكل عِرْقًا ولا طعامًا فيه عِرْق، فحرمّها على نفسه. وذكر تمام القصة.
وروى عن ابن عباس أن الأطباء وصفوا ليعقوب ﵇ أن يجتنب لحوم الإبل.
стр. 182
وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]: روى عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم أحد شج رسول الله ﷺ في قرن حاجبه، وذكر قول النبي ﷺ : "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم".
٥ - نقل أسباب النزول عن الصحابة (١):
ومن الأمثلة على ذلك:
عند قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ الآية [البقرة: ١١٥]: ذكر عددًا من الروايات عن الصحابة في سبب نزول الآية. حيث ذكر سببًا عن ابن عباس. ثم ذكر نحوه عن عامر بن ربيعة، ثم ذكر سببًا آخر عن عبد الله ابن عمر ﵃.
عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [آل عمران: ١٢]: ذكر عن محمد بن إسحاق أنها نزلت في اليهود، وقال: وهذِه رواية عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄.
وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨]: ذكر عن ابن عباس ﵁: أن نفرًا من اليهود بطنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فحذّرهم رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير عن ذلك فأبوا إلاّ مباطنتهم، فأنزل الله فيهم هذِه الآية.
стр. 183
٦ - الاستدلال بأقوال الصحابة في الأحكام الفقهية:
ففي مسألة الجهر بالبسملة في الصلاة: يستدل الثعلبي على مشروعية الجهر بأدلة، منها بعض الأدلة عن الصحابة أنهم كانوا يجهرون بها. حيث يروي بسنده: عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يجهران بـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
ويروي بسنده أيضًا عن على بن زيد بن جدعان: أنَّ العبادلة كانوا يستفتحون القراءة بـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) يجهرون بها: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن صفوان.
وعند مسألة قراءة الفاتحة في الصلاة، يرجِّح الثعلبي وجوب قراءتها على المأموم كوجوبها على الإمام. ويدلِّل على ذلك بعدَّة أحاديث، ثم ينسب هذا القول إلى سبعة عشر صحابيًا يذكر أسماءهم.
وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]: ذكر شروط وجوب الحج، ومنها الزاد والراحلة قال: وهو قول عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وعبد الله ابن عباس ﵁، وروى عن عليّ بن أبي طالب أنه قال لشيخ كبير لم يحج: جهّز رجلًا يحجّ عنك.
وذكر في فصل في إيجاب الحج عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حجّوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلّا نفقت. وروى عن عمر ﵁ قال: لقد هممت أن أبعث رجلًا إلى
стр. 184
الأمصار، فينظرون إلى من كان له مال ولم يحج، فيضروا عليه الجزية.
٧ - ويستدل الثعلبي كذلك بإجماع الصحابة في المسائل الفقهيَّة: حيث استدل بإجماعهم على كون البسملة الآية الأولى من فاتحة الكتاب: بما رواه بسنده عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة؛ أنَّ معاوية بن أبي سفيان قدم المدينة فصلى بالناس صلاة يجهر فيها، وأنه قرأ أم القرآن ولم يقرأ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فلما قضى صلاته ناداه المهاجرون والأنصار من كل ناحية: أنسيتَ؟ أين (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) حين استفتحت القرآن؟ فعادلهم معاوية، فقرأ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
٨ - نقل بعض الإسرائيليات عن الصحابة:
مثال ذلك: الروايات الإسرائيلية التي نقلها المصنف في قصة هاروت وماروت. حيث ذكر قصصًا في ذلك: عن ابن عباس. وعلى ابن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عمر.
٩ - تقديم أقوال الصحابة على غيرهم عند ذكر أقوال المفسِّرين:
مثال ذلك: عند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢]: ذكر أقوال العلماء في معنى التقوى وحقيقة المتقي، فذكر أولًا قول ابن عباس، ثم قول ابن عمر، ثم ذكر بقية الأقوال.
وهذا ليس مطردًا، فقد يخالفه أحيانًا إذا اقتضى الأمر ذلك، فعند قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] ذكر حديث
стр. 185
النبي ﷺ "الويل واد في جهنم. . " الحديث.
ثم ذكر الأقوال المماثلة لهذا الحديث، وهي قول سعيد بن المسيب: واد في جهنم، وقول ابن بريدة: جبل من قيح ودم. ثم ذكر قولًا مغايرًا لابن عباس وهو قوله بأن الويل: شدة العذاب.
وتأخيره لقول ابن عباس لعل سببه أن الأقوال التي ذكرها قبله هي الأولى، لدلالة الحديث عليها فلمثل هذا الاعتبار ونحوه يؤخِّر أحيانًا أقوال الصحابة.
١٠ - مراعاة الترتيب في ذكر الصحابة:
مثال ذلك: عند قوله تعالى: ﴿الم﴾ [البقرة: ١]، ذكر ضمن الأقوال في الحروف المقطعة قولين لأبي بكر الصديق، وعلى بن أبي طالب. فقدَّم قول أبي بكر، ثم ذكر قول علي.
وكذلك عند قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قولين، قول لعثمان بن عفان ﵁ وذكره أولًا، ثم ذكر قولًا لعلي ابن أبي طالب ﵁.
د- تفاسير التابعين
كما نقل الثعلبي تفسير الصحابة، وذكر أقوالهم في مواضع كثيرة من تفسيره، فإنه اعتمد أيضًا أقوال تلاميذ هؤلاء الصحابة من التابعين ﵏ الذين أخذوا تفسير كتاب الله غضًّا طريًّا من أولئك الصحابة رضوان الله عليهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا لم تجد التفسير في القرآن، ولا في
стр. 186
السنة، ولا وجدته عن الصحابة فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين (١).
والثعلبي ﵀ قد اعتنى بتفاسير هؤلاء الأئمة من التابعين عناية بالغةً في تفسيره، حيث إنَّ الناظر في مصادره التي ذكرها في مقدمة كتابه يجد أنَّ من أبرز هذِه المصادر تفاسير هؤلاء التابعين، أمثال: مجاهد، وقتادة، والضحاك، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وأبي العالية، وغيرهم.
وقد روى الثعلبي كل تفسير من تفاسيرهم بإسناده إلى التابعين، وبعض التفاسير رواها من عدة طرق كما سبق عند ذكر مصادره.
حتى إن من يطالع "الكشف والبيان" ولو قليلًا، ويرى تلك الأقوال الكثيرة المتناثرة لأولئك التابعين في كل موضع من هذا التفسير يدرك يقينًا أن هذا الكتاب مصدر مهم لأقوال التابعين وتفاسيرهم.
وقد انتهج الثعلبي في نقل أقوال التابعين منهجًا يشبه منهجه في ذكر أقوال الصحابة رضوان الله عليهم، ويمكن تحديد معالم هذا المنهج في الأمور التالية:
١ - رواية أقوال التابعين بالإسناد:
ذكر الثعلبي في مقدمة تفسيره أسانيده إلى هؤلاء التابعين؛ لئلا يحتاج إلى تكرار هذِه الأسانيد كلما ذكر أقوالهم.
стр. 187
ولكنَّنا نجد الثعلبي يروي بعض أقوال التابعين بالإسناد لأنها جاءت من طرق أخرى عن التابعي غير التي ذكرها في مقدمته.
ومن الأمثلة على ذلك: أنه روى قولًا عن عطاء بن أبي رباح من غير الطريق الذي روى عنه تفسيره في المقدمة، فقد روى تفسير عطاء عنه في مقدمة التفسير من طريق ابن جريج عنه. وأما الأثر الذي رواه عنه في تفسيره فقد رواه من طريق عثمان بن الأسود، عن عطاء.
٢ - بيان أقوالهم في تفسير كثير من المفردات أو المعاني:
وهذا لا حصر له، وفيما يأتي أمثلة لبعضها:
عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]: ذكر اختلاف العلماء في المحكم والمتشابه ما هما، ومما ذكره: قال قتادة، والربيع، والضحاك، والسديّ: المحكم: الناسخ الذي يعمل به، والمتشابه: المنسوخ الذي يؤمن به، ولا يعمل به.
وقال مجاهد، وعكرمة: المحكم: ما فيه الحلال والحرام، وما سوى ذلك متشابه يصدق بعضه بعضا. وروى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: المحكم: ما لا يحتمل من التأويل غير وجه واضح، والمتشابه: ما احتمل أوجهًا.
- عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩]: ذكر كمًا كثيرا من أقوال أهل العلم في السيد والحصور، ومنهم الضحاك، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيّب، وقتادة، وعكرمة، ومجاهد، وابن زيد، وأبو الشعثاء، والسديّ، والحسن وغيرهم
стр. 188
الكثير.
- عند قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]: قال: قال مجاهد والضحاك: الوصيد: فناء الكهف، وهي رواية على بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄. وقال سعيد بن جبير: الوصيد: الصعيد وهو التراب، وهذِه رواية عطية: عن ابن عباس ﵄. وقال السدي: الوصيد: الباب، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس ﵄. وقال عطاء: الوصيد: عتبة الباب. وقال القتيبي: الوصيد: البناء.
- عند قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: ١٩]: قال: قال ابن عباس، وسعيد بن جبير: أحل ذبيحة. وقال الضحاك: أطيب. وقال مقاتل بن حيان: أجود. وقال يمان بن رئاب؟ أرخص. وقال قتادة: خير. وقال عكرمة: أكثر.
- عند قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ [مريم: ٥]: قال عند تفسير معنى الموالي: قال مجاهد: العصبة. وقال أبو صالح: الكلالة. وقال الكلبي: الورثة.
- عند قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]: قال: عند تفسر النسي: قال ابن عباس ﵄: شيئًا متروكًا. وقال قتادة: شيئًا لا يعرف ولا يذكر. وقال عكرمة، والضحاك، ومجاهد: حيضة ملقاة. وقال الربيع: هو السقط. وقال مقاتل: يعني كالشيء الهالك. وقال عطاء بن أبي مسلم: يعني لم أخلق. وقال الفراء: وهو ما تلقيه
стр. 189
المرأة من خرق اعتلالها. وقال أبو عبيدة: هو ما نسي أو أغفل من شيء حقير.
٣ - نقل أقوال التابعين في سبب نزول الآية:
مثال ذلك:
عند قوله ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧]، قال: قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك، ومقاتل، والسدي: نزلت هذِه الآية في المنافقين. ثم قال: وقال سعيد بن جبير، ومحمد بن كعب، وعطاء، ويمان بن رئاب: نزلت في اليهود.
وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠]: قال: قال الحسن، وقتادة، وعطاء الخرسانيّ: نزلت هذِه الآية في اليهود كفروا بعيسى ﵇ والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم، ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ بكفرهم بمحمد ﷺ والقرآن. وقال أبو العالية: نزلت في اليهود والنصارى كفروا بمحمد ﷺ . وقال مجاهد: نزلت في الكفّار كلهم.
وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: ٩٣]: قال: قال أبو ورق: كان هذا حين قال النبي ﷺ : أنا على ملّة إبراهيم. . .، فذكر الحديث إلى أن قال: فأنزل الله تكذيبًا لهم: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾.
٤ - ذكر قراءات التابعين:
مثال ذلك: عند قوله تعالى ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]
стр. 190
قال: وقرأ الحسن ومجاهد وطلحة: (وُقُودها) بضم الواو، وقرأ عبيد ابن عمير: (وقيدها الناس والحجارة).
وعند قراءة ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤] نسب هذِه القراءة إلى واحد وثلاثين من التابعين وأتباعهم.
وعند قراءة (ملِك يوم الدين) نسبها إلى عشرين من التابعين، وأتباعهم.
وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤]: قال: قرأ أبو حيوة: بكسر الزاي مخففًا، يعني: منزلين النصر، وقرأ الحسن، ومجاهد، وطلحة بن مصرّف، وعمرو بن ميمون، وابن عامر: مشددة مفتوحة الزاي على التكثير.
وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]: قال: قرأ الحسن، ومجاهد، وحميد، وابن كثير، وأبو جعفر، وشيبة، ونافع، وعاصم برواية أبي بكر، وحفص، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب، وأيوب: مخففة الفاء، واختاره أبو عبيد، وأبو حاتم، وحينئذ يكون زكريا في محل الرفع أي: ضمّها إلى نفسه، وقام بأمرها.
٥ - نقل الإسرائيليات عن بعض التابعين:
مثل القصص التي ذكرها عن عكرمة، وعطاء بن أبي رباح، والسدي، وابن سيرين، وغيرهم في شأن بقرة بني إسرائيل التي أُمروا بذبحها.
٦ - ذكر أقوال التابعين في المسائل الفقهية والأحكام الشرعيَّة:
стр. 191
عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]: عقد مسألةً فقهيَّةً في حكم السعي بين الصفا والمروة، وذكر عدة أقوال في ذلك نسب كثيرًا منها إلى عدد من التابعين، مثل: مجاهد، وعطاء، وابن سيرين، والحسن، وغيرهم.
٧ - الاستدلال بالحديث على أقوال التابعين:
مثاله: عند قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [البسملة: الفاتحة]. ذكر عدة أقوال في تفسيرها، ومنها قول ابن المبارك: الرحمن الذي إذا سُئل أعطى، والرحيم الذي إذا لم يُسأل غضب. واستدل على هذا القول بحديث النبي ﷺ الذي رواه بإسناده: "من لم يسأل الله يغضب عليه".
٨ - كثرة النقول عن التابعين:
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿الم﴾ [البقرة: ١].
٢ - أقوالهم في معنى التقوى وحقيقة المتقي [البقرة: ٢].
٣ - أقوال المفسرين في المراد بالرعد [البقرة: ١٩].
٤ - أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] وغيرها.
٩ - يذكر بعض مراسيل التابعين:
مثال ذلك: قال: أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب قال: نا أبو أحمد عبد الملك بن محمد بن الفضل قال: نا أبو يحيى
стр. 192
زكريا بن دلويه ابن شبيب قال: نا أحمد بن النعمان بن الوجيه قال: نا جعفر بن سليمان الضبعي قال: نا سيف بن ميمون عن الحسن أن رسول الله قال: قال موسى ﵇ يا رب كيف استطاع آدم أن يؤدي شكر ما أجريتَ عليه من نعمك.
الأثر.
هـ- تفاسير أتباع التابعين ومن بعدهم:
يعتبر تفسير "الكشف والبيان" للثعلبي موسوعة في أقوال المفسرين من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومن بعدهم من أئمة التفسير. وقد اعتمد عليه في هذا الباب كثير من المفسرين كما سيأتي عند الكلام عن أهمية الكتاب.
وقد ذكر الثعلبي في مقدمة "تفسيره" أسانيده إلى تفاسير أتباع التابعين ومن بعدهم، أمثال: سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، ووكيع بن الجراح، وهشيم بن بشير، وشبل بن عباد، وورقاء بن عمرو، وقبيصة بن عقبة، وأبي حذيفة النهدي، وسعيد بن منصور، وعبد الله بن وهب، وعبد بن حميد، ومحمد بن أيوب الرازي، وغيرهم.
ولم يقتصر في النقل عن هؤلاء الذين روى تفاسيرهم بإسناده، بل نقل عن غيرهم أيضًا مثل: محمد بن جرير الطبري، وغيره.
وقد حشد الثعلبي في تفسيره أقوال هؤلاء الأئمة بما لا تجده عند غيره إلا نادرًا، حتى أصبح هذا التفسير مصدرًا مهمًا لأقوال هؤلاء المفسرين، نظرًا لأن مصنفاتهم مفقودةٌ الآن، فالذين يريدون جمع
стр. 193
مرويات هؤلاء وأقوالهم يجعلون تفسير "الكشف والبيان" في مقدمة المصادر التي يستقون منها هذِه الأقوال.
ومن أمثلة ما رواه المصنف ﵀ عنهم في "تفسيره": عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْر﴾ [آل عمران: ١٢٣]: قال: وقال عمير بن إسحاق: لما كان يوم أحد انجلى القوم عن رسول الله ﷺ وبقي سعد بن مالك يرمي. . .، فذكر الآية.
وقال الشعبيّ: بلغ رسول الله ﷺ والمسلمين يوم بدر أن كرز بن كابر المحاربيّ يريد أن يمد المشركين. . .، فذكر الرواية.
وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١]: قال: قال السديّ: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين نحو مكة. . .، فذكر قصة عزمهم على العودة إلا أن الله قذف في قلوبهم الرعب.
وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران: ٣٧]: قال: قال الربيع بن أنس: كان زكريا ﵇ إذا خرج أغلق عليها السبعة أبواب، فإذا دخل عليها غرفتها ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]. أي: فاكهة في غير حينها، فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف.
وروى عن محمد بن إسحاق بن يسار قال: ثم أصابت بني إسرائيل أزمة. .، فذكرها إلى أن قال: فيدخل عليها زكريا فيرى عندها فضلًا من الرزق، وليس بقدر ما يأتيها به يوسف. . إلخ.
стр. 194
و- الإسرائيليات وموقف الثعلبي منها
معنى الإسرائيليات:
لفظ الإسرائيليات -كما هو ظاهر- جمع، مفرده إسرائيلية، وهي قصة أو حادثة تُرْوى عن مصدر إسرائيلي، والنسبة فيها إلى إسرائيل، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم أبو الأسباط الاثني عشر، وإليه ينسب اليهود، فيقال: بنو إسرائيل، وقد ورد ذكرهم في القرآن منسوبين إليه في مواضع كثيرة.
ولفظ الإسرائيليات وإن كان يدل بظاهره على القصص الذي يُرْوى أصلًا عن مصادر يهودية، يستعمله علماء التفسير والحديث ويطلقونه على ما هو أوسع وأشمل من القصص اليهودي، فهو في اصطلاحهم يدل على كل ما تطرَّق إلى التفسير والحديث من أساطير قديمة منسوبة في أصل روايتها إلى مصدر يهودي أو نصراني أو غيرهما (١).
أقسام الإسرائيليات:
تنقسم الإسرائيليات إلى أقسام متعددة باعتبارات مختلفة، فتنقسم من ناحية السند والمتن إلى:
١ - صحيح من ناحية سنده ومتنه.
٢ - ضعيف من ناحية سنده أو متنه أو بهما معًا.
وتنقسم باعتبار موضوعها إلى:
стр. 195
١ - ما يتعلق بالعقائد.
٢ - ما يتعلق بالأحكام.
٣ - ما يتعلق بالمواعظ والقصص مما ليس له صلة بالموضوعين السابقين.
كما تنقسم باعتبار موافقتها لشريعتنا أو مخالفتها إلى:
١ - أخبار موافقة لما في شريعتنا.
٢ - أخبار مخالفة لما في شريعتنا.
٣ - أخبار سُكت عنها في شريعتنا (١).
حكم رواية الإسرائيليات:
ورد في حكم رواية الإسرائيليات عدد من الأحاديث والآثار يفهم من بعضها الجواز ومن البعض الآخر المنع، وأعدل الآراء في هذا هو ما ذهب إليه جمهور العلماء وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية في التوفيق بين أدلة الجواز وأدلة المنع، وذلك بحمل أدلة الجواز على ما وافق شرعنا وعلى ما سكت عنه شرعنا فلم يصدقه ولم يكذبه، وحمل أدلة المنع على ما خالف شرعنا.
وفيما يأتي نص كلام ابن تيمية ﵀ في "مقدمته في أصول التفسير" فبعد أن أشار ﵀ إلى أن الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد، قال: فإنها على ثلاثة أقسام:
стр. 196
أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.
الثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.
الثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، ويجوز حكايته لما تقدم، أي في قوله ﷺ : "بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" (١)، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعدتهم، وعصا موصى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى. .، إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن مما لا فائدة من تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم، ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا
стр. 197
يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾، فقد اشتملت هذِه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضعف القولين الأولين، وسكت عن الثالث فدل على صحته، إذ لو كان باطلًا لرده كما ردهما، ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته، فيقال في مثل هذا: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله تعالى عليه، فلهذا قال: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ أي لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك، فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب.
تسرُّب الإسرائيليات إلى كتب التفسير:
لقد تسربت الإسرائيليات إلى معظم كتب التفسير إن لم يكن إلى جميعها وسبب ذلك والله أعلم أن القرآن الكريم كان يقصد في إيراد القصص إلى موضع العبرة والموعظة، ولم يكن غرضه الأصلي إيراد أو سرد الوقائع التاريخية لمجرد الإخبار كما هو الشأن في كتب التاريخ التي غالبًا ما تهتم بالجزئيات وتتوسَّع في التفصيلات.
ولما كانت النفس البشرية تتشوق دائمًا إلى معرفة المجهول، فقد كان العرب في أول الإسلام -كما كانوا قبل الإسلام- يسألون أهل الكتاب، وخاصّة بعد أن أسلم طائفة منهم، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه.
стр. 198
وقد كان عندهم شيء من العلم، لكنهم لطول العهد بينهم وبين أنبيائهم ولتحريف من حرّف من أحبارهم السابقين، فقد اختلط الحق الذي لديهم بالباطل، وأصبحوا يجيبون من يسألهم فيصيبون أحيانًا ويخطئون أحيانًا أخرى حسب اجتهادهم وما توصلوا إليه، وكل ذلك مما لا يتعلق بالأمور الجوهرية في العقيدة، ولا يرجع إلى الأحكام وبيان الحلال والحرام. وتناقل الناس أقوالهم، وتساهل المفسرون فملؤوا كتبهم بتفسيرات أهل الكتاب بنسب متفاوتة، وأخذ القصص الصحيح منه، وغير الصحيح، يجد طريقه إلى أمهات كتب التفسير، كتفسير الطبري والثعلبي والواحدي والبغوي والخازن. حتى المفسرين الذين تنبهوا إلى ذلك وحاولوا التخلص من الإسرائيليات كابن عطية والقرطبي والرازي وابن كثير وأبي حيان ومن نحا نحوهم جميعًا لم يسلموا من هذِه الإسرائيليات (١).
موقف الثعلبي من الإسرائيليات:
لم تخلُ كتب التفسير عمومًا من ذكر الإسرائيليات والاستشهاد بها في التفسير كما سبق، وإن كان هؤلاء المفسرون منهم المقل في ذكر هذِه الإسرائيليات ومنهم المكثر في ذلك.
وقد كان الثعلبي من الذين أكثروا من هذِه الإسرائيليات وتوسعوا
стр. 199
فيها، حتى كان توسُّعهُ هذا من أبرز الأشياء التي جلبت له اللوم، ولتفسيره الذم. وسيأتي تفصيل القول في ذلك عند الكلام على المآخذ على تفسير الكشف والبيان، وهناك سيظهر لنا الحق في هذِه المسألة.
أما هاهنا فالذي يهمنا هو بيان منهج الثعلبي في ذكره لهذِه الإسرائيليات، والطريقة التي سار عليها في ذلك. ويمكن تحديدها فيما يأتي:
١ - يذكر الثعلبي بعض الإسرائيليات دون إسناد، ولا ينسبها لأحد، ولا يبيِّن مصدره في ذلك:
ومن الأمثلة على ذلك (١):
- قصة إبليس والحية. عند الآية (٣٦) من سورة البقرة.
- قصة إسراء موسى ببني إسرائيل من مصر. الآية (٥٠) من سورة البقرة.
- قصة السبعين الذين اختارهم موسى. الآية (٥٥) من سورة البقرة.
- قصة أصحاب السبت. الآية (٦٥) من سورة البقرة.
- ما أورده في صفة التابوت.
- قصة حمل قيدار بن إسماعيل التابوت ونقله إلى يعقوب.
- أن سبب سؤال إبراهيم إحياء الموتى لينجو من القتل.
٢ - ويورد الثعلبي بعض الإسرائيليات وينسبها إلى راويها من
стр. 200
الصحابة، أو التابعين، أو من بعدهم:
ومن الأمثلة على ذلك:
- قصة البقرة. عند تفسير الآية (٦٨) ذكر قصتها من قول ابن عباس وابن وهب، والسدي، وغيرهم.
- قصة سليمان والسحرة. الآية (١٠٢) من سورة البقرة، نسبها إلى عكرمة، والسدي، والكلبي.
- قصة هاروت وماروت. الآية (١٠٢) من سورة البقرة، نقلها -مفرَّقةً- عن ابن عباس، وعلى بن أبي طالب، والسدي، وقتادة، ومجاهد، وكعب الأحبار.
- عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] قال: وقال عطاء: أسلمت مريم عيسى إلى أعمال شتى، فكان آخر ما دفعته إلى الحواريين، وكانوا قصّارين وصبّاغين، فدفعته إلى رئيسهم، ليتعلم منه. . .، فيورد القصة بطولها إلى أن قال: فآمن به هو وأصحابه فهم الحواريون.
- وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران: ٥٤] قال: قال ابن عباس ﵄: إن ملكًا من بني إسرائيل أراد قتل عيسى وقصده أعوانه. . .، فيورد قصة محاولة قتل عيسى ﵇. وقال: وقال وهب: طرقوا عيسى ﵇ في بعض الليل فأمروه ونصبوا خشبة ليصلبوه. . .، فيورد قصة قتل عيسى ﵇ إلا أن الله رفعه إليه، وشبه الذي دلّ عليه لهم فصلبوه مكانه.
стр. 201
- وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قال: قال وهب بن منبه: مكتوب في التوراة: إن الله يبعث يوم القيامة سبع مئة ألف ملك من الملائكة المقربين، بيد كل واحد منهم سلسلة من ذهب إلى البيت الحرام. . .، فيورد قصة زمّهم الكعبة بالسلاسل الذهبية. . .، إلى أن قال فتقول الكعبة: لبيك لبيك، والخير في يديك، ثم يمدونها إلى المحشر.
- وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] روى عن السديّ قال: كان عيسى ﵇ إذا كان في الكتاب يحدّث الغلمان بما يصنع بهم آباؤهم. .، فذكر قصة همّ بني إسرائيل في الفتك بعيسى، وهروب أمه به إلى مصر على حُمَير لها.
- عند قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] أورد بسنده عن وهب، قال: (مكتوب في الإنجيل: يا ابن آدم اذكرني حين تغضب، أذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظُلمت فلا تنتصر، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك).
- عند ذكر ذي القرنين في سورة الكهف [آية: ٨٣] وما بعدها أورد قصة طويلة عن وهب.
- عند ذكر رفع إدريس ﵇ في سورة مريم في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧]؛ أورد قصة طويلة يتضح أنها من مرويات بني إسرائيل، ونسبها لابن عباس ﵄، وكعب الأحبار ﵀.
وعدم ذكر الثعلبي إسناده إلى هؤلاء راجع إلى اكتفائه بذكر أسانيده
стр. 202
إلى معظمهم في مقدمة تفسيره.
وأما إذا روى عن غيرهم فقد يذكر إسناده إليه، كما في الإسناد رقم (٢٩٧) إذ روى بسنده عن أبي بكر القطان شيئًا من قصة بناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة المشرَّفة.
- وعند قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] أورد بسنده عن عطاء الخرساني قصة أخوين من بني إسرائيل مؤمن وكافر. . إلخ.
٣ - يجمع الثعلبي أحيانًا عددًا من المرويات الإسرائيلية بأسانيد متعددة ويسوقها في سياق واحد:
كما فعل في قصة بناء الكعبة عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، إذ قال: روت الرواة بأسانيد مختلفة في بناء الكعبة، جمعت حديثهم ونسَّقته ليكون أحسن في النظم، وأقرب إلى الفهم. قالوا. . فساق القصة.
- وعند قوله ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ [البقرة: ٢٥١] قال: قال المفسرون بألفاظ مختلفة، ومعان متفقة: عبر النهر مع طالوت، وفيمن عبر إيشا أبو داود.
- وعند قوله : ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] قال: وقال الذين قالوا إن هذا المار كان عزيرًا: أن بخت نصر لما أخرب بيت المقدس، وأقدم سبي بني إسرائيل، وكان فيهم عزيرًا.
٤ - يهتم الثعلبي باختلاف المفسرين في القصص الإسرائيلية .
стр. 203
من الأمثلة:
- عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] ذكر الخلاف في سبب خروج هؤلاء القوم، فقال: قال أكثر المفسرين: كانت قرية يقال لها داوردان، وقع بها الطاعون، فخرجت طائفة هاربين من الطاعون. . .، وقال الضحاك، ومقاتل، والكلبي: إنما فروا من الجهاد. ثم ذكر الثعلبي بعد ذلك تسعة أقوال مختلفة؛ عزاها إلى أصحابها في مبلغ عدد الذين خرجوا من ديارهم.
- عند قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ [البقرة: ٢٤٦] قال: اختلفوا في ذلك النبي من هو؟ فقال قتادة: يوشع بن نون، وقال السدي: شمعون، وقال سائر المفسرين: هو أشمويل.
٥ - في بعض الإسرائيليات التي أوردها الثعلبي طعن وتنقص للأنبياء ﵈ والصالحين واتهامهم بما لا يليق . مثل:
- ما ورد في قصة طالوت مع داود بعد قتل جالوت: وأراد أن يغتال داود، فقال لها: أين بعلك؟ قالت: هو نائم على السرير، فضربه بالسيف، فسال الخمر، فلما وجد ريح الشراب قال: يرحم الله داود ما أكثر شربه للخمر. وطعن العلماء والعباد على طالوت في شأن داود، فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن قتل داود إلا قتله، وأُغُري بقتل العلماء، فلم يكن يقدر على عالم في بني إسرائيل يطيق قتله إلا قتله.
стр. 204
- ما أورده في حق النبي أرميا ﵇ من الجزع المذموم الذي ينافي كمال التوكل الذي كان عليه الأنبياء ﵈، فعند قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] أورد ما يأتي: فلما سمع ذلك أرميا صاح، وبكى، وشق ثيابه، ونبذ الرماد على رأسه.
٦ - وفي بعضها معجزات وأمور خارقة للعادة لا تحدث إلا على يد الأنبياء بأمر من الله .
- فعند قوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ [البقرة: ٢٥١] أورد ما يأتي: فانطلق بها إلى قبر أشمويل، فصلت، ودعت، ثم نادت صاحب القبر، فخرج إشمويل من القبر ينفض من رأسه التراب.
ز- التفسير الصوفي الإشاري وموقف الثعلبي منه:
تعريف التفسير الصوفي الإشاري:
عرَّف بعض العلماء هذا التفسير بأنَّه: تأويل آيات القرآن الكريم على خلاف ما يظهر منها بمقتضى إشارات خفيَّة، تظهر لأرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة (١).
стр. 205
موقف العلماء من التفسير الإشاري:
اختلف العلماء في هذا التفسير، فمنهم من أجازه، ومنهم من منعه. وكل من الفريقين استدل على قوله بأدلة لا يتسع المقام هنا لذكرها وذكر الردود عليها والأجوبة عنها (١).
ومن العلماء من توسّط فأجاز هذا التفسير بشروط، ومن هؤلاء الإمامان الشاطبي، وابن القيِّم.
وخلاصة هذِه الشروط تكمن في أمرين:
- أن يصحَّ هذا التفسير على مقتضى الظاهر المقرَّر في لسان العرب، ويجري على المقاصد العربية.
- أن يكون له شاهد نصَّا، أو ظاهرًا في محل آخر يشهد لصحته.
وهذان الشرطان نادرًا ما يتحققان في التفسير الإشاري الموجود في التفاسير الصوفية الموجودة اليوم (٢).
стр. 206
وبعض العلماء الذين منعوا من التفسير الإشاري يرى أنَّ هذا التفسير ليس تفسيرًا، بل هي معان ومواجيد لا يطلق عليها اسم التفسير، لكي لا يلتبس على البعض.
وقد نقل هذا القول الزركشي في "برهانه" إذ قال: فأما كلام الصوفية في تفسير القرآن، فقيل: ليس تفسيرًا، وإنما هي معان ومواجيد يجدونها عند التلاوة، كقول بعضهم في: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] إنّ المراد النفس، فأمرنا بقتال من يلينا، لأنها أقرب شيء إلينا وأقرب شيء إلى الإنسان نفسه (١).
علاقة الثعلبي بالصوفيَّة:
الثعلبي له علاقة بالتصوف والصوفيَّة، وأبرز أوجه هذِه العلاقة أن بعض شيوخه الذين أخذ عنهم كانوا من الصوفية. ومن أبرز هؤلاء شيخه أبو عبد الرحمن السُّلَمي شيخ الصوفية وكبيرهم في زمانه، وصاحب طبقاتهم.
والثعلبي ﵀ كان ينقل في "تفسيره" عن علماء الصوفية الكبار، أمثال: الفضيل بن عياض، والحارث المحاسبي، والجنيد، والسَّريُّ السقطي، والشبلي، وأبي يزيد البسطامي، وأبي تراب النخشبي، وغيرهم.
стр. 207
إلا أنَّ ذلك لا يعني أن الثعلبي كان يعتقد عقيدة الصوفية، أو يوافقهم في معتقداتهم، فذلك لم يظهر من الثعلبي في تفسيره، وإنَّما الذي ظهر هو أنَّ الثعلبي كان يستأنس بأقوالهم في مواطن الوعظ والزهد. كما فعل عند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢] ذكر أقوال العلماء في معنى التقوى، وحقيقة المتَّقي، وذكر ضمن هذِه الأقوال أقوالاً لعلماء الصوفية الأوائل في ذلك.
موقف الثعلبي من التفسير الإشاري:
جعل الثعلبي ﵀ التفسير الإشاري أساسًا من الأسس التي بنى عليها تفسيره "الكشف والبيان" فقد ذكر في مقدمته أنَّه بنى كتابه على أربعة عشر أساسًا، وعدَّ منها: الحِكم والإشارات.
وذكر الثعلبي ضمن مصادره في "تفسيره" تفسير شيخه أبي عبد الرحمن السلمي المسمَّى "حقائق التفسير"، ويعد من أشهر التفاسير الإشاريَّة، وذكر الثعلبي أنَّه قرأ هذا التفسير على شيخه أبي عبد الرحمن السلمي، وأقرَّ له به (١).
ولم يقتصر الثعلبي على "حقائق التفسير" بل نقل عن تفاسير إشارية أخرى، كـ "تفسير القرآن العظيم" لسهل التستري، وتفسير "لطائف الإشارات" للقشيري.
стр. 208
ومن أمثلة التفسير الإشاري في تفسير "الكشف والبيان" ما يأتي:
- عند قوله تعالى: في أول سورة البقرة: ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ذكر عددًا من الأقوال في معنى الآية فقال ضمن ذلك: وقال أهل الإشارة: ألف: أنا، لام: لي، ميم: منِّي. وقال بعضهم: ألف: أفرِد سرَّك لي انفراد الألف عن سائر الحروف، واللام: ليِّن جوارحك لعبادتي، والميم: أقم معي بمحو رسومك وصفاتك أزيِّنك بصفات الأنس بي والقرب منِّي.
- وعند قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]. قال: وقال أهل الإشارة: أوفوا بعهدي في دار محنتي على بساط خدمتي بحفظ حرمتي، أوف بعهدكم في دار نعمتي على بساط كرامتي بقُربي ورؤيتي.
- عند قوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] قال: قال أهل الإشارة: رفع الواسطة إظهارًا للقدرة.
- عند قوله ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] قال: قال أهل الإشارة: ذكرهم الله تعالى سفر الآخرة، وحثهم على التزود للدارين؛ فإن التقوى زاد الآخرة.
- عند قوله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال: وقال أهل الإشارة: أمر الله تعالى بالصدقة على لفظ القرض إظهارًا لمحبته لعباده المؤمنين، وذلك أنه إنما يستقرض من الأحبة.
- عند قوله تعالى ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠]
стр. 209
ينقل عن أبي الحسن الأقطع أنه قال: فظاهر الآية ما ذكره أهل التفسير، وباطنها أن إبراهيم ﵇ أمر بذبح أربعة أشياء في نفسه بسكين الإياس، كما ذبح في الظاهر الأربعة الأطيار بسكين الحديد، فالنسر مثل لطول العمر والأمل، والطاوس: زينة الدنيا وبهجتها، والغراب: الحرص، والديك: الشهوة.
- عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] يستطرد في ذكر الأقوال، إلى أن قال: وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ يعني: ملك النفس حتى تغلب هواه، وتنزع ملك النفس ممن تشاء حتى يغلبه هواه فيتخذه إلها. يذكر ذلك متمما بأبيات شعرية فيها عبرة وذكرى فيقول:
ملكت نفسي فذاك ملك ... ما مثله في الأيام ملك
فصرت حرًا بملك نفسي ... فما لخلق عليّ ملك
- وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [آل عمران: ٢٧] قال: وقال أهل الإشارة: يخرج الحكمة من قلب الفاجر حتى لا تسكن فيه، والسقطة من لسان العارف.
- وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] يستطرد في ذكر الأقوال في معنى التوكل وحقيقته، وينقل عن سهل بن عبد الله التستريّ الصوفيّ وعن ذي النون المصريّ الزاهد، وعن إبراهيم الخوّاص أحد شيوخ الصوفية، وعن ابن الفوجيّ،
стр. 210
وعن الروذباري، وعن الجنيد شيخ الصوفية، وعن بهلول المجنون، وعن أبي حاتم الأصمّ الزاهد، وعن الدبيلي، وعن أبي يزيد البسطامي معاني متعددة من كل ما يمكن استنباطه من الوعظ والإرشاد.
- وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] قال: قال أصحاب اللسان في هذِه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ عند قيام النفير على احتمال الكرب، ﴿وَصَابِرُوا﴾ على مقاساة القنى والتعب، ﴿وَرَابِطُوا﴾ في دار أعدائي بلا هرب، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بهمومكم من الالتفات إلى السبب ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ غدًا بلقائي على بساط القرب. وقال السريّ: اصبروا على الدنيا رجاء السلامة. . .، فذكر قوله.
- في تفسير قوله سبحانه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] قال ﵀: قال يحيى بن معاذ ﵀: طهر قلبك من مرض الخطايا وأشغال الدنيا؛ تجد حلاوة العبادة، فإن من لم يصن الجسم لا يجد شهوة الطعام.
- وفي تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ [المدثر: ٣٩] نقل قول الحكيم الترمذي: هم الذين اختارهم الله تعالى لخدمته، فلم يُدخلهم في الرهن؛ لأنهم خدام الله وصفوته، وكسبهم لم يضرهم.
- وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] نقل عدة نقول لأهل السلوك والإشارة، فراجعها إن شئت. وكذلك عند قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].
стр. 211
- عند قول الله تعالى: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦] قال ﵀: قال أهل الإشارة: إنما قال (ربك الكريم) دون سائر أسمائه وصفاته؛ لأنه لقَّنه الإجابة حتى يقول: غَرّني كرم الكريم.
- وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ [الفجر: ٣] نقل لأبي بكر الوراق من أقوال الصوفية.
ومما ينبغي أن يذكر في خاتمة الكلام عن التفسير الصوفي الإشاري وموقف الثعلبي منه: أنَّ الثعلبي رغم أنه نقل عن الصوفية، وبعض شيوخه منهم، ورغم أنه ضمَّن كتابه مجموعة من التفاسير الإشارية، إلا أنه رغم ذلك يبدو أنه ﵀ كان متحرِّيًا في هذِه النقول، إذ خلا تفسيره من التفسير الصوفي النظري الباطني، كما أنَّه لم يتَّبع شيخه السلمي في ما أخطأ فيه وانتقده بسببه العلماء، كما أن الثعلبي صان تفسيره من التأويلات الرمزيَّة والإشارية التي تخالف مقاصد اللغة العربية، خاصةً إذا تجاوزنا ما ذُكر في أوائل السور من الأقوال التي قلَّ من لا يذكرها من المفسِّرين (١).
стр. 212
ثانيًا: علوم القرآن
يُعرَّف علوم القرآن باعتباره فنًّا مدوَّنًا بأنه: مباحث تتعلق بالقرآن الكريم من ناحية نزوله وجمعه وقراءاته وتفسيره وناسخه ومنسوخه وأسباب نزوله ومكيَّه ومدنيِّه ونحو ذلك (١).
وممَّا يجدُر ذكرُه أنَّ الثعلبي من أقدَم من ألَّف في علوم القرآن، وذلك في كتابه "الكامل في علوم القرآن" وهو كتاب مفقود ذكره الواحدي في مقدمة كتابه "البسيط" وذكر أنَّه قرأه على مؤلفه أبي إسحاق الثعلبي (٢).
وهذا يدل على أنَّ الثعلبي له يد طولى، وقدم راسخة في هذِه العلوم، فلا غَرْوَ بعد ذلك أن يبسط هذِه العلوم في تفسيره.
وعلوم القرآن كثيرةٌ جدًا أوصلها الزركشي في "البرهان" إلى سبعةٍ وأربعين نوعًا، والسيوطي في "الإتقان" إلى ثمانين نوعًا.
وقد ذكرنا منها طرفًا في طرق التفسير عند المصنف، ونتناول هنا إن شاء الله بقية المباحث.
أ- أسماء السور (٣)
يعتني الثعلبي ببيان أسماء السورة إن كان لها عدة أسماء. ويذكر
стр. 213
الدليل على الاسم وسبب التسمية، والتعليل لذلك.
فبعد أن فرغ من تفسير سورة الفاتحة عقد فصلًا في أسماء هذِه السورة، وهي عشرة: فاتحة الكتاب، وسورة الحمد، وأم الكتاب والقرآن، والسبع المثاني، والوافية، والكافية، والأساس، والشفاء، والصلاة، وسورة تعليم المسألة.
ويستدل على هذِه الأسماء من السنة، وأقوال الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. ويذكر العلل لهذِه الأسماء ويستشهد في ثنايا ذلك بالشعر.
ب- عدد آيات السورة، وكلماتها وحروفها
اهتم العلماء بعدد آي القرآن، وألفوا في ذلك عدة مصنَّفات، منهم أبو عمرو الداني، وأبو عبد الله الموصلي، وعلى بن محمد الغالي.
وذكر العلماء لهذا العلم عدة فوائد، من أبرزها ترتُّب بعض الأحكام الفقهية على معرفته (١).
ويمتاز "الكشف والبيان" بذكر عدد آيات السورة، وكلماتها، وحروفها.
وعلماء البصريين، والكوفيين والشاميين وغيرهم تكلموا في هذا الموضوع قديمًا، ولكن الاعتناء بهذا النوع، وتقديمه بهذا الشكل
стр. 214
الذي قدمه لنا الثعلبي لا يوجد قبله (١).
حتى إنَّ الإمام أبا عمرو الداني (ت ٤٤٤ هـ) الذي يعد من أقدم العلماء الذين كتبوا في عدد الآيات في كتابه "البيان في عبد آي القرآن" كان متأخرًا عن الثعلبي مما يفيد أنَّ الإمام الثعلبي كان رائدًا في هذا الباب.
وقد اهتمَّ الثعلبي في تفسيره بذلك، حيث نراه يصدِّر كلَّ سورة بذكر عدد حروفها، وكلماتها، وآياتها.
ففي أول تفسير سورة البقرة قال: سورة البقرة: مدنية، هي خمسة وعشرون ألفًا وخمس مئة حرف، وستة آلاف ومئة وإحدى وعشرون كلمة، ومئتان وست وثمانون آية في العدد الكوفي، وفي عدد أمير المؤمنين علي ﵁.
جـ- المكي والمدني
معرفة المكي والمدني من أهم العلوم المتعلقة بالقرآن الكريم، وهي من الأمور التي لا يستغني عنها المفسِّر لكتاب الله العظيم، فبمعرفة هذا العلم يمكن التمييز بين الناسخ والمنسوخ، كما يستعان بهذا العلم في تفسير القرآن الكريم؛ إذ إنَّ معرفة مكان النزول يعين على فهم المراد بالآية ومعرفة مدلولاتها (٢). لذلك جعل أبو القاسم
стр. 215
ابن حبيب -شيخ الثعلبي- هذا العلم من أشرف علوم القرآن (١).
وقد اعتنى العلماء بهذا العلم وأفرده جماعة بالتأليف، منهم مكي ابن أبي طالب، والعزُّ الدريني، ولا تكاد تجد مؤلَّفًا في علوم القرآن إلا ويتضمن المكي والمدني (٢).
وكذلك المفسِّرون لا تجد تفسيرًا إلا وفيه بيان المكي والمدني بين مقل ومكثر، متوسع ومقتضب.
وفي مقدمة هؤلاء المفسرين أبو إسحاق الثعلبي حيث اعتنى في تفسيره "الكشف والبيان" بهذا النوع، وأولاه عناية كبيرة، ولذلك نراه قبل أن يفسِّر الآية يُبيِّن هل هي مكية، أم مدنية؟ وإذا كان في تعيين ذلك خلاف ساقه، وذكر الأقوال فيه.
ففي أول تفسير سورة الفاتحة: ذكر الخلاف فيها هل هي مكية، أم مدنية؟ وروى الآثار في ذلك بإسناده. حيث روى بإسناده عن علي، وابن عباس أنها نزلت بمكة. وذكر أن هذا قول أكثر العلماء.
ودلَّل على هذا القول بحديث عمرو بن شرحبيل قال: إنَّ أول ما نزل من القرآن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢] الحديث. ثم روى بسنده عن مجاهد أنَّ الفاتحة نزلت في المدينة. وذكر ردَّ العلماء على مجاهد في قوله هذا (٣).