← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

وقال عكرمة: نزلت في تحويل القبلة لمَّا حولت إلى الكعبة، أنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ وجوهكم أيها المؤمنون في سفركم وحضركم ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (أي: وجهة الله) (١) التي (٢) وجهكم إليها، فاستقبلوها. يعني: الكعبة (٣). وقال أبو العالية: لمَّا صرفت القبلة إلى الكعبة عيَّرت اليهود المؤمنين في انحرافهم من بيت المقدس، فأنزل الله تعالى هذِه الآية جوابًا لهم (٤).

стр. 1507

وقال عطاء (١) وقتادة: نزلت في النجاشي (٢)، وذلك أنه تُوفي فأتى جبريل ﵇ فقال: "إنَّ أخاكم النجاشي قد مات فصلُّوا عليه"، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : كيف نصلِّي على رجل مات (٣) وهو يصلي إلى غير قبلتنا، وكان النجاشي يصلي إلى بيت المقدس حتى مات، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٤). وقال مجاهد والحسن والضحاك: لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٥) قالوا (٦): أين ندعوه؟ فنزلت ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾

стр. 1508

مِلكًا وخلقًا ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ أي: تحولوا وجوهكم، فهناك (١) ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ " (٢). قال الكلبي والقتيبي: معناه: فثمَّ الله يعلم ويرى، والوجه صِلةٌ، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ (٣) أي: يريدونه بالدعاء، قوله (٤): ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٥) أي: إلا هو، وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ (٦) أي: يبقى ربك، وقوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ (٧) أي: الله (٨).

стр. 1509

وقال الحسن ومجاهد (١) وقتادة ومقاتل بن حيان: فثَمَّ قبلة الله، أضافها إلى نفسه تخصيصًا وتفضيلًا، كما يقال: بيتُ الله، وناقة الله، والوجه والجهة والوجهة: القبلة (٢).

стр. 1510

﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ قال الكلبي: يعني: واسمع المغفرة لا يتعاظم (١) مغفرتَه ذنبٌ (٢). دليله قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (٣). وقال أبو عبيدة (٤): الواسع: الغنيّ، يقال: (يعطي من سَعَةٍ) (٥)، أي: من غنى، قال الله : ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٦) (٧). وقال الفراء: الواسع الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء (٨). دليله:

стр. 1511

قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١) (٢). وقيل: الواسع: العالم الذي يسع علمُه كلَّ شيء، قال الله : ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٣) أي: علمه (٤).

стр. 1512

٤٠ - ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾، واختلفوا فيه فقال بعضهم: هو جبريل ﵇ (١)، وقيل: هو ملك من الملائكة أيّد الله به نبيه سليمان ﵇ (٢). وقال آخرون: بل كان رجلًا من بني آدم (٣). ثم اختلفوا فيه، فقال أكثرُ (٤) المفسرين: هو آصف بن برخيا بن سمعيا (٥) بن ميكيا، وكان صدّيقًا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دُعِيَ

стр. 1513

﴿سُبْحَانَهُ﴾ نزَّه وعظّم نفسه ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ عبيدًا وملكًا. ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ قال عطاء ومجاهد والسدي: مطيعون (١). دليله: قوله : ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ (٢). وقال عكرمة ومقاتل ويمان: مقرُّون له (٣) بالعبودية (٤). وقال ابن كيسان: قائمون بالشهادة (٥).

стр. 1514

وأصل القنوت القيام (١). سئل رسول الله ﷺ : أي الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت" (٢). وقيل: مصلُّون. دليله قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ الآية (٣). وقال رسول الله ﷺ : "مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت الصائم" (٤) أي: المصلي.

стр. 1515

وقيل: داعون. دليله قوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١). واختلف العلماء في حكم هذِه الآية، فقال بعضهم: هو خاص، ثم سلكوا في تخصيصه طريقين: أحدهما (٢): هو راجعٌ إلى عزير والمسيح والملائكة، وهذا (٣) قول مقاتل ويَمَان (٤). والوجه الثاني: قالوا: هو راجع إلى أهل طاعته دون الناس

стр. 1516

أجمعين، وهذا قول ابن عباس (١) والفرَّاء (٢). وقال بعضهم: هو عام في جميع الخلق. ثم سلكوا في الكفار الجاحدين طريقين أحدهما: أنهم (٣) قالوا: إن ظلالهم تسجد لله وتطيعه، وهذا قول مجاهد (٤)، دليله قوله تعالى: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ﴾ الآية (٥)، وقال تعالى: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (٦). والثاني: قالوا: هذا في يوم القيامة، قاله السُّدِّي (٧). وتصديقه قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ (٨). * * *

стр. 1517

١١٧ - قوله : ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مبدعهما (١) ومنشئهما من غير مثال (٢) سبق ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أي (٣): قدره وأراد خلقه؛ وأصل القضاء: إتمام الشيء وإحكامه. قال أبو ذؤيب: وَعَليهِما مَسْرُودَتانِ قَضَاهُما. . . داودُ أو صَنَعُ السَوَابِغِ تُبَّعُ (٤)

стр. 1518

﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ١١٨ - وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: اليهود، قاله ابن عباس (١). وقال مجاهد: هم النصارى (٢). وقال قتادة: هم مشركو العرب (٣).

стр. 1519

﴿لَوْلَا﴾ أي: هلّا ﴿يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ أي: عيانًا بأنك رسوله ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ دلالة وعلامة على صدقك. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني (١): كفار الأمم الخالية ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: أشبه بعضها (٢) بعضًا في الكفر والقسوة ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾: (يفقهون) (٣). ١١٩ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾: يا محمد ﴿بِالحَقِّ﴾ أي: بالصدق، من قولهم: فلان محق في دعواه إذا كان صادقًا، دليله قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ﴾ (٤) أي: صدق. وقال مقاتل: معناه: لم (٥) نرسلك عبثًا بغير شيء بل (٦) أرسلناك بالحق (٧). دليله قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٨) وهو ضد الباطل.

стр. 1520

وقال ابن عباس: بالقرآن (١) دليله قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ (٢). وقال ابن كيسان: بالإسلام (٣) دليله قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ (٤). وقوله: ﴿بَشِيَرَا﴾ أي: مبشرًا لأوليائي وأهل طاعتي بالثواب الكريم ﴿وَنَذِيرًا﴾ أي: منذرًا مخوفًا لأعدائي وأهل معصيتي بالعذاب الأليم. قوله : ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: وذلك أن النبي ﷺ قال ذات يوم: "ليت شعري ما فعل أبواي" فنزلت هذِه الآية (٥).

стр. 1521

وقال مقاتل: هو أن النبي ﷺ قال: "لو (١) أنزل الله تعالى بأسه

стр. 1522

باليهود لآمنوا"، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ (١). وفيه قراءتان: بالجزم على النهي، وهي قراءة نافع وشيبة والأعرج ويعقوب (٢) ووجهها القول الأول في سبب نزول الآية. وقرأ الباقون بالرفع على النفي، يعني: ولست بمسئول عنهم (٣). دليلها: قراءة ابن مسعود: (وَلَنْ تُسْأَلَ) وقرأ (٤) أُبي بن كعب: (وما تُسألُ عن أصحاب الجحيم ولا تُؤاخذ بذنْبِهم) (٥). وَالجَحِيم والجَحْمَ والجحمة: معظم النار (٦).

стр. 1523

١٢٠ - قوله ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ وذلك أنهم كانوا يسألون النبي ﷺ الهُدْنَةَ (ويُطْمِعُونهُ ويُرونه) (١) أنه (٢) إن هَادنهُم وأمهَلهُم اتبعوه ووافقوه؛ فأنزل الله هذِه الآية (٣). وقال ابن عباس: هذا في القبلة؛ وذلك أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النبي ﷺ إلى قِبلتِهِم، فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة شق ذلك عليهم وأيِسُوا منه أنْ يوَافقهُم على دينهم فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (٤) أي: دينهم وقبلتهم. وزعم الزجاج أن الملَّةَ مأخوذة (٥) من التأثير في الشيء كما تُؤَثِّرُ الملَّةُ في الظلمة (٦).

стр. 1524

﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي: مرادهم ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: البيان بأن دين الله (١) هو الإسلام، وقبلة إبراهيم هي الكعبة ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. ١٢١ - قوله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ (قال ابن عباس) (٢): نزلت في أهل السفينة الذين قدموا مع جعفر ابن أبي طالب (٣) كانوا أربعين رجلًا: اثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من رهبان الشام منهم بحيرا (٤).

стр. 1525

وقال الضحاك: هم من آمن من اليهود: عبد الله بن سلام، وشعبة (١) بن عَمْرو، وتمام بن يَهُوذَا، وأُسَيْدُ وأسَدُ ابنا كعب، وابن يامين، وعبد الله بن صُوريا (٢). وقال (قتادة و) (٣) عِكْرِمَةَ: هم أصحاب محمد ﷺ (٤). وقيل: هم المؤمنون عامة (٥). ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ﴾ قال الكلبي: يصفونه في كتبهم حق صفته لمن

стр. 1526

سَأَلَهُم من الناس (١). وعلى هذا القول تكون الهاء راجعة إلى محمد ﷺ . وقال الآخرون (٢): هي عَائِدَة إلى (٣) الكِتَاب (٤). ثم اختلفوا في معنى قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾: [٣٠٠] فأخبرنا محمد بن عبدوس (٥) قال: أنا محمد بن المؤمل (٦) قال: نا الفضل بن محمد (٧) قال: نا خلف بن هشام (٨) قال: نا عبد الوهاب (٩)، عن سعيد (١٠)، عن قتادة (١١) قال: بلغنا أن ابن مسعود (١٢) قال (١٣) في قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: يُحِلُّونَ حلالَهُ، ويحرِّمُون حَرَامهُ، ويقرءونه كما أُنْزِل، ولا يُحَرِّفُونَه

стр. 1527

عن مواضعه (١). وقال الحسن: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويَكِلُون عِلْمَ مَا أشْكَل عليهم إلى عالمه (٢). وقال مجاهد: يتَّبِعُونَه حق اتباعِهِ (٣) ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.

стр. 1528

١٢٢ - قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١). ١٢٣ - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ١٢٤ - قوله : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾: قرأ أبو الشعثاء جابر بن زيد (٢): (إِبْرَاهِيْمُ) رفعًا (رَبَّهُ) نصبًا على معني دعا وَسَأَلَ، فقيل له: من أين لك هذا؟ قال: أقرأنيه ابن عباس (٣). وهذا غير قوي؛ لأجل الباء في قوله: ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾. وقرأ الباقون بالضد (وجعلوه بمعنى الابتلاء أي: الاختبار والامتحان) (٤) والأمر، وهو الصحيح.

стр. 1529

وفي ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ أربع لغات: قرأ ابن الزبير (إبرهام) بألف واحدة (١) بين الهاء والميم. وقرأ أبو بكرة (٢) (إبراهيم) (٣)، وكان زيد بن عَمْروٍ يقول في صلاته: عذت بما عاذ به إبراهمُ. . . إذ قال: وجهي لك عانٍ راغمُ (٤). وقرأ ابن عامر (٥) (إبراهام) بألفين.

стр. 1530

وقرأ الباقون ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ (١). قال يحيى بن سعيد الأنصاري: اقرأ (إبرَاهَامَ) و ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ فإن الله أنزلهما كما أنزل يعقوب وإسرائيل وعيسى والمسيح ومحمدًا وأحمد. واتَّبَعَ ابن عَامِرٍ مصحفه، فإنه مكتوب في مصاحف أهْل الشام بالألف، وفي غيرها بالياء (٢). و﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ اسم أعجمي معرفة فلذلك لا يُجرى (في الإعراب) (٣)، وهو إبراهيم بن تارح بن ناحور بن ساروع بن أرغو بن فالع بن عابر بن سالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح (٤). واختلفوا في مسكنه، فقال بعضهم: كان مولده بالسُّوس من أرض الأهواز. وقيل: با بل، وقيل: كُوْثَى من سواد (٥) الكوفة، وقيل:

стр. 1531

كَسْكَر، وقيل (١): حران. ولكن أباه نقله إلى بابل أرض نمروذ بن كنعان (٢). واختلف العلماء في الكلمات التي ابتُلي بها إبراهيم: فقال عكرمة عن ابن عباس: هُنَّ (٣) ثلاثون سهْمًا وهي (٤) شرائع الإسلام لم يُبْتَلَ أحد بهذا الدِّين فأقامه كلَّهُ (٥) إلا إبراهيم

стр. 1532

عليه السَّلام أتَمَّهُنَّ فكتب له البراءة، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ (١) وهي عشر في سورة (٢) براءة: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ إلى آخرها (٣)، وعشر (٤) في الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى آخرها (٥) وعشر (٦) في المُؤْمِنِينَ (٧) و ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ (٨) ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾، وقوله (٩): ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ (١٠). وروى طاوس عن ابن عباس قال: ابتلاه الله بعشرة أشياء (هُنَّ من) (١١) الفطرة والطَّهَارَةِ، بخمسٍ (١٢) في الرأس وخمسٍ في

стр. 1533

الجسد؛ فالتي في الرأس: قصُّ الشارب، والمَضْمَضَةِ والاستنشاق، والسواك، وفَرَق (١) الرأس، والتي في الجسد: تقليم الأظفار، ونَتْفُ الإبط، وحلق العانة، والخِتَان، والاستنجاء بالماء (٢). وقال مجاهد: هن الآيات التي بعدها في (٣) قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ إلى آخر القصة (٤). وقال الربيع وقتادة: مناسك الحج (٥).

стр. 1534

وقال الحسن: سبعة (١) أشياء: ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس فأحسن في ذلك؛ وعلم أن ربه دائم لا يزول؛ وابتلاه بالنار فصبر على ذلك؛ وابتلاه بالهجرة فصبر على ذلك؛ وابتلاه بذبح ابنه (٢) فصبر على ذلك؛ وابتلاه (٣) بالختان فصبر على ذلك (٤). وقال سعيد بن جبير: هي قول إبراهيم وإسماعيل إذ يرفعان (٥) البيت: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ الآية (٦)، فرفعاها بسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر (٧). وقال يمان: هي محاجَّتُهُ (٨) قَوْمَهُ، قال الله : ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ (٩) إلى قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ (١٠).

стр. 1535

وقال أبو روق: هي قوله ﵇: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)﴾ إلى آخر الآيات (١) (٢). وقال بعضهم: هي أن الله تعالى ابتلاه في ماله وولده ونفسه وقلبه (٣)، فسلَّم ماله إلى الضيفان، وولده إلى القربان، ونفسه إلى النيران، وقلبه إلى الرحمن، فاتخذه خليلًا (٤). وقيل (٥): هي (٦) سهام الإسلام وهي (٧) عشرة: شهادة أن لا إله إلا الله وهي الملة، والصلاة وهي الفطرة، والزكاة وهي الطهرة، والصوم وهو الجُنَّة، والحَجُّ وهو الشريعة، والغَزْو وهو النُّصْرَة، والطاعة وهي العِصْمَةَ، والجماعة وهي الأُلْفَة، والأمر بالمعروف وهو الوفاء، والنهي عن المنكر وهو الحُجَّةَ (٨).

стр. 1536

﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾: قال قتادة: أداهنَّ. وقال الربيع: وَفى بهنَّ. وقال الضحاك: قام بهن. وقال يمان: عمِلَ بِهِنَّ (١). قال الله : ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ﴾: يا إبراهيم ﴿لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾: يُقْتَدى بك، وأصله من الأَمّ وهو: القصد ﴿قَالَ﴾: إبراهيم ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي: ومن أولادي أيضًا فاجعل أئمةً يُقْتَدى بهم. وأصل الذُّرِّية: الأولاد الصغار مشتق من الذَّرّ لكثرته؛ وقيل: مِنَ الذَّرْءِ: وهو الخَلْقِ، خفف الهمزة وأدخل التشديد عوضًا من الهمز كالبرية. وقيل: من الذرو (٢). وفيها ثلاث لغات: ذِرِّيةٌ بكسر الذال، وهي قراءة زيد بن ثابت. وذَرِّيةٌ (بفتح الذال) (٣) وهي قراءة أبي جعفر (٤).

стр. 1537

وذُرِّية بضمة، وهى قراءة العامة. قال الله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾: (لا يصيب عهدي الظالمين) (١) وفيه ثلاث قراءات: (عهدي الظالمون) وهي قراءة ابن مسعود وطلحة بن مصرف (٢). و﴿عَهْدِى﴾ مرسلة الياء وهي قراءة أبي رجاء والأعمش وحمزة (٣). و(عَهْدِيَ الظَّالِمِينَ) بفتح الياء، وهي قراءة العامة. واختلفوا فى هذا العهد: فقال عطاء بن أبي رباح: رَحْمَتِي (٤).

стр. 1538

وقال الضحاك (١): طاعتي. دليلهما قوله : ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (٢). وقال السدي: نُبُوَّتِي (٣) (وقيل: ميثاقي) (٤). دليله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ (٥). وقال مجاهد: ليس للظالم (٦) أن يُطَاعَ في ظلمه (٧).

стр. 1539

وقال أبو حذيفة: إِمَامَتِي (١). دليله قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (٢). وقال أبو عبيدة (٣): أمَانِي. دليله قوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (٤). وقيل: أيْمَانِي. دليله قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾

стр. 1540

الآية (١). ١٢٥ - قوله : ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ يعني: الكعبة مثابةً مرجعًا؛ والمثاب والمثابة واحد كالمقام والمقامة (٢). وقال ابن عباس: يعني: معاذًا وملجأ (٣). وقال سعيد بن جبير ومجاهد والضحاك: يثوبون إليه من كل جانب ويحجون ولا يملون منه، فما من أحد قصده وإلا وهو يتمنى العود إليه (٤). وقال قتادة وعكرمة: مجمعًا (٥).

стр. 1541

وقرأ طلحة بن مصرِّف: (مثاباتٍ) على الجمع (١). ﴿وَأَمْنًا﴾ يعني: مأمنًا يأمنون فيه. قال ابن عباس: فمن أحدث حدثًا خارج الحرم، ثم لجأ إلى الحرم أمِنَ مِنْ أنْ يُهَاج فيه، ولكن لا يُئْوى ولا يُخَالَط ولا يُبَايَع، ويوكل به، فإذا خرج منه أقيم عليه الحد، ومن أحدث في الحرم أقيم عليه الحد فيه (٢). قوله : ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قرأ شيبة وابن عامر ونافع والأعرج والحسن وابن أبي إسحاق وسلام: (واتَّخَذوا) بفتح الخاء على الخبر، وقرأ الباقون بالكسر على الأمر (٣). قال ابن كيسان: ذكروا أن رسول الله ﷺ مرَّ ومعه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله؛ أليس هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: "بلي" قال: أفلا نتخذه مصلي؟ قال: "لم أؤمر بذلك" فلم تغب الشمس من يومهم

стр. 1542

حتى نزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ " (١). [٣٠١] أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن (إبراهيم بن محمد) (٢) ابن يحيى (٣) بقراءتي عليه، قال: أنا أبو الفضل عبدوس بن الحسين بن منصور (٤) سنة إحدى وثلاثين وثلث مئة، قال: نا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي (٥)، قال: نا محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري (٦)، قال: حدثني حميد الطويل (٧)، عن أنس بن مالك (٨) قال: قال عمر بن الخطاب: وافقني ربي في ثلاث، قلت: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلي، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقلت: يا رسول الله صلى الله عليك (٩)، إنه يدخل عليكم البر والفاجر، فلو حجبت أمهات المؤمنين! فأنزل الله تعالى آية الحجاب، قال:

стр. 1543

وبلغني شيء كان بين أمهات المؤمنين وبين النبي ﷺ فاستقريتهن أقول: لتكفن عن رسول الله ﷺ أو ليبدلنه الله (١) أزواجًا خيرًا منكن، حتَّى أتيت على آخر أمهات المؤمنين، فقالت أم سلمة: يا عمر، أمَا في رسول الله ﷺ ما يعظ نساءه حتَّى تعظهن؟ ! فأمسكت، فأنزل (٢) الله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ (٣) الآية (٤).

стр. 1544

واختلفوا في قوله: ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾: فقال إبراهيم (١) النخعي: الحرم كله مقام (٢). وقال يمان: المسجد كله مقام إبراهيم (٣). وقال قتادة ومقاتل والسدي: (هو الصلاة عند مقام إبراهيم) (٤) وأمروا بالصلاة عنده، ولم يؤمروا بمسحه ولا تقبيله (٥).

стр. 1545

وأما قصته وبدء أمره: فروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أتى إبراهيم بإسماعيل وهاجر فوضعهما بمكة وأتت على ذلك مدة ونزلها (١) الجُرْهُمِيُّونَ (٢) وتزوج إسماعيل ﵇ امرأةً منهم. وماتت هاجر، فاستأذن إبراهيم ﵇ سارة أن يأتي هاجر (٣)، فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل، فقدم إبراهيم ﵇ وقد ماتت هاجر، فذهب إلى بيت إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحِبُكِ؟ قالت: ليس هو (٤) هاهنا، ذهب يتصيد -وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيصيد ثم يرجع- فقال لها إبراهيم: هل عندك من (٥) ضيافة؟ هل عندك من (٦) طعام أو شرابٍ؟ قالت: ليس عندي شيء (٧) وما عندي أحد؛ فقال لها إبراهيم: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له: فليغِّير عتبة بابه. وذهب إبراهيم، فجاء إسماعيل ووجد ريح أبيه، فقال لامرأته:
следующие страницы →